البحث في نفحات7
 

 نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الرابع والعشرون
الرّئيسية > مكتبة على الخطّ > الرّماح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل الرابع والعشرون


في فضل الذكر مطلقا ، وفوائده ، والحثّ عليه والترغيب فيه ، من غير تعرّض لاجتماع له والجهر به ، وغيره .
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنّه إلى سواء الطريق ، إعلم أنّ الذكر أشرف العبادات لأنّ سائر العبادات تنقضي بانقضاء الدنيا إلاّ ذكر الله تعالى . وفي لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار لشهاب الدين بن أحمد حجر العسقلاني رضي الله تعالى عنه أنّه ، يعني أهل الجنّة ، مداومون على الذكر فيها لأنّ سائر العبادات تنقضي بانقضاء الدنيا إلاّ ذكر الله تعالى فإنّه لا ينقضي ، بل هو مستمرّ للمؤمنين في الدنيا والآخرة ، جعلنا الله من الذاكرين الفائزين الفرحين المطمئنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . وقال بعد كلام كثير ، وقد روى عن أهل الجنّة يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس ، يقولون سبحان الله والحمد لله ، متلذّذين لا متعبّدين كما يتلذّذ من به داء العطش بالماء البارد . وقال الإمام فخر الدين الرازي في أسرار التنزيل : إعلم أنّ جميع الطاعات تزول يوم القيامة ، أمّا طاعة التهليل والتحميد فلا تزول عن المؤمن ، وكيف يمكن زوالهما عنه والقرآن يدلّ على أنّهم مواضبون على الحمد ، والمواضبة على الحمد توجب المواضبة على الذكر والتوحيد ، وإنّما قلنا مواضبون على الحمد لقوله تعالى ، حكاية عن المؤمنين في الجنّة : وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وقال : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ الآية ، لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة ، فثبت أنّهم مواضبون على الحمد ، والمواضبة على الحمد مواضبة على الذكر ، فعَلِمْنا من هذا أنّ جميع العبادات زائلة عن أهل الجنّة إلاّ طاعة الذكر . وقال بعض المفّسريين في قوله تعالى : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ، إنّها علامة بين أهل الجنّة وبين خدمهم في الطعام ، فإذا أرادوا الطعام قالوا : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ، فيحضرون لهم في الوقت ما يشتهون على الموائد كلّ مائدة ميل في ميل ، على كلّ مائدة سبعون ألف صحفة ، في كلّ صحفة ألوان من الطعام لا يشبه بعضها بعضا ، فإذا فرغوا من الطعام حمدوا الله . قال : فذلك قوله تعالى : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ . اهـ .
وإذا قُرّر هذا ، فاعلم أنّ الذكر سبب السعادة في الدنيا والآخرة ، ومطردة الشيطان ، ويرضى الربّ ، ويجلب الرزق وييسّره ، ويكسب الذاكر مهابة ، ويورث محبّة الله تعالى ومراقبته ، ويورث الإنابة والقرب من الربّ ، ويفتح باب المغفرة ، ويورث العبد إجلالا لربّه ، ويورث ذكر الله تعالى للعبد ، وبه تحيا القلوب كما يحيا الزرع بالمطر ، وهو قوت الأرواح وجلاء القلب من الصدى ، ويورث النور في الفكر ، ويحطّ الذنوب ، ويزيل الوحشة بين العبد والربّ ، وما يذكره العبد من نحو تسبيح وتكبير وتهليل وتحميد يذكرن بصاحبهن حول العرش ، والعبادات كلّها تزول عن العبد في الحشر والجنّة إلاّ ذكر الله تعالى ، والتوحيد والحمد تقرّب إلى الله تعالى ، وهو للعبد سبب لنزول السكينة عليه وحفوف الملائك به ونزولها لديه وغشيان الرحمة ، وهو للإنسان شاغل عن الغيبة والكذب وكلّ باطل ، والذاكر لا يشقى به جليسه ومجلسه لا يكون عليه حسرة يوم القيامة ، والذكر مع البكاء سبب لنيْل ظلّ العرش الضليل ، ومن شغله ذكر الله تعالى عن المسألة أُعطِىَ أفضل ما يُعطى السائلون ، وهو غراس الجنان وسبب العتق من النيران والآمان من النسيان ، وهو نور للعبد في دنياه ومنشور الولاية ، وهو يرقّي العبد إذا رسخ في القلب ويجمع على الذاكر قلبه ويقرّب من قلبه الآخرة ويبعد عنه الدنيا ويستعدّ لِما هو آت ، ويثمر المعرفة والولاية والتوفيق والحماية ، ويعدل عتق الرقاب والجهاد والقتل في سبيل الله وإنفاق الورق والذهب ، وهو رأس الشكر ويدخل الجنّة ويذهب من القلب القساوة ، والذكر شفاء للقلوب ، وهو أصل موالاة الله تعالى والغفلة أصل المعاداة ، وهو رافع للنقم وجالب للنعم وموجب لصلاة الله تعالى وملائكته عليك ، ومجلس الذكر رياض الجنّة ويباهي الله ملائكته بالذاكرين في السماء ، وهو ينوب عن سائر الأعمال ويقوّي الجوارح ويفتح مغلق الأبواب ، وهو أمن ونجاة وسيف ، وهوسبب لتصديق الربّ لعبده . والذكر سدّ بين العبد وبين النار ، والنار لا تبقى الأجزاء النابتة من الفضول والحرام ، ويثبّت الأنوار في القلوب ، والملائكة يستغفرون للعبد إذا لازمهم ، والبقاع والجباه تتباهى به إذا مرّ بها ، وهو شيمة المؤمن ، وله لذّة أجلّ من لذّة المطعومات والمشروبات ، ووجه الذاكر وقلبه يكسى في الدنيا نورا ونضرة ، وفي الآخرة يكون وجهه أشدّ بياضا من القمر ، وهو يرفع إلى أعلى الدرجات ، والذاكر حيّ وإنْ مات والغافل ميّت وإنْ كان حيّا ، ويورث الريّ من العطش عند الموت : قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ، وقال : اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ، وقال : أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ، وقال : وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، وقال : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ إلى قوله : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ ، إلى غير ذلك من الآيات . روى البخاري ومسلم عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : « ألا أنبّئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربون أعناقكم قالوا بلى قال ذكر الله » . وروى ابن حبان والإمام أحمد وأبو يعلى والحاكم ، وقال صحيح الإسناد مرفوعا : « أكثروا من ذكر الله حتّى يقول مجنون » . وروى ابن ماجة وابن حبّان في صحيحه مرفوعا : « أنّ الله عزّ وجلّ قال أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحرّكت بي شفتاه » . وروى الترمذي وابن حبّان في صحيحه وابن ماجة وقال صحيح الاسناد : « أنّ رجلا قال يا رسول الله إنّ شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فأخبرني بشيء أتثبّت به قال لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله » . وروى ابن أبي الدنيا والطبراني والبزّار عن معاذ بن جبل قال : « آخر كلام فارقتُ عليه رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم أن قلت أيّ الأعمال أحبّ إلى الله قال أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله » . وروى البخاري ومسلم مرفوعا : « مثل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكره كمثل الحيّ والميّت » ، ولفظ مسلم : « الذي يذكر الله تعالى » . وروى الطبراني والبيهقي مرسلا : « أذكروا الله تعالى ذكرا حتّى يقول المنافقون إنّكم مراؤون » . وروى ابن أبي الدنيا مرفوعا : « ما من يوم وليلة إلاّ ولله عزّ وجلّ في صدقة يمنّ بها على من يشاء من عباده وما مَنَّ الله تعالى على عبده بأفضل من أن يلهمه ذكره » . روى الأمام أحمد والطبراني : « أنّ رجلا قال يا رسول الله أيّ المجاهدين أفضل وأعظم أجرا قال أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا قال فأيّ الصائمين أفضل أجرا قال أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا ثمّ ذكر الصلاة والزكاة والحجّ والصدقة كلّ ذلك ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول أكثرهم لله تعالى ذكرا فقال أبو بكر يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكلّ خير وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أجلّ » . وروى الطبراني والبيهقي بإسناد جيّد مرفوعا : « ليس يتحصّر أهل الجنّة إلاّ على ساعة مرّتْ عليهم ولم يذكروا الله تعالى فيها » . وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه :أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سئل « أيّ العباد أفضل وأرفع درجة عند الله تعالى يوم القيامة قال والذاكرون الله كثيرا قيل يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله قال لو ضرب بسيفه حتّى ينكسر وينخضب دما فإنّ ذاكر الله تعالى أفضل منه درجة » . وروى الطبراني مرفوعا : « من لم يكثر ذكر الله تعالى فقد برئ من الإيمان » ، قال الحافظ المنذري حديث غريب .
وفي لواقح الأنوار القدسيّة : وسمعت سيّدي عليّا الخوّاص رحمه الله تعالى يقول : ما ثَمّ كرامة للعبد أفضل من ذكر الله تعالى ، لأنّه يصير جليسا للحقّ كلّما ذكره . وقد اختلى مريد سنة كاملة فما رأى نفسه وقعت لها كرامة ، فذكر ذلك لشيخه فقال : أتريد كرامة أعظم من مجالسة الله تعالى ؟ ثمّ قال : ما رأيت أكثر حجابا منك ، لك في الكرامة العظمى سنة كاملة ولا تشعر بها ؟ اهـ . فاعلم ذلك . وقال القشيري : الذكر ركن قويّ في طريق الحقّ ، بل هو العمدة في ذلك ، ولا يصل أحد إلى الله تعالى إلاّ بدوام الذكر . وذكر اللسان يصل به العبد إلى ذكر القلب ، فإذا كان العبد ذاكرا بلسانه وقلبه فهوالكامل في حال سلوكه . وقال أبوعلي الدقّاق رحمه الله تعالى : الذكر منشور الولاية ، فمن وُفِّق للذكر فقد أُعطِيَ المنشور ومن سلب الذكر عزل ، وذكر الله تعال بالقلب سيف المريدين يقاتلون به أعداءهم وبه يدفعون الآفات التي تقصده ، وإنّ البلاء إذا أضلّ العبد إذا فزع بقلبه إلى الله تعالى يحتد عنه في الحال كلّما يكرهه . وقال ذو النون المصري : من ذكر الله ذكرا على الحقيقة نسي في جنبه كلّ شيء ، وحفظ الله تعالى عليه كلّ شيء ، وكان له عوضا عن كلّ شيء . وقال الشبلي رحمه الله تعالى : أليس الله تعالى يقول : « أنا جليس من ذكرني » ؟ ما الذي استفدتم من مجالسة الحقّ ؟ . ومن خصائص الذكر أنّه غير مؤقّت ، بل ما مِنْ وقت من الأوقات إلاّ والعبد مأمور بذكر الله تعالى ، إمّا فرضا وإمّا نفلا . والصلاة ، وإنْ كانت أشرف العبادات ، فلا تجوز في بعض الأوقات ، والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات ، قال الله تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ . ومن خصائص الذكر أنّه جعل في مقابلته الذكر ، قال الله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ . ونقل القشيري أنّ الملَك يستامر الذاكر في قبض روحه . وروى السهروردي بسنده أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال ، حاكيا عن ربّه : « إذا كان الغالب على عبدي الإشتغال بي جعلت همّه ولذّته في ذكري فإذا جعلت همّه في ذكري عشقني وعشقته ورفعت الحجاب في ما بيني وبينه لا يسهو إذا سها الناس أولئك كلامهم كلام الأنبياء أولئك الأبطال الأبدال حقّا أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا ذكرتهم فصرفته به عنهم » . وقال النووي : لكلّ شيء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله . وقال القشيري : في الإنجيل ( أذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب وارض بنصرتي لك فإنّ نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك ) . وقيل لراهب : أنت صائم ؟ فقال : بذكره ، فإذا ذكرتُ غيره أفطرتُ . وقيل : إذا تمكّن الذكر من القلب فإن دنا منه الشيطان صرع كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان ، فتجتمع عليه الشياطين فتقول : ما لهذا ؟ فيقال إنسان . ورأى الجنيد إبليسا في المنام فقال له : هل تقدر أن تمرّ على مجالس الذكر ؟ فقال : كما أنّ أحد منّا يمرّ على أحد منكم ويمسّه ويصير مجنونا ومصروعا فمنّا مَنْ يمرّ على مجلس الذكر فيصير مصروعا ونسمّيه بيننا مأنوسا كما تسمّون المصروع بينكم مجنونا . وقال سهل بن عبد الله : ما رأيت معصية أقرب من نسيان هذا الربّ . وقيل : الذكر الخفيّ لا يرفعه الملَك لأنّه لا اطّلاع عليه ، فهو سرّ بين العبد وبين الله . وقال الحريري رحمه الله تعالى : كان رجل من أصحابنا لا يكثر أن يقول الله الله ، فوقع على رأسه جذع فانسلخ رأسه وسقط الدم ، فاكتتب في الأرض الله الله . وقال بعضهم وصف لي ذاكرا في أجمة فأتيته ، فبينما هو جالس إذا سبع عظيم ضربه واستلب منه قطعة ، فغشي عليه وعليّ . فلمّا أفاق قلت : ما هذا ؟ قال : قيّض الله لي هذا السبع ، فكلّما دخلتني فترة عضّني كما رأيتَ . وقال سهل بن عبد الله : ما من يوم إلاّ والجليل سبحانه وتعالى ينادي : ( عبدي ما أنصفتني أذكرك وتنساني أدعوك إليّ وتذهب إلى غيري وأُذهِب عنك البلايا وأنت معتكف على الخطايا يا ابن آدم ما تقول غدا إذا جئتني ) . قال القشيري رحمه الله تعالى : سمع الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يسأل أبا عليّ الدقّاق فقال : الذكر أتمّ أم الفكر ؟ فقال أبو عليّ : ما الذي يقع للشيخ فيه ؟ فقال الشيخ أبو عبد الرحمن : عندي الذكر أتمّ من الفكر ، لأنّ الحقّ سبحانه وتعالى يوصف بالذكر ولا يوصف بالفكر ، وما وصف به الحقّ أتمّ ممّا اختصّ به الحقّ ، فاستحسنه الشيخ أبو عليّ . وروى ابن أبي شيبة : « ما من آدميّ إلاّ ولقلبه بيتان ، في أحدهما الملَك وفي الآخر الشيطان ، فإذا ذكر الله تعالى خنس وإذا لم يذكر الله وضع الشيطان منقاره في قلبه ثمّ وسوس » . وقال ذو النون المصريّ : ذكر الله بالقلب سيف المريدين ، به يقاتلون أعداءهم وبه يدفعون الآفات . وقال أبو سليمان الداراني : إنّ في الجنّة قيعان ، فإذا أخذ الذاكر في الذكر أخذت الملائكة في غرس الأشجار ، فربّما يقف بعض الملائكة فيقال له : لِمَ وقفتَ ؟ فيقول : فتر صاحبي . وقال الحكيم الترمذي : ذكر الله يرطب القلب ويلينه ، فإذا خلا عن القلب أصابته حزازة النفس ونار الشهوات فقسا ويبس وامتنعت الأعضاء من الطاعة . وقال أبو مدين التلمسانيّ : أقرب رحلة تكون للمريد : الذكر . وقال : ولا يصل أحد إلى الحضرة الإلهيّة إلاّ بالذكر . وقال : من دامت أفكاره صفت أسراره وكان في حضرة الله تعالى قراره . وقال السبكي : كلّ من تساهل بالغفلة ولم تكن عليه أشدّ من ضرب السيوف فهو كاذب لا يجيء منه شيء في الطريق ، فقد قال الشيخ أبو المواهب الشاذلي : إذا ترك العارف الذكر نفَسا أو نفسين قيّض الله له شيطانا فهو له قرين ، وأمّا غير العارف فيسامح بمثل ذلك ولا يؤاخذ إلاّ بمثل درجة أو درجتين أو زمن أو زمنين أو ساعة أو ساعتين ، على حسب المراتب . وقال : من نسى الذكر فقد كفر به كما ثبت في الخبر . وقال : وهذا نسيان يطلق على نسيان غفلة الجهل بالله تعالى والإشراك به ، وعلى النسيان نفلة الإعراض عن الحقّ وطريقه ، وكلاهما مذموم . وقال سيّدي إبراهيم المتبولي : الذكر أسرع في الفتح من سائر العبادات . وقال : إنّ الحقّ تعالى لا يقرّب عبدا إلى حضرة الله تعالى إلاّ إن استحيا منه حقّ الحياء ، ولا يصحّ له أن يستحي كذلك إلاّ إن حصل له الكشف ورفع الحجاب ، ولا يصحّ له الكشف ورفع الحجاب إلاّ بملازمة الذكر . وقال : لا يحصل لأحد مقام الإخلاص الكامل إلاّ بالذكر ، فإنّ أوّل ما يتجلّى للعبد ، إذا اشتغل بالذكر ، توحيد الفعل لله تعالى . فإذا تجلّى له توحيد الفعل بالله سبحانه خرج كشفا ويقينا عن سهو كون الفعل له ، وخرج أيضا عن طلب الثواب عليه وعن الكبر والعجب والرياء . وقال سيّدي عليّ الخوّاص : بمداومة الذكر تخمد الأمراض الباطنة من كبر وعجب ورياء ونفاق وسوء خلق وحسد وغلّ وحقد وحبّ رياسة وميل لتقبيل يد وقيام في المحافل ، وتنقطع الخواطر الشيطانيّة ، وتضعف الخواطر النفسانيّة . وقال : بمداومة الذكر يزول الغمّ والهمّ الواقعان للناس في هذه الدار ، فإنّ الغمّ والهمّ فيها إنّما هما بقدر الغفلة عن الله تعالى ، فلا يلومنّ العبد إلاّ نفسه إذا ترادفت عليه الغموم والهموم ، فإنّ ذلك إنّما هو جزاء بقدر إعراضه عن الله تعالى . فمن أراد دوام السرور فليداوم على الذكر . وقد يقنع بعض المريدين بمجلس الذكر صباحا ومساءا مع الغفلة عن الله تعالى فيما بينها ويحتجّ بحديث : « إذا ذكر العبد ربّه أوّل النهار ساعة وآخر النهار ساعة غفر له ما بينهما » ، إذ المغفرة لا ترقّي فيها ، ونهايتها أنْ تلحق المذنب بمن لا يذنب ذلك الذنب لا أنّها تلحقه بمن يفعل الطاعات ، فافهم . ومراد القوم دوام الترقّي مع الأنفاس في المقامات ، ومع ذلك فلا يرون أنّهم قاموا بذرّة واحدة من واجب حقّ الله تعالى كما هومعروف عند أهل الطريق . وقال الشيخ أفضل الدين : يجب على الشيخ أن يأمر المريد أن يذكر الله بلسانه بشدّة وعزم ، فإذا تمكّن من ذلك يأمره أن يستوي في الذكر بين قلبه ولسانه ، ويقول : أثبت على استدامة هذا الذكر مستشعرا بأنّك بين يدي ربّك بقلبك ، ولا تترك الذكر حتّى يحصل لك منه حال قويّ وتصير أعضاؤك كلّها ذاكرة لا تغفل عن ذكر الله تعالى ، ثمّ بعد أن يلقّنه بالذكر يأمره بالجوع على التدريج شيئا فشيئا لئلاّ تقلّ قواه فينقطع عن الذكر . وقال : إنّ الشيطان يركب أحدنا كلّما غفل عن ذكر الله تعالى ، فلو كشف لأحدنا لرأى إبليس يركبه كما يركب أحدنا الحمارة ويصرّفها كيف يشاء طول الليل والنهار كلّما غفل ، وينزل عنه كلّما ذكر . وأجمع القوم على أنّ الذكر مفتاح الغيب وجاذب الخير وأنس المستوحش وجامع لشتات صاحبه ، وقالوا أنّ البلاء إذا نزل على قوم وفيه ذاكر حاد عنه البلاء ، وإذا غلب الذكر عن الذاكر امتزج بروح الذاكر اسم المذكور حتّى أنّ بعض الذاكرين وقع على رأسه حجر فقطر الدم على الأرض واكتتب الله الله ، ولو لم يكن من شرف الذاكر إلاّ أنّ الله لم يؤقّته بوقت لكان ذلك كفاية في شرفه . وقال : أجمع القوم على أنّ فوائد الذكر لا تنحصر لأنّ الذاكر يصير جليس الحقّ تعالى ، وحضرة الحقّ لا يَرِد عليها ويفارقها بغير مدد كلّما ورد شرطه ، وهو الحضور .
قلتُ : وإذا أكثر العبد ذكر ربّه باللسان حصل له الحضور ، وإذا حصل له كثرة الذكر مع الحضور صار الحقّ مشهوده ، وهناك يستغني عن ذكر اللسان فلا يذكر باللسان إلاّ في محلّ يُقتدَى به فيه لا غيره ، لا في حضرة شهود الحقّ سبحانه حضرة بهت وخرس يستغني صاحبها في الجمعية بالمدلول فقد استغنى العبد بالدليل ، فافهم . وإلي هذا الذكر أشار في ياقوتة الحقائق لقوله صلّى الله عليه وسلّم : تعظيمه في قلوبنا حياة أقوم بها وأستعين بها على ذكره وذكر ربّه ، قال شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : طلب المصلّي من الله تعالى أن يكون تعظيمه للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم سببا في حياة قلبه بحلول ذكر الله تعالى وذكر رسوله صلّى الله عليه وسلّم في قلبه ، وهذا الذكر الذي طلبه بالتعظيم ليس هو ذكر اللسان المعهود في حقّ العامّة وإنّما هو الذكر الحقيقيّ الذي هو الغاية القصوى من الذكر ، وهو إذا أخذ العبد فيه أخذ عن جميع دائرة حسّه ووهمه ، فليس في شعوره ووهمه وخياله إلاّ لله تعالى في حالة الذكر ، هو بداية للمقرّبين ، ونهايته أن يستهلك العبد في عين الجمع ويغرق في بحر التوحيد وليس في جميع عوالمه حسّ وإدراك وذوق وفهم وعيان وخيال وأنس ومساكنة وملاحظة ومحبّة وتعويل واعتماد إلاّ الله تعالى في محو الغير والغيريّة ، في هذا الميدان ينمحق الذاكر والذكر ويصير في حالة أن لو نطق لقال : أن لا إله إلاّ أنا وحدي ، لاستهلاكه في بحار التوحيد . وهذه المرتبة في آخر مراتب الذكر ، وصاحبها صامت جامد لا يذكر ولا يتحرّك ، وإليها يشير بقوله صلّى الله عليه وسلّم : « من عرف الله كَلَّ لسانُه » . وفيها يقول الشاعر :
ما إن ذكرتك اللهم يلعن     سرّي وجهري وفكري عند ذكراك
حتّى كأنّ رقيبا منك يهتف بي     إيّاك ويحك والتذكار ايّاكا
فاجعل شهودك من لقياك تذكرة     والحقّ تذكاره إيّاك إيّاك
أما ترى الحقّ قد لاحت شواهده     فواصل الكلّ من معناه معناك
لأنّ تعادم الذكر في جميع مراتبه كان وسيلة إلى الوصول إلى هذه المرتبة ، فإذا وصلها انقطع الذكر من أصله وصار ذكرا على كلّ أحيانه ، إستوى نومه ويقظته وحضوره وغيبته ، واستوى الأمر عنده ، كان مع الخلق أم كان وحده . وصاحب هذا الحال لو اجتمع في مكان مع جميع الخلق وأكثروا اللغط والصخب لم يعلم من خطابهم شيئا ولا يسمع في خطابهم إلاّ خطاب الحقّ سبحانه وتعالى يخاطبه ، وفي هذا قيل :
بذكر الله تزداد الذنوب     وتنطمس السرائر والقلوب
فترك الذكر أفضل كلّ شيء     وشمس الذات ليس لها غروب
وهذه نهاية مراتب الذكر ، ولذا جعله الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز هو آخر المراتب ، قال سبحانه وتعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إلى قوله : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ . فتلك الآية رتّب فيها سبحانه وتعالى مراتب أهل الإيمان ، فالتي بعد الأخرى هي أعلى منها ، وذَكَرَ الذاكر في آخرها لأنّها ليس مرتبة فوقها . اهـ . قلتُ : وكفى بهذه المرتبة شرفا للذكر والذاكرين ، والله تعالى الموفّق بمنّه للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>