نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الثالث والعشرون
الرّئيسية > مكتبة على الخطّ > الرّماح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل الثالث والعشرون


في إعلامهم بأنّ الوالد المعنويّ الذي هو الشيخ أرفع رتبة ، وأوْلى بالبِرِّ والتوقير ، وأحقّ رعاية ، وآكد دراية ، وأقرب حسبا ، وأوصل نسبا من الوالد الحِسيّ .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق ، قال الإمام أبو القاسم القشيري رضي الله تعالى عنه ، في شرحه على أسماء الله الحسنى عند قوله وأمّا قولُه " البرّ " : فهو اسم من أسمائه تعالى قال الله تعالى إنّه هو البرّ الرحيم ، والبرّ معناه المُحسِن ، وإحسانه تعالى لا يُحصى ، ويُقال فلانٌ برّاً بأبويْه . وفي الخبر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال : « رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين » . قيل أنّ الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه امتنع مِنَ الأكل مع والدته ، فقالت له في ذلك ، فقال : أخشى أن يقع بصرُكِ على شيء وأسبقكِ على أخْذِهِ ولا أشعر فأكون عاقّا لكِ ، فقالت : يا بنيّ كُلْ معي وأنتَ في حلّ . وأنشدوا :
عليـك ببـرّ الوالـديـن  فـإنّـه     يقِيـكَ مِـنَ الأسـواء يا طالـب البـرّ
لقد طـال ما فاضـوا عليك مـودّة     وقد طـال ما نالـوك ما كان مِنْ  خيـر
ومن  قارن الرحمن بالشكر شكـره     فحَـقٌّ على ذي الشكر أن يألف الشكـر
ويحكى عن أبي يزيد أنّه قال : كنتُ في ابتداء إرادتي صبيّا ولِي دون عشرة سنين ، فكان لا يأخذني النوم بالليل ، وكنتُ أصلّي ، فأقسمَتْ علَيَّ والدتي ليلةً أنْ أبيتَ معها في الفراش وأنام ، ولم أُرِدْ مخالفتها فنمتُ مع والدتي ، وكانت يدي تحت جنبها لم أخرجْها مخافة أنْ تنتبِهَ ، ولم يأخذْني النوم ، فقرأتُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عشرة آلاف مرة ، ثمّ تحرّكتْ وانتبهتْ ، فلم تعمل يدي مدّة . وقيل في المعنى :
تمسّكْ بشكر الله والْزمْه دائما     وإصلاح ذاتِ البَيْنِ يا طالب النجَا
وألْزم بِرَّ الوالديْن فإنّه     من أركان هذا الدين كهف ومُلْتجَا
به أمَرَ الرحمن جلّ جلاله     بادِرْ إلى ما قال بالحقّ والرجا
رأى موسى عليه السلام رجلا عند ساق العرش فتعجّب مِنْ عُلُوِّ مكانه ، فقال : يا ربّ بما بلغ هذا ، قال : كان هذا لا يحسد أحدا وكان برّا بوالديْه . وأنشدوا :
إذا أنت لم تغفَلْ عنِ الشكر دائما     وصلْتَ إلى الرحمن والروح والرضا
والْزم أباك الشكر بعد ثنائه     فما لي أرى يا صاح قلبَك مُعْرِضَا
ثمّ قال : واعلم أنّ برّ الأصاغر من تلامذة الشيوخ والأساتيذ يكون أكثر مِن برّهِمْ لوالديْهم لأنّ الوالد يحمي ولدَه من آفات الدنيا والشيخ يحمي تلميذه من آفات الآخرة ، والأب يربّي ولده بِاللُّقْمَةِ الفانية والشيخ يربّي تلميذه باللقمة الدائمة . وفي ذلك شعر :
فررت للرحمن ممّا جنتْ يدي     وأولي أولي الألباب من مهجتي فضلا
هُمْ خير خلق الله فأنعم بقربهم     وقرّ بهم عينا وأكرم بهم نزلا
فحيّاهم الرحمن كلّ تحيّة     فأكرم بهم فرعا وأكرم بهم أصلا
وقال غيره
لئن كنت بَرّا فزت بالبرّ والتقى     ووافيت تقوى الله في السرّ والجهر
وفزت مع الأبرار في كلّ موطن     وذاك سرور دائم أبدا يسري
وفي لواقح الأنوار القدسيّة في العهود المحمّديّة : أخذ علينا العهد العامّ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن لا نتهاون بمخالفة الوالدين لأغراض الدنيا ولو مباحة فنعدّها كأنّها واجبة أو مندوبة ، ونتجنّب كلّ ما يكرهونه من حرام أو مكروه ، وذلك أنّ الشارع لم يذكر للعقوق ضابطا يرجع إليه وإنّما ذكر أن لا نخالفهم فيما يطلبونه منّا . ويحتاج العامل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ صادق حقّ حتّى يعرّفه مقام الوالدين عند الله تعالى .
ثمّ قال واعلم يا أخي أن لا فرق في النهي عن مخالفة الوالدين بين والد الجسم ووالد القلب ، بل مخالفة والد القلب أشدّ لأنّه ينقذه من النار أو ممّا يقرّب من النار ، وأمّا والد الجسم فإنّه كان سببا في إيجاده في أسفل المراتب ، فإنّه أوجده كالطينة أو كالحديد المصداة ، فلم يزل والد القلب يلطّفه حتّى صار كالبلّوْر الأبيض أو كالذهب المصفّى . وأيضا قالوا أبُ القلب كان سببا في مجاورته لأهل حضرة لله تعالى من الأنبياء والملائكة والشهداء والصالحين . وسمعت سيّدي عليّ الخواص يقول : " لا يقدر أحد أن يجازي شيخه على تعليمه أدبا واحدا في الطريق ولو خدمه ليلا ونهارا إلى أن يموت " اهـ .
قلت : والفرق بين شفقه الشيخ على التلميذ وبين شفقة الوالد على الولد جليّ ظاهر لأنّ الشيخ يدلّ التلاميذ على طريق السداد ويسلك بهم سبيل النجاة والرشاد ويجنّبهم عن طريق الشرّ والفساد ، فأين هذه الشفقة من شفقة الوالدين على ولدهما التي غايتها الموت ولا بد منه . وشفقة الشيخ على التلاميذ ممّا يوجب الطرد والإبعاد والعطب أبد الآباد ، وما أحسن قول القائل :
فضل المعلّم قدرٌ ليس يبلغه     حُنُوّ أُمٍّ ولا يحويه فضْل أب
فذا يدبّر في الدنيا معيشته     وذا يمكّنه من أرفع الرُّتَب
وقال في العرائس عند قوله تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا : " ومن الوالدين المشايخ الصوفيّة ، وإحسان المريدين إليهم وضْع أعناقهم عند ساحتهم بنعت ترْك مخالفتهم في جميع الأنفاس مع نشر فضائلهم عن الخلق والدعاء لهم بمزيد القرب . وقال : قال الجنيد : أمرني أبى بأمرٍ ، وأمرني السريّ بأمر ، فقدّمْتُ أمْر السريّ على أمر أبي ، وكلّ ما وجدتُ فهو من براكاته " . اهـ .
وقال عند قوله تعالى : وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا : الإحسان بالوالدين إحترامهما وإجلالهما بإحترام الله تعالى وإجلاله . وأشياخ الطريقة والدون لأهل الإرادة ، والاحسان بهم متابعةُ أمْرهم لمحبّة الله تعالى .
وقال عند قوله تعالى يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ : وأيضا يَدْعُ المريدين بأسماء مشايخهم ويدعوهم إلى منازلهم . اهـ .
قلت : ودعاؤهم في ذلك اليوم الشديد الذي تذهل فيه كلّ مرضعة عمّا أرضعت بأسماء المشايخ دون أسماء الآباء والأمّهات يكفي دليلا على ارتفاع رتبة المشيخة التي هي الولادة المعنويّة على رتبة الولادة الجسميّة التي هي ولادة الآباء والأمّهات ، فوارد القلب إذا أرفع رتبة من والد الجسم ، وممّا يدلّ أنّ رتبة ولد الجسم دون رتبة والد القلب أنّ ولادة الجسم تفتقر إلى ولادة والد القلب ، وولادة والد القلب لا تفتقر إلى ولادة والد الجسم ، ولا ينفع والد الجسم ولده إلاّ إذا اتّصل ببعض الشيوخ ولو قل ، ورزق الوالد إتّباع الوالد ولكنه لم يلحق مرتبة الوالد فيلحق الله الولد بدرجة الوالد الروحيّ لأنّه من جهة ولادة القلب المنضمّ مع القرابة . ويدلّ على ذلك أنّ الآباء والأمّهات يلحقون بدرجة الأبناء ، لذلك قال في السراج المنير عند قوله تعالى وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ : ألحقنا بهم تفضّلا ذرّيتهم وإن لم يكن لذريّة أعمال لأنّه لعينٍ يجازي ألف عينٍ وتُكرم . قال والذرّيات هنا تصدق على الآباء وعلى الأبناء ، وإنّما المؤمن إذا كان عمله أكثر أُلْحِقَ به مَنْ دونه في العمل آباءً كانوا أو أبناءً وهو منقول على ابن عباس وغيره . ويلحق بالذريّة من النسب الذريّة بالسبب ، وهي المحبّة ، فإنْ كان معها أخْذ علم أو عمل كانت أجدر ، فتكون ذريّة الإفادة كذريّة الولادة لقول صلّى الله تعالى عليه وسلّم : « المرء مع من أحبّ » في جواب من سأل عمّن يحبّ ولم يلحق بهم . هو يؤيد ما تدّقم أنّ صاحب العرائس قال عند قوله تعالى آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا : أشكل الأمر من تلك الطائفتين أيّهما تبلغ إلى درجة الولاية والمعرفة الموجبة مشاهدة الله وقربه التي لو وقعت ذرّة منها لأحد من هذه الأمّة لنَجَوْا بشفاعته من الناس سبعون ألفا بغير حساب أيّ ، أخدموا آباءكم وأرحموا أولادكم فربّما يخرج منهم صاحب الولاية يشفع لكم عند الله تعالى . قال وحكمة الإبهام هاهنا لتشمل الرحمة والشفقة على الجمهور لتوقّع ذلك الوليّ الصادق . قال : قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : " لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا أطوعكم لله عزّ وجلّ من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة لأنّ الله سبحانه وتعالى يُشَفِّع المؤمنين بعضهم في بعض ، فإنْ كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله والديه إلى درجته لتقرّ بذلك عينه ، وإنْ كان الوالد أرفع درجة من والده رفع الله الولد إلى درجته لتقرّ بذلك أعينهم . اهـ . ويشهد لما قلنا أيضا أن صاحب العرائس قال عند قوله تعالى وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ : هذا إذا وقعت فترة الذريّة من العدم سليمة طيّبة طاهرة مستعدّة لقول معرفة الله ولم تتغيّر من تأثير صحبة الأضداد ، لقوله عليه السلام : « كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يعرب عنه اللسان فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه » . فإذا بقيت على النعت الأوّل وصل إليها فيضُ مباشرةِ نورِ الحقِّ ولم يتمّ عليها الأحوال والأعمال ليوصلها الله تعالى إلى درجات آبائهم وأمّهاتهم الكبار من المؤمنين إذ هناك تمّ أرواحهم وعقولهم وقلوبهم ومعرفتهم وعلمهم بالله عند كشف مشاهدته وبروز أنوار جلاله ووصاله . قال وكذلك حال المريدين عند العارفين يبلغون إلى درجات كبراهم وشيوخهم ، فآمنوا بأحوالهم وقبلوا كلامهم كما قال رويم قدّس الله تعالى روحه : " مَن آمن بكلامنا من وراء سبعين حجابا فهو من أهله " ، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : « من أحبّ قوما فهو منهم » ، وقال سبحانه وتعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ . ولا تعجب من ذاك فإنّه تعالى يبلغهم إلى أعلى الدرجات ، فإذا كانوا في منازل الوحش يَصِلُون إلى الدرجات العليا فكيف لا يَصِلُون إليها في مقام الوصلة . اهـ .
قلت : ومن جهة اعتبار ولادة الجسم فقط قال مولانا سبحانه وتعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا ، ومن جهة انضمام ولادة القلب مع ولادة الجسم قال مولانا سبحانه وتعالى : وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، وهذا صريح في رفع الورد من درجات الوارد ، وأمّا رفع المريد أو التلميذ إلى درجة الشيخ ، فإمّا لولادة القلب وإمّا لكون الولد إذا كان صالحا أو وليّا وكان الوالد من كبار الأولياء فانضمّت ولادة الجسم إلى ولادة القلب فإنّ مرتبته لا يلحقها غيره غالبا إلاّ أنّه عزيز الوجود ، فلذلك قلّ أن يُرى وليّ كبير أو عالم عامل متبحّر متضلّع من جميع العلوم ابن عالم كذلك حتّى ضرب العلماء لِقِلَّتِه المثل لكلّ ما لا يوجد لعزّته ولما ذكرنا ، قال ابن عطاء الله رضي الله تعالى عنه في لطائف المنن ، لمّا ذكر ولادة الجسم وولادة القلب ، قال : " إنّ تلك الأبوّة تفتقر إلى هذه ، وهذه لا تفتقر إلى تلك " . كما سيأتي في آخر هذا الفصل إن شاء الله تعالى . وقال في الخلاصة المرْضِيّة : " فالمشايخ لمّا اهتدوا وأُهِّلُوا للإقتداء بهم وجُعِلُوا أئمّة للمتّقين فيسوس الشيخ نفوس المريدين كما يسوس نفسه من قبل بالتأليف والنصح ، فبذلك يصير المريد كالجزء من الشيخ كما أنّ الولد جزء من الوالد في الولادة الطبيعيّة ، وتصير هذه الولادة الثانية ولادة معنويّة كما ورد عن عيسى عليه السلام : ( لن يلج ملكوت السماء من لم يولد مرّتيْن ) . وصدق اليقين على الكمال يحصل لهذه الولادة وإبهام يستحق ميراث الأنبياء ، ومَن لم يَصِلْهم ميراث الأنبياء فما وُلِدَ . فمن المشايخ من كثر أولاده ويأخذون عنه الأحوال ويدعونها غيرهم كما وصلت إليهم من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بواسطة الصحابة ، ومنهم من تقلّ أولاده ، ومنهم من ينقطع نسله " . اهـ . فقال محمد بن السيّد المختار الكنتي رضي الله تعالى عنه ، مجيبا من سأله : " وأمّا حديث « من علّمك حرفا فهو مولاك » فصحيح صريح في تعظيم حرمة المعلّمين ووجوب توقيرهم وبرّهم والإحسان إليهم وإنافة منزلهم والتنمية بمكانتهم وإنزالهم من المتعلّمين منزلة الموالي الواجب احترامهم وخدمتهم على العبيد المتعيّن عليهم الإجلال بمواليهم كما يشهد لهم حديث " بجّلوا المشايخ فإنّ تبجيلهم من تعظيم جلال الله " . على أنّهم متفاوتون في الرتب ، فمرتبة معلّم الخير دون مرتبة المربّي إذِ المعلّم إنّما هو مرشد إلى إقامة رسوم التعبّد برعاية حدود الشريعة الظاهرة وإقامة الأحكام المتعلّقة بالحلال ، والمربّي مرشدا إلى الإخلاص في التعبّد والقيام بحقوق العبوديّة وتهذيب الأخلاق وتنقيح الأحوال وتزكيّة الأعمال وتخلية النفوس من العيوب والأكدار وتحليتها بنفائس الأسرار والأنوار وتصفيّة القلوب من الحجب المانعة لها عن مطالعة الغيوب ، فهذا الشيخ الوارث لنبيّه ، الراشد الداعي إلى السنن ، المستقيم والمهيع السديد ، المخرج من ظلمات الأهواء المضلّة والآراء المزلّة إلى أنوار التوفيق ومسالك التحقيق ، فالأوّل دون الوالد في رتبة البرور والثاني أرفع منه وأولى بالبرّ والتوقير من وجوه أغفلناها خوف التطويل ، وإلى هذا يشير سيّدي علي حرازم رضي الله تعالى عنه في جواهر المعاني حيث قال : إعلم أنّ أولى ما تتعلّق به المعرفة والدراية وتجب المحافظة لمكانه والرعاية مَن أتتك على يديه نتائج الهداية وواجهتك منه بإذن الله العناية إذ هو الأب والوالد وأحقّ من كلّ نسب ، وتالله حيث كان لك السبب في مداد إجادات ونيل مدد السعادات ، فكان السبب في إخراجك من عدم الجهالة إلى وجود المعرفة ، فيك حاله ومن مكان الغفلة والسدود إلى مكان التوجّه والورود ، ومن مواطن الغوايا إلى منزلة الهدايا ، ومن ظلمات المخالفة والعصيان إلى أنوار المتابعة والرضوان ، ومن موقف الجفا والبعاد إلى كنف القرب والوداد ، ومن درك القطيعة إلى درجة الوصل الرفيعة ، ومن محلّ الإشراك والإمداد إلى مقام التوحيد والإفراد ، فنقلك من وجود حسيّ إلى وجود قدسيّ ، ومن وجود نفسانيّ إلى وجود رحمانيّ ، ومن وجود كالعدم إلى وجود راسخ القدم ، فأنزلك في هذه المنازل المنيفة وأشرق عليك نور الحقيقة ، فصرت موحّدا حقيقيّا وفزت فوزا أبديّا ، فكانت الولادة المعنويّة أنفع من الولادة الحسّّيّة ، وأحقّ منها رعاية ، وآكد منها درجة ، وأقرب منها حسبا ، وأوصل نسبا ، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه :
نسب أقرب في شرع الهوى     بيننا من نسب من أبوي
وصارت معرفته أحرى من صفة أخرى .
وفي لواقح الأنوار القدسيّة : " والله لو وقف المريدون على الجمر بين يدي أشياخهم منذ خلق الله الدنيا إلى انقضائها لم يقوموا بواجب حقّ معلّمهم في إرشادهم إلى إزالة تلك الموانع التي تمنعهم من دخول حضرة الله . وإذا كان العبد يحبّ من أعطاه العزيمة والبخور حتّى فتح المطلب ولا يكاد ببغضه مع كون ذلك مكروها لله عزّ وجلّ فكيف بمن يعطيه الإستعداد الذي يدخل به حضرة الله عزّ وجلّ حتّى يصير معدودا من أهلها ، بل من ملوك الحضرة . والله إنّ أكثر الناس اليوم في غمرة ساهون ، نسأل الله تعالى تعالى اللطف بنا وبهم . اهـ .
وقال ابن عطاء الله في لطائف المنن عن شيخه أبو العباس رضي الله عنهما : " من لم يكن له أستاذ يصله بسلسة الإتّباع ويكشف له عن قلبه القناع هو في هذا الشأن لقيط لا أب له ، دَعِيّ لا نسب له " . اهـ . ثمّ قال ابن عطاء الله رضي الله عنه : " ومن نسب تلميذا إلى غير أستاذه كمن نسب ولدا إلى غير أبيه ، وهذه الأبوّة أحقّ أن يرعى نسبها ويحفظ سببها ، إذ تلك الأبوّة تفتقر إلى هذه ، وهذه لا تفتقر إلى تلك " . اهـ . والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب.


<< الفصل السابق    الفصل التالي >>