نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الحادي والثلاثون
الرّئيسية > مكتبة على الخطّ > الرّماح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل الحادي والثلاثون


في إعلامهم أنّ الأولياء يرون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقظة ، وأنّه صلّى الله عليه وسلّم يحضر كلّ مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه ، وأنّه يتصرّف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض في الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدّل منه شيء ، وأنّه مغيّب عن الأبصار كما غيّبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم ، فإذا أراد الله أن يراه عبد رفع عنه الحجاب فيراه على هيئته التي كان هو عليها .
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنّه إلى سواء الطريق ، قال الشعراني في لواقح الأنوار القدسيّة في العهود المحمّديّة : فإن أكثرت من الصلاة والتسليم عليه صلّى الله عليه وسلّم فربّما تصل إلى مقام مشاهدته صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، هي طريق الشيخ نور الدين الشوني والشيخ أحمد الزواوي والشيخ محمّد بن داود المنزلاوي وجماعة من مشايخ العصر . فلا يزال أحدهم يصلّي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبكثرة منها ويتطهّر من كلّ الذنوب حتّى يجتمع به يقظة في أيّ وقت شاء ، ومن لم يحصل له هذا الاجتماع فهو إلى الآن لم يكثر من الصلاة على رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم الإكثار المطلوب ليحصل له هذا المقام . قال : وأخبرني الشيخ أحمد الزواوي أنّه لمّا لم يحصل الاجتماع بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقظة واظب على الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سنة كاملة ، أصلّي عليه كلّ يوم خمسين ألف مرّة . وكذلك أخبرني الشيخ نور الدين الشوني أنّه واظب على الصلاة على النبيّ كذا وكذا يصلّي كلّ يوم ثلاثين ألف صلاة . قال : سمعت سيّدي عليّ الخوّاص رحمه الله تعالى يقول : لا يكمل عبد في مقام العرفان حتّى يصير يجتمع برسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقظة ومشافهة . وممّن يراه يقظة من السلف الشيخ أبو مدين المغربي شيخ الجماعة ، والشيخ عبد الرحيم القناوي ، والشيخ موسى الزواوي ، والشيخ أبو الحسن الشاذلي ، والشيخ أبو العبّاس المرسي ، والشيخ والسيّد أبو السعود بن أبي العشائر ، وسيّدي إبراهيم المتبولي ، والشيخ جلال الدين السيوطي ، وكان يقول : رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، واجتمعت به يقظة نيّفا وسبعين مرّة . أمّا سيّدي إبراهيم المتبولي فلا يحصى اجماعه لأنّه يجتمع به في أحواله كلّها ، ويقول : ليس لي شيخ إلاّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . وكان أبو العبّاس المرسي يقول : لو احتجب عنّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ساعة ما عددت نفسي من المسلمين . وقال في موضع آخر : وكان ورد الشيخ أحمد الزواوي أربعين ألف صلاة ، وقال مرّة : طريقنا أن نكثر من الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى يصير يجالسنا يقظة ونصحبه مثل الصحابة ، ونسأله عن أمور ديننا وعن الحديث ، وعن الأحاديث ضعّفها الحفّاظ عندنا ، ونعمل بقوله صلّى الله عليه وسلّم فيها . ومتى لم يقع لنا ذلك فلسنا من المكثرين للصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم . وقال في خطبة الكتاب : فهو - أيّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم - الشيخ الحقيقي لنا بواسطة أشياخ الطريق أو بلا واسطة مثل من صار من الأولياء يجتمع به صلّى الله عليه وسلّم في اليقظة ، وقد أدركنا بحمد الله جماعة من أهل هذا المقام ، كسيّدي عليّ الخوّاص والشيخ محمّد العدل والشيخ جلال الدين السيوطي وأضرابهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين . إنتهى .
وذكر الشيخ أحمد بن المبارك ، صاحب الإبريز ، أنّه رأى رجلا يرى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في اليقظة ويشم منه رائحة مدينة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من مدينة فاس ، ثمّ قال : وسمعت هذا الرجل يقول : ذهبت إلى الحجّ ، فلمّا زرت قبر النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم أخذتني حالة وقلت : يا رسول الله ما ظننت أنّي أصل إلى مدينتكم ثمّ أرجع إل فاس ، فسمعت صوتا من قِبَل القبر الشريف وهو يقول : إن كنت مخزونا في هذا القبر فمن جاء منكم فليبق ههنا ، وإن كنت مع أمتي حيث ما كانت فارجعوا إلى بلادكم ، قال : فرجعت إلى بلدي . اهـ . وذكر أنّ شيخه القطب عبد العزيز الدبّاغ رضي الله تعالى عنه قال : إنّ من يرى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من أولياء الله تعالى في اليقظة فإنّه لا يراه حتّى يرى هذا العالم كلّه ولكن لا ينظر واحد . قال وسمعته رضي الله تعالى عنه يقول : لكلّ شيء علامة ، وعلامة إدراك العبد مشاهدة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في اليقظة أن يشتغل الفكر بهذا النبيّ الشريف اشتغالا دائما بحيث لا يغيب عن الفكر ولا تصرفه عنه الصوارف ولا الشواغل ، فتراه يأكل وفكره مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ويشرب وهو كذلك ، ويخاصم وهو كذلك ، وينام وهو كذلك ، فقلت : وهل يكون هذا بحيلة وكسب ؟ فقال : لو كان بحيلة وكسب من العبد لوقعت له الغفلة عنه إذا جاءه صارف أو عرض شاغل ، ولكنّه أمر من الله يحمل العبد إليه ويستعمله فيه ولا يحسن العبد من نفسه اختيارا فيه حتّى لو كلّف العبد دفعه ما استطاع ، ولهذا كانت لا تدفعه الشواغل والصوارف ، فباطن العبد مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وظاهره يتكلّم معهم بلا قصد ويأكل بلا قصد ويأتي لجميع ما يشاهده في ظاهره بلا قصد ، لأنّ العبرة بالقلب وهو مع غيرهم . فإذا دام العبد على هذا مدّة رزقه الله تعالى مشاهدة نبيّه الكريم ورسوله العظيم في اليقظة . ومدّة الفكر تختلف ، فمنهم من تكون له شهرا ، ومنهم من تكون له أقلّ ، ومنهم من تكون له أكثر . قال رضي الله تعالى عنه : ومشاهدة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمرها جسيم وخطبها عظيم ، فلولا أنّ الله يقوّي العبد ما طاقها . لو فرضنا رجلا قويّا عظيما إجتمع فيه قوّة أربعين رجلا ، كلّ واحد منهم يأخذ بأذُن أسدٍ من الشجاعة والبسالة ، ثمّ فرضنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خرج على هذا الرجل ، لانفلقتْ كبده وذابت ذاته وخرجت روحه ، وذلك من عظمة سطوته صلّى الله عليه وسلّم . ومع هذه السطوة العظيمة ففي تلك المشاهدة الشريفة من اللذة ما لا يكيّف ولا يحصى حتّى أنّها عند أهلها أفضل من دخول الجنّة ، وذلك لأنّ من دخل الجنّة لا يرزق جميع ما فيها من النعم ، بل كلّ واحد له نعيم خاصّ به ، بخلاف مشاهدة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّه إذا حصلت له المشاهدة المذكورة سقيت ذاته بجميع نِعَم أهل الجنّة ويجد لذّة كلّ لون وحلاوة كلّ نوع كما يجد أهل الجنّة في الجنّة ، وذلك قليل في حقّ من خلقت الجنّة من نوره صلّى الله عليه وسلّم وشرّف ومجّد وعظّم وعلى آله وصحبه . اهـ .
قلتُ : ولا ينكر رؤية النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقظة إلاّ من لا شعور له بمقامات العارفين ، ولا اطّلاع على ديوان الصالحين . فها أنا ألَخِّصُ لك شيئا من ذلك ذكره صاحب الإبريز ، ناقلا عن الشيخ عبد العزيز بن مسعود الدبّاغ أنّه قال : الديوان بِغَار حراء الذي كان يحتنث فيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قبل البعثة ، فيجلس الغوث خارج الغار ومكّة خلف كتفه الأيمن والمدينة أمام ركبته اليسرى ، والأربع أقطاب عن يمينه ، وهم مالكيّة على مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه ، وثلاث أقطاب عن يساره ، واحد من كلّ مذهب من المذاهب الثلاثة ، والوكيل أمامه ، ويسمّى قاضي الديوان وهو في الوقت مالكيّ أيضا من بني خالد القاطنين بناحية البصرة ، واسمه سيّدي محمّد عبد الكريم البصراوي . ومع الوكيل يتكلّم الغوث ، ولذلك سُمِّي وكيلا لأنّه ينوب في الكلام عن جميع من في الديوان . والتصرّف للأقطاب السبعة على أمر الغوث ، وكلّ واحد من الأقطاب السبعة تحته عدد مخصوص يتصرّفون تحته ، وصفوف ستّة من وراء الوكيل ، وتكون دائرتها من القطب الرابع إلى الذي على اليسار من الأقطاب الثلاثة ، فالأقطاب السبعة هم أطراف الدائرة ، وهذا هو الصفّ الأوّل ، وخلفه الثاني على صفته وعلى دائرته ، وهكذا الثالث إلى أن يكون السادس آخرها . ويحضره النساء ، وعددهن قليل وصفوفهم ثلاثة وذلك من جهة الأقطاب الثلاثة التي على اليسار فوق دائرة الصفّ لأوّل في فسح هناك بين الغوث والأقطاب الثلاثة . ويحضره بعض الكمّل من الأموات ، ويكونون في الصفوف مع الأحياء ويتميّزون بثلاث أمور ، أحدها أنّ زيّهم لا يتبدّل بخلاف زيّ الحيّ وهيئته ، فمرّة يحلق شعره ومرّة يجدّد ثوبه وهكذا ، وأمّا الموتى فلا تتبدّل حالتهم . فإذا رأيت في الديوان رجلا على زيّ لا يتبدّل فاعلم أنّه من الموتى ، كأنْ تراه محلوق الشعر ولا ينبت له شعر فاعلم أنّه على تلك الحالة ، وإن رأيت الشعر على رأسه على حال لا يزيد ولا ينقص ولا يحلق فاعلم أيضا أنّه ميّت ومات على تلك الحال . ثانيها أنّه لا تقع معه مشاور في أمور الأحياء لأنّه لا تصرّف لهم فيها وقد انتقلوا إلى عالم آخر في غاية المباينة لعالم الأحياء ، وإنّما تقع معهم المشاورة في أمور عالم الأموات . ثالثها أنّ ذات الميّت لا ظلّ لها ، فإذا وقف الميّت بينك وبين الشمس فإنّك لا ترى له ظلاّ ، وسرّه أنّه يحضر بذات روحه لا بذاته الفانية الترابيّة ، وذات الروح خفيفة لا ثقيلة وشفّافة لا كثيفة . قال لي رضي الله عنه : وكم مرّة أذهب إلى الديوان أو إلى مجمع من مجامع الأولياء وقد طلعت الشمس فإذا رأوني من بعيد إستقبلوني فأراهم بعين رأسي متميّزون ، هذا بظلّ وهذا لا ظلّ له . والأموات الحاضرون في الديوان ينزلون إليها من البزخ يطيرون طيرا بطيران الروح ، فإذا قربوا من موضع الديوان بنحو مسافة نزلوا إلى الأرض ومشوا على أرجلهم إلى أن يصلوا إلى الديوان تأدّبا مع الأحياء وخوفا منهم . قال : وكذا رجال الغيب إذا زار بعضهم بعضا فإنّه يجيء بسير روحه فإذا قرب من موضعه تأدّب ومشى مشي ذاته الثقيلة تأدّبا وخوفا . وتحضره الملائكة وهم من وراء الصفوف . ويحضره أيضا الجنّ الكمّل وهم الروحانيون ، وهم من وراء الجميع ، وهم لا يبلغون صفّا كاملا . وفائدة حضور الملائكة والجنّ أنّ الأولياء يتصرّفون في أمور تطيق ذواتهم الوصول إليها وفي أمور أخرى لا تطيق ذواتهم الوصول إليها ، ويستعينون بالملاكة والجنّ في الأمور التي لا تطيق ذواتهم الوصول إليها . قال : قال وفي بعض الأحيان يحضره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم . فإذا حضره صلّى الله عليه وسلّم جلس في موضع الغوث وجلس الغوث في موضع الوكيل وتأخّر الوكيل للصفّ . وإذا جاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جاءت معه الأنوار التي تطاق وإنّما هي أنوار محرقة مفزعة قاتلة لحينها ، وهي أنوار المهابة والجلالة والعظمة حتّى أنّا لو فرضنا أربعين رجلا بلغوا في الشجاعة مبلغا لا مزيد عليه ثمّ فوجئوا بهذه الأنوار فإنّهم يصعقون لحينهم ، إلاّ أنّ الله تعالى يرزق أولياءه القوّة على تلقّيها ، ومع ذلك فالقليل منهم هو الذي يضبط الأمور التي صدرت في ساعة حضوره صلّى الله عليه وسلّم . وكلامه صلّى الله عليه وسلّم مع الغوث . إلى أن قال : قال رضي الله عنه : وإذا حضر النبيّ صلّى الله عليه سلّم في الديوان وجاءت معه الأنوار التي لا تطاق بادرت الملائكة الذين مع أهل الديوان ودخلوا في نوره صلّى الله عليه وسلّم ، فما دام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الديوان لا يظهر منهم ملك ، فإذا خرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الديوان رجع الملائكة إلى مراكزهم . إلى أن قال : وسألته رضي الله عنه هل يحضر الديوان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل سيّدنا إبراهيم وسيّدنا موسى وغيرهما من الرسل على نبيّنا وعليهم أفضل الصلاة والسلام ؟ فقال رضي الله عنه : يحضرونه في ليلة واحدة في العام ، قال : قلت : فما هي ؟ قال : ليلة القدر ، فيحضروه في تلك الليلة الأنبياء والمرسلون ويحضروه الملأ الأعلى من الملائكة المقرّبين وغيرهم ، ويحضره سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم ، ويحضر مع أوزاجه الطاهرات وأكابر صحابته الأكرمين رضي الله عنهم أجمعين . وقال ، بعد كلام ، أنّه سمعه - أعني الشيخ عبد العزيز الدبّاغ رضي الله تعالى عنه - يقول : قد يغيب الغوث عن الديوان فلا يحضره ، إلى أن قال : قال رضي الله عنه : وقد يحضر سيّد الوجود صلّى لله عليه وسلّم في غيبة الغوث ويحصل لأهل الديوان من الخوف والجزع من حيث أنّهم يجهلون العاقبة في حضوره صلّى الله عليه وسلّم ما يخرجهم عن حواسّهم حتّى أنّهم لو طال ذلك أيّاما كثيرة لانهدمت العوالم . قال : قال رضي الله عنه : وإذا حضر سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم مع غيبة الغوث فإنّه يحضر معه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ والحسن والحسين وأمّهما فاطمة ، تارة كلّهم وتارة بعضهم رضي الله عنهم أجمعين . قال : قال : وتجلس مولاتنا فاطمة مع جماعة النسوة اللاّتي يحضرن الديوان في جهة اليسار كما تقدّم وتكون مولاتنا فاطمة أمامهن رضي الله عنها وعنهنّ . قال : قال رضي الله عنه : وسمعتها رضي الله عنها تصلّي على أبيها صلّى الله عليه وسلّم ليلة من الليالي وهي تقول : " اللهمّ صلّ على من روحه محراب الأرواح والملائكة والكون . اللهمّ صلّ على من هو إمام الأنبياء والمرسلين ، اللهمّ صلّ على من هو إمام أهل الجنّة عباد الله المؤمنين " ، وكانت تصلّي عليه صلّى الله عليه وسلّم لكن لا بهذا اللفظ وإنّما أنا استخرجت معناه . اهـ . ملخّصا مختصرا .
وفي الإبريز أيضا : وسمعته رضي الله تعالى عنه يقول : إنّي رأيت سيّدنا إبراهيم خليل الرحمن على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام يطلب الدعاء الصالح من سيّدي منصور رضي الله تعالى عنه . وفيه قال - يعني شيخه عبد العزيز بن مسود الدبّاغ رضي الله تعالى عنه : وأمّا من رأى سيّد الوجود صلّى لله عليه وسلم في المنام فإنّ رؤياه تنقسم إلى قسمين ، أحدهما ما لا تغيّر فيه ، وذلك بأن يراه على الحالة التي كان صلّى الله عليه وسلّم عليها في دار الدنيا التي كان الصحابة رضي الله عنهم يشاهدونه صلّى الله عليه وسلّم عليها ، ثمّ إن كان الرائي من أهل الفتح والعرفان والشهود والعيان فإنّ الذي رآى هو ذاته الشريفة ، وإن لم يكن من أهل الفتح فتارة تكون رؤياه كذلك ، وهو النادر ، وتارة ، وهو الكثير ، يرى صورة ذاته الشريفة لا عين ذاته ، وذلك لأنّ لذاته الطاهرة صورا بّها يرى صلّى الله عليه وسلّم في أماكن كثيرة في المنام وفي اليقظة وذلك لأنّ لذاته صلّى الله عليه وسلّم نورا منفصلا عنها قد امتلأ به العالم كلّه ، فما من موضع منه إلاّ وفيه النور الشريف ، ثمّ هذا النور تظهر فيه ذاته عليه السلام كما تظهر صورة الوجه في المرآة ، فإنّ النور بمثابة مرآة واحدة ملأت العالم كلّه والمرتسم فيها وهو الذات الكريمة ، فمن هنا كان يراه عليه السلام رجل بالمشرق وآخر بالمغرب وآخر بالجنوب وآخر بالشمال وأقوام لا يحصون في أماكن مختلفة في آن واحد ، وكلّ يراه عنده ، وذلك أنّ النور الكريم الذي ترسم فيه الذات مع كلّ واحد منهم . والمفتوح عليه هو الذي إذا رآى الصورة التي عندهم تبعها ببصيرته ثمّ يغرق بنورها إلى محلّ الذات الكريمة ، وقد يقع هذا لغير المفتوح عليه بأن يمنّ عليه تعالى برؤية الذات الكريمة وذلك بأن يجيئه عليه السلام إلى موضعه كما إذا علم منه عليه السلام كمال المحبّة والصدق فيها ، فأمر المسألة موكول إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فمن شاء أراه ذاته ومن شاء أراه صورتها . وله صلّى الله عليه وسلّم ظهور في صور أخر وهي صور عدد الأنبياء المرسلين عليهم الصلاة والسلام ، وصور عدد الأولياء من أمّته من لدن زمانه عليه السلام إلى يوم القيامة . والعدد المذكور الصحيح فيه أنّه غير معلوم ، وقيل أنّه مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ، فله عليه السلام من الصور التي يظهر فيها مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ، ومثل هذا العدد في أولياء أمّته عليه السلام ، فله عليه السلام الظهور في مئتي ألف وثمانية وأربعين ألفا لأنّ الجميع مستمدّ من نوره عليه السلام ، ومن هنا يقع كثيرا للمريدين رؤيته عليه السلام في ذوات أشياخهم . اهـ .
وقال محي الدين بن العربي الحاتميّ رضي الله عنه في الباب الثالث والستين وأربع مائة في الفتوحات المكّيّة : رأيت في كشف جميع الأنبياء والمرسلين وأهمّهم مشاهدة عين من كان منهم ومن يكون إلى يوم القيامة أظهرهم الحقّ تعالى في صعيد واحد ، وصاحبت منهم ، غير محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، جماعة منهم الخليل عليه السلام ، قرأت عليه القرآن كلّه باستدعائه ذلك منّي ، فكان يبكي في كلّ موضع ذكره الله تعالى فيه من القرآن وحصل لي منه خشوع عظيم ، وأمّا موسى عليه السلام فأعطاني علم الكشف والإيضاح عن الأمور وعلم تقليب الليل والنهار ، وأمّا هود عليه السلام فثبت على يديه أوّل دخولي في طريق القوم . وذكر أنّه ما اجتمع بأحد من الأنبياء أكثر من عيسى عليه السلام ، وقال : كلّما اجتمعت به دعا لي بالثبات في الدين حيّا وميّتا ، وكان لا يفارقني حتّى يدعو لي بذلك ، وكان يقول لي : يا حبيبي ، وأمرني أول اجماعي عليه بالزهد التجريد ، وكان من زهّاد الرسل وأكثرهم سياحة ، وكان حافظا للأمانة لم تأخذه في الله لومة لائم ، ولذلك عادته اليهود . اهـ .
قلتُ : قد ذكر الشيخ عبد العزيز بن مسعود الدبّاغ ، كما في الإبريز ، أنّ الوليّ إذا كان مفتوحا عليه فإنّه يشاهد في المقام الثاني من مقامات الفتح الملائكة والديوان والأولياء الذين يعمرونه ، ويشاهد مقام عيسى عليه السلام وكلّ من انضاف إليه وكان على شاكلته ، ثمّ مقام موسى عليه السلام وكلّ من معه ، ثمّ مقام إدريس عليه السلام وكلّ من معه ، ثمّ مقام يوسف عليه السلام وكلّ من معه ، ثمّ مقام إبراهيم عليه السلام وكلّ من معه ، ثمّ مقام ثلاثة من الرسل متقدّمين ، منهم من كان قبل إدريس ومنهم من تأخّر عنه ، أسماؤهم غير معروفة . إلى أن قال : ولا يزال المفتوح عليه على خطر عظيم وهلاك قريب حتّى يشاهد مقام سيّدنا ومولانا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، فإذا شاهده حصل له الهناء وتمّ له السرور . وقال في آخر الكتاب : فإذا حصلت له - يعني المفتوح عليه - مشاهدة ذات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم . اهـ .
وقال الشيخ جلال الدين السيوطي رضي الله عنه في تنوير الحلك في إمكان رؤية النبيّ والملَك : قد كثر السؤال عن رؤية أرباب الأحوال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأنّ طائفة من أهل العصر ممّن لا قدم لهم في العلم بالغوا في إنكار ذلك وادّعوا أنّه مستحيل ، فألّفتُ هذه الكراسة في ذلك ، ونبدأ بالحديث الصحيح الوارد في ذلك . أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثّل الشيطان بي » ، وأخرج الطبراني مثله من حديث مالك بن عبد الله من حديث أبي بكرة ، وأخرج الدراني مثله من حديث أبي قتادة . قال العلماء : إختلف في قوله فسيراني في اليقظة ، فقيل معناه فسيراني في القيامة وتعقب بأنّه لا فائدة في التخصيص لأنّ كلّ أمّته يرونه يوم القيامة ، من رآه منهم ومن لم يره . وقيل المراد : من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا ، فيكون مبشّرا له أنّه لا بدّ أن يراه في اليقظة قبل موته . وقال قوم : هو على ظاهره ، فمن رآه في النوم فلا بدّ أن يراه في اليقظة بعيني رأسه وقيل بعين قلبه ، حكاهما القاضي أو بكر بن العربي . وقال الامام أبو محمّد بن أبي جمرة في تعليقه على الأحاديث التي انتقاها من البخاري : هذا الحديث يدلّ على من رآه صلّى الله تعالى عليه وسلّم فسيراني في اليقظة ، وهل هذا على عومه في حياته وبعد مماته أو هذا كان في حياته ، وهل كذلك كلّ من رآه مطلقا أو خاصّ بمن فيه الأهلية والإتّباع بسنّته عليه السلام . اللفظ يعطي العموم ، ومن يدّعي الخصوص فيه بغير مخصّص منه صلّى الله عليه وسلّم فمتعسّف . وقال : وقد وقع من بعض الناس عدم التصديق بعموم وقال علي ما أعطاه عقله : وكيف يكون من قد مات يراه الحيّ في عالم المشاهدة ؟ قال : وفي هذا القول من المحذور وجهان خطران ، أحدهما عدم التصديق بقوله الصادق صلّى الله عليه وسلّم الذي لا ينطق عن الهوى ، والثاني الجهل بقدرة القادر وتعجيزها ، كأنّه لم يسمع في سورة البقرة قصّة البقرة كيف قال الله تعالى : اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ، وقصّة إبراهيم عليه السلام في أربع من الطير ، وقصّة عزير . فالذي جعل ضرب الميّت ببعض البقرة سببا في حياته ، وجعل دعاء إبراهيم سببا لإحياء الطيور ، وجعل تعجّب العزير سببا لموته وموت حماره ثمّ لإحيائهما بعد مائة سنة ، قادر أن يجعل رؤيته صلّى الله تعالى عليه وسلّم في النوم سببا لرؤيته في اليقظة . وقد ذكر عن بعض الصحابة ، وأظنّه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما ، أنّه رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في النوم فتذكّر هذا الحديث وبقي متفكّرا فيه ، ثمّ دخل على بعض أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، أظنّها ميمونة ، فقصّ عليها قصّته فقامت وأخرجت له مرآته صلّى الله عليه وسلّم ، قال رضي الله تعالى عنه فنظرت في المرآة فرأيت صورة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولم أرى لنفسي صورة . قال : وقد ذكر عن السلف والخلف إلى هلمّ جرّا عن جماعة ممّن كانوا رأوه صلّى الله عليه وسلّم في النوم ، وكانوا ممّن يصدّقون هذا الحديث ، فرأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوّشين فأخبرهم بتفريجها ونصّ لهم عن الوجه الذي يكون منه فرجها ، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص . قال : والمنكر لهذا لا يَخْلُ أن يصدّق بكرامات الأولياء أو يكذّب بها . فإنْ كان هو ممّن يكذّب بها فقد سقط البحث معه فإنّه يكذّب بما أثبتته السنّة بالدلائل الواضحة . وإن كان مصدّقا بها فهذه من ذلك القبيل لأنّ الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء عديدة في العالميْن : العلويّ والسفلي فلا ينكرها مع التصديق بذلك . اهـ . كلام ابن أبي جمرة .
وقال : وقوله أنّ ذلك عامّ وليس بخاصّ بمن فيه الأهلية والإتّباع لسنّته عليه السلام مراده وقوع الرؤيا الموعود بها في اليقظة على الرؤيا في المنام ولو مرّة واحدة تحقيقا لوعده الشريف الذي لا يخلف ، وأكثر ما يقع ذلك للعامّة قبيل الموت عند الإحتضار ، فلا تخرج روحه من جسده حتّى يراه وفاءً بوعد . وأمّا خيرهم فتحصل لهم الرؤيا في طول حياتهم ، إمّا قليلا وإمّا كثيرا حسب اجتهادهم ومحافظتهم على السنّة ، والاختلاف بالسنّة مانع كبير . وقال ابن الحاج في المدخل : رؤيته صلّى الله تعالى عليه وسلّم في اليقظة باب ضيّق وقلّ من يقع له ذلك إلاّ إن كان عل صفة عزيز وجودها في هذه الأزمان ، بل عدمت غالبا ، مع أنّنا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم وبواطنهم . وقال : قد أنكر بعض علماء الظاهر رؤية النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في اليقظة وعلّل ذلك بأنْ قال : العين الفانية لا ترى العين الباقية ، والنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم في دار البقاء والرائي في دار الفناء . وقد كان سيّدي أبو محمّد بن أبي جمرة يحلّ هذا الإشكال ويردّه بأنّ المؤمن إذا مات يرى الله وهو لا يموت ، والواحد منهم يموت في كلّ يوم سبعين مرّة . اهـ .
وقال القاضي شرف الدين هبة لله بن عبد الرحيم البارزي في كتاب توثيق عرى الإيمان : قال البيهقي في كتاب الاعتقاد : الأنبياء بعدما قبضوا وردّت إليهم أرواحهم ، فهم أحياء عند ربّهم كالشهدء . وقد رأى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم ليلة المعراج جماعة منهم ، وأخبر ، وخبره صدق ، أنّ صلاتنا معروضة عليه وأنّ سلامنا يبلغه وأنّ الله تعالى حرّم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء . قال البارزي : وقد سمع عن جماعة من الأولياء ، في زماننا وقبله ، أنّهم رأوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقظة حياة بعد وفاته ، وقال الشيخ صفاء الدين بن أبي منصور في رسالته والشيخ عفيف الدين اليافعي في روض الرياحين : قال الشيخ الكبير قدوة الشيوخ العارفين وبركة أهل زمانه أبو عبد الله القرشي : لمّا جاء الغلاء الكبير إلى ديار مصر توجّهت لأدعو الله فقيل لي : لا تدع ، فما يسمع لأحد منكم في هذا الأمر بعد دعاء . وسافرت إلى الشام . فلمّا وصلت إلى قرب ضريح الخليل عليه السلام تلقّاني الخليل ، فقلت : يا رسول الله إجعل ضيافتي عندك الدعاء لأهل مصر ، فدعا لهم ، ففرّج الله تعالى عنهم . قال اليافعي : وقوله " تلقّاني الخليل " قول حقّ لا ينكره إلاّ جاهل لمعرفة ما يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السماوات والأرض ، وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات كما نظر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى موسى عليه السلام في الأرض ونظره أيضا و جماعة من الأنبياء في السموات وسمع منهم مخاطبات . وقد ثبت أنّ ما جاز للأنبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدّي . اهـ .
وقال الشيخ سراج الدين بن الملقّن في طبقات الأولياء : قال الشيخ عبد القادر الجيلاني : رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل الظهر فقال لي : يا بنيّ لِمَ لا تتكلّم ؟ فقلت : يا أبتاه أنا رجل أعجميّ كيف أتكلّم مع فصحاء بغداد ؟ فقال : إفتح فاك ، ففتحته ، فتفل فيه سبعا وقال : تكلّم على الناس وادعو إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة . فصلّيت الظهر وجلست ، وحضرتني خلق كثير فارتج عليَّ . فرأيت عليّا قائما بإزائي في المجلس ، فقال : يا بنيّ لم لا تتكلّم ؟ إلخ . وقال أيضا في ترجمة الشيخ خليفة النهر ملكي : كان كثير الرؤيا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فكان يقول أنّ أكثر أفعاله متلقّاة بأمر منه إمّا يقظة وإمّا مناما ، رآه في ليلة واحدة سبعة عشرة مرّة قال له في أحداهنّ : يا خليفة لا تضجر منّي .
وقال الشيخ عبد الغفّار بن نوح القرمني في كتاب التوحيد : من أصحاب الشيخ أبي يحي أبي عبد الله الإسوائي ، المقيم بإخميم ، كان يخبر أنّه رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كلّ ساعة حتّى لا تكاد تمرّ ساعة إلاّ ويخبر عنه . قال في التوحيد أيضا : كان للشيخ أبي العبّاس المرسي وصلة بالنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم ويجاوبه إذا تحدّث معه . وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في لطائف المنن : قال رجل للشيخ أبي العبّاس المرسي يا سيّدي صافحني بكفك هذه ، فقال : والله ما صافحت بكفّي هذه إلاّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . وقال الشيخ صفاء الدين بن أبي منصور في رسالته ، والشيخ عبد الغفار في التوحيد : حُكي عن الشيخ أبا الحسن الونائي قال : أخبرني الشيخ أبو العبّاس الطنجي قال : وردت على سيّدي أحمد بن الرفاعي فقال : ما أنا شيخك إنّما شيخك عبد الرحيم بقنا ، رُحْ إليه . فسافرت إلى قنا فدخلت على الشيخ عبد الرحيم فقال لي : أعرفت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ قلت : لا ، قال لي : رحْ إلى بيت المقدس حتّى تعرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . فرحت إلى بيت المقدس ، فحين وضعت رجلي وإذا بالسماء والأرض والعرش والكرسيّ مملوءة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فرجعت إلى الشيخ ، فقال لي : أعرفت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ قلت : نعم ، قال الآن كملت طريقتك ، لم تكن الأقطاب أقطابا والأوتاد أوتادا والأولياء أولياء إلاّ بمعرفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . وقال الشيخ صفاء الدين : رأيت الشيخ الجليل الكريم أبا عبد الله القرطبي أجلّ أصحاب الشيخ القرشيّ ، وكان أكثر إقاماته بالمدينة النبويّة ، وكان له بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وصلة وأجوبة وردّ السلام . حمّله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رسالة للملك الكامل وتوجّه بها إلى مصر وأدّاها ودعا إلى المدينة .
وقال اليافعي في روض الرياحين : أخبرني بعضهم أنّه يرى حول الكعبة الملائكة والأنبياء ، وأكثر ما يراه ليلة الجمعة وليلة الإثنين وليلة الخميس ، وعدّ اليّ جماعة كثيرة من الأنبياء ، وذكر أنّه يرى كلّ واحد منهم في موضع معيّن يجلس فيه حول الكعبة ويجلس معه أتباعه من أهله ومراتبه وأصحابه ، وذكر أنّ نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم يجتمع عليه من أولياء الله تعالى خلق لا يحصي عددهم إلاّ الله تعالى ولا يجتمع على سائر الأنبياء . وذكر أنّ إبرهيم وأولاده يجلسون بقرب باب الكعبة بحذاء مقامه المعروف ، وموسى وجماعة من الأنبياء بين الركنين اليمانين ، وعيسى وجماعة منهم في جهة الحجر . ورأى نبيّنا صلّى الله تعالى عليه وسلّم جالسا عند الركن اليماني مع أهل بيته وأصحابه وأولياء أمّته .
وحكي عن بعض الأولياء أنّه حضر مجلس فقيه ، فروى ذلك الفقيه حديثا ، فقال له الوليّ : هذا باطل ، فقال الفقيه : من أين لك هذا ؟ فقال : هذا النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم واقف على رأسك يقول أنّي لم أقل هذا الحديث .
وفي كتاب المنح الإلهيّة في مناقب السادات الوفائيّة لابن فارس قال : سمعت سيّدي عليّا رضي الله تعالى عنه يقول : كنت ، وأنا ابن خمس سنين ، أقرأ القرآن عل رجل يقال له الشيخ يعقوب ، فأتيته يوما فرأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقظة لا مناما وعليه قميص أبيض قطن ، ثمّ رأيت القميص عليّ ، فقال لي : إقرأ ، فقرأت عليه سورة والضحى وألم نشرح ، ثمّ غاب عنّي . فلمّا بلغت إحدى وعشرين سنة أحرمت لصلاة الصبح بالقرافة فرأيته صلّى الله عليه وسلّم قبالة وجهي فعانقني ، وأما بنعمة ربّك فحدّث ، فأوتيت لسانه من ذلك الوقت . اهـ .
وفي بعض المجامع ، حجّ سيّدي أحمد الرفاعي ، فلمّا وقف تجاه الحجرة الشريفة أنشد :
في حال البعد روحي كنت أرسلها     تقبّل الأرض عنّي وهي نائبتي
وهذه نوبة الأشباح قد حضرت     فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
فخرجت اليد الشريفة من القبر فقبّلها .
ولم تمتنع رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحه وذلك لأنّه صلّى الله عليه وسلّم ، وسائر الأنبياء ، أحياء ردّت إليهم أرواحهم بعدما قبضوا وأذن لهم في الخروج من القبور والتصرّف في الملكوت العلويّ والسفليّ . وقد ألّف البيهقي جزءا في حياة الأنبياء ، وقال في دلائل النبوّة : أحياء عند ربّهم كالشهداء . وقال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي : المتكلّمون المحقّقون من أصحابنا أنّ نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم حيّ بعد وفاته ، وأنّه يسرّ بطاعة أمّته ويحزن بمعاصي العصاة منهم ، وأنّه تبلغه صلاة من يصلّي عليه من أمّته . وقال : الأنبياء لا يبلون ولا تأكل الأرض منهم شيئا . وقد مات موسى في زمانه وأخبر نبيّنا صلّى الله تعالى عليه وسلّم أنّه رآه في السماء الرابعة ورآى آدم وإبراهيم . وإذا صحّ لنا هذا الأصل قلنا نبيّنا صلّى الله تعالى عليه وسلّم قد صار حيّا بعد وفاته وهو على نبوّته . اهـ .
وقال القرطبي في التذكرة في حديث الصعقة نقلا عن شيخه : الموت ليس بعدم محض وإنّما هو انتقال من حال إلى حال ، ويدلّ ذلك أنّ الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء يرزقون فرحين مستبشرين ، وهذه صفة الأحياء في الدنيا . وإذا كان هذا في الشهداء فالأنبياء أحقّ من ذلك . وقد صحّ أنّ الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ، وأنّه صلّى الله عليه وسلّم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء ، ورآى موسى قائما يصلّي في قبره ، وأخبر صلّى الله عليه وسلّم أنّه يردّ السلام على من يسلّم عليه ، إلى غير ذلك ممّا يحصل من جملته القطع بأنّ موت الأنبياء إنّما هو راجع إلى أن غيّبوا عنّا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء ، وكذلك الحياة في الملائكة ، فإنّهم موجودون أحياء ولا يراههم أحد إلاّ من خصّه الله تعالى بكرامة . اهـ .
وأخرج أبو يعلى في مسنده والبيهقي في كتاب حياة الأنبياء عن أنس أنّ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم قال : « الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون » . وأخرج البيهقي عن أنس عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم أنّه قال : « إنّ الأنبياء لا يتركون بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلّون بين يدي الله تعالى حتّى ينفخ في الصور » ، وروى سفيان الثوري في الجامع قال : قال شيخ لنا عن سعيد بن المسيّب قال : « ما مكث نبيّ في قبره أكثر من أربعين ليلة حتّى يرفع » ، قال البيهقي فعلى هذا يصيرون كسائر الأحياء يكونون حيث ينزلهم الله تعالى . وروى عبد الرزاق في مصنّفه عن الثوري عن أبي المقدام عن سعيد بن المسيب قال : « ما مكث نبيّ في الأرض أكثر من أربعين يوما » ، وأبو المقدام هو ثابت بن هرمز الكوفي شيخ صالح . وأخرج ابن حبّان في تاريخه والطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية عن أنس قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « ما من نبيّ يموت ويقيم في قبره إلاّ أربعين صباحا » . وقال إمام الحرمين في النهاية ثمّ الرافعي في الشرح : روي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : « أنا أكرم على ربّي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث » ، زاد إمام الحرمين « أكثر من يومين » ، وذكر أبو الحسن بن الزغواني الحنبلي في بعض تصانيفه حديث « أنّ الله لا يترك نبيّا في قبره أكثر من نصف يوم » ، وقال الإمام بدر الدين بن الصاحب في تذكرته " فصل في حياته صلّى الله عليه وسلّم بعد موته في البرزخ " : وقد دلّ على ذلك تصريح المشايخ وإيماؤهم ، ومن القرآن قوله تعالى : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . هذه الحالة ، وهي الحياة في البرزخ بعد الموت ، حاصلة لآحاد الأمّة من الشهداء ، وحالهم أعلى وأفضل ممّن لم تكن له هذه المرتبة لا سيما في البرزخ ، ولا تكون رتبة أحد من الأمّة أعلى من مرتبة نبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، بل إنّما حصلت لهم هذه المرتبة بتزكيته وتبعيّته ، وأيضا فإنّما استحقّ هذه الرتبة بالشهادة ، والشهادة حاصلة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم على أتمّ الوجوه ، قال عليه الصلاة السلام : « مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلّي في قبره » ، وهذا صحيح في إثبات الحياة لموسي ، فإنّه وصفه بالصلاة وأنّه كان قائما ، مثل هذا لا توصف به الروح وإنّما يوصف به الجسد . وفي تخصيصه بالقبر فإنّ أحدا لم يقل أرواح الأنبياء مسجونة في القبر مع الأجساد وأرواح الشهداء والمؤمنين في الجنّة . وفي حديث ابن عبّاس : « سرنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مكّة والمدينة فمررنا بواد فقال أيّ واد هذا فقلنا واد الأزرق فقال كأنّي أنظر إلى موسى واضعا إصبعه في أذنيه له جؤاار إلى الله تعالى بالتلبية مارّا بهذا الوادي ثمّ صرنا حتّى أتينا على ثنية قال كـأنّي أنظر إلى يونس على ناقة حمراء عليه جبّة صوف مارّا بهذا الوادي ملبّيا » ، وسئل هنا كيف ذكر حجّهم وتلبيتهم وهم أموات وفي الأخرى وليست دار عمل ؟ فأجيب بأنّ الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون ، فلا يبعد أن يحجّوا ويصلّوا ويتقرّبوا بما ستطاعوا ، وإنّهم ، وإن كانوا في الأخرى ، فإنّهم في هذه الدنيا ، التي هي دار العمل ، حتّى إذا فنيت وأعقبتها الأخرى ، التي هي دار الجزاء ، إنقطع العمل . هذا لفظ القاضي عياض رضي الله تعالى عنه . فإذا كان القاضي عياض يقول أنّهم يحجّون بأجسادهم ويفارقون قبورهم ، فكيف يستنكر مفارقة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم لقبره ؟ فحصل من مجموع هذه النقول والأحاديث أنّ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم حيّ بجسده وروحه ، وأنّه يتصرّف ويسير حيث يشاء في أقطار الأرض في الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدّل منه شيء ، وأنّه مغيّب عن الأبصار كما غيّبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم ، فإذا أراد الله رفع الحجاب عمّن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها ، لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال . اهـ . ما أردنا نقله من كلام السيوطي ملخّصا .
قلتُ : وإذا نظرت وتحقّقت بجميع ما تقدّم من أوّل الفصل إلى هنا ظهر لك ظهورا لا غبار عليه أنّ اجتماع القطب المكتوم والبرزخ المختوم شيخنا أحمد بن محمّد التجاني سقانا الله تعالى من بحره بأعظم الأواني ورزقنا جواره في دار التهاني رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به بسيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم يقظة لا مناما وأخذه رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به عن سيّدنا جدّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مشافهة منه صلّى الله عليه وسلّم إليه رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به ، وأعاد علينا من بركاته دنيا وبرزخا وأخرى وحضور النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعه الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم بأجسادهم وأرواحهم عند قراءة جوهرة الكمال وعند أيّ مجلس خير أو أيّ مكان شاؤوا ، ولا ينكره إلاّ الطلبة الجهلة الأغبياء والحسدة المردة الأشقياء ، لا مهديّ إلاّ من هداه الله تعالى .
وأمّا نشر الثياب فإنّما يفعل لعدم طهارة جزما أو ظنّا أو شكّا كأن يبسط المصلّي ثوبا طاهرا على فراش غير طاهر ليصلّي عليه كما هو في كتب الفقه ، وذلك ظاهر . وقد سألت عن ذلك سيّدي محمّد الغالي الشريف الحسني التجاني رضي الله تعالى عنه بعد المغرب ونحن في المدينة المنوّرة على ساكنها أفضل الصلا والسلام في مسجده صلّى الله عليه وسلّم ، فأجابني : أنّه قال للشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به يوما : يا سيّدي ، إنّا نخاف في بعض المواضع عدم طهارتها أو طهارة فراشها فكيف نصنع إذا أردنا الذكر ؟ فقال : إنّ الشيخ قال له " أبسطوا شيئا طاهرا على ما تخافون عدم طهارته واجلسوا عليه " .
هذا هو الحقّ ، والحقّ أحقّ أن يتّبع ، والله تعالى الموفّق بمنّه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب . << الفصل السابق    الفصل التالي >>