نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل التاسع والعشرون
الرّئيسية > مكتبة على الخطّ > الرّماح - فهرس الجزء الأوّل > الفصل التاسع والعشرون


في إعلامهم أنّ سيّدي محمّد الغالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به صرّح لي مشافهة أنّي خليفة من خلفاء الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به لا من المقدّمين .
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنّه إلى سواء الطريق ، إعلم ، وفّقني الله تعالى وإيّاك لما يحبّه ويرضاه ، أنّ الخلافة عبارة عن نيابة الشيخ الذي كان الخليفة خليفة عنه لأنّه يوصل إلى التلاميذ ما كان الشيخ يوصله إليهم من الأذكار والأوراد والأحزاب والأسرار والتوجّهات والمقاصد والخلوات والآداب والعلوم والمعارف ، والحاصل أنّه يفعل لهم ربّهم ما كان الشيخ يفعله ، وله علينا من الحقوق جميع ما كان للشيخ عليهم بحكم الخلافة والنيابة .
فإن قلتَ : ما الفرق بين الخليفة والمقدّم ؟ فالجواب : أنّ المقدّم من أمره الشيخ أو من أذن له بالإذن هكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بتلقين الأذكار اللازمة مع بعض الأذكار التي يخصّ بها الخواصّ ومن له حدّ ينتهي إليه . ولكلّ مقدّم صادق مرتبة عظيمة تجب بها طاعته واحترامه كما ستأتي في الباب السابع والأربعين من هذا الكتاب المبارك إن شاء الله تعالى . وليس الخليفة كذلك ، بل هو نائب عن الشيخ مطلقا ، فلذلك كان المقدّمون وتلامذهم من جملة رعيّة الخليفة ، تجب عليهم طاعة الخليفة لأنّ وجوب الإمتثال بالخليفة وحرمة مخالفته تجب على جميع أهل الطريقة ، يستوي فيه من لقّنه الخليفة ومن لقّنه غيره لمرتبة الخلافة ، فاعلم هذا واعمل عليه ترشد ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وإذا فهمت هذا ، فاعلم أنّني لمّا طال مكثي مع سيّدي محمّد الغالي وأوقع الله سبحانه وتعالى ، بمحض فضله ، محبّتي في قلبه وأخذت بمجامع قلبه ولبّه واستوليت على قلبه وقالبه ، إتّخذني صاحبا ورمى الناس عنه جانبا ، واصطفاني خادما وحاجبا ، وصرت له مؤنسا وطالبا ، ورميت عنّي كلّما كنت من فنون العلم حافظا وكاتبا ، وانسلخت عمّا كنت من المعارف والحقائق جامعا وكاسبا ، لعلمي بأنّ ذلك يكون للمتروي وغيره جالبا ، ومع هذا فلا أطلب منه شيئا من أسرار الطريقة الاّ وزجرني حتّى أكون من الطلب تائبا ، إلى إن سخّر الله لي وساعدني على نيل ما كنت فيه راغبا ، وقال ، ونحن في المسجد النبويّ وقت الضحى نقدّم الناس ونجعلهم مقدّمين في إعطاء الورد : وأمّا أنت فخليفة من خلفاء الشيخ لا من المقدّمين . وبعد ذلك أخبرني رضي الله تعالى عنه أنّ الشيخ رضي الله تعالى عنه قال : أعطيت الشيخ عمر بن سعيد جميع ما يحتاج إليه من هذه الطريقة من الأسرار والأذكار ، فلم يكن لك إلاّ تبليغه فقط . وكان بعد ذلك كثيرا ما ينظر إليّ ونحن جلوس فيقول : أشهد بالله أنّك تحبّ الشيخ ، ويقول : بالله الذي لا إله إلاّ هو أنّي أقف بين يدي رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم وقوفا طويلا ولا يخرج من فمي إلاّ الدعاء لك . ورأيته رضي الله تعالى عنه ، بعدما تفارقنا ، في واقعة ، وقلت له : يا سيّدي إنّك قد قلت أنّي خليفة من خلفاء الشيخ لا من المقدّمين ، فقال لي رضي الله تعالى عنه : نعم ، أنت خليفة . ثمّ إذا تقرّر هذا ، فاعلم أنّ لي شواهد تدلّ على أنّ جدّه سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحبّني ، وعلى أنّي من ورثته صلّى الله تعالى عليه وسلّم ومن خلفائه . ولي شواهد أخرى أيضا تدلّ على أنّ الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به يحبّني محبّة تامّة ، وعلى أنّي من الواصلين إليه ومن خلفائه رضي الله تعالى عنه .
أمّا التي من جهة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فمنها : أنّ الله جلّ جلاله وتقدّست أسماؤه وصفاته تفضّل عليّ بمحض فضله وكرمه من علوم الشريعة والحقيقة تخلّقا وتحقّقا ما لا يمكن لي كتمه ، قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ، قال ابن عبّاس وجابر هم الفقهاء والعلماء الذين يعلّمون الناس معالم دينهم ، وهو قول الحسن والضحّاك ومجاهد ، أنظر الباب . وقال تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ ، وفي العرائس : أيّ جعلتكم خزائن جودي من المعرفة والمحبّة والولاية خلفاء العالم بعد مضيّ دهر الدهارير وتقلّب الفلك الدوار القرون الماضية فمن مقسم له الرسالة والنبوة والملك والشرف وما كان لهم في السبق وأولي الأمر يكون لكم يا خلفاء الأنبياء والصدّيقين هو الذي جعلكم خلفاء في أرضه كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، وزاد شرفكم بشرف نبيّكم على الجمهور . وقال ، عند قوله تعالى وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي : قال محمّد بن حامد : لم تزل للأنبياء والأولياء خلفاء تخلفهم في من بعدهم من أمّتهم وأصحابهم ، ويكون هديهم على هديهم ، يحفظون على أمّتهم ما يضيّعونه من سنّتهم ، فإنّ أبا بكر كان هو القائم بهذا المقام بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم . اهـ . وأنّا ، والحمد لله ، ممّن قام به .
ومنها : أنّني ، والحمد لله ، ما خالطت السلاطين ولا أحبّ من يخالطهم . وفي تبيين المحارم أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال : « خير الأمراء الذين يأتون العلماء وشرّ العلماء الذين يأتون الأمراء العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلاطين فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلولهم » ، رواه أنس رضي الله تعالى عنه . اهـ .
ومنها : أنّني ، والحمد لله ، قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وفي السراج المنير ، وروي أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال : « من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله صلّى الله تعالى عليه وسلّم وخليفة كتابه » . اهـ . وقال الطبراني في تفسيره : وروي عن الحسن أنّه قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : « من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وخليفة كتابه » . اهـ .
ومنها : أنّي رأيته صلّى الله تعالى عليه وسلّم في واقعة وقال لي : ( جعلك الله من خيار أهلها - أيّ أهل أمّتي - أو كما قال ، فدنوت منه لما امتلأ قلبي من الفرح والسرور من ذلك القول وقلت له صلّى الله تعالى عليه وسلّم : قبلت ورضيت يا رسول الله صلّى الله عليك وسلّم .
ومنه : أنّ بعض الإخوان قال أنّه رأى صلّى الله تعالى عليه وسلّم وهو صلّى الله عليه وسلّم يقول : أثبتوا على ما أنتم عليه واطيعوا شيخكم عمر فإنّ ما أنتم عليه حقّ وصواب ، أو كما قال صلّى الله عليه وسلّم .
ومنها : أنّ بعض الإخوان بعث إليّ كتابا فيه ما نصّه : إعلم يا شيخنا أنّي رأيتك في المنام في ثوب أبيض ، وسمعت قائلا يقول : هذا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، فذا أقبل ونهضت إلى المكان الذي رأيتك فيه ووجدتكما قد تلاقيتما وعليكما ضباب ما رأيتكما ، وسمعت صلّى الله عليه وسلّم يخاطبك بكلام صاف ، وحفظت منه " أحبّك محبّة صادقة مع من حولك " ، ولكن " مع من حولك " لا أدري هكذا قال أو قال كلاما كذا من هذا معناه ، بخلاف " يحبّك محبّة صادقة " ، ثمّ كشف الضباب ورأيتك في موضع مرتفع تريد النزول منه ولا تقدر كأنّ بك رعدة ، وقال لك آخر : بك هيبة وبشرى ، قلت : نعم . وتعاونتَ بي على الهبوط .
ومنها : أنّ بعض الإخوان ذكر لي أنّه رأى في المنام شخصا على سرير في بيت له بابان ، وقال له ذلك الشخص : يا فلان ، أتعرفني ؟ فقال : لا ، فقال : أنا محمّد خير الورى ، ثمّ قال صلّى الله تعالى عليه وسلّم : إنّي أرسلت إلى شيخكم عمر ، قل له إنّي أسلّم عليه ، فليدْع عباد الله إلى دين الله ، فليتبيّن كلّ ما أراد فإنّي الضامن له ، ولا يكثر بأهل فوت فإنّهم غدرة ، وكرّرها ثلاث مرّات . اهـ .
ومنها : أنّ رجلا من الأولياء كان بالمدينة المنوّرة كان على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام ، وكان يرى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويسأله عن جميع ما يريده فيخبره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بما سأل ، فطلبت منه أن يسأل لي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن حالي وما يؤول إليه أمري ، وأخبرني بعد مدّة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخبره أنّ لي خصما شديد العداوة لي في بلدنا قد مات بعدي ينبغي لي أن أعفو عنه لاشتداد العذاب عليه ، فعفوت على الخصم ، ثمّ أخبرني أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له : لعمر إنّه سينكس شيا فإذا تمّم النكس اجتمع بي .
ومنها : أنّ الشابّ الرابح والوليّ الصالح أخي وصنوى عليّ بن سعيد رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعه شيخنا التجاني وسيّدي محمّد الغالي رضي الله تعالى عنهما ، وسيّدي أحمد التجاني رضي الله عنه يتكلّم مع سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . قال أخي عليّ رحمه الله تعالى : لمّا أردت أن أسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن شيء ومنعني سيّدي محمّد الغالي ، قلت لسيّدي أحمد التجاني رضي الله تعالى عنه : كيف حالي يا سيّدي ؟ فقال : لا تموت حتّى تكون وليّا ، فعند ذلك قال سيّدي محمّد الغالي رضي الله تعالى عنه لرسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم : كيف حال أخي عمر يا رسول الله ؟ فأجاب صلّى لله عليه وسلّم بقوله : أخوه عمر على يديّ بدأ وفيها ينتهي .
ومنها : أنّ الإمام العادل والوليّ الفاضل ، محمّد بن العارف بالله عثمان فودي أخبرني أنّه أراد أن يستخير الله تعالى لي وينظر لي ما يكون في أموري قد سمع شخصا في واقعة له يقول : النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم يقول لك : إعلم أنّ أمور عمر بن سعيد في يدي أتصرّف له فيها وما غفلت عنه ، أو كما قال صلّى الله تعالى عليه وسلّم .
ومنها : أنّي رأيت صلّى الله تعالى عليه وسلّم وأنا أعظ الناس وأدعوهم إلى الله تعالى مرغّبا ومرهّبا ، وهو صلّى الله تعالى عليه وسلّم حاضر ساكت مستمع حتّى قلتُ : ثمّ تأتي النار من جهة المغرب فتسوق الناس إلى المحشر ، فقال صلّى الله تعالى عليه وسلّم : لا ، إنّما سكتُّ من أوّل كلامك إلى الآن لكونك مصيبا ، ثمّ أردت أن أسأله عن ذلك فمنعتني الهيبة ، فانتبهت .
ومنها : أنّي رأيت صلّى الله عليه وسلّم وأنا في فوث جلوا ، فدنوت منه ، فذكر لي أشياء ، ومن جملتها أنّه قال لي : أنّهم - يعني أهل الأرض التي كنت فيها وقت الرؤية - لا يحبّون السعادة .
ومنها : أنّ بعض الصادقين من الإخوان رأى صلّى الله تعالى عليه وسلّم فأضمر ذلك الأخ في نفسه أنّه يطلب من النبي صلّى الله عليه وسلّم أشياء ، فقال صلّى الله عليه وسلّم له قبل أن يسأل : فاطلب من الشيخ عمر بن سعيد كلّما تطلبه منّي .
ومنه : أنّي أدخلت بعض الإخوان الصادقين الخلوة ، وأرسل إليّ ، بعدما مضى له فيها أيّاما ، مكتوبا كتب فيه ما نصّه : أمّا بعد ، فقد رأيت صلّى الله تعالى عليه وسلّم فيها وهو يقول لي : الحاج عمر أميني ما لم يخالط السلاطين ويداخل الدنيا ، فإذا خالطهم وداخلهم فقد خانني ، فاحذروهم .
ومنها : أنّه صلّى الله تعالى عليه وسلّم قال لبعض الصادقين من الإخوان ذكر أنّه رآى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبيده صلّى الله عليه وسلّم لواء فأعطانيه صلّى الله عليه وسلّم .
ومنها : أنّ قاطنة المدينة رأيته صلّى الله تعالى عليه وسلّم في بيتي وأنا معه صلّى الله عليه وسلّم ، ولمّا أراد الإنصراف قلت له : يا رسول الله صلّى الله عليك وسلّم كيف تنصرف ولم تر أهل بيتي ؟ فقال صلّى الله تعالى عليه وسلّم : أنا مستعجل جدّا ، ولكن الله سبحانه لا يريد أن يفعل شيئا يغيّر قلبك ويسوؤك فأحرى أنا ، ثمّ أنّه صلّى الله تعالى عليه وسلّم أمرني فأتيت بهم كلّهم إلاّ شخصيْن .
ومنها : أنّ أمّها رحمة الله عليها رأت كأنّ القيامة قد قامت وهي على هذا الحال ، ورأت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جاء إليّ وأخذ بيدي وذهب بي ، وقالت : يا رسول الله أتذهب به وتتركني هنا ؟ قال صلّى الله عليه وسلّم : لا أتركك ، ولكنّي قد جعلت على نفسي عهدا على أن لا أقدّم عليه أحدا في هذا الوقت .
ومنها : أنّ بعض الإخوان الصادقين أخبرني أنّه توجّه إلي لله تعالى في ليلة من الليالي ، وقرأ جوهرة الكمال سبعة مرات وصلى الفاتح لما أغلق مائة مرة وأهدى ثواب ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقرأ مثل ذلك وأهداه للشيخ رضي الله تعالى عنه ، ثمّ سأل الله تعالى أن يريه إيّاهما ، ثمّ نام على طهارة ، فوقف عليه شخص قال له : أنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد حضر بين يديك ومعه الشيخ التجاني رضي الله تعالى عنه ، أما سمعت ما قالا ؟ فقال له : سمعت أنّهما قالا نحن مع الشيخ عمر حيث كان لا نفارقه .
ومنها : أنّ بعض الإخوان الصادقين رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأراد أن يسلّم عليه صلّى الله عليه وسلّم فأعرض عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولامه لوما شديدا حتّى قال له : أنت كافر . وخاف ذلك على نفسه وقال : يا رسول الله صلّى الله عليك وسلّم ، أنت الطيّب فما الحيلة في الخلاص ؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم : إن أردت النجاة فلازم الشيخ عمر الذي كنت معه ، وملازمته والجلوس معه أفضل من جلوسك في روضتي ، ولا تخرج عن القرية التي هو فيها إلاّ بإذنه ، أو كما قال صلّى الله عليه وسلّم . وأمثال هذه كثيرة ، وفي هذا العدد كفاية .
وأمّا الشواهد التي كانت من جهة الشيخ رضي الله تعالى عنه فكثيرة ، منها : أنّ لكلّ وليّ خلفاء يستنّون بسنّتة . قال في العرائس ، عند قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ ، بيّن تعالى في هذه الآية أنّ النجباء والأولياء والأصفياء والأتقياء والأخيار والأوتاد والخلفاء يخلف بعضهم بعضا ، قال : قوله تعالى : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ لاقتداء البعض بالبعض في ديانته وأمانته وحجّته وبرهانه في العالمين للعالمين ، إلى أن قال بعضهم : يخلف الوليّ وليّ والصدّيق صدّيق ، ويرفع درجات البعض على البعض لئلاّ تخلو الأرض من حجّة الله وأمانته . وقال بعضهم : رفع بعضا فوق بعض درجات ليقتدي الأدنى بالأعلى ويتبع المريد المراد ليصل إليه . اهـ . وقال عند قوله تعالى : وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ، وفي الآية دليل على أنّ الأولياء خلفاء ونجباء ونقباء يستنّون بسنّتهم ويقتدون بأسوتهم ويبلغون إلى درجاتهم بصدق إرادتهم . وقال : قال محمّد بن حامد لم تزل الأنبياء والأولياء خلفاء تخلفهم في من بعدهم من أمّتهم وأصحابهم ويكون هديهم على هديهم ، يحفظون على أمّتهم ما يضيّعونه من سنّتهم ، وأنّ أبا بكر كان هو القائم بهذا المقام بعد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم . أهـ .
ولا شك أنّي ، والحمد لله ، قائم بحفظ هذه الطريقة الأحمديّة الإبراهيميّة الحنيفيّة التجانيّة وحمايتها من كلّ ما يشينها والذبّ عنها وعن أهلها وتبيين ما عسى أن يندرس منها أو يضيع .
ومنها : أنّي رأيته رضي الله تعالى عنه في واقعة وبيده حلّة من نور ، وقال لي رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : من رأى هذه الحلّة دخل الجنّة ن ثمّ ألبسني إيّاها رضي الله تعالى عنه وعنّا به .
ومنها : أنّ الشابّ الصالح والأخ الرابح حبيبي وصنوي وقرّة عيني ، عليّ بن سعيد أغضبني مرّة ، فأرغمت أنف الشيطان بالإحسان إليه بتلقينه ذكرا من أذكار الطريقة ، ثمّّ ثانيا وفعلت مثل ذلك ، ثمّ ثالثا وفعلت مثل ذلك . وبعد أيّام جاء إليّ بعد الظهر وأخبرني أنّه رأى الشيخ رضي الله تعالى عنه في واقعة وتذاكرا قليلا ، وذكر أنّ الشيخ رضي الله تعالى عنه قال له : أترك جميع الأذكار التي لقّنكها الشيخ عمر واطلب منه تلقينا جديدا ، فالتلقين الأوّل ليس بتلقين . وقال للشيخ : يا سيّدي لقّنّي كذا وكذا ، وعدّ أشياء من أذكار الطريقة وأسرارها ، فقال الشيخ رضي الله تعالى عنه : أطلب من أخيك الشيخ عمر جميع ما طلبته منّي ، فقال له : يا سيّدي أعطني فإنّه لا يعطيني ، فقال الشيخ رضي الله عنه : أطلب منه يعطيك ، فقال له : يا سيّدي أعطني أنت لا يعطيني ، فنهره الشيخ ثمّ قال : أنت بالخيار ، إنْ شئت أطلب منه وإن شئت لا تطلب ، فإنّي لا أعطيك شيئا ولا يعطيك إلاّ هو . فلمّا حكى لي جميع ما جرى بينه وبين الشيخ رضي الله تعالى عنه قلت له : صدق الشيخ رضي الله تعالى عنه لأنّي ما لقّنتك شيئا منها على سبيل الأدب الحاصل منك ، وأمّا الآن فاذكر لي جميع ما طلبته منه وصرفك إليّ ، فأخبرني فلقّنته جميع ذلك رحمة الله تعالى علينا وعليه ، آمين .
ومنها : أنّ بعض الصادقين من الإخوان رأى الشيخ رضي الله تعالى عنه في واقعة وطلب منه بعض الأذكار ، فقال له : ممّن أخذت أذكار الطريقة ؟ فقال : من الشيخ عمر الفوتي ، وأشار إلي ناحية من النواحي ، فرفع الأخ بصره ورآني ، فقال : نعم .
ومنها : أنّ بعض الإخوان الصادقين رأى الشيخ رضي الله تعالى عنه في واقعة له ومع الشيخ رضي الله تعالى عنه من المنح والمواهب والأسرار والعلوم والمعارف الصادرة من الأسرار الإلهيّة ما لا تحيط به العقول ، والشيخ رضي الله تعالى عنه يطلب من يدفعها إليه . فلمّا علم الأخ ذلك قال للشيخ رضي الله تعالى عنه : ناولينها أحملها عنك يا سيّدي ، فلم يلتفت إليه الشيخ رضي الله تعالى عنه . وهما على هذه الحالة ، فجعل الشيخ ينادي يقول : ليتك تأتيني يا شيخ عمر ، ويكرّر ، فرفع الأخ بصره ورآني وقد سمعت نداء الشيخ ، فأسرعت وأسرع وتسابقنا إلى الشيخ فأتيناه معا ، فمدّ الشيخ رضي الله تعالى عنه يده المباركة إليّ وناولني تلك التحف كلّها ، وقال الأخ : يا سيّدي ، تناوله هذه التحف ، قد كنت معك مدّة قبل إتيانه ، فقال له الشيخ رضي الله تعالى عنه : قل " لا إله إلاّ الله " . فلم ألبث أن صنّفت تأليفا عجيبا بشأن هذه الطريقة .
ومنها : أنّا كنّا في سفينة في البحر المالح بين جدّة ومصر هاجت الرياح فأشرفت السفينة على الغرق وأيقن كلّ من فيها بالهلاك ، فأخذ أمّي الحاجّة فاطمة المدنية النعاسُ ، فانتبهتْ وقالت : أبشر ، فإنّي رأيت الآن الشيخ التجاني والشيخ محمّد الغالي فقال لي : بشّري الشيخ عمر وقولي له إنّا ما أتينا هذه السفينة إلاّ لنعلمه فإنّنا معه فلا يخف من شيء ، لا يصيبه بأس ، فانقطع الريح مكانه وسكن .
ومنها : أنّنا لمّا رجعنا من الحرمين حتّى بلغنا أرض برنو ، ووقع بيني وبين سلطانها خلاف شديد ، وسعى في قتلي غدرا ، وأرسل بعض غلمانه ليلا لبيتي ليفتكوا بي ، وساروا حتّى وصلوا البيت الذي كنت فيه أنا وعيالي ، وكان فيه سور . فلمّا وصلوا إليه أعمى الله تعالى أبصارهم ، فإذا رفعوا أبصارهم نحو السماء رأو السور ، وإذا نظروا إلى لأرض لم يروا شيئا من بناء السور ، يفعلون ذلك أربع ليال . فلمّا أعياهم الأمر قالوا : لا طاقة لنا على فعل ما أمرتنا به ليلا ، فقال لهم : إفعلوا نهارا . فأتوني ، وأنا بين جماعتي ، ووجدوا رجالا من رجال الغيب محدقي بنا مصلتين سيوفهم ، فلمّا رأوا ذلك رجعوا إليه وأخبروه بما قد رأوا أيضا مرارا . فلمّا كان هذا ، أتي واحد من أصهاره فراشه ليلا لينام ، فإذا الشيخ رضي الله تعالى عنه وعنّا به قد ظهر له ، يقظة لا مناما ، وقال : ما لكم وللشيخ عمر لا تتركوا عبد الله في أرض الله ؟ وكرّر هذا القول ثلاث مرّات ثمّ غاب . وأراد ذلك الشيخ أن يضطجع فظهر له الشيخ أيضا يقظة وقال له : ما لكم وللشيخ عمر لا تتركوا عبد الله في أرض الله ؟ وكرّر ثلاث مرّات ثمّ غاب ، وأراد ذلك الرجل أن يضطجع فظهر له الشيخ أيضا يقظة وقال : ما لكم وللشيخ عمر لا تتركون عبد الله في أرض الله ، وكرّر ثلاث مرّات ثمّ قال : قل لهم لَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ، الآية ، قل لهم : وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ ، الآية ، قل لهم : أصبروا فسياتكم مكاتبنا من كلّ جانب ، فغاب عنه الشيخ رضي الله تعالى عنه . ثمّ تهيّأت للسفر وأكرمني ذلك السلطان كرامة عظيمة على رغم أنفه ، وقحطوا أربع سنين لم تنزل عليهم قطرة من السماء حتّى أكلوا الجيف وأوراق الأشجار والحمي والخيل وبني آدم ، ثمّ تابوا ومطروا .
ومنها : أنّا لمّا مكثنا في أرض هوض ما مكثنا حتّى مرض الإمام العادل العالم أمير المؤمنين محمّد بل بن عثمان بن فودي رأى بعض الإخوان في منامه أنّ رجلا أتاه راكبا على فرس وقال له أين عمر بن سعيد ؟ فقال له الأخ : ما مرادك ؟ فقال : إنّ شيخه أحمد التجاني أرسلني إليه وقال لي قل له : ما يفعل في هذه لأرض الخربة ؟
ومنها : أنّي شرعت في تصنيف " سيوف السعيد المعتقد لأهل الله تعالى كالتجاني على رقبة الشقيّ الطريد المنتقد الجاني " حتّى بلغ نصفه رأيت كأنّي في بئر عميق لا يرجى لي الخلاص منه رأيت الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به ومدّ لي يده فمددت إليه يدي وأخذ بها وأخرجني .
ومنها : أنّ أهلي بنت أمير المؤمنين محمّد بل رأت الشيخ رضي الله تعالى عنه في وقت تصنيفي الكتاب المذكور في البيت الذي أصنفه فيه ، ولم تكن لها معرفة بأنّي في تصنيفه .
ومنها : أنّها رأت في شهر رمضان عام بشرنا أنّ الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به أرسل إليها جملا وأمرها بالقدوم عليه على ذلك الجمل ، فأخبرتني بذلك ، وتوفّيتْ في ذي القعدة في ذلك العام .
ومنها : أنّها لمّا كانت في النزع قالت : هذا سيّدي الشيخ أحمد التجاني قد أتاني لأسير معه ، فتوفّيت في تلك الليلة .
ومنها : أنّها لمّا توفّيتْ رأتها أمّ محمّد المكّي في تلك الليلة وقد أتت إلى بيتها وجلست في فراشي ، وكان من عادتهنّ أن يجعل في البيت فراشين ، فراش للزوج وفراشا للزوجة . فلمّا جلست في فراشي قالت : أين الشيخ ؟ تعنيني ، قالت لها أمّ محمّد المكّي : قد خرج . وقالت لها : قولي له جزاه الله عنّي خيرا ، وقولي له أنا أشكره ، وقد اجتمعت بالشيخ سيّدي أحمد التجاني رضي الله تعالى عنه . رحمة الله عليها وعلينا وعلى جميع القرباء والأحباب .
ومنها : أنّه لمّا وصلنا أرض بشيكة ، وسعى بعض من لا خير فيه في الإفساد بيني وبين سلطانها ، وخاف جميع من معنا من الإخوان وتيقّن من كان ساكنا فيها على عدم نجاتنا ، رأى بعض الإخوان شخصا جميل الصورة يقول له : أرسلَني الشيخ إلى تلميذه عمر وقال لي قل له أنا معه فلا يخف من كلّ بأس ، فإنّ طريقته طريق سلامة بيضاء لا يصيبه شيء .
ومنها : أنّ أمّ أحمد الكبير أصابها وجع البطن وقد أخذت منّي الطريقة وأذكارها ، فصارت تنادي وتستغيث بعبد القادر الجيلاني وتقول : يا عبد القادر على عادتها قبل أن تكون تجانيّة ، فأخذها النعاس وسمعت قائلا يقول : دعي عبد القادر ، ولكن قولي " يا أحمد التجاني " فإنّ الله يعافيك ، وقالت ذلك وعوفيت من ساعتها .
ومنها : رؤيا الإمام العادل والعالم العامل الوليّ الفاضل أمير المؤمنين محمّد بل رحمه لله تعالى التي كتبها أرانيها ، ونصّها : الحمد لله وصلّى الله تعالى على من لا نبيّ بعده ، أمّا بعد ، فإنّي رأيت في ما يرى النائم ليلة السبت رابع عشرة من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وخمسين ومائتين وألف من الهجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام أنّ القطب المكتوم والبرزخ المختوم وختم الأولياء الشيخ التجاني رضي الله تعالى عنه وعنّا به قدم بلدنا وهرع الناس إليه ، ولمّا وصلت إليه وجدت عنده عنده الفالح السيد الرابح عمر بن سعيد قائدا وهو يقول له : إنّ أهل هذا القطر لا يستفيدون علما إلى علمهم . قلت : والقائد نائب السلطان بذلك لأنّه يقودهم إلى الأمور التي يراد منهم فعلها ، ويقودهم عن الأمور التي تطلب منهم تركها ، وهذا هو الخليفة . ثمّ قال محمّد بل : فقلت للشيخ ، بعد ما سلّمت عليه : أعلم أنّي من أحبابك وإنّما أحببتك لله تعالى لا لسبب ولا لعلّة بل وضعا إلهيّا والحمد لله ، وكنت رأيت ذكر ختم الأولياء من كلام الخواصّ ، فقال : فقد عرفته ورأيت ذكره في لواقح الأنوار ، فقال : فقد عرفته ، ثمّ قلت : قد سمعت من شيخنا أنّه التقى معك في جانب داره بدغل وأشرت إلى ناحية الشمال ، فسكت مليّا ، ثمّ قال : حتّى صكة أنا أمرت بكتبها بالصاد ، ثمّ قلت : إنّي أريد منك كما شهدتك هنا أن أشهدك في الجنّة ، فذكرت هذه الكلمة ثلاث مرّات بجمع همّة ، فدعا لي بذلك ثلاث مرّات ، وفي آخرها سمعته يقول : طه طس ، ولعلّه قال : يس ، ثمّ قال : ص ، ولعلّه قال : حم ، ثمّ قال : ق ، ثمّ مضيت إلى محلّي بقصد الرجوع إليه فبعث إليّ أن أبعث له دقيق حبّ الفجل للدواء ، وذهبت إلى طلب حاجته ، فانتبهت ولله الحمد في الأولى والآخرة ، والسلام . اهـ .
قلتُ : ثمّ أنّه رحمة الله تعالى علينا وعليه ملأ إناءً كبيرا بحبّ الفجل وأتى به إليّ وقال لي : خذ ما أمرني شيخك بإتيانه له لأنّك خليفته ونائبه .
ومنها : أنّي حصل لي غمّ شديد وحزن لما أصابني ، ورأيت في ما يرى النائم ليلة الخميس والثالث من شهر الله رمضان عام طم بشر من الهجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام شخصا يقول إنّي رأيت القطب المكتوم والبزخ المختوم الشيخ أحمد التجاني رضي الله تعالى عنه ولعلّه قال لي أنّ الشيخ رضي الله تعالى قال له جاء لرؤيتك وليزيل عنك ما أنت فيه من الهموم ، ولكنّه يبدأ بإزالة السحر الذي سحروك به ، وكلّ أمر تدخل فيه فادخلْ فيه بالسنّة .
فإنْ قلتَ : قد أكثرتَ علينا من المنامات ، قلتُ : إعلم أنّه لا يعترض علينا في إيرادها إلاّ من لا خلاق له في العلم والمعرفة ولوجوه ، أحدها : أنّ الله قد أثبت الرؤِيا الحضرة في كتابه وأثبتها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سنّته .
أمّا الكتاب : فقوله سبحانه وتعالى : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ، قال في لباب التأويل : إختلفوا في هذه البشرى ، فروي عن عبادة بن الصامت قال : « سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قوله تعالى ألَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قال هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له » ، أخرجه الترمذي . اهـ . وقال في السراج المنير : أمّا البشرى ففسّرت بأشياء منها الرؤيا الصالحة ، فقد فسّرها في هذا التفسير من المفسرين ما لا يحصى ، وأمّا السنّة فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : « إذا قرب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ورؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزء من النبوّة » . وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : « لم يبق بعدي من النبوّة إلاّ المبشّرات قيل وما المبشّرات قال الرؤيا الصالحة » . وروى النسائي عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنه قال : « كشف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله تعالى عنه وقال أيّها الناس إنّه لم يبق مبشّرات النبوّة إلاّ الرؤيا الصالحة يراها المسلم » . وروى الترمذي عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال : « سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قوله تعالى ألَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قال هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له » . وروي عن رجل من أهل مصر قال : سألت أبا الدرداء عن هذه الآية : ألَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، قال : « ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غيرك منذ أنزلت . هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له » ، قال الترمذي حديث حسن . وفي السراج المنير : وقال صلّى الله تعال عليه وسلّم : « ذهبت النبوّة وبقيت المبشّرات وقال الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان » .
وثانيها : أنّ من رأى النبيّ صلّى الله تعالى وسلّم في النوم فرؤياه حقّ لأنّ الشيطان لا يتصوّر بصورته . روى البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم : « من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثّل الشيطان بي » . وأخرج الطبراني مثله من حديث مالك بن عبد الله ومن حديث أبا بكر ، وأخرج الدرامي مثله من حديث قتادة ، وروى البخاري أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال : « من رآني في المنام فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي » . وكذلك الشيخ الصادق . قال زين الدين الخوافي في الوصايا القدسيّة : والشيطان يجيء على صورة الصالحين كثيرا ولا يقدر على التمثّل بصورة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، قال عليه السلام : « من رآني في المنام فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي » ، ولا بصورة الشيخ إن كان الشيخ تابعا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم مأذونا بإرشاد من شيخه المأذون هكذا إلى حضرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .
وثالثها أنّ ساداتنا وأئمّتنا قد أثبتوا قبولها من الله تعالى عليه ، قال عبد الله الخيّاط في الفتح المبين : فإن قلت قال صلّى الله عليه وسلّم : « ما بقى بعدي إلاّ المبشّرات الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له » ، وفي الحديث « رؤيا المؤمن كلام يكلّم العبد ربّه في المنام وأوّل ما بدأ به صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يرى الرؤيا فتجيء مثل فلق الصبح والأعمال بالنيّات » . إنتهى . وقال الشعراني في البحر المورود : أخذ علينا العهد إذا جاءتنا بشرى من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو من أحد من صالح المؤمنين أن نأخذها من من جاءت منه بالتصديق والقبول ولا نردّها هضما لأنفسنا كما يفعله بعضهم ذاهبا إلى أنّه لا يستحقّ مثل ذلك وإنّما يستحقّ التخويف بالنار ونحوها حتّى أنّه قال لمن قال له : رأيتك يا سيّدي في الجنّة : أما رأى إبليس أحد يسخر به غيري وغيرك ؟ قال : وهذا الذي قلنا أولى ممّا فعله هذا لأنّ كوننا لا نستحقّ دخول الجنّة تحصيل الحاصل فإذا بشّرنا بأنّ الله تعالى غفر لنا أو أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم شفيع فينا أخذ ذلك من باب الفضل والمنّة ، وهل عفو الله تعالى وشفاعة سيّد المرسلين عليه الصلاة والسلام إلاّ للمذنبين ؟ ثمّ لا يخلى ذلك الشخص الذي أرسل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه شفع فيه ، صالحا أو فاسقا ، علّه يحصل له لذلك رقّة قلب فيتوب ويتنصّل لما كان فيه من المعاصي ، سياسة نبويّة . وقال : ولعلّ من ردّ البشرى إذا جاءته جنح إلى خوف الركون إليها كما عليه طائفة من العباد الذين لم تنكشف حجبهم ، أمّا العارف فلا ركون له إلى شيء دون الله تعالى ، وكلّ شيء جاءه ، دنيا وأخرى وبرزخا ، أخذه عن الله تعالى . وفي الحديث القدسيّ : « أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي خيرا » . اهـ .
وقال : وقد حكي أنّ الجنّ خيّلت لسليمان بن داود أرضا من ذهب وحصباؤها الدرّ والياقوت ونحو ذلك لتفتنه بها عن عبادة ربّه ، فلمّا وقع بصره عليها أخذها عن ربّه عزّ وجلّ وخرّ له ساجدا ، فأئبتها الله تعالى له أرضا يراها بصره إلى أن مات ، مجازاة له على حسن ظنّه بربّه عزّ وجلّ وأخذه ذلك عنه دون الجنّ ، فاعلم ذلك يا أخي ، وإيّاك والتوقّف في قبول بشرى جاءتك عن أحد والمجادلة في صحّة الرؤيا ، فربّما عوقبت يا أخي في نظير ذلك بالحرمان لتكذيبك والله بكلّ شيءعليم . اهـ . كلام الشعراني رضي الله تعالى عنه ، وهوفي فصل المقام ، فشدّ يدك عليه فإنّه نفيس .
وقال في كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة الجانّ : وسألوني عن الرؤيا الصادقة ، هل هي من أقسام الوحي كما بلغنا عن علمائنا ؟ فأجبتهم : نعم ، هي من أقسام الوحي فيطلع الله تعالى النائم على ما جهله من معرفة الله تعالى والكون في يقظته ، ولهذا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أصبح يسأل أصحابه هل رأى أحد منكم رؤيا هذه الليلة وذلك لأنّها آثار نبوّة في الجملة فكان يحبّ أن يشهدها في أمّته . والناس في غاية من الجهل في هذه المرتبة التي كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعتني بها ويسأل عنها كلّ يوم ، وأكثر الناس يستهزئ بالرائي إذا رآه يعتمد على الرؤيا الصادقة التي هي جزء من ستّة وأربعين جزءا من النبوّة ، أيّ من نبوّة محمّد صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، وذلك أنّ مدّة وحيه على لسان جبريل عليه السلام كانت ثلاث وعشرين سنة ، وكان الوحي ينزل إليه في المنام قبل ذلك ستة أشهر ، فانسبْها إلى ثلاث وعشرين سنة تجدها جزءا من ستة وأربعين جزءا ، ولو أنّ زمن رسالته كانت ثلاثين لقال جزءا من ستين ، فالمراد بالحديث نبوّته لا مطلق النبوّة في حقّ غيره ، فافهم ذلك أيّها الجانّ فإنّه نفيس . وقد أنشدوا في الرؤيا الصادقة :
     بالصدق تصدق رؤيا الصادقين ومن     يصاحب الضدّ لم تصدق له رؤيا
الصدق بالعدوة القصوى منازله     وهذه ضدّه بالعدوة الدنيا
هي النبوّة إلاّ أنّها قصرت     عن نسخ شرع وهي رتبة عليا
إنّي رأيت سيوفا للهدى انتصبت     وفي يميني سيف للهدى دنيا
فما تركت لها عينا ولا أثرا     بذلك السيف في الأخرى وفي الدنيا
إنتهى .
وفي شهيّة السمّاع : ومنه ، يعني ومن الأدب الذي يجتمع في المتّصف به خصال الخير ، الفرار من التهاون بما يرى في المنام من الإعتبارات . وفي شرحه كشف القناع : لأنّ التهاون بذلك من الجهل . وقد عمل الصحابة والتابعون بما رأوه في منامهم من الاعتبارات كما هو مشهور في كتب الحديث . ولمّا قصّ عبد الله بن عمر على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه رأى في منامه أنّه واقف على شفير جهّنم وهو خائف أن يقع ، فقال له صلّى الله تعالى عليه وسلّم : « نِعْمَ الرجل عبد الله بن عمر لو كان يقوم من الليل » ، فما ترك عبد الله بعدها قيام الليل حتّى مات . اهـ .
قلتُ : والرؤيا التي أحتضرها أنّ عبد الله قصّ هذه الرؤيا لأخته أمّ المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهم وحفصة هي التي قصّتها لرسول الله صلّى ىالله عليه وسلّم ، وقال لها صلّى الله تعالى عليه وسلّم : « نِعْمَ العبد عبد الله » ، الحديث . ثمّ قال في كشف القناع : ومن كلام سيّدي عليّ الخوّاص : لا يتساهل بما يراه في المنام إلاّ جاهل لأنّ جميع ما يراه المؤمن من وحي الله على لسان ملك الإلهام ، وذلك لمّا عجز عن تحمّل أعباء الوحي في اليقظة وعن سماعه من الملك أتاه في النوم الذي هو الجزء المشترك لأنّ الحكم الغالب فيه الروحانية لا للجسم ، ومعلوم أنّ الأرواح من قسم الملائكة والملك له قوّة على سماع الحقّ تعالى بلا واسطة ، قال الله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ، ففهم من هذه الآية أنّه لو رفع حجاب البشريّة عن العبد لكلّمه الله تعالى من حيث كلّم الأرواح . وقد قال العارفون أنّ الإنسان إنّما سمّيَ بشرا لمباشرته للأمور التي تعوقه عن اللحوق بدرجة الروح . ومن كلامه : أنّ هذه الوقائع التي تقع للإنسان في المنام جند من جنود الله تعالى يقوّي بها إيمان صاحبها بالغيب إذا كان أهلا لذلك وإن كان نقصا في حقّ كامل الإيمان الذي لو كشف الغطاء لم يزدد يقينا، فإنّ من شرط المؤمن الكامل أن يكون ما وعد الله تعالى به أو توعّد عنده كالحاضر على حدّ سواء . اهـ .
والله تعالى الموفّق بمنّه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>