نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الأوّل
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل الأوّل

في إعلام الإخوان أن الإجابة عن أهل الله ، والذبّ عنهم ، ونصرهم على من يتنقصهم ويريد شينهم بالإنكار عليهم وعلى من ينتسب إليهم ، واجب على كل عالم متدين ، وأن له فيه أجرا عظيما ، وأنهم لا يرد عليهم إلا من أراد الله أن يطفئ نوره ، ويعدم النفع بعلمه وبمؤلفاته إن كان من أهل التأليف لسوء أدبه .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بمنّه إلى سواء الطريق ، إعلم أن مقصودنا الأعظم في تأليف هذا الكتاب المبارك الذبّ عن أعراض أولياء الله ومن انتسب إليهم ممن أراد الله إسعادهم ، والرّد على من ينكر عليهم ممن أراد الله شقاوتهم وطردهم وإبعادهم ، لأن الله قد أمرنا بذلك ، وأمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال سبحانه وتعالى : وتعاونوا على البر والتقوى (1) ، ولا معاونة على التقوى أعظم من نصر العلماء العارفين بالله ، لأن مَن نصَرَهم فقد نصر الله ومن نصر الله ينصره ، ومن خذلهم قد خان الله ورسوله ، ولهذا المعنى قال بعض الفضلاء من أهل الله تعالى :
من لم ير العالم المقبـولا        بالحق خان الله والرسولا
إذ نصره من نصره تعالى        وخذله يشوش الجهـالا
وإذا كان نصرهم من نصر الله ، فلا شك من نَصَرَهُم يَنْصُرُه الله تعالى ، قال تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ (2) ، وقال : وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ (3) ، وقال : وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (4) . وإذا كان خذلانهم خيانة الله ورسوله ، فلا شك في أنه حرام ، وأنه يكون سببا للطّرد والبعد عن رحمة الله دنيا وأخرى ، قال تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (5) ، لأنه قد ثبت أن عدم نصرهم خيانة الله والرسول ، وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (6) ، قال المفسرون : معناه أن الذين يؤذون أولياء الله ، ولا شك أن الإنكار والإعتراض عليهم إذاية لهم .
روى الإمام أحمد بإسناد حسن مرفوعا : « من ذبّ عن عرض أخيه في الغيبة كان حقّا على الله أن يعتقه من النار » ، وروى الترمذي مرفوعا : « مَن ردّ عن عرض أخيه ردّ الله عن وجه النار يوم القيامة » ، وفي رواية « ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (7)» ، وروى أبو داود وغيره مرفوعا : « من حمى مؤمنا من منافق آذاه بعث ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم » ، وروى ابن أبي الدنيا موقوفا : « من نصر أخاه المسلم في الغيبة نصره الله في الدنيا والآخرة » ، وروى أبو داود مرفوعا : « ما من مسلم يخذل مسلما في موضع ينتهك فيه من حرامته وينتقص فيه من عرضه إلاّ خذله الله تعالى في موضع يحب فيه نصرته وما من مسلم ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلاّ نصره الله تعالى في موطن يحبّ فيه نصرته »
قال الشيخ الشعراني في البحر المورود :
أُخِذَ علينا العهد أن نجيب على أئمة الدين من العلماء والصوفية جهدنا ، ولا نصغى أبدا لقول من طعن فيهم لعلمنا أنه ما طعن فيهم إلا وهو قاصرا عن معرفة مداركم .
ثم إن الراد عليهم لا بد أن يطفئ الله نوره ، ويعدم النفع بمؤلفاته لسوء أدبه مع من جعلهم الله تعالى قدوة لعباده إلى يوم القيامة .
وقال :
واعلم يا أخي أنه لم يبلغنا قط أن أحدا من العلماء العاملين أنه تصدى للرد عن أحد من أئمة الإسلام ، بل ينتخبون لهم الأجوبة الحسنة جهدهم ، كما صنع الشيخ جلال الدين المحلي في شرحه منهاج الإمام النووي رحمه الله تعالى ، فيجعل كلام المؤلف على أحسن الأحوال من غير إظهار لتوريد الإعتراض عليه ولا نعقّب ، حتى إنّ غالب طلبة العلم لا يشعرون بالجواب عن النووي . فرضى الله عن أهل الأدب والإنصاف
، إلى أن قال :
وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول إذا بلغك عن شخص أنه أخطأ في مسألة فاجتمع به ، وأعرض عليه ذلك الخطأ ، فإن أنكره فصدقه ، فلا يجوز لك نسبة ذلك إليه بعد ذلك ، وإن لم تجتمع به فاحمل كلامه على سبعين محملا ، فإن لم تقتنع نفسك بذلك فارجع إليها باللوم وقل لها يحتمل كلام أخيك سبعين محملا ولا تحمليه على واحد منها أهـ .
قال الشعراني :
فاعلم أنه لا يجوز لنا الحط على واحد من أقراننا بمجرد كلام نفسه عنه ، بل نتربص ونتثبت ونجتمع بهم ونراسلهم ، وننظر جواب أمرهم ، فإما أن يعترف وإما أن ينكر ، فإن اعترف بذلك عرفنا وجه الصواب الذي أراده ، فإن رضيَ به العلماء قلنا به ، وإن لم يرضوه وأنكروه جملة ، نظرنا في أمره ، فإن رجع عنه ترضينا لرجوعه ، وإن صمم على الخطأ فهنالك يجوز لنا إشاعة ذلك الكلام عنه شفقة منا عليه وعلى من يتبعه ، لا بغضا له وتشفيّا على وجه العداوة النفسية . وهذا الأمر قـَلَّ من يفعله الآن من الناس ، فإن غالب الأقران قد عمّهم الحسد وكثرة الضغائن ، لا يكادون أبدا يتثبتون في كلام سمعوه عن أحد من أقرانهم وأهل عصرهم ، وذلك خوفا منه أن يتبين ذلك الكلام كذبا عنه فلا يحصل لهم غرضهم من الأذى لذلك الشخص ، فهذا سبب ترك تثبتهم . وقد صار أكثر ما يسمع الإنسان بهذا الزمان الكذب من قلة الورع عن الخوض في أعراض الناس أهـ .
وقال أحمد بن المبارك في الإبريز
وهذه طريقة المنكرين وعادتهم ، لا تجد معهم إلا التقصير التام . وقد وقع لبعض أكابر الفقهاء من أشياخنا رضي الله تعالى عنهم كلام معي في هذا المعنى ، قال لي يوما : يا فلان إني أردت نصيحتك لمحبتي فيك ، وتمام مودتي إليك ، فقلت : يا سيدي حبا وكرامة وعلى الرأس والعين ، فقال لي : الناس كلهم على طرف وأنت وحدك على طرف ، في رجل علمت كشفه وولايته ، الناس فيه على الإنتقاد وأنت فيه على الإعتقاد ، ومن المحال أن تكون وحدك على الحق ، ذَكَرَ كلاماً مِنْ هذا المعنى هذه زبدته ، فقلت : يا سيدي من تمام نصيحتك لي أن تجيبني عما أذكره لك ، فإن أجبتني عنه تمت النصيحة وكان أجرك على الله ، فقال : أذكر ما شئت ، فقلت : يا سيدي ألقيتم الرجل وسمعتم كلامه وتباحثتم معه في أمر من الأمور حتى ظهر لكم ما عليه الناس فيه ، فقال : ما لقيته قط ولا رأيته أصلا ، فقلت له ، وقد طرحت الحياء والحشمة لما بيني وبينه من الألفة والمودة : يا سيدي ما ظهر لي فيكم إلا أنكم عكستم الصواب ، وطلبتم اليقين في باطن لا يمكن فيه اليقين ، واكتفيتم في باب اليقين بالظن ، بل بالشك ، بل بالإفك والباطل ، فقال لي : فسّر لي مرادك بهذا الكلام ، فقلت : إنكم إذا أخذتم في تدريس الفقه ، ونقل لكم كلام على المدونة أو تبصرة اللخمي أو بيان ابن رشد أو جواهر ابن شاس ونحوها من دواوين الفقه ، وأمكنتكم مراجعة هذه الأصول ، فإنكم لا تثقون بنقل الواسطة حتى تنظروها بأنفسكم ولو كانت الواسطة مثل ابن مرزوق والحطاب وصاحب التوضيح ونحوهم ، فهذا باب الظن ، وكأنكم طلبتم فيه اليقين حيث لم تكتفوا فيه بنقل العدول الثقات الأثبات حتى باشرتم الأمر بأنفسكم ، ولا يمكنكم اليقين فيه أبدا وإنما عارضتم ظن أقوى بظن أضعف منه ، فإنّ نقل الواسطة السابقة أقرب منا إليهم إلى الصواب من جهة قرب زمانها إلى مؤلف الكتب السابقة فإنهم أقرب إليهم منا بلا ريب ، ومن جهة أن النسخ التي عند الواسطة من هذه الأصول مروية بطريق من طرق الروايات ، وأما نحن فلا رواة عندنا فيها ولا نسخ صحيحة منها ، فمن الجائز أن تكون نسختكم منها زادت أو نقصت ، فبأي يقين ترد نقل الحطاب عنها مع وجود هذين الأمرين فيه وفقدهما فيك . وأما أنكم اكتفيتم بالظن في باب اليقين الذي يمكن فيه فإن هذا الرجل الذي بلغك عنه ما بلغ موجود حيّ حاضر معك في المدينة ، ليس بينك وبينه مسافة ، ومعرفته سعادة لا شقاوة بعدها إن وفق الله لمحبته وإلقاء القياد إليه ، وقد أمكنك الوصول إليه حتى تعتقد فتسعد وتربح ، أو تنتقد فترجع ويحصل لك اليقين بأحد الأمرين ، وتزول ظلمة الشك من قلبك . ثم إنك قنعت في هذا الأمر الرابح والخير الراجح الذي نفعه محقق وصاحبه موفق بنقل الفسقة والكذبة ،وكان من عادتك أنك لا تقنع في باب الظن والنفع القليل بنقل الثقات الأثبات حتى تباشر الأمر بنفسك ، فهلاّ جريت على ذلك في هذا الباب الذي هو باب اليقين والنفع الذي هو سعادة محضة ، أليس هذا منكم رضي الله تعالى عنكم عكسا للصواب . فقال رضي الله تعالى عنه : قطعتني بالحجة ، والله ما يمكننا الجواب عن هذا أبدا ، واشهد عليّ بأني تائب إلى الله . ثم قال الشيخ رضي الله عنه ـ سيدي أحمد بن المبارك المذكور ـ : إن كان ولا بدّ لكم من التقليد فقلدوني لأمرين ، أحدهما أنك تعلم بصيرتي في الأشياء ، ثانيهما أنك تعلم أني خالطت الرجل المذكور سنين كثيرة حتى علمت منه ما لم يعلمه غيري ، وأما هؤلاء الكذبة الفسقة فأكثرهم لم يقلد مثلكم ، وإنما اعتمادهم على التسامع الذي لا أصل له ، وسببه الحرمان والخذلان ، فنسأل الله تعالى التوفيق بمنه وفضله ، فقال : فما تقول شيئا آخر ، ثم لقيني فقيه آخر من أشياخ الفقيه االمتقدم ، فقال لي : ذكر لي فلان عنكم حجة قاطعة لكل منازع ، ثم التفت إلى الفقيه المذكور فقال : ألم تخبرني أن فلانا قال لك كيت وكيت ، فقال : نعم ، ثم قال : بهذا الكلام قطعت ظهرنا
ثم قال أحمد بن المبارك :
وهذان الفقيهان هما رأس الطبقة من أهل العصر ، بحيث أنه لا يجاريهما أحد في وقتهما ، وأما من دونهما من أهل الإنكار فأكثرهم يعتمدون على التسامع الذي لا أصل له كما سبق ، وأكيسهم الذي يعتمد في إنكاره على قوله : كنا نعرف سيدي فلانا ولم يكن كهذا ، يعني أن الرجل المنكر عليه ليس كسيدي فلان ، ولم يدر أن الزهر ألوان ، والنخل صنوان تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون
ثم قال :
وقد دخلت مع الشيخ رضي الله تعالى عنه إلى بستان في فصل الربيع ، فنظر إلى اختلاف أزهاره وأنواره ساعة ثم رفع رأسه إليّ وقال : من أراد أن يعرف اختلاف الأولياء وتباينهم في المقامات والأحوال ، مع كونهم على هدى وصواب وحلاوتهم في قلوب الناس ، فلينظر إلى اختلاف هذه الأنوار والأزهار مع حلاوتها في القلوب ، فإن كان قوله أن سيدي فلانا الذي عرفناه لم يكن كهذا حصر الرحمة من الله في الولي الذي عرفه فقد حجر واسعا ، ولما قال الأعرابي الذي بال في المسجد اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا ، قال له صلى الله عليه وسلم لقد حجرت واسعا ، وإن كان قوله ذلك ظنا منه أن كل مرحوم لا يكون الا مثل الذي عرفه ، لقد سبق أنهم رضي الله تعالى عنهم على أصناف شتى ، وأيضا فهو مشترك الإلزام فإن هذا الإعتراض لازم في الولي الذي عرفه ، فإنه لم يكن مثل الولي الذي كان قبله ، فإن اعترض على الثالث بأنه ليس مثل الثاني ، إعترض على الثاني بأنه ليس مثل الأول
ثم قال :
وإنما أطلت في هذا الباب ، وذكرت هذه المناظرات التي وقعت لنا من الفقها ء رضي الله تعالى عنهم ، حرصا على وصول الخير إلى طائفة الفقهاء وطلبة العلم ، ومحبتي فيهم ونصحي لهم ، فإنهم أقبلوا بالإنكار على السادة الأبرار الأخيار الأطهار ، في سائر القرون والأعصار ، في جميع البوادي والقرى والأمصار ، وإنكارهم لايخرج عن هذا الذي ذكرناه في هذا الباب ، فمن كان منهم منصفا ، وتأمل ما سطرناه فيه ، رجع وظهر له ولاح وجه الصواب
قال :
وكثيرا ما كنت أتعرض لمناظرة الفقهاء لهذا الباب ظنّاً منى أنهم يعتمدون في إنكارهم على أمور صحيحة ، فلما اختبرتهم وجدت الأمر على ما وصفته لك والله الهادي الصواب
ثم قال الشيخ الشعراني في البحر المورود :
واعلم أنه قد يضع العالم في مؤلفه شيئا ، أو يقرره في تدريسه ، ثم يرجع عنه بعد ذلك أو في المجلس ، فلا ينبغي لمتدين نسبته إليه حتى يراجعه فيه وينظر ما عنده ذلك الوقت من العلم ، وقد عمل في هذا الباب خلق كثير فأشاعوا عن بعض المؤلفين أشياء رجعوا عنها ، وحرفوا عليهم أشياءَ هُم متبرؤن منها ، وقد وقع لي ذلك في عدة من المسائل ، ودارت في مصر مدة ، ومر العمل بها وأنّي لا أعلم ولا أشعر بها
. وقال في شهية السماع :
ومنه ـ أي ومن الأدب الذي يحصل للمتصف به جميع خصال الخير ـ الفرار من تضعيف أقوال الأئمة بمبادئ الرأي أهـ
وقال في كشف القناع :
وذلك لما فيه من سوء الأدب معهم ، ومن كلام سيدي عليّ الخواص من كمال الفقير أن يحمل كلام الأكابر على أحسن المحامل لخروجهم عن مقام التلبيس والرعونات النفسانية ، وإن عجز عن الجواب عنهم في قول قالوه أو فعل فعلوه فليسلم لهم وليكُف عن الإنكار ، لأن منازعهم دقيقة على أمثالنا ، لا سيما الأئمة المجتهدين وكبراء مقلديهم .وأنَّى لأمثالنا أن يتصدى لرد كلامهم . وطلب جماعة من الشيخ أبي المواهب الشاذلي أن يقرؤوا عليه في الفقه على مذهب الشافعي فأجابهم . وكان يرى النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا فحجب عن ذلك ، فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال : يارسول الله ماذنبي ، قال : قراءتك في الفقه ، قال : أليس هو من شريعتك ، قال : بلى ، ولكن يحتاج إلى أدب مع الأئمة أهـ
. وقد تصدى شخص للرد على الإمام أبي حنيفة ، وعمل في ذلك كراسة وأتى بها إلى سيدي عبد الوهاب الشعراني يعرضها عليه ، فقال :
فطردته ولم أصغ إلى قوله ، ففارقني ، فوقع من سلم بيته ، وكان عاليا ، فانكسر صلبه وخرج زروركه عن موضعه . فهو إلى الآن يبول ويتغوط على نفسه . وقد أرسل لي مرات أن أدعوا له فلم أفعل أدبا مع الإمام أبي حنيفة أن أوالى من أساء الأدب معه . فإياك وتضعيف أقوال الأئمة بمبادئ الرأي إذا خالفوا مذهبك من غير معرفة أدلتهم وما فهموه من الحكمة ، وشاهدوه من الأسرارا هـ
وفي لواقح الأنوار القدسية في العهود المحمدية :
أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نحسد أحدا من خلق الله ، ولا نتمنى له زوال ما أعطاه الله من علم وجاه أو كثرة اعتقاد فيه أو نحو ذلك من الأمور االدينية اوالدنيوية ، هروبا من رائحة الإعتراض على الله تعالى وخوف مقتنا وطردنا ولعننا كما وقع لإبليس ، فإن جميع ما وقع له كان أصله الحسد لآدم عليه السلام كما صرحت به الآيات والأخبار . فمن حسد العلماء والصالحين لا يستبعد أن يقع له ما وقع لإبليس . وفي كلام سيدي علي بن وفا رحمه الله : كن للأولياء خادما إما لترحم أو لتغنم أو لتسلم ، وإياك أن تكون لهم حاسدا فإنه لا بد لك أن ترجم وتلعن وتطرد ولو على ممر الأيام ، وإن كان لك مؤلفات أو تلامذة عدمتَ النفع بها وبهم
قال :
وبالجملة فجميع ما يطلبه العبد لإخوانه من خير أو شر يجازيه الله به هذا ضابطه أهـ .
قلت : ولا يخفاك أنه لا يحمل بعض الجهلة الأغبياء من الطلبة المدعين مرتبة العلماء المتبحرين ، مع أنهم يعقبون بالبلادة وسوء الفهم وعدم زيادة العلم ما بلغوا مرتبة المتعلم ، على الرد على الأولياء والعلماء إلا سوء الأدب الناشئ من الحسد والحرمان ، نسأل الله السلامة والعافية . فلا شك أنهم يعاقبون بالبلادة وسوء الفهم ، وعدم زيادة العلم ، وقساوة القلب وجمود العين ، وعدم العمل بما علم ، والجهل المركب وتزيين الشيطان لهم سوء أعمالهم ليحسبوا أنهم على شيء ويموتوا على ذلك ، وحينئذ يعلمون أنهم ليسوا بشيء ، والذي أداه إلى ذلك سوء الأدب مع الأولياء والعلماء بالرد عليهم حسدا من عند أنفسهم لإرادة إطفاء نور الإسلام ، وكمد المسلمين ، كما قال تعالى : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . (8)
وفي لواقح الأنوار القدسية :
واعلم يا أخي أنه لا ينبغي لمقلد الإمام أن يسمى في جماعة الإمام لآخر خصوصا ، كقوله أن قال الخضم كذا قلنا كذا ، فإن حسن الأدب في اللفظ من أخلاق العلماء االعاملين . وقد اطلعني إنسان مرة على كتاب في الرد على أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، فرأيت في تلك الليلة في واقعةٍ الإمامَ أبا حنيفة قد تسوّر نحو ستين ذراعا في السماء ، وله نور كنور الشمس ، وأجد ذلك للذي رد عليه اتجاهه يشبهه الناموسة السوداء . أهـ .
قال :
وإذا كان إمامنا الشافعي يقول الناس كلهم عيال في الفقه على أبي حنيفة ، فكيف يسوغ لأمثالنا أن يتصدى للرد عليه . هذا فوق الجنون بطبقات ، فقد قال تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (9) ، فأمر الله تعالى بإقامة الدين لا بأضجاعه بالتكبر عن أئمته . وهذا الأمر قد فشا في مقلدي المذاهب ، فترى كل إنسان يدحض حجة غيره حتى لا يكاد يبقى له تمسك بكتاب ولا سنة ، وذلك من أقبح الخصال . وإنما كان اللائق بهم الجواب على الأئمة إمّا بعدم اطلاعهم على ذلك الدليل الذي ظفر به الراد عليهم ، وإما بأن لذلك المجتهد منزعا في الإستنباط من وجوه قواعد العربية يخفى على أمثالنا أهـ .
وفي حاشية الشيخ العدوي على شرح الخرشي ، عند قول المصنف : وما كان من الخطأ أصلحوه بالتنبية في الشرح والحاشية :
إعلم أن التنبية في حاشية على الخطأ أو النقص إنما يكون من أهل الكمال ، على أن اتهامهم أنفسهم أولى بهم ، وأما أهل الغباوة ، وخصوصا أهل الزمان ، فالواجب عليهم السكوت كما أفاد ذلك أهل العرفان ممن تقدم في غابر الأزمان أهـ .
وفي شرح الدرديري على المختصر في هذا المحمل :
والحذر من قلة الأدب ، كأن يقال هذا خطأ أو كذب أو كلام فاسد لا معنى له ، فإن قلة الأدب مع أئمة الدين لا تفيد إلا الوبال على صاحبها دنيا وأخرى . أهـ .
وفي العهود المحمدية :
وكان سيدي علي المرصفى يقول : ما قطع أهل الجدال عن الوصول إلى مقامات الأولياء وكراماتهم إلا دعواهم أنهم أعلم بالله منهم ، وخوفهم على علمهم الذي هو رياستهم أن ينسى حين يتبعون طريق الفقراء ، وهي خديعة من النفس والشيطان ، فإن الفقراء لا يزيدونهم إلا علما إلى علمهم ، وجلاء لقلوبهم ، وحضورا في عبادتهم . وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله يقول : وهل ثم طريق غير ما فهمناه من الكتاب والسنة ، وينفي طريق القوم . ولما اجتمع بسيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه ، وأخذ الورد عنه ، صار يقول ما قعد على قواعد الشريعة التي لا تنهدم إلا الصوفية . قال : ومما يدلك على ذلك ، ما يقع على أحدهم من الكرامات والخوارق ولا يقع شيء منها على غيرهم . وكذلك بلغنا عن الغزالي قبل اجتماعه بشيخه البار عناني رحمه الله تعالى .
وقال في موضع آخر :
وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكرياء يقول : كل فقيه لا يجتمع بالقوم فهو كالخبز بلا إدام . وسمعت سيدنا عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول : لا يكمل طالب العلم إلا بالإجتماع مع أحد من أشياخ الطريق ليخرجه من رعونات النفوس ، ومن حضرات تلبيس النفوس ، ومن لم يجتمع مع أهل الطريق فمن لا زمه التلبيس غالبا ودعوى العمل بلا علم ، وكل من نسبه إلى قلة العمل أقام له الأدلة التي لا تمشي عند الله ، ومن شك في قولي هذا فليجرب . أهـ .
وإذا فهمت جميع ما تقدم ، عرفت أنه لا يلزم من الرد على أهل الله فساد قولهم في نفس الأمر . قال في العهود المحمدية :
أن رد العلماء على الصوفية هو لرقة مدارك الصوفية عليهم لا غير ، فلا يلزم من الردعليهم فساد قولهم في نفس الأمر
كما قال الغزالي :
كنا ننكر على القوم أمورا حتى وجدنا الحق معهم ، قال تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ (10) ، وقال تعالى : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) أهـ .
ومما يِؤيد قول الإمام الغزالي ، قول أبي القاسم الجنيد :
كان عندي وقفة في قولهم يبلغ الذاكر في الذكر إلى حد لو ضرب بالسيف لم يحس إلى أن وجد الأمر كما قالوا . أهـ
وقال الشيخ أحمد زروق في قواعده :
إنكار المنكر إما أن يستند لاجتهاد ، أو لحسم ذريعة ، أو لعدم التحقيق ، أو ضعف الفهم ، أو لقصور العلم ، أو لجهل المناط ، أو لانبهام البساط ، أو لوجود العناد . فعلامة الكل الرجوع للحق عند تعينه إلا الأخير ، فإنه لا يقبل ما ظهر ، ولا تنضبط دعواه ، ولا يصحبه اعتدال في أمره . أهـ .
ثم اعلم أن علم الفقه علم شريف نافع ، إلا أنّ التوقف معه مع وجود الإنكار يضر صاحبه ضررا عظيما كما تقدم .
ولذلك قال الشيخ زروق في قواعده :
وجود الجحد مانع من قبول المجحود أو نوعه لنفور القلب عنه ، والتصديق مفتاح الفتح لما صدق به وإن لم يتوجه له إذ لا دافع له . فالمتوقف مع الفقيه يتعين عليه تجويز المواهب والفتح من غير تقييد بزمان ولا مكان ولا عين ، لأن القدرة لا تتوقف أسبابها على شيء ، وإلا كان محروما مما قام به جحوده . ثم هو إن استند إلى أصل معذور ، وإلا لا عذر له بانكاره ما لا علم له به ، فسلم تسلم والله تعالى أعلم . أهـ
وقال :
الإنتساب مشعر بعظمة المنتسب إليه ، والمنتسب فيه في نظر المنتسب ، فإذا لزم احترام المنتسب لجانب الله بأي وجه كان ، وعلى أيّ حال كان ، ما لم يأت بما ينكر على التعظيم بالنقص ، كمخالفة الشريعة صريحا ، فتتعين مراعاة نسبته وإقامة الحق عليه ، لأن الذي تعلق به هو الذي أمره . نعم يلزم تحقيق أمره فيه وإلاّ عاد الضرر على معارضه لقصد هتك منتسب لجانب عظيم لمجرد هواه . فمن ثم تضرر كثيرا ممن يتعرض للإعتراض على المنتسبين لجانب الله وإن كانوا محقين ، إذ الحق تعالى يغار لهتك جانبه . فلزم تحقيق المقام في النكير ، وتصحيح النية للغاية ، وإلا فالحذر الحذر والله تعالى أعلم . أهـ .
قلت : وإنما حذر من الإعتراض لما تقدم من أن التنبيه على الخطأ إنما يكون من أهل الكمال ، على أن اتهامهم نفوسهم أولى بهم ، وأما أهل الغباوة ، وخصوصا أهل الزمان ، فالواجب عليهم السكوت كما أفاد ذلك أهل العرفان ممن تقدم في غابر الأزمان أهـ . وإنما أمر أهل الزمان بالسكوت لأنهم يعترضون ولا علم لهم ، قال صاحب الرائية :
ومن يعترض والعلم عنه بمعزل      يرى النقص في عين الكمال ولا يدري
وفي الإبريز :
أي ومن يعترض على شيخه أو على غيره من أهل الطريقة وهو جاهل ، فإنه يرى الكمال نقصانا ، فيقلب الأمور وهو لا يدري .
وقال بعض الفضلاء :
وكم من عائب قولا صحيحا      وآفته من الفهم السقيم
وقال الأخضري في السلم :
إذ قيل كم مزيف صحيحا      لأجل كون فهمه قبيحا
وقال في شرحه :
وإنما ذكرت هذا تنبيها على شياطين الطلبة الذين يمرضون الصحيح ويصححون السقيم ، وماذلك إلا لعدم إنصافهم ، وقلة تواضعهم ، وعدم مراقبتهم للجليل الذي لايخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، ويعلم خائنة الأعين . والمؤمن يلتمس العذر لأخيه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : « حسب المؤمن من الشر أن يحقر أخاه المسلم » ، ويقال من ضاق صدره ، إتّسع لسانه . اهـ .
فإن قلت : إنما أكثرَ أهل الظاهر الإعتراض على طرق أهل الله لأنهم رأوا أن بعض من ينتسب إليها ظهر من بعضهم فسق ، ومن بعضهم كفر ، ومن بعضهم زندقة ، قلت : لا يعترض عليهم بذلك إلا جاهل غبّي ، أو معاند شقيّ ، لأن فساد الفاسد إليه يعود ، ولا يقدح في صلاح الصالح شيء .
وفي القواعد الزروقية :
" يعتبر الفرع بأصله وقاعدته ، فإن وافق قُبِل ، وإلا رُدّ على مدعيه إن تأمل أو تأول عليه . أن قبل أو سلم له إن كملت مرتبته علما وديانة ثم هو غير قادح في الأصل لأن فساد الفاسد إليه يعود ولا يقدح في صلاح الصالح شيئا . فغلاة المتصوفة كأهل الأهوال من الأصوليين ، وكالمطعون عليهم من المتفقهين ، يرد قولهم ، ويجتنب فعلهم ، ولا يترك المذهب الحق الثابت بنسبتهم له وظهورهم فيهم . أهـ .
وقال في لطائف المنن :
وقد يصد عقول العموم عن أولياء الله تعالى وقوع زلة ممن تزيا بزيهم وانتسب إلى مثل طريقهم . والوقوف مع هذا حرمان ممن وقف معه ، وقد قال الله تعالى : وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (12) ، فمِن أين يلزم لمن أساء واحدا من الجنس ، أو ظهر عليه عدم صدقه في طريقه ، أن يكون بقية أهل تلك الطريق كذلك . وقد أنشدنا الشيخ علم الدين لنفسه في هذا المعنى :
إستثار الرجال في كل أرض      تحت سوء الظنون قدر جليل
ما يضر الهلال في حندس الليل      اسوداد السحاب وهو جميل
قلت : وسيأتي في الباب الرابع أن هذا واحدا من الحجب التي تحجب الناس عن معرفة أولياء الله ، والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .

<< المقدّمـة    الفصل التالي >>

  1. سورة المائدة ، الآية 2 .
  2. سورة محمّد ، الآية 7 .
  3. سورة الحج ، الآية 40 .
  4. سورة الروم ، الآية 47 .
  5. سورة الأنفال ، الآية 27 .
  6. سورة الأحزاب ، الآية 57 .
  7. سورة الروم ، الآية 47 .
  8. سورة التوبة ، الآية 32 .
  9. سورة الشورى ، الآية 13 .
  10. سورة يونس ، الآية 49 .
  11. سورة الأحقاف ، الآية 11 .
  12. سورة فاطر ، الآية 18 .