البحث في نفحات7
 

 نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الخامس والعشرون
الرّئيسية > مكتبة على الخطّ > الرّماح - فهرس الجزء الأوّل > الفصل الخامس والعشرون


في الترغيب في الإجتماع للذكر والجهر به والحضّ والإعلام أنّه ما ينبغي التمسّك به لفضله والردّ على من ينكر على الذاكرين جماعة لجهله بالكتاب والسنّة وإجماع الأمّة .
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهوالهادي بمنّه إلى سواء الطريق ، إعلم أنّ الإجتماع للذكر حضّ عليه الشارع ورغّب فيه صلّى الله عليه وسلّم ، وجرى به عمل أئمّة الطريق من أهل الله شرقا وغربا . وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم مرفوعا ، يقول الله عزّ وجلّ : « أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته ذكرته في ملأ خير منه » . وروى الطبراني بإسناد حسن مرفوعا قال : قال الله جلّ ذكره : « لا يذكرني العبد في نفسه إلاّ ذكرته في ملأ من الملائكة ولا يذكرني في ملأ إلاّ ذكرته في الرفيق الأعلى » . وأخرج الإمام أحمد ، وروّاته ثقات ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : « ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عزّ وجلّ لا يريدون بذلك إلاّ وجهه إلاّ ناداهم منادي من السماء أنْ قوموا مغفورا لكم قد بدّلتْ سيّئاتكم حسنات » . ورواه يعلى والبزّار والطبراني ، ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن مغفل ، ورواه الطبراني عن سهل بن حنظلة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « ما جلس قوم يذكرون الله عزّ وجلّ فيه فيقومون حتّى يقال لهم قوموا قد غفر لكم وبدّلت سيّئاتكم حسنات » . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : « قلت يا رسول الله ما غنيمة مجالس الذكر قال غنيمة مجالس الذكر الجنّة » ، رواه أحمد بإسناد حسن . وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال : « يا أيها الناس إنّ لله سرايا من الملائكة تحلّ وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنّة قالوا وأين رياض الجنّة قال مجالس الذكر فأغدوا وروحوا في ذكر الله وذكّروه أنفسكم من كان يريد أن يعلم منزلته عند الله تعالى فلينظر منزل الله عنده ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه » ، رواه ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والبزّار والطبراني والحاكم والبيهقي ، وقال الحاكم صحيح الإسناد . والرتع هو الآكل والشارب في خصب وسعة . عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « ليبعثنّ الله أقواما يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء قال فجثا أعرابيّ على ركبتيه فقال يا رسول الله صِفْهُم لنا نعرفهم فقال هم المتحابّون من قبائل شتّى وبلاد شتّى يجتمعون على ذكر الله تعالى ويذكرونه » ، أخرجه الطبراني بإسناد حسن . وعن عمرو بن عمبسة رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : « عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين رجال ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغشى بياض وجوههم نظر الناظرين يغبطهم النبيّون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله عزّ وجلّ قيل يا رسول الله من هم قال هم جمّاع من نوازع القبائل يجتمعون على ذكر الله تعالى فينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب التمر » ، رواه الطبراني ، إسناده مقارب لا بأس به . وجمّاع ، بضمّ الجيم وتشديد الميم ، أيّ أخلاط من قبائل شتّى ومواضع مختلفة . ونوازع جمْع نازع ، وهو القريب ، ومعناه أنّهم لم يجتمعوا والقرابة بينهم ولا نسب ولا معرفة وإنّما اجتمعوا لذكر الله تعالى . وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : « إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا قالوا ما رياض الجنّة قال حِلَق الذكر » ، أخرجه الترمذي . وأخرج الحسن البصريّ رضي الله تعالى عنه أنّه قال : « ذكر الله خير لا شكّ فيه يذهب بالذنب ولا ذنب فيه » . وعن أبي عبد الرحمن الجبلي ، أحد التابعين ، أنّه قال : إذا اجتمع قوم على ذكر الله تعالى خرج الشيطان وشيعته على باب المسجد يقول لهم : أنظروا هل قاموا بعد ؟ فيقولون لا ، فيضرب بيده ، فيقولون : ما لك ؟ فيقول : إنّما أخشى عليهم الرحمة أن تنزل فلا يعذّبون أبدا . ويكفي في أصليّة الإجتماع للذكر ما تقدّم في الفصل الذي قبل هذا الفصل من أنّ الجنيد رأى إبليس في المنام فقال : هل تقدر على أن تمرّ عل مجالس أهل الذكر ؟ فقال : كما أنّ أحد منّا يمرّ على أحد منكم يمسّه ويصير مصروعا ومجنونا ، فمنّا من يمرّ على مجالس الذكر فيصير مصروعا ونسمّيه بيننا مأنوسا كما تسمّون مصروعا بينكم مجنونا . اهـ . وكفى بهذا منقبا لمجلس الذكر والذاكرين جماعة . وروى الإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبّان في صحيحه والبيهقي وغيرهم ، عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال : يقول الله عزّ وجلّ يوم القيامة : « سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم قيل من أهل الكرم يا رسول الله قال أهل مجالس الذكر » . وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه : « حضور مجلس ذكر أفضل من صلاة ألف ركعة وشهود ألف جنازة وعيادة ألف مريض » .اهـ . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « إنّ لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى تنادوا هلمّوا إلى حاجاتكم قال فيحفّونهم بأجنحتهم إلى سماء الدنيا قال فيسألهم ربّهم وهو أعلم بهم ما يقول عبادي قال فيقولون يسبّحونك ويكبّرونك ويحمدونك ويمجّدونك قال فيقول هل رأوني قال فيقولون لا والله ما رأوك قال فيقول كيف لو رأوني قال يقولون لو رأوك كانوا أشدّ لك عبادة وأشدّ لك تحميدا وأكثر لك تسبيحا قال فيقول فما يسألوني قال يسألونك الجنّة قال فيقول وهل رأوها قال يقولون لا والله يا ربّ ما رأوها قال فيقول فكيف لو أنّهم رأوها قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشدّ عليها حرصا وأشدّ لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال فممّ يتعوّذون يقولون من النار فيقولون وهل رأوها قال يقولون لا والله ما رأوها قال فيقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو رأوها كانوا أشدّ منها فرارا وأشدّ لها مخافة قال فيقول فأشهدكم أنّي قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنّما جاء لحاجة قال هُم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم » ، رواه البخاري واللفظ له ، ومسلم ولفظه : « إنّ لله تبارك وتعالى ملائكة سيّارة فضلاء يبتغون مجالس الذكر إذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحفّ بعضهم بعضا بأجنحتهم حتّى يملؤوا ما بينهم وبين سماء الدنيا فإذا تفرّقوا وصعدوا إلى السماء قال فيسألهم الله عزّ وجلّ وهو أعلم بهم من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبّحونك ويكبّرونك ويهلّلونك ويمجّدونك ويحمدونك ويسألونك قال وماذا يسألوني قالوا يسألونك جنّتك قال وهل رأوا جنّتي قالوا لا قال فكيف لو رأوا جنّتي قالوا ويستجيرونك قال وممّ يستجيروني قالوا من نارك يا ربّ قال وهل رأوا ناري قالوا لا قال فكيف لو رأوا ناري قالوا ويستغفرونك قال فيقول قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم ممّا استجاروا قال يقولون يا ربّ فيهم فلان عبد خطّاء إنّما مرّ فجلس معهم قال فيقول وله غفرت هُمُ القوم لا يشقى بهم جليسهم » ، إنتهى . وفي قواعد الشيخ أحمد زرّوق رضي الله تعالى عنه : إغضاء الحكم في العموم لا يغضي بجريانه في الخصوص ، فاحتيج في الخاصّ لدليل يخصّه حتّى يتخصّص به ، ومن ذلك الجهر بالذكر والدعاء والجمع فيهما . أولاهما : ما الذكر ، فدليله « من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » ، قيل ومن أدلّته كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا . وقال ابن عباس : « ما كنت أعرف انصراف الناس من الصلاة على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلاّ بالذكر » ، ورواه البخاري . والجهر في ذكر العبد وفي دبر الصلوات وبالثغور في الأسفار حتّى قال عليه الصلاة والسلام : « أربعوا على أنفسكم فإنّكم لا تدعون أصمّا ولا غائبا » ، وقد جهر عليه الصلاة والسلام بأذكار وأدعية في مواطن جمّة ، وكذلك السلف . وصحّ قوله ، جوابا لأهل الخندق ( اللهمّ لا خير الاّ خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة ) ، وكلّ هذه دلالة على الجهر والجمع . لكن في قضايا خاصّة يكون وجودهما مستندا دليلا لاحتمال قصرها على ما وقعت فيه وكونها مقصودة لغيرها لا لذاته فلزم تمهيد أصل آخر . ثمّ قال الشيخ زرّوق رضي الله عنه : قاعدة إثباب الحكم لقضيّة خاصّة لا يجري في عموم نوعها لاحتمال قصره على ما وقع فيه ، سيما عند من يقول الأصل المنع حتّى يأتي المبيح . والجهر بالذكر والدعاء والتلاوة أخصّ من الجمع فيها ولها لكونه مقصودا ، بخلاف الأوّل فإنّه أعمّ من ذلك ، فلزم طلب دليل يخصّه . فأمّا الجمع للذكر في المتفّق عليه من حديث أبي هريرة : « إنّ لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون حلق الذكر » ، الحديث ، وفي آخره « فيسألهم ما يقول عبادي فيقولون يسبّحونك ويحمدونك ويكبّرونك ويهلّلونك ويمجّدونك » ، الحديث ، وهو صريح في باب الجمع عين الذك في الترغيب في سياقه . وما وقع في آخره من أنّ فيهم من ليس منهم فيقول تعالى : « هم القوم لا بشقى جليسهم » ، فأخذ منه جواز قصد الإجتماع لعين الذكر بوجه لا يسوغ تأويله ، كحديث « ما جلس قوم مسلمون مجلسا يذكرون الله فيه إلاّ حفّت بهم الملائكة وتنزّلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده » .
والذكر يؤوّل بالعلم مرّة وبذكر الآلاء أخرى وحمل على ظاهره أيضا ، فسقط التمسّك به في أعيان الأذكار كدلالته عل ما تؤول به لاحتماله . قال فإن قيل : مجتمعون وكلّ على ذكره ، فالجواب : إن كان سرّا فجدواه غير ظاهر ، وإن كان جهرا فلا يخفى ما فيه من إساءة الأدب بالتخليط وغيره ممّا لا يسوغ في حديث الناس فضلا عن ذكر الله تعالى . فلزم جوازه ، بل ندبه ، بشرطه نعم . وتأويل التسبيح والتحميد والتمجيد بالتذكار بالتوحيد من أبعد البعيد ، فتأويله غير مقبول لبعده عن الأفكار ، إذ لا يخطر إلاّ بالأخطار ، وذلك في مقاصد الشرع بعيد جدّا ، فافهم . ثمّ قال ، بعد إتمام هذه القاعدة وإتمام قاعدة اخرى : فأمّا قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لقوم وجدهم يذكرون جماعة : ( لقد جئتم ببدعة ظلما أو لقد فتم أصحاب محمّد علما ) ، بالجواب عنه : أنّه لم يبلغه حديث الترغيب فيه ، أو أنه أنكر الهيئة ونحوها ، وإلاّ فلا يصحّ إنكاره بهذا الوجه بعد صحّة الحديث . اهـ .
وفي مفتاح الفلاح لابن عطاء الله ، الفصل الأوّل ، في ما ورد في فضل الذكر والإجتماع عليه ، وذكر رضي الله تعالى عنه الأحاديث التي استدلّ بها على ذلك ، ثمّ قال بعد ذلك : باب الجهر بالذكر ، إلى أن قال : ويروى أنّ الصدّيق كان يخافت في صلاته بالليل ولا يرفع صوته بالقراءة ، وكان عمر يجهر في صلاته ، فسأل رسول الله صلّى لله عليه وسلّم أبا بكر عن فعله فقال: الذي أناجيه يسمع كلامي ، وسأل عمر فقال : أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان وأرى الرحمن ، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر برفع الصوت ، وهو الجهر ، ولم يأمر عمر بالإسرار ، بل بخفض الصوت ، وذلك ليس بالإسرار . وإذا كان هذا في القرآن ، وهو فضل الذكر ، فغيره كذلك .
قلت : تأمّل ، رحمك الله تعالى ، كيف استدلّ بعض الجهلة بقوله تعالى : وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا على منع الجهر بالذكر ، وخالف هذا الإمام الذي اشتهر علمه وولايته ومعرفته بالله تعالى وعموم النفع به ومؤلفاته لعباد الله تعالى في جميع بلاد الإسلام ، ولقب لذلك بتاج الدين بن عطاء الله ، مع أنّ قول ربّ العالمين وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ردّ فهمه السقيم وفكره العقيم ، إذ لا سبيل يبتغي به الجهر والمخافتة إلاّ الجهر برفق لئلاّ يتعطّل جهر الجاهد بغير رفق فيحصل له أمراض تعوقه عن الذكر وغيره كما سيأتي . ثمّ قال رضي الله تعالى عنه : وينبغي للذاكر ، كان وحده ، إن كان من الخاصّة ، أن يخفض صوته بالذكر ، وإن كان من العامّة أن يجهر به ، وإن كان الذاكرون جماعة فالأولى في حقّهم رفع الصوت بالذكر مع توافق الأصوات بطريقة واحدة . ثمّ قال رضي الله تعالى عنه : قال بعضهم مثل ذكر الواحد وذكر الجماعة كمؤذّن واحد ومؤذّنين جماعة ، فكما أنّ صوت المؤذّنين جماعة يقطع جرم الهواء أكثر ممّا يقطعه صوت مؤذّن واحد كذلك ذكر جماعة على القلب أكثر تأثيرا وأشدّ قوّة في رفع الحجب عن القلب من ذكر واحد وحده . وأيضا يحصل لكلّ واحد ثواب نفسه وثواب سماع الذكر من غيره ، وشبّه الله تعالى القلوب القاسية بالحجارة في قوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً والحجارة لا تنكسر إلا بقوّة ، فكذلك قساوة القلب لا تزول إلاّ بالذكر القويّ . اهـ .
وفي شهيّة السماع : ومنه ، يعني ومن أنواع الآداب التي تجمع للمتّصف بها خصال الخير ، الفرار من الإسرار في الذكر . اهـ . وفي شرحه كشف القناع : وذلك لأنّ الذكر مع الإسرار لا يؤثّر في قلب السالك ولا يرقّيه كذكر الجهر . ثمّ قال : ومن كلام بعضهم : إذا ذكر المريد ربّه بشدّة وعزم مع الجهر طويت له مقامات الطريق بسرعة من غير بطء ، فربّما قطع في ساعة ما لم يقطعه غيره في شهر أو أكثر ، لكن ينبغي أن يكون الجهر برفق ، فإنّه إذا كان بغير رفق ربّما بتربي فيتعطّل جهره بالكلّيّة . اهـ .
قلتُ : ومن هنا يظهر لكلّ موفّق سعيد بعض أسرار قوله صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ، حين كانوا يجهرون بالذكر جهرا شديدا يؤدّي إلى هذا الداء العضال الذي يبطل بحدوثه جهدهم بالكلّيّة : « أربعوا على أنفسكم فإنّكم لا تدعون أصمّا ولا غائبا » ، ولم ينههم صلّى الله عليه وسلّم عن الجهر ولا عن الذكر ولو نهاهم عن الجهر لقال : أخفضوا أصواتكم وأسرّوا ذكركم ولا تجهروا به ، ولو نهام عن الذكر لقال اسكتوا ، ولكنّه صلّى اله عليه وسلّم ردّهم إلى الرفق على نفسهم بالجهر الذي لا يلحقهم معه ضرر يتأذّون به ، لأنّه صلّى الله عليه وسلّم سيّد الأطبّاء وأعقل العقلاء وأرحم بأمّته من الآباء والأمّهات كما وصفه مولاه بقوله تعالى لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ، وهذا السرّ العظيم من جملة أسرار هذا الحديث لا ما يقوله بعض الطلبة المدّعين أنّهم بلغوا المرتبة القصوى من العلم مع أنّهم ما بلغوا مرتبة التعلّم من صغار العلماء ، ولا ما يقوله بعض الحسدة المردة الفسقة الفجرة الذين يحملون كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على غير محمله ويفسّرونه بآراء المضلّة ، نعوذ بالله من الحسدة ومن كلّ ما يؤدّي إلى السلب والطرد .
ثمّ قال في كشف القناع : وسئل الجلال السيوطي رحمه الله تعالى عمّا اعتاده الصوفيّة من عقد حلق الذكر والجهر به في المساجد ورفع الصوت بالتهليل ، ذلك مكروه أم لا ؟ فأجاب بأنّه لا كراهة في شيء من ذلك ، وقد وردت أحاديث تقتضي استحباب الجهر بالذكر وأحاديث تقتضي باستحباب الإسرار بذلك ، والجمع بينهما أنّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص كما جمع النووي بذلك بين الأحاديث الواردة باستحباب الجهر بقراءة القرآن والأحاديث الواردة باستحباب الإسرار بها . قال ، أيّ السيوطي ، بعدما ورد ما أورده من الأحاديث الواردة باستحباب الجهر : إذ تأمّلت ما أوردناه من الاحاديث عرفت من مجموعها أنّه لا كراهة البتّة في الجهر بالذكر . وأمّا معارضته بحديث « خير الذكر الخفيّ » فهو نظير معارضة أحاديث الجهر بالقرآن بحديث « المسرّ بالقرآن كالمسرّ بالصدقة » ، وقد جمع النووي بينهما بأنّ الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذي به مصلّون أو النيام ، والجهر أفضل في غير ذلك لأنّ العمل فيه أكثر ، ولأنّ فائدته تتعدّى إلى السامعين ويوقظ قلب القارئ ويجمع همّه إلى الحضور ويصرف سمعه إليه ويطرد النوم ويزيد في النشاط . قال : وقال بعضهم : يستحبّ الجهر ببعض القرآن والإسرار ببعضه ، لأنّ المسرّ قد يملّ فيأنس بالجهر ، والجاهر قد يكلّ فيستريح بالإسرار . قال : وكذلك تقول في الذاكر على هذا التفصيل ، وبه ويحصل الجمع بين الأحاديث . قال : فإن قلتَ قد قال الله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ، وقد قال تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، وقد فسّر الإعتداء بالجهر في الدعاء ، فالجواب في الآية الأولى من ثلاثة أوجه ، أحدها ما ذكره السادة الصوفيّة أنّ الأمر في الآية خاصّ بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم الكامل المكمّل ، وأمّا غيره ممّن هو محلّ الوسواس والخواطر الرديئة فمأمور الجهر لأنّه أشدّ تأثيرا في دفعها . والجواب في الآية الثانية من وجهين ، أحدهما أنّ الراجح في تفسير الإعتداء أن يجاوز المأمور به ويخترع دعوة لا أصل بها في الشرع ، الثاني ، على تقدير التسليم ، فالآية في الدعاء لا في الذكر ، والدعاء بخصوصه الأفضل فيه الإسرار لأنّه أقرب إلى الإجابة ، ومن ثَمَّ استحبّ الإسرار بالاستعاذة في الصلاة اتّفاقا . اهـ .
ومن كلام سيّدي عليّ الخوّاص : ينبغي للمريد أن يذكر بقوّة تامّة مع الجهر فإنّه أشدّ تأثيرا في جمع شتات قلبه ، وينبغي له أيضا أن يذكر مع جماعة ، فإنّ ذكر الجماعة أكثر تأثيرا في رفع الحجب لكون الحقّ تعالى شبّه القلوب بالحجارة ، ومعلوم أنّ الحجر لا ينكسر إلاّ بقوّة جماعة ، فكذلك قساوة القلب لا تزول إلاّ بذكر جماعة مجتمعين على قلب واحد لأنّ قوّة الجماعة أشدّ من قوّة شخص واحد . وأمّا من حيث الثواب ، فلكلّ ثواب نفسه وثواب سماع رفقته . اهـ .
وفي البحر المورود في المواثيق والعهود للشيخ الشعراني : أخذ علينا العهد أن نكون هيّنين في يد إخواننا المسلمين ما لم يدعونا إلى مذموم شرعا ، وفي الحديث الوارد في الأمر بتسوية الصفوف « ولينوا في يد إخوانكم » ، واعلم يا أخي أنّ من جملة اللين أنّك إذا دخلت على جماعة يذكرون الله تعالى عل طريقة المغاربة أو العجم أو الشنّاويّة ، بفتح ، أو الرفاعيّة أو غيرهم أن تذكر كأحدهم في النغمة والصوت ولا تخالفهم فتشوّش عليهم ولا تسكت فيفوتك أجر الذاكر . وفيه : أخذ علينا العهد أن نبسط لكلّ من تعرّف بنا من أبناء الدنيا بساط التشوّق إلى طريق الفقراء وإلى محبّة ذكر الله صباحا ومساء ، ليلا ونهارا ، فإن أحب ذلك وواظب عليه قرّبناه وعددناهمن جملة الأصحاب ، وإن لم يُجبْ إلى ذلك ، فإن استثقل جلوسه معنا في مجالس الذكر ونحوها ، وتعلّل بالنوم مثلا عددناه من معارفنا لا من أصحابنا ، ذلك لأنّ الصاحب شرطه أن يشرب من مسقاة صاحبه مع ارتفاع الحاجز بين قلبه وبين صاحبه كما يرتفع الحاجز بين الحوضين ويصيران حوضا واحدا وماء واحدا . أهـ .
وفيه : أخذ علينا العهد ... إلى أن قال : وينبغي للشيخ معاتبة كلّ من غاب من الفقراء عن صلاة الجماعة أو عن مجلس الذكر ولو بالنوم في البيت بحجّة الوفاء بحقّ العيال . وإذا كان الفقراء في مجلس وِرْدِهم فلا ينبغي لأحدهم الإنصراف إلاّ بإشارة شيخ المجلس وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ، ومجلس الذكر أمر جامع يقين . اهـ .
وفيه : أخذ علينا العهود أن نأمر إخواننا بتعظيم الذاكرين لله تعالى والذاكرات من نسبتهم إلى مجالسة الحقّ عزّ وجلّ حال ذكرهم في قوله تعالى : « أنا جليس من ذكرني » ، أيّ أنا معه ، ومن كان الحقّ تعالى معه لا ينبغي لمن له دين أن يتعرّض له بأن ينوي له سوءا في وقت من الأوقات ، وهذا الأمر ، وإن كان واجبا في حقّ المسلمين ، فهوفي حقّ الذاكر أشدّ وجوبا . قال : وما رأينا أحدا آذى الفقراء والصالحين أو أنكر عليهم بغير طريق شرعيّ ومات على نعت استقامة أبدا . وفي الحديث القدسيّ « من آذى لي وليّا فقد آذنته بالحرب » . اهـ . قال : وعلامة الوليّ الذي لا شكّ فيه أن يكون مكثرا لذكر الله تعالى . ويؤيّده قول أبي عليّ الدقّاق رحمه الله تعالى : الذكر منشور الولاية فمن وفّق للذكر فقد أعطى المنشور . أهـ . قال : فعلم أنّه لا ينبغي لأحد أن يمنع الذاكرين من رفع الصوت بالذكر في المساجد ونحوها إلاّ بطريق شرعيّ يسوّغ له الإنكار فيها ، كأن يشوّش على نائم أو مصلي أو مطالع في علم شرعيّ ونحو ذلك ، فليبتعد المانع لهم نفسه ، والله بكلّ شيء عليم . إنتهى كلام سيّدي عبد الوهّاب الشعراني رضي الله تعالى عنه ، وهو نفيس .
وقال سيّدي جلال الدين السيوطي في السيف القاطع اللاّمع لأهل الإعتزال الشوانع : وبعد ، فقد وقع السؤال بأنّ مشايخ الإسلام رضي الله تعالى عنهم سألوا عن جماعة صوفية يجتمعون في مجلس ذكر وتذكير ثمّ أنّ بعضهم يقوم ذاكرا هائما لوارد يحصل له ، فهل يلام على ذلك مختارا كان أو غير مختار ، أينكر عليه أو يمنع ويزجر أم لا ؟ أفيدوا مع البسط أثبتم بالجنّة . فأجاب شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني بأنّه لا إنكار في ذلك ، وليس لمانع منعه ويلزم المتعدي بذلك التعزير . وكذا أجاب العلاّمة برهان الدين الانباسي بمثل ذلك ، وزاد أنّ صاحب الحال مغلوب والمنكِر محروم ما ذاق لذّة التوحيد ولا صفا له المشرب ، إلى أن قال : وبالجملة فالسلامة في التسليم للقوم . وأجاب بنحو ذلك أئمّة من الحنفية والمالكية وكتبوا على ذلك بالموافقة . قال الشيخ المطالع النقّال جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى ، بعد نقل هذه الأجوبة : وكيف ينكر الذكر قائما والقيام ذاكرا ، وقد قال تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : « كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكر الله تعالى على كلّ أحيانه » . فإذا انضمّ إلى هذا القيام رقص أو وجد ونحوه فلا إنكار عليهم فإنّ ذلك من لذّات الشهود والمواجيد ، وقد ورد في بعض طرق الحديث رقص جعفر بن أبي طالب بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين قال له : « أشبهت خلقي وخلقي » من لذّة هذا الخطاب ، ولم ينكر عليه ذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فكان هذا أصلا في الجملة في رقص الصوفية ووجدهم ممّا يدركونه من لذّات المواجيد . وقد صحّ القيام والرقص في مجالس الذكر والسماع عن جماعة من أكابر الأئمّة ، منهم شيخ الإسلام وسلطان العلماء عزّ الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى . قال الشيخ الفاضل الكامل يوسف العجمي في رسالته في فضل آداب الذكر سبعة عشرة ، بعد عدّ الكلّ ، قال : وهذه الآداب تصعب على المبتدي وتسهل على غيره ، وكلّها إنّما تلزم الذاكر إذا كان واعيا في عقله ومختارا في ذكره ، أمّا إذا غاب عن عقله فللغيبة أحكام ، يدركها صاحبها أو لم يدركها . وسلب الذكر اختيار الذاكر ، فلا حرج على الذاكر ما دام هو مسلوب الإختيار كيف شاء على أنواع مختلفة كلّها محمودة وصاحبها مشكور عليها ، فلها كلّها أسرار . فربّما يجري على لسانه الله الله الله ، أو هو هو هو ، أو لا لا لا لا لا لا لا ، أو آ آ ( بالمدّ ) ، أو ااااااا ( بالقصر ) ، أو آه آه آه آه آه آه ، أو ها ها ها ها ها ها ، أو ... ، أو عياط بغير حرف أو صرع وتخبيط . فأدبه في ذلك الوقت أن يسلّم نفسه في وارده يتصرّف فيه كيف يشاء لأنّ الذاكر إذا نوى الذكر بقلبه وابتدأ بلسانه لفظ لا إله إلاّ الله ثمّ سلب اختياره في تلك النيّة فهو ذاكر الله تعالى على أيّ حالة كان لأنّ المنظور إليه هوالقلب والنيّة كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : « إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم بل ينظر إلى قلوبكم ونيّاتكم » ، وقال عليه السلام : « إنّما الأعمال بالنيّات » ، وقال تعالى لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ، والتقوى لا تكون إلاّ بالقلب والنيّة ، والأصل منعقد على النيّة . وكذلك بعد سكون وارده يكون في تسليمه بالسكون والسكوت ما استطاع متلقيا لوارده أيضا . ثمّ قال بعد ذلك : قد اعترض بعض الفضلاء على الذكر بالجهر مستدلاّ بقوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم : « خير الذكر ما خفي » ، والجواب : أنّ الله تعالى خاطب عامّة عباده بمثل أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ، وخاطب الخاصّ بمثل قوله أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ ، وخاطب سيّد أهل الحضرة محمّدا صلّى الله عليه وسلّم بعد أن عرّفه بربّه ونفسه ، وأراه كيف مدّ الظلّ بمثل قوله تعالى : َاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ، وقوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ، فمن لا يعرف ربّه ولا نفسه ولا أراه كيف مدّ الظلّ كيف يذكر ربّه في نفسه ؟ أو كيف يرى مدّ الظلّ ؟ بل هم المخاطبون بمثل قوله تعالى : اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وأمّا الذكر الخفيّ ما خفى عن الحفظة لا ما يخفظ به الصوت ، وهو أيضا خاصّ به صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، ومن له به إسوة . فالذاكرون إذا كانوا مجتمعين على الذكر فالأوْلى في حقّهم رفع الصوت بالذكر والقوّة ، وأمّا إذا كان الذاكر وحده ، فإنْ كان من الخواصّ فالإخفاء في حقّه أوْلى ، وإن كان من العوامّ فالجهر في حقّه أوْلى . وقد شبّه الغزالي رحمه الله تعالى ذكر شخص واحد وذكر جماعة مجتمعين بمؤذّن واحد وجماعة مؤذّنين ، فكما أنّ أصوات الجماعة تقطع جرم الهوى أكثر من صوت رجل واحد فكذا ذكر جماعة على قلب واحد أكثر تأثيرا في رفع الحجب من ذكر شخص واحد ، ومن حيث الثواب فلكلّ واحد ثواب نفسه وثواب ذكر رفقته . وأمّا قولنا أكثر تأثيرا في رفع الحجب فلأنّ الله تعالى شبّه القلوب بالحجارة في قوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ، ومعلوم أنّ الحجر لا ينكسر إلاّ بقوّة ، فقوّة ذكر جماعة مجتمعين على قلب واحد أشدّ من قوّة ذكر شخص واحد ، ولهذا قال نجم الدين الطبري قدّس الله روحه : أنّ القوّة شرط الذكر ، واستدلّ بهذه الآية ، والله تعالى أعلم . وكذا سئل شيخ الإسلام ورأس المحدّثين والحفّاظ ، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني قدّس الله سرّه عن جماعة من المسلمين ، طلبة علم وفقراء ، يجتمعون في مسجد جماعة يصلّون الفريضة جماعة ثم يذكرون الله تعالى ويسبّحونه ويحمدونه ويكبّرونه بالوارد في السنة الصحيحة المأثورة وغير ذلك عن السلف الصالح ، ويختمون ذلك بقراءة الفاتحة ثمّ يذكرون الله لا إله إلاّ الله بهئة اجتماعيّة يصدر عنها رقّة في قلوبهم ووجْد وشغف وشوق واستغراق في وحدانيّة معبودهم ، فمنهم من يسمع منه توحيد بلفظ الجلالة فقط الله الله ومنهم من يسمع منه آه آه . فإذا انتهى بهم هذا الاستغراق ختم واحد منهم بلا إله إلاّ الله محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ويختم بالفاتحة كذلك ، ويختم باقي الجماعة كذلك ، ثمّ يدعون ويتفرّقون ، هذا دأبهم وحالهم . فأنكر عليهم شخص قائلا : هذا الاجتماع ورفع الصوت بالذكر بدعة ، وقال آخر : هؤلاء كلاب يعوون ، وقال آخر : الذكر بالجهر ليس له أصل لقوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ، الآية ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « خير الذكر ما خفي » ، فهل يجوز ما يفعله هؤلاء بهذه الهيئة الذكر جهرا ؟ أو هل يستحبّ أم لا ؟ ثمّ أنّ بعض المنكرين أراد أن يدخل عليهم عند اشتغالهم بالذكر قارئ القرآن ، فإذا لم يبطلوا بالذكر ويستمعوا القرآن ويسكتوا فقد خالفوا قول الله تعالى فيدّعي عليهم حينئذ أنّهم خالفوا الله تعالى ، فهل لهم ذلك أم لا ؟ وهل يجب على الذاكرين حينئذ السكوت والإستماع ويأثموا إذا لم يستمعوا أم لا ؟ وماذا يجب على المنكر عليهم ومن يؤذيهم بالقول والفعل ؟ أفيدوا مثابين . فأجاب رحمة الله عليه : نعم يجوز الذكر جهرا وإن كان الإسرار أفضل ، ولا يلزم من كون الشيء أفضل من الشيء سلب الفضل عن المفضول ، بل قضيّة ذلك أن يشتركا في أصل الفضل ويزيد أحدهما . وليس أفضليّة الذكر سرّا لذات السرّ خاصّة ، ولا مفضوليّة الذكر جهرا لذات الجهر ، بل أفضليّة السرّ في الذكر لبعده عن الرياء بحيث يِؤمن الرياء في الجهر للمحذور الأوّل عنه ، وإنّما قلت انتفى المحذور الأوّل لأنّه إذا سلم الجاهر من الرياء لم يأمن من العجم ، فإن آمن منه انتفى المحذور الثاني ، فإن انضاف إلى ذلك إيقاف غافل أو تنبيه ذاهل لم تبعد رجحانية الجهر .
قلتُ : قال في الخلاصة المرضيّة ، قال حجّة الاسلام الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء : وعمل السرّ يزيد على عمل الجهر ضعفه ، وعمل الجهر يزيد على عمل السر ضعفيْه إذا قصد به الإقتداء . اهـ . قال ابن حجر : أمّا من قال إنّ رفع الصوت بالذكر بدعة فلم يصب لأنّه ثبت في الصحيح من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنه أنّ رفع الصوت بالذكر كان على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين ينصرف الناس من المكتوبة . ثمّ قال : وأمّا من قال هؤلاء كلاب يعوون فقد أخطأ خطأ شنيعا ، وقال : قولا يكاد قائله أن يقع في الكفر من جهة تشبهه أصوات الذاكرين بما ذكر ويستحقّ على إطلاق ذلك التعزيز البليغ اللائق بمثله . وأمّا من قال إنّ الذكر جهرا ليس له أصل فلم يصب أيضا ، بل له أصل أصيل كما تقدّم تقريره كما ستأتي أدلّته .
قلتُ : وقوله " وكما ستأتي أدلّته " يعني من الأحاديث الصحيحة المصرّحة بترغيب الاجتماع للذكر والجهر به ، فإنّه رضي الله تعالى عنه أخّر ذكرها ونحن قدّمنا ما أردنا إراده منها أوّل الفصل مع زيادة ، فلا نعيد ذكرها . ثمّ قال : وأمّا من قصد قراءة القرآن عند الذين يذكرون الله تعالى ليمنعهم من الذكر فقصده غير صواب لأنّهم في عبادة ، وقراءة القرآن عبادة ، فلا تترك أحدهما للأخرى . ثمّ إن كان ذكرا لازما يقع في مسجد قد جرت فيه عادة الناس باستمرار الصلاة فيه ويقع لمن يصلّي فيه تشويش على خشوعه وعبادته فينبغي مراعاة مصلحة المصلّين . وأمّا قول القائل : إذا لم يستمعوا القرآن خالفوا قول الله تعالى ، فكأنّه يشير إلى قوله تعالى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ، وقد اختلف العلماء في هذا الأمر هل لوجوب مطلق أو للندب أو للوجوب في بعض الصور دون بعض مع اتّفاق جمهورهم على أنّه مخصوص بحالة الصلاة ، وزاد بعضهم وفي الخطبة ، وقال بعضهم إنّما ذلك في الصلاة المفروضة ، أخرجه ابن جرير الطبري بإسناد رجاله ثقات ومن طريق طلحة بن عبد الله بن كرير قال رأيت عبد الله وعطاء يحدّثاني والقاصّ يقصّ ، فقلت : ألا تسمعان ؟ فنظرا إليّ ثمّ حدّثا ، فقلت ذلك ثلاثا ، فقالا : إنّما ذلك في الصلاة . وعن بض الفضلاء : أنّ الأمر خاصّ بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وهو المأمور بالإنصات عند نزول الوحي بقوله تعالى : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ، قال ابن عبّاس : أيّ أنصت له ، فكان بعد ذلك إذا جاء الوحي أنصت له ، الحديث . وعلى تقدير حمل الأمر على عمومه ، فلا يليق بمن له دين أن يعمد إلى الناس في عبادة فيتسبّب في قطعها عليهم ، وقال العلماء فيمن صلّى إلى غير سترة في طريق المارّة وكانت له مندوحة في أن يصلّي في غير ذلك المكان : أنّه لا إثم على المارّة لأنّ المصلّي تسبّب إلى ذلك ، فكذلك هنا ، إذا تعمّد قراءة القرآن عند من يذكر الله تعالى لاعتقاده أنّ استماع القرآن واجب فيقطع الذاكر ذكره ويستمع القرآن لا يجب عليه في هذه الحالة أن يستمع ، وقد قال العلماء في الداعي المستغرق في الدعاء : لا يشرع السلام عليه ولا يجب الردّ في ذلك الحال ، فكذلك هذا الذاكر إذا استغرق في ذكره ، وإذا سقط عنه ما هو واجب لولا الذكر فيسقط الإستماع عنه وهو واجب عليه في هذه الصورة المذكورة . اهـ .
قلتُ : فلمّا أجاب ابن حجر ممّا تقدّم ، كتب أئمّة من أهل المذاهب الأربعة بموافقة ما كتب وسلّموه واعترفوا بصحته ، ونصّه ، كما في السيف القاطع اللامع : " ونقل من خطوط ساداتهم وموالينا مشايخ الاسلام متّع الله تعالى بوجودهم الآنام وأدخلهم الجنّة بسلام بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم وآله . فممّا كتبه سيّدنا مولانا قاضي القضاء شيخ الاسلام كمال الدين القادريّ الشافعيّ نفع الله تعالى بعلومه في الدنيا والآخرة ( الحمد لله الذي خصّ أولياءه بلطائف النعم ، وعمّ أصفياءه بمزيد الكرم ، وكتب لهم السعادة من القدم ، وأقامهم في الخدمة على قدم ، وشغلهم بالذكر والفكر عمّا وجدوه كالعدم ، والصلاة والسلام على المبعوث إلى العرب والعجم ، والمبعوث بالخُلُق العظيم وكرائم الشيم ، سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم المرسل إلى سائر الأمم ، الذي كمّل الله تعالى به الأنبياء وختم ، وعلى آله وأصحابه مصابيح الظلم ، وبعد : فقد وقفت على ما سطر أعلاه ، من رفع الله قدره وأعلاه ، وضاعف لمن ذكر فيه الثواب ، وكر على من أنكر عليه أليم العذاب ، وكيف وقد ذكر الله تعالى الذاكرين في محكم الكتاب : ولكن إنما يتذكر أولوا الألباب ، ولقد أجاد العلماء في الجواب ، واهتدوا إلى الصواب ، ومن وقف على ما فيه من الأحاديث الشريفة ، وفهم منه الإشارات اللطيفة ، عرف الحقّ الذي يجب اتّباعه والباطل الذي يتعيّن اجتنابه ، فسلّم والتسليم أسلم والله تعالى بحقائق الأمور أعلم ، تمّ وكمل ) . وممّا كتبه سيّدنا ومولانا قاضي القضاء ، شيخ الاسلام ، نور الدين الطرابلسي الحنفي ، نفع الله تعالى بعلومه في الدنيا والآخرة ( الحمد لله العليّ الأعلى الجواب كذلك تمّ وكمل ) . وممّا كتبه سيّدنا ومولانا قاضي القضاء ، شيخ الاسلام ، شرف الدين الدميري المالكي ، نفع الله تعالى بعلومه في الدنيا والآخرة ( الحمد لله العالم بحقائق الأمور على ما هي عليه ، وبعد : فقد وقفت على ما سطر في هذه الأوراق ، وتأمّلت على ما بها ممّا عذب وراق ، وما فيها من الألفاظ الحسنة الفصاح والأحاديث الشريفة الصحاح ، وجواب الأئمّة الأعلام علماء الدين والاسلام ، ولا شكّ في صحّة أجوبتهم وما ذكروه ونقلوه وحرّروه ، ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة ، وأن يعاملنا بفضله أحسن المعاملة فإنّ الفقير لما أنزل الله تعالى إليه من خير فقير معترف بالعجز والتقصير ، وليس أهلا لأن يجوز هذا الحال ولا أن يفوّه بمثل هذا المقام ، ولم يسطّر ذلك إلاّ للإمتثال ، قال ذلك تمّ وكمل ) . وممّا كتبه سيّدنا ومولانا ، قاضي القضاء ، شيخ الاسلام شمس الدين الفتوحي الحنبلي ، نفع الله تعالى بعلومه في الدنيا والآخرة ( الحمد لله الذي بيده الفضل يؤتيه من يشاء ، فرأيت جوابا مع سؤال من الله زيادة الأنعام كما أفاده ساداتنا وعلماؤنا وموالينا قضاة القضاء ومشايخ الإسلام متّع الله بهم الأنام وأدخلهم وإيّانا بسلام ، والله سبحانه وتعالى للغيوب علاّم ، تمّ وكمل ، وبعد فإنّي أقول لمّا طالعت ما كتب في هذه الصحيفة من أقوال العلماء الأعلام الذين أجروا فيها لبيان الحقّ أقلام الاعلام جزاهم الله عنّا خير الجزاء من دار السلام ، فقبلته ، وقد أصابوا فيما أجابوا وأجادوا فيما أفادوا وأنعموا فيها أمعنوا ، والله بيده الفضل يؤتيه من يشاء وكمل . اهـ .
وفي لواقح الأنوار القدسيّة : فقد وقع للجنيد أنّ الإمام ابن شريح قال له : إنّ رفْع أصواتكم بالذكر يؤذي حلقتنا ، فقال له : ينبغي مراعاة أقرب الطريقين إلى الله تعالى ، وقال ابن شريح : فإذا وجب مراعاة طريقتنا لأنّها أقرب إلى الله تعالى من طريقتكم ، فقال الجنيد : وما علامة القرب ؟ قال ابن شريح : أن يكون الغالب عليه شهود ، فقال الجنيد : هذا عليكم لا لكم ، لأنّ الغالب عليكم إنّما هو مقام أحكام دين الله تعالى لا الله ، فقال ابن شريح : نريد حالة يقع الامتحان بها ، فقال الجنيد : يا فلان ، خذ هذا الحجر وألقه في حضرة هؤلاء الفقراء ، فصاحوا كلّهم الله الله ، ثمّ قال : خذ هذا الحجر وألقه بين هؤلاء الذين يطالعون العلم ، فقالوا : حرام عليك ، فقال ابن شريح : الحقّ معك يا أبا القاسم . وكان سيّدي عليّ الخوّاص رحمه الله تعالى يقول : من علامة ترجيح ذكر الله تعالى على قراءة العلم نقله على الإنسان وهو يطالع في الروح وخفّة ذكر الله تعالى ، فإنّ المشرف على الانتقال من هذه الدا جب عليه إستغنان ما هو الافضل ، فلو كان تعلّم مسائل الفقه والنحو والأصول لما انتقلت على لسان المحتضر ، وأهل الله تعالى ، لقصر أملهم ، كانوا محتضرين في كلّ وقت .
وذكر الشعراني أيضا منلا عبد اللطيف ، كبير المفتين في مدينة توريز ، سعى في إبطال مجلس الذكر المتعلّق بالشيخ عمر في الجامع الكبير ، وقال : المسجد إنّما جعل بالأصالة للصلاة ، وكان يحضر ذلك المسجد نحو خمسة آلاف نفس ، وقال الشيخ عمر : فإذا ذكرنا بخفض الصوت تمنعنا لذلك ؟ قال : لا ، فقال الشيخ عمر : معاشر الفقراء ، أخفضوا أصواتكم بالذكر ، ومن قوي عليه وأراد رفع الصوت فليرد وليكتمه ما استطاع ، ففعلوا ، فحمل من ذلك المجلس في ذلك اليوم نحو خمسمائة نفس مرضى ، واحترفت أكباد نحو أربعة عشرة نفس وخرجت من أجنابهم ، فماتوا ، قال شيخ ممّن حضر : فجسست بيدي على أكبادهم فوجدتها مشويّة محروقة فتتفتت كالكبد المشويّ على الجمر . فأرسل الشيخ إلى منلا عبد اللطيف وجماعة ، وقال : هل يقول عاقل أنّ مثل هؤلاء الذين ماتوا لهم تفعل في الموت ، فطبقت دار منلا عبد للطيف تلك الليلة عليه وعلى أولاده وعياله وبهائمه وغلمانه ، فلم يسلم منه أحد وماتوا أجمعون ، وكان يوما مشهودا في توريز . فعلم أنّه ينبغي بطالب العلم أنّه يتلطّف في العبارة للذاكرين ولا يقوم عليهم كقيامه على من يخرجه من الدين ، بل فعله ذلك أن ينكر أنّه كالمنع من الدين ، ولو احتضر عظمة الله لما استطاع أن ينطق بكلمة واحدة في الذاكرين له ، فلازم يا أخي محلّ الذكر وانصر أصحابه بالطريق الشرعيّ إكراما لله تعالى وتعظيما له . اهـ . كلام الشعراني رضي الله عنه .
وفي شرح آخر أقرب المسالك لمذهب الامام مالك ورد : ليس أحد أبغض عند الله ممّن كره الذكر والذاكرين ، وقال ، بعد كلام : قد ورد ما يدلّ على عظم فضل الذاكر والذكر ، وبغض الله تعالى من يبغض الذاكرين ، وقال ، بعد كلام : ورد « ما عاداني أحد ما عادى الذاكرين » ، فنعوذ بالله من بغض أهل الله المشغولين بذكره . وبالضرورة من يذكر المنعم عليك الرؤوف الرحيم فإنّك تحبّه ولا يبغض ذاكره إلاّ لئيم وشقيّ ، وكيف يكره من في قلبه إيمان ذاكر الكلمة الطيّبة والكلم الطيب والقول السديد والقول الصواب وكلمة التقوى ودعوة الحقّ ؟ . اهـ .
قلتُ : ولنا في هذا المقام من كلام الرجال ما يطول جلبه ، وقد ذكرنا في كتابنا " سيوف السعيد " ما يشفي العليل ويروي الغليل ، فراجعه إن شئت ، وفي هذا القدر كفاية لكلّ من له عناية ، وأمّا غيره ، فكما قال فيه مولانا سبحانه وتعالى : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ .
والله تعالى الموفّق بمنّه للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>