البحث في نفحات7
 

 نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الثلاثون
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > الرّمـاح - فهرس الجـزء الأوّل > الفصل الثلاثون


في إعلامهم أنّ الله تعالى مَنَّ عليّ بمعرفة إسمه الأعظم الكبير للتحدّث بالنعمة ، وأنّه موجود عند محقّقين من أهل الله تعالى ، وأنّه مضروب عليه حجاب ، وأنّه لا يطلع الله عليه إلاّ من اختصّه بالمحبّة واصطفاه بالعناية الأزليّة ، وأنّ من عرفه وترك القرآن والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم واشتغل به يخاف عليه من الخسران دنيا وأخرى ، وأنّه لا يصلح للدنيا ولا لطالبها .
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنّه إلى سواء الطريق ، قال شيخنا وسيّدنا ووسيلتنا إلى ربّنا ، القطب المكتوم والبرزخ المختوم ، أحمد بن محمّد الشريف الحسني التجاني رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به ، في الكتاب المكتوم : إعلم أنّ ثواب الإسم الأعظم الكبير لا شيء يعادله في الأعمال ، ثمّ إنّه لا يناله إلاّ الفرد النادر مثل النبيّين والأقطاب ومن غيرهم لا يناله إلاّ الشاذّ النادر ، وغالب ذلك الشاذّ أنّه من الصدّقين ، وربّما ناله بعض الأولياء ممّن لم يبلغ مرتبة الصدّيقين . أهـ . وقال بعض العارفين : وإدراك الإسم الأعظم إمّا أن يكون نقلا بأن يعلم من جهة أنّ الاسم الأعظم كذا على التقليد إمّا لنبيّ أو وليّ أو ملك أو منام . اهـ .
قلتُ : قد منّ الله عليّ معرفة الإسم الأعظم بجميع الوجوه المتقدّمة إلاّ من جهة الملك فلم أقطع بمعرفته من جهته ، ولكنّي أظنّ بأنّي عرفته من جهة الملَك لرؤيا رأيتها ، وقد عرفته من جهة سيّدي محمّد الغالي وأنا معه في المدينة المنوّرة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام ، وعرفته من جهته أيضا وأنا معه في مكّة المشرّفة . وقد حصل لي على يديه بفضل الله تعالى علوم وأسرار من علوم الإسم وأسراره ، وقد حصل لي معرفته أيضا مناما على يد بعض الرجال أرسله شيخنا أحمد بن محمّد التجاني رضي الله تعالى عنه إليّ مرادي الإسم الأعظم ، قال : نعم ، وذكر لي ما لا يكتب في الاوراق . وقد ازددت يقينا في معرفته بأنّ شخصين أتياني به وقد ذكر لهما عينه مناما . وقد حصل لي معرفته من كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولله الحمد في الاولى والآخرة . وإذا تقرّر هذا ، فاعلم أوّلا أنّ الإسم الأعظم مضروب عليه حجاب لا يطلع الله تعالى عليه إلاّ من اختصّه بالمحبّة واصطفاه بالعناية الازليّة ، ولذا قال شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : قال لي سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم أنّ الإسم الأعظم مضروب عليه حجاب ولا يطلع الله تعالى عليه إلاّ من اختصّه بالمحبّة . وقال رضي الله تعالى عنه : كما تقدّم ، إعلم أنّ ثواب الإسم الأعظم الكبير لا شيء يعادله في الاعمال ، ثمّ إنّه لا يناله إلاّ الفرد النادر مثل النبيّين والاقطاب ومن غيرهم لا يناله إلاّ الشاذّ النادر ، وغالب ذلك الشاذ أنّه من الصدّيقين ، وربّما ناله بعض الاولياء ممّن لم يبلغ مرتبة الصدّيقين . اهـ .
قلتُ : وممّا يدلّ لك على أنّ عليه حجابا مضروبا كثرة اختلاف العلماء في وجوده وعدمه ، وفي تعيينه عند القائلين بوجوده حتّى صار ذلك الاختلاف سببا في جهله وعدم معرفته ، لأنّ كثرة الأقاويل في وجود الشيء وفي تعيينه يزيده غموضا وانبهاما لأنّ الواقف على ذلك الاختلاف يتحيّر تحيّرا يكون به جاهلا جهلا عظيما لعدم حصوله على طائل فيها . أنا أذكر لك بعض تلك الأقاويل لتحقيق ما قلنا . فنقول ، إعلم أنّ العلماء قد اختلفوا في الإسم الأعظم ، وقال بعضهم لا وجود له ، بمعنى أنّ أسماء الله تعالى كلّها عظيمة لا يجوز تفضيل بعضها على بعض ، وإليه ذهب طائفة منهم : أبو جعفر الطبري وأبو الحسن الأشعري وابن حبّان ، وحملوا ما ورد من ذكر الإسم الأعظم على أنّ المراد به عظيم ، وكلّ أسمائه تعالى عظام . وقال بعضهم إلأعظيمة الواردة في الاخبار المراد بها مزيد ثواب الداعي لذلك ، وذهب جمهور العلماء إلى أنّ لله تعالى إسما مّا يسمّى الإسم الأعظم واختلفوا في تعيينه ، وانتهت أقوالهم إلى واحد وعشرين قولا .
الأوّل : أنّه ممّا استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه .
والثاني : هو ما نقله فخر الدين عن بعض أهل الكشف .
والثالث : أنّه الله إذْ لا يطلق على غيره وهو المختار عند المعظم حتّى كاد أن ينعقد الاجماع عليه ، وعزي للشيخ عبد القادر الجيلاني وقال : إنّما يستجاب لك إذا لم يكن غير الله في قلبك أنّه الرحمن الرحيم .
والرابع : أنّه الرحمن الرحيم .
والخامس : أنّ الرحمن الرحيم الحيّ القيّوم لحديث « إسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وفاتحة آل عمران الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ » .
والسادس : أنّه الحيّ القيّوم لحديث « الإسم الأعظم في ثلاث سور البقرة وآل عمران وطه » ، واختاره النووي وجماعة .
والسابع : أنّه الحنّان المنّان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام .
والثامن : أنّه بديع السماوات والارض ذو الجلال والاكرام .
والتاسع : أنّه لا إله إلاّ هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد ، قال الحافظ بن حجر هو الأرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك .
والعاشر : أنّه ذو الجلال والإكرام .
والحادي عشر : أنّه ربّ .
والثاني عشر : أنّه مالك الملك .
والثالث عشر : دعوى ذو النون .
والرابع عشر : أنّه كلمة التوحيد .
والخامس عشر : ما نقل عن الفخر الرازي وزين العابدين أنّه سأل الله تعالى أن يعلّمه الإسم الأعظم فرأى في النوم هو الله الله الله الذي لا إله إلاّ هو ربّ العرش العظيم .
والسادس عشر : أنّه مخفيّ في الأسماء الحسنى يطلع عليه بعض الأصفياء .
والسابع عشر : أنّ كلّ إسم من أسمائه دعا العبد به ربّه مستغرقا بحيث لا يكون في ذكره مستحضرا غير الله تعالى ، فإنّ من تأتّي له ذلك استجيب له ، قال جعفر الصادق والجنيد وغيرهما .
والثامن عشر : أنّه اللهمّ ، حكاه الزركشي .
والتاسع عشر : أنّه ألم ، ذكره العزيزي .
والموفّي العشرين : الله حميد قهّار .
والحادي والعشرون : أنّه كمال المائة وليس من التسع والتسعين وأنّ كثيرا من معانيه في الاسماء التسعة والتسعين ، قاله القطب عبد العزيز بن مسعود الدبّاغ .
قلتُ : وإذا تأمّلت ما تقدّم وفهمته وحصل في ذهنك علمه ، علمت يقينا أنّ الإسم الأعظم الكبير موجود عند المحقّقين من أهل الله تعالى ، وعلمت أنّه مضروب عليه حجاب لا يطلع الله تعالى عليه إلاّ من اختصّه بالمحبّة من النبيّين وبعض الصدّيقين والأولياء كما تقدّم لما رأيت من الأقوال الكثيرة التي تزيد الطالب معرفته حيرة على حيرة . أخبرني سيّدي محمّد الغالي رضي الله تعالى عنه ، وأنا معه في المدينة المنوّرة ، أنّ رابعة العدويّة رضي الله تعالى عنها سألت فقيها من الفقهاء عن مسألة فأجابها بقوله : قيل كذا وقيل كذا وقيل كذا ، إلى أن ذكر لها كثيرا من الأقوال ، فقالت له رضي الله تعالى عنها : سألتك لتفيد علما فزدت جهلا وحيرة . اهـ . لأنّ قولك قيل في المسألة كذا وكذا وكذا من غير تحقيق الحقّ وتبيين الصواب لا يزيد الطالب إلاّ حيرة على حيرة .
وإذا تقرّر هذا ، فاعلم ، ثانيا ، أنّ من عرف الإسم الأعظم وترك القرآن والصلاة على رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم فإنّه يخاف عليه الخسران دنيا وأخرى ، قال الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : قال لي سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم أنّ الإسم الأعظم مضروب عليه حجاب ولا يطلع الله تعالى عليه إلاّ من اختصّه بالمحبّة ، ولو عرف الناس لاشتغلوا به وتركوا غيره ، ومن عرفه وترك القرآن والصلاة على رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم على ما يرى فيه من كثرة الفضل فإنّه يخاف على نفسه . اهـ .
وإذا فهمت هذا ، فاعلم ، ثالثا ، أنّ الإسم الأعظم لا يصلح للدنيا ولا لطالبها ، ومن عرفه وصرفه لطلب الدنيا خسر الدنيا والآخرة ، قال الدميري في حياة الحيوان الكبرى : قال ابن عدي حدّثنا عبد الرحمن القرشي قال حدّثنا محمّد بن زياد بن معروف قال حدّثنا جعفر بن حسن عن أبيه قال حدّثني ثابت البنّاني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « سألت الله الإسم الأعظم فجاءني جبريل عليه السلام به مخزونا مختوما » إلى أن قال : قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : « بأبي أنت وأمّي يا نبيّ الله علّمنيه فقال صلّى الله عليه وسلّم يا عائشة نهينا عن تعليمه النساء والصبيان والسفهاء » . اهـ .
وفي شرح القشيري عن الأسماء الحسنى عن قوله الْحَيُّ الْقَيُّومُ : وقال يوسف بن الحسن بلغني أنّ ذا النون يعلم إسم الله الأعظم ، فخرجت من مكّة قاصدا إليه ، فأوّل ما أبصرني رآني طويل اللحية وفي يدي ركوة كبيرة مؤتزرا بمئزر وعلى كتفي مئزر وتاسومة ، فاستبشع منظري ، فلمّا سلّمت عليه كأنّه ازدراني ، فلمّا كان بعد يومين أو ثلاثة جاء رجل من أئمّة المتكلّمين فناظره بشيء من الكلام واستظهر على ذي النون في ذلك وغلبه ، فاغتممت لذلك وتقدّمت وجلست بين أيديهما وأسلمت المتكلّم إليّ وناظرته حتّى قطعته ، ثمّ دقّقت عليه الكلام حتّى لم يفهم كلامي . قال : فأعجب ذو النون من ذلك ، وكان شيخا وأنا شابّ ، فقام من مكانه وجلس بين يديّ وقال : أعذرني فإنّي لم أعلم محلّك من العلم ، فأنت أبرّ الناس عندي ، وما زال بعد ذلك يبجّلني ويقرّبني على جميع أصحابه حتّى بقيت على ذلك سنة كاملة. وقلت له بعد السنة : يا أستاذ ، أنا رجل غريب وقد إشتقت إلى أهلي ، وقد خدمت سنة ووجب حقّي عليك ، لقد قيل لي إنّك تعلم اسم الله الأعظم ، وقد جرّبتني وعلمت بي أهل لذلك ، فإن كنت تعرفه فعلّمني إيّاه . فسكت عنّي ولم يجب بشيء ، وأوهمني أنّه ربّما علّمني ، ثمّ سكت عنّي ستّة أشهر . فلمّا كان ذلك قال : يا أبا يعقوب ، ألست تعلم فلانا صديقا لي يقينا بالفسطاط الذي يأتينا ، وسمّى رجلا ، فقلت : بلى ، قال : فأخرج إليّ طبقا فوقه مكبّه مشدود بمنديل ، فقال لي : اوصل هذا إلى من سمّيت لك بالفسطاط . قال : فأخذت الطبق لأؤدّيه ، فإذا هو خفيف كـأن ليس فيه شيء . فلمّا بلغت الفسطاط الذي بين الحبس والجزة قلت في نفسي : وجّهني ذو النون بهديّة إلى رجل بطبق ليس فيه شيء لأنظرنّ إلى مافيه ، قال : فحللت المنديل وفتحت المكبّة فإذا فأرة وقد نفرت من الطبق فذهبت ، قال : فاغتممت وقلت سخر بي ذو النون ولم يذهب وهمي إلى ما أردت في الوقت . قال : فرجعت إليه مغضبا . فلمّا رآني تبسّم وعرف القصّة وقال : يا مجنون ، إئتمنتك على فأر فخنتني فكيف أئتمنك على إسم الله الأعظم ، قم فارتحل ولا أراك بعدها أبدا . فانصرفت عنه . أهـ .
وروى ابن ماجة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : سمعت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : « اللهمّ إنّي أسألك باسمك الطاهر المبارك الأحبّ إليك الذي إذا دعيت به أجبت وإذا سئلت به أعطيت وإذا استرحمت به رحمت وإذا استفرجت به فرّجت قالت : فقال ذات يوم يا عائشة هل علمت أنّ الله قد دلّني على الإسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب قالت : فقلت يا رسول الله صلّى الله تعالى عليك وسلّم بأبي أنت وأمّي علّمنيه فقال إنّه لا ينبغي لك يا عائشة قالت فتنحّيت وجلست ساعة ثمّ قمت فقبّلت رأسه ثمّ قلت يا رسول الله علّمنيه قال إنّه لا ينبغي لك يا عائشة أن أعلّمك أنّه لا ينبغي لك أن تسألني به شيئا للدنيا » . اهـ .
إذا فهمت هذا علمت أنّ الإسم الأعظم لا يستعمل لشيء من أمور الدنيا إلاّ لضرر دنيوي متعلّق بالدين لا يصلح الدين إلاّ ذلك الأمر ولا يمكن إلاّ استعماله ، فحينئذ لعلّه يستعمل لذلك ، والله تعالى الموفّق بمنّه للصواب وإليه سبحانه له المرجع والمآب . << الفصل السابق    الفصل التالي >>