نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الثاني والعشرون
الرّئيسية > مكتبة على الخطّ > الرّماح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل الثاني والعشرون


في إعلامهم أنْ لا بدّ لكلّ مريد صادق أن يقتصر على قدوة واحد ، ولا يتشوّف ويلتجئ إلى غيره ، ولا يزور وليّا من الأولياء الأحياء والأموات
أقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق ، إعلم أنّ الاقتصار على شيخ واحد لا يتعدّاه إلى غيره شرطٌ لازمٌ في طريق أهل الله ، ولا بدّ لكلّ مريد صادق التزامه وإلاّ فلا سبيل له إلى الوصول البتّة إلاّ أن تدركه عناية ربّانيّة بِسَبْق محبّةٍ إلهيةٍ .
قال سّيدي أحمد بن المبارك في الإبريز :
وسمعته ، يعني القطب عبد العزيز ، يقول رضي الله تعالى عنه : إنّ العبد لا ينال معرفة الله حتّى يعرف سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم ، ولا يعرف سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم حتّى يعرف شيخه ، ولا يعرف شيخه حتّى يموت الناس في نظره فلا يراقبهم ولا يراعيهم ، فَصَلِّ عليهم صلاة الجنازة وانزع من قلبك التشوّف إليهم .
وقال في موضع آخر : فإنّ المريد لا يجيء منه شيء حتّى لا يكون بقلبه غير الشيخ والله تعالى والرسول صلّى الله عليه وسلّم .
وقال في موضع آخر : وسرّه لا يطيقه إلاّ مَن كان فخّاره صحيحا بأنْ يكون صحيح الجزم ، نافذ العزم ، ماضي الإعتقاد ، لا يُصغى لقول أحد من العباد ، قد صلّى على ما عدا شيخه صلاته على الجنازة .
وقال صاحب الرائية :
ولا تَقْـدُمْ مِن قبل اعتقـادك أنّـه      مُـرَبٍّ ولا أوْلى بها منه في العصـر
فـإنّ رقيـب الإلتفـات لغـيـره      يقـول لمحبـوب السراية لا تسـري
وقال في الإبريز :
قال الشيخ عبد العزيز رضي الله تعالى عنه : أيّ لا تقدمَنّ على شيخ بقصد الدخول في محبّته حتّى تعتقد أنّه مِن أهل التربية ، وأنّه لا أحقّ منه بها في زمنه . وإنّما وجب عليه ذلك لأنّ الشيخ الذي يرى من مريده الإلْتِفات إلى شيخٍ غيره يقطع عنه المادّة ، والمريد الذي يدخل في صحبة شيخ وهو يرى أنّ في الوجود شيخا مثل شيخه وأكمل منه يبقى متشوّقا إلى ذلك الأكمل في اعتقاده ، فيراه شيخه متشوفا إلى ذلك الأكمل عنه في اعتقاده فيقطع عنه المادّة فلا يكون بالأوّل ولا بالثاني . قال : وقد رأينا مثل هذا في زماننا كثيرا والله يكون لنا وليّا ونصيرا .
وفي الباب الأحد والثمانين ومائة من المفتوحات المكيّة للشيخ محيي الدين بن العربي الحاتمي رضي الله تعالى عنه :
إنّما كان المريد لا يفلح قَطّ بين شيخين قياسا على عدم وجود العالم بين إلَهَيْنِ ، وعلى عدم وجود المكلّف بين رسولين ، وعلى عدم وجود امرأة بين رجلين . اهـ .
وقال في الخلاصة المرضيّة :
واعلم أنّ الاحتياج إلى شيخ واحد من وجوه لا تكاد تنضبط أو تدخل تحت الحصر ، وَذَكَرَ منها : أنّ الطرق إلى الله تعالى كثيرة ، وقد تعلّق كلّ شيخ بطريقة لا يتعدّاها ولا يخلطها بغيرها ليثبت الطالب على طريقة ، ويمكنه أن يواظب عليها ، ولا يتشوّش همّه ، تارة يميل إلى هذه وتارة يميل إلى تلك فيكون مِن قبيل المُذَبْذَبِين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء . والمبتدي غير مستقلّ بالاختيار ، وعلى فرَض الاختيار ليس في وسعه الثبات عليه فإنّ الولاية في باطنه للنفس والشيطان ، فإذا شرع في طريقه والتعلّق بها زيّن له الشيطان طريقة أخرى ، وتساعده النفس وتُبَيِّنُ له بالبرهان أنّها أفضل من هذه ، ومقصوده أن يزيله عن الأولى . فإذا زال واشتغل بأخرى زيّن له أخرى ، إلى أن يميل الطالب وتسكن حرارة طلبه فيرجع القهقرى . وإذا كان في حصن الشيخ وحُسْنِ ولايته فالشيخ يحفظ أحواله بقوّة ولايته المستفادة من قوّة الحضرة النبويّة ، ويثبّته عليها بهمّته الصافية وكلامه المؤثر النافذ ، فيرى بنور ولاية الشيخ أنّ الداخل عليه شيطان فيضعف الخاطر إذِ الشيطان لا يقوم في مقابلة نور ولاية الشيخ .
وقال بعد هذ الكلام : قال الشيخ جبريل الحزماباذي رحمه الله تعالى : ويتعيّن ربط القلب من الشيخ من طريق الإرادة والمحبّة فتعلم أنّك في حمايته وولايته وظِلّ رعايته في جميع الأوقات فتمسك بهذه الطريقة بأمره وإرشاده ، والله تعالى يحفظ أوقاتك وأحوالك بواسطته ، ويكون باطنك متوجّها إليه . فالأصل اتّصال الباطن وقوّة الرابطة حتّى لو قام أرواح الأولياء بإعنتك وتربيتك ، وأرادوا أن يتصرّفوا فيك ، لا يمكنهم لئلاّ نصير من قبيل المذبذبين بين ذلك . اهـ .
وقال قبل هذا الكلام : ومِن شرْطِ المريد أن لا يبقى في نفسه مقدار لكلّ شيء إلاّ لشيخه خاصة ، ومتى كان عند المريد تتطلّع إلى شيخ آخر فلا تصفو محبّته ، ولا ينفذ القول فيه ، ولا يستعدّ با طنه لسراية حال الشيخ ، فإنّ المريد كلّما أيقن بتفرّد الشيخ عرف قدره وفضله ، وقوِيَتْ محبّته . والتأليف هو الواسطة بين الشيخ وبين المريد ، وعلى قدرة المحبّة يكون سراية الحال . فاحترام الشيخ توفيق وهداية وإهمال ذلك خذلان وعقوق ، فدوامْ ربْطَ القلب بالشيخ بالإعتقاد والإستمداد على وصف التسليم والمحبّة والتحكيم واجب ، ويكون في اعتقاده أنّ هذا المظهر هو الذي عيَّنَه الحقّ سبحانه للإفاضة عليه ولا يحصل له فيض إلاّ بواسطته دون غيره ولو كانت الدنيا مملوءة بالمشايخ . اهـ .
وقال الشيخ زين الدين الخوافي رضي الله تعالى عنه :
قد ورد في بعض الأحاديث ، على ما أثبتته المشايخ في كتبهم ، أنّ الشيخ في قومه كالنبيّ في أمّته ، فلا بدّ للمريد أن يتوجّه إلى شيخه بربط قلبه معه ، ويعتقد أنّ القبض لا يجيء إلاّ بواسطة ، وإنْ كان الأولياء كلّهم هادين مُهتدين ، يعتقدهم كلّهم ويدعو لهم ، ولكن استمداده الخاصّ واستفادته يكونان من شيخه وحده ، ويعلم أنّ استمداده من شيخه هو استمداده من النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنّه نائبه وهو من الحقّ سبحانه وتعالى جلّ اسمه ، سُنّة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لِسُنّة الله تبديلا . اهـ .
وقال شيخ الطريقة ، الجامع بين الشريعة والحقيقة ، السيّد المختار الكنتي رضي الله تعالى عنه ، لمّا سئل :
" هل يُخلّ بإرادة المريد أن يزور الصالحين الأحياء والأموات أو أحدهما فقط " ، أنّه إن كانت زيارته رغبة عن شيخه أو احتقارا له فذلك ممّا يُخِلّ بإرادة ، ويكون سببا لحرمانه وعدم الإنتفاع بجميعهم ، لأنّ ما جاز عن المثل يجوز على مماثله ، بل لو رآه على معصية فنقص ذلك من نيّته واعتقاده لكان ذلك سببا لهلكته كما نَصَّ على ذلك جميع مشايخ السلف واتّفقوا عليه ، وجُرِّبَ وصَحَّ . اهـ . وليس لذي جدال وخصومة تمسّك بقوله .
وأمّا على وجه التواصل وطلب الخير فلا قائل يمنع ذلك ، ولا أنّه يضرّ به ، وإنّما ذلك مِن مُحدثات القرن التاسع حين كثرت الدعوى ، وغلب الهوى ، وعمّ البلاء ، وكثرت البدع ، وانتشر الفساد ، لأنّا نقول : أنّه رضي الله تعالى عنه قال في غير هذا المحلّ : والإطّراح بين يدي الشيخ في الظعن والمقام بحيث لا تملك معه نفسا ولا مالا في البدء والإختتام ، وحُسْن التعلّق به في الهمّ والإهتمام ، والإستغناء به عن جميع الآنام ، وفي هذا المحلّ مكتوب حتّى ترى أنّ الله لم يخلق غيره في وقتك . ونقول أيضا : أنّ التواصل في الله وفي الرحم ممّا أجمع المسلمون على وجوبه والتعليم واستماع الوعظ ونحوهما من الخير .
وشيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به لم يَنْهَ أهل طريقته عن شيء ممّا ذُكِرَ وإنّما نهاهم عن الزيادة المعلومة بالقصد المعلوم ، فهو والشيخ المختار وغيرهما مِن الشيوخ رضي الله تعالى عنهم أجمعين مجمعون على المنع من تلك الزيارة .
وإذا تقرّر هذا فلا يتوجّه هذا الكلام إلاّ على مَن عَمّ من الشيوخ منع مَن كان مِن المريدين الصادقين المجدّين المهيمين من زيارة غير شيخه مطلقا ، ومِن حضور مجلس غير شيخه ، ومِن سماع كلامه كالخلوتية وأمثالهم .
قال العارف بالله تعالى الشيخ أحمد الدردير في تحفة الإخوان :
والخلاف في بعض آداب أهل العرفان ، فالآداب التي تطلب من المريد في حقّ الشيخ أوجبها تعظيمه وتوقيره ظاهرا وباطنا ، إلى أن قال : وتقديمه على غيره ، وعدم الإلتجاء لغيره من الصالحين ، ولا يزور وليّا من أهل العصر ولا صالحا ، اللّهم إلاّ بإذنه ، ولا يحضر مجلس غير شيخه ، ولا يسمع مِن سواه حتّى يتمّ سَقْيُهُ مِن ماء سرّ شيخه وخطابي بهذا الصادقين المجدّين المهيمين لا كلّ من تلقّى الذكر عليه بِقَصْدِ التبرّك . ومن أراد من المشايخ قصر كلّ مَن لقّنه الذكر عليه فهو مخطئ ، ويعلم بذلك أنّه ليس بشيء في طريق الله تعالى . اهـ .
إنْ قلتَ : قد يتمسّك بعض القاصرين في العلم أو في الفهم أو فيهما ، أو بعض الحسدة المردة الذين ينكرون حسدا وعنادا بقوله : لا كلّ مَن تلقّى الذكر بقصد التبرّك ومن أراد من الأشياخ الخ ...
قلتُ : لا يتمسّك بهذا الكلام إلاّ مَن لا عقل له لوجوده .
أوّلها : أنّ الشيخ قد يعطي قاصده من الطلبة أذكارا من غير الأذكار اللازمة للطريقة ، ومن غير أذكار الخصوص ، ونحن نفعل ذلك والحمد لله .
ثانيها : أنّ قوله " وخطابي بهذا الصادقين " يردّ هذا المنكر لأنّه حيث جعل من ينتسب إلى شيخ ويتلقّى منه الأذكار ويتعلّق به ثمّ قصد غيره لزيارته والأخذ منه والتبرّك به غير صادق في دعواه والإنتساب إلى الأوّل وصحّة الأخذ منه فقد حصل مرادنا .
وثالثها : أنّا قدّمنا أوّلا أنّ شيخنا رضي الله عنه وأرضاه وعنّا به لم يعمّم المنع لأنّه ما منع أحدا من أهل طريقته من التعلّم من جميع الأولياء والعلماء ، ومن حضور مجالسهم ، ولا مِن استماع مواعظهم وكلامهم ، ولا من التواصل في الله وفي الرحم ، ومع هذا كلّه فنحن والحمد لله معاشر الطريقة الأحمدية المحمدية الإبراهيمية التجانية لا ننكر على من عمّم من الشيوخ رضي الله تعالى عنهم لأنّهم ما نَهوْا وما أَمروا إلاّ عن إذنٍ ومشاهدةٍ لأنّهم أهل صدق ولا ينطقون إلاّ بما يشاهدون ، ويأخذون عن الله تعالى وعن رسوله صلّى الله عليه وسلّم الأحكام الخاصّة للخاصّة لا مدخل فيها للعامّة لأنّه صلّى الله عليه وسلّم يُلقي الأحكام العامّة للعامّة في حياته ، إذا حرّم شيئا حرّمه على الجميع وإذا فرض شيئا فَرَضَه على الجميع ، وهكذا سائر الأحكام الشرعية . فلمّا انتقل إلى الدار الآخرة ، وهي كحياته صلّى الله عليه وسلّم سواء ، صار يُلْقي إلى أمّته الأمر الخاصّ للخاصّ ولا مدخل لأمر العام للعام فإنّه انقطع بموته صلّى الله عليه وسلّم . قاله شيخنا أحمد التجاني رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به ، كما في جواهر المعاني .
وقال ابن عطاء الله رضي الله عنه في مفتاح الفلاح :
والكامل أن يأخذ ويمسك إن شاء ويعطي إن شاء ، فإنّه مع ما يلقى الله إليه في الحكم كصورة التلميذ بشيخه ، فكما لا يُعترَض على التلميذ في الفعل الذي يأمره به شيخه ، كذلك لا يُعترَض على الشيخ فيما يفعله بإذن عن الله إذا كان شيخا حقيقيّا . اهـ .
قلتُ : ويؤيّد هذا الكلام أنّ جميع أهل الفتح يشاهدون الملائكة ، والكامل بينهم ينزل عليه مَلَكٌ بالأمر والنهي ، ولا يلزم من ذلك أن يكون ذا شريعة .
قال الشيخ أحمد بن المبارك في الإبريز :
أنّه سأل شيخه عبد العزيز بن مسعود الدبّاغ رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى : وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (1) ، هل تدلّ الآية على نبوّة السيّدة مريم ؟ وهل ما قيل من نبوّة غيرها من النساء كأمّ موسى وآسيا امرأة فرعون ، وسارة وهاجر وحوّاء صحيح أم لا ؟ لأنّ مِنَ العلماء مَنْ ذهب إلى الأوّل ، ومنهم مَنْ ذهب إلى الثاني ، وحكى بعضهم الإجماع عليه في السيّدة مريم فيكون غيرها أحرى ، ومنهم مَن توقّف كالشيخ الأشعري رئيس أهل السُنّة والجماعة . واستدلّ الأوّلون بأنّ الملك لا ينزل إلاّعلى النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، وقد صرّحت الآية بنزوله على مريم ، وجعلوا هذا فارقا بين النبيّ والوليّ ، فقالوا : النبي ينزل عليه الملك والوليّ يُلهم ولا ينزل عليه الملك .
وذَكَرَ أنّ شيخه قال رضي الله عنهما : أنّ الصواب مع أرباب القول الثاني ، وهو نفي النبوّة عن نوع النساء ، ولم تكن لله نبوّة في ذلك النوع أبدا ، وإنّما كانت مريم صدّيقة . والنبوّة والولاية وإنِ اشتركتا أنّ كُلاّ منهما نور وسرّ من أسرار الله عزّ وجلّ ، فَنُورُ النبوّة مباين لنور الولاية ، وما به المباينة لا يُدرَك على الحقيقة إلاّ بالكشف ، غير أنّ نور النبوّة أصل أصليّ ذاتي حقيقي مخلوق مع الذات في أوّل نشأتها ، ولذا كان النبيّ معصوما في كلّ أحواله ، ونور الولاية بخلاف ذلك لأنّ المفتوح عليه إذا نظر إلى من سيصير وليّا يرى ذاتا وسائر الذوات ،وإذانظر إلى ذات من سيصير نبيّا رأى نور النبوّة في ذاته سابقا ، ورأى تلك الذات مطبوعة على أجزاء النبوّة السابقة التي سبقت في حديث « إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف » ، ، فيكون صاحبها مطبوعا على قول الحقّ ولو كان مرّا ، وعلى الصبر الذي لا يحسّ معه بألم ، ولا تكون معه كلفة ، وعلى الرحمة الكاملة ، وعلى معرفة الله عزّ وجلّ على الوجه الذي ينبغي أن تكون المعرفة عليه ، وعلى الخوف التامّ منه عزّ وجلّ خوفا يمتزج فيه الخوف الباطنيّ بالخوف الظاهريّ حتّى يدوم له الخوف في سائر أحواله ، وعلى بُغض الباطل بُغضا دائما ، وعلى العفو الكامل حتّى يًَصِلَ مَنْ قََعَهُ وينفع مَنْ ضَرَّه ، فهذه هي خصال النبوّة وأجزاؤها السبعة التي تطبع عليها ذات النبيّ قبل الفتح وبعده . وأمّا ذات الوليّ فإنّها قبل الفتح مِنْ جملة الذوات ليس فيها شيء زائد ، فإذا فُتِحَ عليها جاءتها الأنوار ، فأنوارها عارضة ، ولذا كان الوليّ غير معصوم قبل الفتح وبعده ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في الفرق بين النبيّ والوليّ مِنْ نزول المَلَكِ وعدمه فليس بصحيح ، لأنّ الولي لا بدّ أن يشاهد الملائكة بذواتهم على ما هُمْ عليه ، ويخاطبهم ويخاطبونه ، وكلّ مَن قال أنّ الوليّ لا يشاهد الملك ولا يكلّمه فذلك دليل على أنّه غير مفتوح عليه . اهـ .
ثمّ قال الشيخ أحمد بن المبارك : قلت ، وكذا قال الحاتمي رحمه الله تعالى في الفتوحات المكيّة في الباب الرابع والستين وثلاثمائة : خَلَطَ جماعة من أصحابنا ، منهم الإمام أبو حامد الغزالي ، في قولهم في الفرق بين النبيّ والوليّ ، أنّ النبيّ ينزل عليه المَلَكُ والوليّ يُلْهَمُ ولا ينزل عليه الملك ، قال : والصواب أنّ الفرق فيما ينزل به الملك ، فالوليّ إذا نزل عليه الملك فقد يأمره بالإتّباع ، وقد يخبره بصحّة حديث ضعّفه العلماء ، إلى أنْ قال الشيخ أحمد : إذا فهمتَ كلام الشيخ رضي الله تعالى عنه في الفرق السابق علمتَ أنّ ما استصوبه الحاتمي رحمه الله تعالى في الفرق غيرُ ظاهرٍ لأنّ حاصله أنّ الوليّ لا يتنزّل عليه الملك بالأمر والنهي ، ويلزم منه أنْ يكون ذا شريعة كما في قصّة مريم ، فإنّ المَلَك نزل عليها بالأمر وليست نبية . اهـ .
قلتُ : وإذا كان المفتوح عليه على هذه المرتبة فلا يستبعد أن يكون منعه أهل طريقته عن زيارة الأولياء إِذْنا مِنَ الله تعالى ، ومِن رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، بواسطة مَلَكٍ من الملائكة .
وقال الشعراني في أوّل الطبقات :
ثمّ أنّ العبد إذا دخل طريق القوم ، وتبحّر فيه ، أعطاه الله هناك قوّة الاستنباط نظير الأحكام الظاهرة على حدّ سواء ، فيستنبط في الطريق واجبات ، ومندوبات ، ومحرّمات ، ومكروهات ، وخلاف الأوْلى ، نظير ما يفعله المجتهدين . وليس إيجاد مجتهد باجتهاده شيئا لم تصرّح الشريعة بوجوبه أوْلى مِن إيجاب وليّ الله تعالى حُكْما في الطريقة لم تصرّح الشريعة بوجوبه ، كما صرّح بذلك اليافعي وغيره . وإيضاح ذلك أنّهم كلّهم عُدُول في الشرع ، اختارهم الله تعالى لدينه ، فمَن دقّق النظر عَلِمَ أنّه لا يخرج شيء من علوم الله تعالى عن الشريعة ، وكيف تخرج علومهم عن الشريعة وهي وصلتهم إلى الله عزّ وجلّ في كلّ لحظة ، لكن استغراب من لا له إلمام بأهل الطريقة أنّ علم التصوّف علم الشريعة كونه لم يتبحّر في عِلْم الشريعة . اهـ .
وقال الشعراني في البحر المورود في المواثيق والعهود :
أخذ علينا العهد أن لا نمنع أحدا قَطّ عن زيارة أحد أقراننا ، ومشايخ عصرنا إلاّ إنْ عَلِمْنا من طريق الكشف ، الذي لا يدخله محو ، أنّ فَتْحَهُم لا يكون إلاّ في بلدنا وعلى أيدينا ، فحينئذ نمنعهم مِن زيارة غيرنا مِنَ الاشياخ ، تقريبا للطريق عليهم لا حُبّا للرياسة على الناس ، فإنْ لم نعلمْ أنّ فَتْحَهُم يكون على أيدينا فليس لنا مَنْعُهم . قال : وكان سيّدي عليّ الخوّاص رحمه الله تعالى يقول : ما زكّت الأكابر أنفسها إلاّ ليقرّبوا الطريق على أتباعهم وتلامذتهم لا غير ، كما قال صلّى الله عليه وسلّم : « أنا أوّل شافع وأوّل مشفّع » لتعلم أمّته أنْ لا أحد يشفع قبله فيأتونه أوّلا ولا يذهبون إلى نبيّ بعد نبيّ كغيرهم مِنَ الأمم ، أو ممّن لا يبلغهم .
قال : وهذا الأمر مِن الشيخ في حقّ أكابر أصحابه الذين يُفرّقون بين المقامات ، أمّا ضعفاء الحال فنقيّدهم علينا حتّى لا يذهبوا لغيرنا لأنّهم كالبهائم السارحة . اهـ .
قلتُ : هذا فصل المقال لأنّ كلام الشيخ الشعراني هذا ناصر لشيخنا مطلقا ولو عمّم المنع ، لكن شيخنا رضي الله تعالى عنه لم يعمّم المنع إذْ لم يَنْهَهُم عن جميع ما قدّمنا .
ووجه كوْنه ناصرا لشيخنا أنّه قال : " أنّ الشيخ يمنع ضعفاء الحال من زيارة غيره مطلقا " إذا علم أنّ فتحهم لا يكون إلاّ على يديه أم لا ، ويمنع أكابر أصحابه الذين يفرّقون بين المقامات إذا علم من طريق الكشف الذي لا يدخله محو أنّ الفتح عليه ما يكون إلاّ على يديه ، ومتى حصل له ذلك العلم فله منْعُه مِن زارة غيره من الأولياء ، ومع هذا كلّه ، فَقَد حصل لشيخنا هذا العلم القطعيّ في حقّ جميع أهل طريقته ضعفاء الحمال الذين هم والعوام منهم ، والأكابر الذين يفرّقون بين المقامات مِن جهة جدّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .
قال في جواهر المعاني :
وأمّا أتباعه رضي الله تعالى عنه فقد أخبره سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم أنّ كلّ مَن أحبّه فهو حبيب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ولا يموت حتّى يكون وليّا قطعا ، وأمَرَهُ أنْ ينهى أصحابه عن زيارة الأولياء الأحياء منه والأموات ، وكلّ مَن زار منهم ينسلخ عن طريقته ، وذَكَرَ صلّى الله عليه وسلّم له رضي الله عنه أنّ مَنْ تَرَكَ أوراده تحلّ به العقوبة ، ويأتيه الهلاك . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به ، قال لي رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم مسألة غَفَلَ عنها الشيوخ ، وهي كلّ مَن عرف شيخا وزار غيره لا ينتفع به ولا بغيره أصلا .
وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : قال لي سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم : إذا مرّ أصحابُك بأصحابي فليزوروهم فقط ، وأما غيرهم من الاولياء فلا . اهـ .
وقال في الخلاصة المرضيّة :
ويجب على الشيخ أن لا يترك أصحابه يزورون شيخا آخر ، ولا يجالسون أصحابه ، فإنّ المضرّة سريعة للمريدين لأنّ لكلّ شيخ طريقة تخصّه لا يتعدّاها ولا يخلطها بغيرها ، فيسمع المريد أصحاب ذلك الشيخ يذكرون عن شيخهم خلاف ما أمر به شيخه ، فيختلف عليه الأمر ، فيوقعه . فوجب على الشيخ سدّ هذا الباب على المريدين . ويتخيّل الناس والمريدون غير الصادقين أنّ الشيخ إنّما يمنع أصحابه من زيارة الشيوخ ومجالسة أصحابهم من أجل رياء وحسب ، وهذا كلّه باطل وافتراء على الشيوخ .
قلت : ومِن هنا تعلم أنّه لا ينكر على شيخ منع أصحابه وأهل طريقته من زيارة الأولياء فقط ، ويشدّد على ذلك الإنكار ويبالغ فيه إلاّ مَن كان مِنَ الأغبياء الجهلة الذين يعتقدون أنّ زيارة الأولياء كلّهم واجبة إجماعا أو في مذهب من المذاهب ، ولم يعلموا أنّ غاية ما قيل فيها الجواز والإستحباب إنْ سلمت مِن محرّم أو مكروه بَيِّنٍ في أصل الشرع كاجتماع الرجال والنساء وتلك الأمور التي تحدث هناك ، ولم يعلموا أنّ تضليلهم مَنْ مَنَعَ أصحابه مِن زيارة الأولياء لأسرار يعلمها يجرّهم إلى الكفر لأنّهم نسبوا أولياء الله تعالى والعارفين وإمام أئمة دار التنزيل مالك بن أنس إلى الضلال ، وكفاهم بذلك مِن الله تعالى خسرانا ، إذْ قد رُوِيَ عن مالك أنّه قال : لا يُتوسّل بمخلوق أصلا ، وقيل إلاّ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم . أنظر تأسيس القواعد للشيخ أحمد زرّوق رضي الله عنه . وإذا علمتَ أنّ الزيارة جائزة أو مستحبّة فاعلم أنّه لا اعتراض على شيخ مَنَعَ مريده عن فِعْلِ مباح مثلا .
قال في لواقح الأنوار القدسيّة في العهود المحمديّة :
فإيّاك يا أخي أن تبادر إلى الإنكار عليه إذا رأيت أحدا منهم يأخذ العهد على مريد بتركه المباح وتقول كيف يأخذ العهد على مريده بتركه المباح مع أنّ الشارع أباحه له ، فإنّك في واد وأهل الله في واد . اهـ .
قلت : وبما قدّمنا من كلام السادات الأولياء يعلم كلّ من له أدنى علم ومعرفة أنّه لا ينكر على الأولياء في أمرهم المريد بالإقتصار على قدوة واحدة ، ونهيهم من انتسب إلى طريقهم عن زيارة الأولياء ، إلاّ مَن لا خلاق له في طريق أهل الله ، بل لا ينكر عليهم ذلك إلاّ من لم تبلغ قراءته باب الصيام في مختصر الشيخ خليل ، وإن بلغه فقد نادى على نفسه بالجهل وقلّة الفهم على رؤوس الأشهاد حيث لم يفهم قوله وفي النقل بالعمد الحرام ولو بطلاق بت الألوجه كوالد وشيخ ، ولم يعلم أنّ المراد بالشيخ شيخ في الطريقة أخذ المريد على نفسه العهد أنّه لا يخالفه ، وألْحَقَ بعضهم به شيخ العلم الشرعيّ . أنظر شرح الدرديري وغيره .
حكى القشيري في رسالته :
أنّ شقيقا البلخي وأبا تراب النخشبي قد قدم على أبي يزيد ، وقُدِّمتْ السفرة وشابّ يخدم أبا يزيد ، وقال شقيق : " كُلْ معنا يا فتى " ، فقال : أنا صائم ، فقال : أبو تراب ولك أجر صوم شهر ، فأبى ، فقال شقيق : كُلْ ولك أجر صوم سنة ، فأبى ، فقال أبو يزيد : دعوا مَن سقط من عين الله ، أخذ ذلك الشابّ بعد مدّة وقطعت يده بسرقة . اهـ .
ولذا كان الشيخ في الطريق إذا أمَرَ مريدا شَرَعَ في صوم تطوّع صار تمامه واجبا عليه في بعض المذاهب أن يفطر لأنّه يتعيّن عليه الفطر عند أهل الطريق قاطبة ، ويجوز عند علماء الظاهر ، ويكون به رابحا ، وإنْ أبى خاب وخسر وافتضح كما وقع للشاب ، فما ظنّك إذا منَعَه عن فِعْلِ أمْرٍ غايته الجواز والإستحباب . ومع هذا كلّه فإنّ ساداتنا الأولياء لم يكن فيهم واحد مَنَعَ الناس كلّهم من الزيارة ، لا مَنْعَ تحريم ولا كراهة ، وحاشاهم من ذلك ، وإنّما كلامهم مع المنتسبين إليهم ومَن أراد الإنتساب إليهم ، وما منعوا المنتسبين إليهم أيضا من الزيارة مطلقا بل مِنَ زيارة الأولياء فقط .
وفي لواقح الأنوار القدسية :
سمعتُ سيّدي عليّا المرصفي يقول : لا ينبغي لمريد أن يزور ولا يُزار لِغَلَبَة الآفات عليه . فلا هو مرصد للتربية ليُقتدَى به ولا المَزُورُ مُعَدّ لتربيته ، وربّما سمع مِن ذلك الشيخ الذي زاره كلمة موافقة لهواه فتُسَرُّ بها نفسُه . قال : وأراد سيّدي محمد الشنّاوي زيارة شخص مِنْ مشايخ عصره فشاور شيخه الشيخ محمد بن أبي الحمايل رحمه الله تعالى ، فنظر إليه شزرا وقال : يا محمد لا ينبغي لمريد أن يأخذ عن شيخ إلاّ إذا عَلِمَ أنّه يكفيه مِن جميع الناس ، فإن كنتُ لا أكفيك فكيف تقيّدتَ عَلَيَّ في الظاهر وباطنك بخلافه ، فقال : يا سيّدي التوبة ، فتاب . اهـ .
وإلى معنى جميع ما تقدّم أشار كلام الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به ، كما في جواهر المعاني ، حيث قال :
ومِن الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده أن لا يُشرك في محبّته غيره ، ولا في تعظيمه ، ولا في الإستمداد منه ، ولا في الإنقطاع إليه بقلبه ، ويتأمّل ذلك بشريعة نبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، فإنّ مَنْ سوّى رتبة نبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم برتبة غيره مِنَ النبيّين والمرسلين في المحبّة والتعظيم والإستمداد والإنقطاع إليه بالقلب والتشريع فهو عنوان على أن يموت كافرا إلاّ أن تدركه عناية ربانية بِسَبْقِ محبّة إلهية ، فإذا عرفتَ هذا فليكن المريد مع شيخه كما هو مع نبيّه صلّى الله عليه وسلّم في التعظيم والمحبّة والإستمداد والإنقطاع إليه بالقلب ، فلا يُسوِّي به غيره ولا يشرك .
قلت : ولولا خوف التطويل لَجَلَبْنَا في هذا المقام ما لا يَسَعُه إلاّ تأليف ، وفي ما ذكرناه كفاية لكلّ موفَّق سعيد ، وأمّا غيره فكما قال فيه مولانا : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (2)
والله تعالى الموفِّق بِمَنِّهِ للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .


<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة آل عمران ، الآيتان 42 ، 43 .
  2. سورة الكهف ، الآية 17 .