البحث في نفحات7
 

 نفحات7 ـ الرّماح ـ االفصل السابع والعشرون
الرّئيسية > مكتبة على الخطّ > الرّماح - فهرس الجزء الأوّل > الفصل السابع والعشرون


في إعلامهم أنّ الذكر المعتبر عند أهل الله تعالى الذي يكون به الفتح والوصول إلى الله تعالى هو المأخوذ بإذنه والتلقين من شيخ واصل مرشد تتّصل صحبته وطريقته بالحضرة النبويّة لا ما يأخذه الانسان بنفسه .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهوالهادي بمنّه إلى سواء الطريق ، إعلم أنّ الذكر المأخوذ عن غير شيخ أو عن شيخ غير مفتوح عليه ، عارف هلاك صاحبه أقرب من سلامته ، لا سيما أسماء الله تعالى . قال الشيخ أحمد بن المبارك : وسمعته ، يعني عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ، يتكلّم على الذين يذكرون أسماء الله في أورادهم ، وقال رضي الله تعالى عنه : إنْ أخذوها عن شيخ عارف لم تضرّهم ، وإنْ أخذوها من غير عارف ضرّتهم ، فقلت : وما السبب في ذلك ؟ فقال رضي الله تعالى عنه : الأسماء الحسنى لها أنوار من أنوار الحقّ سبحانه ، فإذا أردت أن تذكر الإسم ، فإنْ كان مع الاسم نوره الذي يحجب من الشيطان وأنت تذكره لم يضرّك ، وإنْ لم يكن مع الإسم نوره الذي يحجب من الشيطان حضر الشيطان وتسبّب في ضرر العبد . والشيخ إذا كان عارفا وهو في حضرة الحقّ دائما ، وأراد إسما من أسماء الله الحسنى لمريده ، أعطاه ذلك الاسم مع النور الذي يحجبه ، فيذكره المريد ولا يضرّه . ثمّ النفع به على النيّة التي أعطاها الشيخ ذلك الاسم بها ، فإنْ أعطاه بِنِيّة إدراك الدنيا أدركها أو بنيّة إدراك الآخرة أدركها أو بنيّة معرفة الله تعالى أدركها ، وأمّا إنْ كان الشيخ الذي يلقّن الاسم محجوبا فإنّه يعطي مريده مجرّد إسم من غير نور حاجب فيها ، فيهلك المريد ، نسأل الله تعالى السلامة . اهـ .
وقال شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : فعلى العبد ملازمتها ، يعني الأحكام التكليفيّة المتفرّقة في الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة ، والدؤوب على ما يقدر عليه منها بدوام معانقة الذكر معها ، ويعني بالذكر الذي يكون بتلقين شيخ واصل لا الذي يأخذه العبد باختياره ، مع دوام الإستناد بالقلب إلى شيخ واصل ، فإنّ بدوامه على هذه الأمور يصل العبد إلى أن ينار له السرّ الربّانيّ الذي بسببه يصل إلى التطهير الأكبر المذكور أوّلا الذي هو غاية الغايات ومنتهى الرغبات المعبّر عنه في الإشارة عن الله تعالى ، يقال عنه : ( من كشفت له عن صفاتي ألزمته الادب ومن كشفت له عن ذاتي ألزمته العطب ) ، وهذا العطب غاية منتهى الأرب ، ومنتهى مطلب العبد ، فإنّ هذا العطب هو محلّ الإستهلاك في الحقّ حيث يسلب العبد من أوصافه البشريّة ويلبس خلعة إلإتّصاف بالأوصاف الربّانيّة . إنتهى ما أردنا نقله من كلامه رضي الله تعالى عنه وعنّا به .
وقال في تحفة الإخوان : والخلاف الخامس ، يعني من أصول التقوى الحقيقية ، دوام الذكر الذي لقّنه له شيخه لا يتجاوزه إلى غيره إلاّ بإذنه إلاّ الأوراد المخصوصة بطريق شيخه . ثمّ قال ، بعد كلام : ومنها ، يعني من الآداب التي تطلب من المريد في حقّ الشيخ ، ملازمته الورد الذي رتّبه فإنّ مدد الشيخ في ورده الذي رتّبه ، فمن تخلّف عنه فقد حرم المدد وهيهات أن يصحّ في الطريق . ثمّ قال ، بعد كلام : ومنها ، يعني ومن الآداب التي تتعلّق بالمريد في نفسه : أن يأخذ بالأحوط في العبادة ، لا ينتظر بذكره وعبادته ثوابا ولا فتحا ، وإنّما يعبد الله تعالى ، إلى أن قال : لكنّه لا يشتغل إلاّ بأوراد الطريق وما أذن له فيه الشيخ . اهـ .
وقال السيّد محمّد الغوث رضي الله تعالى عنه في جواهره : فذكر العامّة كلمة الشهادة أو غيرها من التسبيحات ، والذكر الخاصّ ممّا يكون في تلقين شيخ مرشد عارف بأدواء النفوس يكون أقوى في إزالة الحجب عند الملازمة عن قلب حاضر . اهـ .
وقال في كتاب التطورات : إعلم أنّ الصدر مملوء ومحشوّ بالأخلاق الظلمانيّة التي تظهر بها من بني آدم الآثار الخبيثة ، فلا بدّ له أن يزكّى صدره بأخذ التلقين من الشيخ الكامل حتّى يدخل في طور القلب الذي هو مستعدّ للتزيّن بالأخلاق الحميدة والأنوار المشروحة بحسب الاستعداد ، وإليه أشار ربّ العزّة بقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . ومن دخل فيه بالخلاء عن الأخلاق الذميمة بواسطة التوحيد الجهريّ يرى شجرة التوحيد نورا مملوءا بأغصان الإثمار في العلم الإنسان بحسب الاستعداد ، ثمّ يرى السماء مصفّى أو مملوءا بالنجوم ، والقمر صافيا عن السحب المعنويّ ، ويرى البساتين والجبال مع العيون وغير ذلك . فلا بدّ للسالك في وقت الطلب أن يتّقي الله بالتجرّد عن الأخلاق الذميمة حتّى يتزيّن قلبه بهذه المذكورات من أنوار ذاته الغيبيّة ويفي بعض أفعاله في نور أفعال الله تعالى فيظهر منه آثار الأخلاق الحميدة ، كالتسليم والتفويض والتوكّل والقناعة وغيرها في طريقه بالنظر إلى بعض المشارب ويرى بنظره وتوجّهه إلى مرآته ماذا كسب من الاستعداد إلى القيامة الوسطى ، أعني فناء صفاته في نور صفات الله تعالى ، بل إلى القيامة الكبرى ، وهي الفناء في الله بحسب الاستعداد ، وإليه أشار حبيب ربّ العزّة بقوله : « قلب المؤمن مرآة الله » ، وإليه أشار ربّ العزّة بقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ . واعلم أنّ هذا النداء للمؤمنين الطالبين الداخلين في طريق الله تعالى لأجل مشاهدة أنوار الأفعال والصفات وغيرها يأخذ التلقين من الشيخ المأذون إلى أن ينتهي محمّد صلّى الله تعالى عليه وسلّم .
وقال في الخلاصة المرضيّة : قال الشيخ جبريل الحرمباذي رحمه الله تعالى : وها هنا أصل أصيل يجب رعايته ، فإنّ الذكر بدون رعايته لا يوصل إلى المقصود ، وإن كان لا يخلو عن فائدة مّا ، وهو أن يكون تلقين الذكر من شيخ مرشد تتّصل صحبته وطريقته بالحضرة النبويّة ، فإنّ الذكر بدون التلقين مثل النشاب الذي يشترى من صانعه ، ومثل الذكر يكون بتلقين الشيخ مثل النشاب الذي يؤخذ من السلطان ، فإنّهما وإن تساويا في النشابيّة ودفع الخصم ولكن أين نشاب النبّال من نشاب السلطان في الناس والوقع وحماية صاحبه وولايته وكلّ من يتعلّق به ، والله تعالى أعلم . اهـ .
وقال الشيخ أحمد المبارك في الإبريز أنّ شيخه عبد العزيز بن مسعود الدبّاغ رضي الله تعالى عنه سئل ، وهوحاضر ، عن فائدة تلقين الورد الذي يعطيه الأشياخ ، فقال رضي الله تعالى عنه للسائل : تسألني عن الصادقين أو عن الكاذبين ؟ فقال : عن الصادقين ، فقال رضي الله تعالى عنه : فائدته أنّ الله تعالى حفظ على هذه الأمّة دينها بهذه الشريعة المطهّرة التي إذا فعلت في الظاهر حفظت الإيمان في الباطن ، وأنّ الشيخ الصادق معمور الباطن بالمشاهدة مع الحقّ سبحانه حتّى أنّ المريد إذا قال لا إله إلاّ الله قبل أن يلقى الشيخ الكامل يقولها بلسانه وقلبه غافل ، والشيخ يقولها بالباطن لعظيم مشاهدته للحقّ ، فإذا لقّن المريد صارت حالته في المزيد ، فلا يزال يترقّى إلى أن يبلغ مقام الشيخ إن قدّر الله تعالى له ذلك . ثمّ ضرب مثلا الحكاية الشهيرة التي وقعت لملك له ولد عزيز عليه ، ثمّ نزل بحضر عظيم فجمع الأطبّاء لدواء ولده وتوعّدهم بوعد شديد إن لم يبرئوا ولده . فاتّفق الأطبّاء على أنّ دواء ولده في عدم أكل اللحم ، فذكروا ذلك للولد فأبى عليهم وقال : لا أترك اللحم ولو خرجت روحي في هذه الساعة . فحار الأطبّاء ودهشوا في أمرهم ونزل بهم ما لا يطيقونه حيث امتنع الولد من إتّباع سبب الشفاء ، وألحّوا عليه المرّة بعد المرّة لم يزده ذلك إلاّ نفورا . فذهب رجل منهم واغتسل ، وتضرّع إلى الله تعالى ونوى أن لا يأكل اللحم ما دام المريض لا يأكله ، ثمّ جاء إلى المريض فقال له : لا تأكل اللحم ، فامتثل أمره وسمع قوله وبرئ لحينه ، فتعجّب بقيّة الأطبّاء من ذلك ، فأخبرهم بما فعل . فقال رضي الله تعالى عنه : وأيضا ، فإنّ أهل العرفان من أولياء الله تعالى إذا نظروا إلى ذوات المحجوبين فرأوا ذاتا طاهرة قابلة لحمل سرّهم مطيقة له فإنّهم لا يزالون معها بالتربية بتلقين الذكر وغيره ، ويكون هذا المطيق للسرّ هو مقصود الشيخ لا غير ، فإذا جاء إلى الشيخ غيره ممّن ليس بمطيق وطلب منه التلقين فإنّه لا يمتنع لأنّه لا يقطع على أحد ، فلذا تجد الشيوخ يلقّنون كلّ أحد ، مطيق كان أم لا . مع فائدة أخرى تظهر في الآخرة ، وذلك أنّه صلّى الله عليه وسلّم يكون بين يديه يوم القيامة لواء الحمد ، وهو نور الإيمان . اهـ .
قال الإمام أبو الحسن عليّ الصعيدي العدوي في حاشيته على الخرشي : ذكر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّ عبد الله بن سلام سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن صفة لواء الحمد ، فقال : « طوله ألف سنة وستّمائة سنة من ياقوته حمراء ، وقضيبه من فضّة بيضاء وزجة من زمرّدة خضراء ، له ثلاث ذوائب ، ذؤابة بالمشرق وذؤابة بالمغرب وذؤابة وسط الدنيا ، مكتوب عليه ثلاثة أسطر ، الأوّل : بسم الله الرحمن الرحيم ، والثاني : الحمد لله ربّ العالمين ، والثالث : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ، طول كلّ سطر مسيرة ألف عام ، قال صدقتَ يا محمّد ، ذكره الشهاب في شرح الشفاء » . إنتهى .
ثمّ قال الشيخ عبد العزيز بن مسعود : وجميع الخلائق خلفه ، من أمّته ومن غير أمّته مع سائر الأنبياء ، وتكون كلّ أمّة تحت لواء نبيّها ، ولواء نبيّها يستمدّ من لواء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وهم مع أممهم على أحد كتفيه وأمّته المطهّرة على الكتف الآخر ، وفيها الأولياء بعدد الأنبياء ، ولهم ألويّة مثل ما للأنبياء ، ولهم من أتباع مثل ما للأنبياء ويستمدّون من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويستمدّ أتباعهم منهم كحال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . فالمريد إذا لم يكن مطيقا فإنّه ينتفع في الآخرة بشيخه الذي لقّنه . قال رضي الله تعالى عنه : ولا ينتفع منه بمجرّد التلقين فقط ومطلق تلفّظه للذكر ، بل حتّى يتعلّم منه كيفية الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ، وينتفع منه بعض النفع في الباطن . اهـ .
قلتُ : ومن هنا يعلم كلّ موفّق سعيد أنّ طريقتنا هذه الأحمديّة الإبراهيميّة الحنيفيّة التجانيّة أسهل الطرق وأفضل ، وأنّ وردنا أجلّ الأوراد وأفضل ، وأنّ أهلها محبوبون ومرادون ومعتنى بهم لأنّ الحبيب المعظّم والمصطفى المكرّم سيّد الوجود وعلم الشهود سيّدنا محمّدا صلّى الله تعالى عليه وسلّم ضمن لولده الأكبر وخليفته الأشهر ، شيخنا ووسيلتنا إلى ربّنا أحمد بن محمّد التجاني ، سقانا الله من بحره بأعظم الأواني ، أنْ لا يموت أحد ممّن تمسّك بأوراده بالتزام شروطها المعلومة إلاّ وليّا قطعا ضمانا لا خلف فيه . وقد فهمت من كلام هذا القطب أنّ كلّ واحد من الأولياء لا مراد له ولا يكون مقصوده إلاّ مطيق حمل سرّه الذي هو وارثه ، وأمّا غيره من تلامذيه فمنهم من صدق يحصل مراده ، ومنهم من لا ، فويل ثمّ ويل لمن يرغب عن طريقة ضمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لجميع من أقبل عليها بالصدق بالولاية ، إختار لنفسه بنفسه ما لا يعرف ، هل يكون مقبولا به أو لا ولو كان ما اختاره صحيحا في نفسه ، وما ذاك والله إلاّ الشقاوة والحرمان ، نسأل الله تعالى السلامة والعافية في الدارين بمحض فضله وكرمه ، والله تعالى الموفّق بمنّه للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>