نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الثاني والثلاثون
الرّئيسيـة > مكتبة على الخطّ > الرّماح - فهرس الجزء الأوّل > الفصل الثاني والثلاثون


في ذكر شرائط طريقتنا الأحمديّة الأبراهيميّة الحنيفيّة التجانيّة .
وأقول ، وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنّه إلى سواء الطريق ، إعلم أنّ شروط طريقتنا هذه ثلاث وعشرون شرطا ، فمن استكملها كلّها ولم يتخلّف عنه واحد منها فهو من أهل الطريقة الفائزين المحبوبين المقرّبين الأعلين ، ومن لم يستكملها واستكمل أحد وعشرين شرطا من الشروط التي أعدّها على الترتيب الذي ستراه فهو من الرابحين المحبوبين وإنْ لم يساوي الأولى ، ومن لم يستكملها فليس من أهل الطريقة .
الأوّل ، كون الشيخ الذي يلقّن الأذكار مأذونا له بالتلقين من القدوة أو ممّن أُذِن له إذْنًا صحيحا .
والثاني ، أن يكون طالب التلقين خالي عن ورد من أوراد المشايخ اللاّزمة لطرقهم أو منسلخا عنه إن كان موجودا غير راجع إليه أبدا .
والثالث ، عدم زيارة واحد من الأولياء الأحياء والأموات ، قال في جواهر المعاني : إعلم أنّ هذا الورد العظيم لا يلقّن لمن له ورد من أوراد المشايخ رضي الله تعالى عنهم إلاّ إن تركه وانسلخ عنه ولا يعود إليه أبدا ، فعند ذلك يلقّنه مَن له الإذْن الخاصّ وإلاّ فليتركه هو وورده لأنّ أوراد المشائخ كلّهم رضي الله تعالى عنهم على هدى وبيّنة ، وكلّها مسلكة وموصلة إلى الله تعالى . وهنا منّا ليس تكبّرا واستعلاء على المشايخ ، كلاّ وحاشا ومعاذ الله ، بل هذا الشرط مشروط في طريقتنا لا غير ، فمن أراد الدخول فيها فلا بدّ له من هذا الشرط ولا خوف عليه من صاحبه أيّا كان من الأولياء الاحياء والأموات ، وهو آمن من كلّ ضرر يلحقه في الدنيا والآخرة ، ولا يلحقه ضرر لا من شيخه ولا من غيره ولا من الله ورسوله بوعد صادق لا خلف فيه ، ومن أبى الخروج عن ورد شيخه الذي بيده فلا شيء عليه ويترك وردنا ويمكث على ورده وطريقته فهو على هدى من ربّه كما قدّمنا . وكلّ من أذنته وأمرته بتلقين الورد وإعطاء طريقتنا فلا يلقّن أحدا إلاّ بهذا الشرط ، فإن خالف وفعل فقد رفعت عنه الإذن لا ينفعه في نفسه ولا من لقّنه إيّاه ، فليحكم هذا الشرط ويعمل عليه . وكذلك من أخذ وردنا ودخل في طريقتنا لا يزور أحدا من الأولياء الأحياء والأموات أصلا . وأمّا ما ذكره أئمّة الطريق من أنّ الشيخ لا بدّ أن يكون مأذونا في التلقين والارشاد وأنّ التلميذ لا بدّ له من التقيّد بشيخ واحد وأنه لا يزور فقد تقدّم ما فيه كفاية في الفصل الثاني عشر وفي الفصل التاسع عشر من هذا الكتاب المبارك إن شاء الله تعالى .
والرابع ، دوام المحافظة على الصلوات الخمس في الجماعات والأمور الشرعيّة . وفي الجزء الأوّل من جواهر المعاني : وشرطه المحافظة على الصلوات في أوقاتها في الجماعة إن أمكن . وقال في أوّل الرسائل : وشرطه المحافظة على الصلوات في الجماعة والأمور الشرعيّة .
والخامس ، دوام محبّة الشيخ بلا انقطاع إلى الممات وخليفة الشيخ في جميع ما كان للشيخ على التلاميذ من الحقوق والشروط كالشيخ وكلّ من لم يكن من أهل الطريق مقدّما كان أو غيره محبّا للخليفة كما كان يجب عليه أن يكون للشيخ فليس من الطريقة في شيء ، وهذا يكون للمقدّم في حقّ من لقّنه . وإذا فهمت هذا ، فالمحبّة الصادقة ، كما في الإبريز وغيره ، أن يكون التلميذ صحيح الجزم نافذ العزم ماضي الاعتقاد لا يصغى لأحد من العباد قد صلّى على من عدا شيخه صلاته على الجنازة . اهـ . قال في الإبريز : إنّ العبد لا ينال معرفة الله تعالى حتّى يعرف سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم ، ولا يعرف سيّد الوجود حتّى يعرف شيخه ، ولا يعرف شيخه حتّى يموت الناس في نظره فلا يراقبهم ولا يراعيهم . فَصَلِّ عليهم صلاة الجنازة وانزع من قلبك التشوّق إليهم . اهـ . وفيه : وسألته رضي الله تعالى عنه عن المحبّة ، هل لها من أمارة وعلامة ؟ فقال رضي الله تعالى عنه : لها أمارتان ، الأمارة الاولى أن تكون راحة المريد في ذات شيخه فلا يتفكّر إلاّ فيها ولا يجرى إلاّ لها ولا يهتّم إلاّ لها ولا يفرح إلاّ بها ولا يحزن إلاّ عليها حتّى تكون حركاته وسكناته سرّا وعلانية حضورا وغيبة في مصالح ذات الشيخ وما يليق بها ولا يبالي بذاته ولا بمصالحها . الأمارة الثانية ، الأدب والتعظيم لجناب شيخه حتّى لو قدّر أنّ شيخه في بئر وهو في صومعة لرأى بعين رأسه هو الذي في البئر وأنّ شيخه هو الذي في الصومعة لكثرة استلاء تعظيم الشيخ على علمه . إنتهى . وفيه : أنّه سئل عن المريد الذي يزيد إذا حضر الشيخ وينقص إذا غاب بما نصّه : سيّدي إذا صحب المريد شيخا كاملا عارفا بربّه وادّعى أنّه يربّيه بهمّته ثمّ إذا غابت بشريّة الشيخ ، بموت أو سفر ، يجد المريد ضعفا من نفسه في الحال والعلم والعمل ، فما معنى تربيته له بالحال والهمّة وانتفاعه به مع ضعف انتفاعه به إذا بعد عنه ؟ فأجاب رضي الله تعالى عنه : أنّ همّة الشيخ الكامل هي نور إيمانه بالله عزّ وجلّ ، وبه يربّي المريد ويرقى من حالة إلى حالة ، فإن كانت محبّة المريد للشيخ من نور إيمانه أمدّه الشيخ حضر أو غاب ، ولو مات ومرّت عليه الآلاف من السنين ، ومن هنا كان أولياء كلّ قرن يستمدّون من نور إيمان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويربّيهم ويرقّيهم عليه أفضل الصلاة والسلام لأنّ محبّتهم فيه محبّة صافية خالصة من نور إيمانهم . وإن كانت محبّة المريد في الشيخ من ذات المريد لا من إيمانه انتفع به ما دام حاضرا ، فإذا غابت الذات وقع الانقطاع . وعلامة محبّة الذات أن تكون محبّته في الشيخ لتحصيل نفع أو لدفع ضرر دنيوي أو أخروي ، وعلامة محبّة الإيمان أن تكون خالصة لوجه الله لا لغرض من الأغراض ، فالمريد إذا وجد النقص عن نفسه عند غيبة الشيخ فالتقصير منه لا للشيخ ، والله أعلم . اهـ . وفي بغية السالك : الثالث - يعني من حقوق القدوة على التلميذ - إلتزام طاعته في كلّ مكروه ومحبوب بقدوة عزم وطيب نفس ومسارعة ، وليعلم التلميذ أنّ الذي يشقّ على نفسه من طاعة قدوته عاقبة أمره الخير والبركة . الرابع ، أن لا يؤثر نفسه عل قدوته بشيء من الحضوض الدنيويّة والأخرويّة ، بل يؤثره على نفسه بجميع ذلك . أمّا الأخروية فمن عنده جاء أصلها ، وأمّا الدنيويّة فهي في جنب ما ناله على يديه من أمر الأخرى شيء تافه لا قيمة له . ومن آثر نفسه على قدوته بشيء من الأشياء ، ولو بحياة ساعة بعده ، فقد بخسه حقّه ولم يوفّه واجبه . ومن توابع ذلك أن لا يكتم عنه شيئا من أحواله الظاهرة والباطنة ، الأخرويّة والدنيويّة ، وإن كتمه شيئا فقد خانه ، وعماد هذه الشروط كلّها وذروة سنامها أن يكون القصد في ذلك كلّه رضى الله عزّ وجلّ قصدا مجرّدا من جميع الشوائب والأوهام ، وليعلم المريد أنّ رضا الله تعالى في رضا قدوته ، فليلتمسه ما استطاع . اهـ . وقال صاحب الرائيّة :
وفِرَّ إليه في المهمّات كلّها     إنّك تلقي النصر في ذلك الفرّ
وقال في العوارف : وليعتقد المريد أنّ الشيخ باب فتحه الله تعالى إلى جناب كرمه منه يدخل ومنه يخرج وإليه يرجع وينزل الشيخ حوائجه ومهمّاته الدينيّة والدنيويّة ، ويعتقد أنّ الشيخ ينزل بالله الكريم ما ينزل المريد به ، ويرجع في ذلك إلى الله تعالى للمريد كما يرجع المريد إليه . وللشيخ باب مفتوح من المكالمة والمحادثة في النوم واليقظة فلا يتصرّف الشيخ في المريد بهواه ، فهو أمانة لله تعالى عنده ، ويستغيث إلى الله تعالى بحوائج المريد كما يستغيث بحوائج نفسه ومهام دينه ودنياه ، قال الله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ، فإرسال الرسول يختصّ بالأنبياء والوحي كذلك ، والكلام من وراء حجاب بالإلهام والهواتف والمنام وغير ذلك للشيوخ . اهـ . وقال أيضا : ومن الأدب مع الشيخ أنّ المريد إذا كان له كلام مع الشيخ في شيء من أمر دينه أو دنياه لا يستعجل بالإقدام على مكالمة الشيخ والهجوم عليه حتّى يتبيّن له من حال الشيخ أنّه مستعدّ له ولسماع كلامه ، فكما أنّ للدعاء أوقاتا وآدابا وشروطا لأنّه مخاطبة إلى الله تعالى فللقول مع الشيخ أيضا آداب وشروط لأنّه من معاملة الله تعالى ، ويسأل الله تعالى ، قبل الكلام مع الشيخ ، التوفيق لما يحبّه من الآداب .
وفي الإبريز : وقد سمعت الشيخ رضي الله تعالى عنه يقول : الشيخ للمريد في درجة لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فإيمانه معلّق به ، وكذا سائر أموره الدينيّة والدنيويّة ، وأرباب البصائر يشاهدون ذلك عيانا . قال : وكنت أخرج معه رضي الله عنه كثيرا وأنا لا أعرف درجته ، فكان يقول لي : مثلك مثل من يظلّ يمشي على أعالي أسوار المدينة وشرفاتها مع ضيق المحلّ الذي تجعل فيه رجلك وبُعْد محلّ السقوط ، فلم أفهم معنى هذا الكلام إلاّ بعد حين . فكان بعد ذلك إذا جرى هذا الكلام على خاطري يحصل لي منه روع عظيم وخوف شديد . وقلت له ذات يوم : إنّي أخاف من الله تعالى من أمور فعلتها ، فقال لي : ما هي ؟ فذكرت له ما حضر ، فقال لي رضي الله تعالى عنه : لا تخف من هذه الأشياء ، ولكن أكبر الكبائر في حقّك أن تمرّ عليك ساعة ولا أكون في خاطرك ، فهذه هي المعصية التي تضرّك في دينك ودنياك . اهـ .
وقد مرّ من هذا المقام في الفصل السابع عشر والفصل الثامن عشر والفصل التاسع عشر ما فيه كفاية ، فراجعه إن شئت .
والسادس ، عدم الأمن من مكر الله تعالى ، قال الله تعالى : أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ، وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : أبشروا أنّ كلّ من كان في محبّتنا إلى أن مات عليها يبعث من الآمنين على أيّ حالة كان ما لم يلبس حلّة الأمان من مكر الله . وفي جواهر المعاني : وسألته رضي الله تعالى عنه عن حقيقة المكر ، فأجاب بقوله : حقيقة المكر هو إظهار النعمة على العبد وبسطها له ثمّ يدرجه إلى غاية الهلاك في تلك النعمة ، ويقول سبحانه وتعالى : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ ، وصفة العبد أن يكون دائما خائفا من ربّه لا يأمن على نفسه بحال ويطمئنّ قلبه من خوف عذاب الله تعالى ، قال سبحانه وتعالى : وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ، والإيمان له جناحان كالطائر ، جناح ، وهوالأوّل ، وهو الخوف وهو توجّع القلب من شدّة الوعيد . وفي الحديث قال عليه الصلاة والسلام : « المؤمن من يرى ذنوبه كأنّه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه والمنافق يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه » . والجناح الثاني ، وهو الرجاء في الله سبحانه وتعالى بأن يغفر له ولا يعذّبه ولا يتوقّع فيه الأمان . فإذا تمحّض الرجاء وحده بلا خوف كان أمنا ، والأمن من مكر الله تعالى عين الكفر بالله تعالى ، فإذا تمحّض الخوف وحده كان يأسا من الله عزّ وجلّ ، واليأس من الله عزّ وجلّ عين الكفر بالله ، والسلام . في هذا المعنى يقول الإمام التستري :
ولا تريّن في الأرض دونك مؤمنا     ولا كافرا حتّى تغيب في القبر
فإنّ ختام الأمر عنك مغيّب     ومن ليس ذا خسر يخاف من المكر
، ، والسلام . اهـ .
ومعنى البيت الأوّل ، كما في الإبريز : ولا تريّن أيّها المريد في الأرض مؤمنا أو كافرا أدنى منك منزلة وأخفض منك عند الله مرتبة ، بل أعكس الأمر وقل إنّك دون كلّ أحد واستمرّ على ذلك إلى أن تموت . قال أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه : ما دام العبد يظنّ أنّ في الخلق من هو شرّ منه فهو متكبّر ، قيل : متى يكون متواضعا ؟ قال : إذا لم ير لنفسه مقاما ولا حالا وتواضع لكلّ أحد على قدر معرفته بربّه وبنفسه . وقال في العوارف : وقد سئل ابن اسباط غاية التواضع ؟ فقال : أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدا إلّا رأيته خير منك . ورأيت شيخنا ضياء الدين بن النجيب ، وكنت معه في سفره إلى الشام ، وقد بعث بعض أبناء الدنيا طعاما على رؤوس الأسارى من الإفرنج وهم في قيودهم ، فلمّا مدّت السفر والأسارى ينتظرون الأواني حتّى تفرع ، قال للخادم : أحضر الأسارى حتّى يقعد على السفرة مع الفقراء ، فجاء بهم وأعدّهم على السفرة صفّا واحدا ، وقام الشيخ من سجّادته ومشى إليهم وقعد بينهم كالواحد منهم ، فاكل وأكلوا ، وظهر لنا على وجهه ما نازل باطنه من التواضع لله سبحانه والانكسار في نفسه وانسلاخه من التكبّر عليهم بإيمانه وعلمه وعمله . وقال الشيخ أبو الحسن عليّ بن عتيق بن مؤمن القرطبي رحمه الله تعالى : رأيت الشيخ الفقيه أبا محمّد عبد الله بن عبد الرحمن بن معين ، وكان من الفقهاء العلماء ، يوما وهو يمشي في يوم شتاء كثير المطر والطين ، فاستقبله كلب يمشي على الطريق التي كان عليها ، قال : فرأيته قد لصق بالحائط وعمل للكلب طريقا ووقف ينتظر ليجوز وحينئذ يمشي هو، فلمّا قرب منه الكلب رأيته قد ترك مكانه الذي كان فيه ونزل أسفل وترك الكلب يمشي فوقه ، قال : فلمّا جاوزه الكلب وصلت إليه فوجدت عليه كآبة ، فقلت : يا سيّدي رأيتك الآن صنعت شيئا استغربته ، كيف رميت نفسك في الطين وتركت الكلب يمشي في الموضع النقي ؟ فقال لي : بعد أن عملت له طريقا تحت تفكّرت وقلت : ترفّعت عن الكلب وجعلت نفسي أرفع منه ، بل هو والله أرفع منّي وأولى بالكرامة ، لأنّي عصيت الله تعالى وأنا كثير الذنوب والكلب لا ذنب له ، فنزلت له عن موضعي وتركته يمشي عليه ، وأنا الآن أخاف المقت من الله إلاّ أن يعفو عنّي لأنّي رفعت نفسي على من هو خير منّي . وقال ذو النون رضي الله تعالى عنه : من اراد التواضع فليوجّه نفسه إلى عظمة الله تعالى فإنّها تذوب وتصغر ، ومن نظر إلى عظمة الله تعالى وسلطانه ذهب عنه سلطان نفسه لأنّ النفوس كلّها صغيرة عند هيبته ، فإذا حصل العبد على هذا المعنى من التواضع تواضع للخلق لا محالة لرؤية نسبتهم من الحقّ تعالى ، ولذلك قال في العوارف : ومتى فإذا حصل العبد على هذا المعنى من التواضع الخاصّ على بساط القرب لا يتوفّر حظّه من التواضع للخلق .
ومعنى البيت الثاني ، فكما في الإبريز ، أنّ الخاتمة مجهولة وجهلها يقتضي ما سبق ، وهو أن لا يرى أحدا دونه ، فإن كان الشخص ذا خسر فلا إشكال في خوفه ، وإن كان ذا عمل صالح فإنّه لا يأمن مكر الله ، قال ابن العربي الحاتميّ رضي الله تعالى عنه : ومن آدابهم مع الله تعالى ، وقليل فاعله ، أن يعتقد الانسان أنّ لله نظرات في كلّ زمان إلى قلوب عباده يمنحهم فيها من معارفه ولطائفه ما شاء ، فإذا فارق شخصا ساعة واحدة وأعرض عنه نفسا واحدا وهو جالس معه ثمّ عاد إليه فإنّه يتهيّأ للقائه بالخدمة والتعظيم لعلّ نظرة حصلت له من تلك النظرات وحصل بها فوقه . فإن كان الأمر كذلك ، يعني بأن حصلت له نظرة من تلك النظرات ، فقد وفّى معه الآداب ، وإن لم يكن غير ذلك ، يعني بأن لم يحصل له شيء من تلك النظرات ، فقد تأدّب مع الله تعالى حيث عامله بما تقتضيه المرتبة الإلهيّة ، وهذا مقام عزيز قلّ أن ترى له ذائقا . وكذلك أيضا إذا شاهدوا عاصيا في حال عصيانه ثمّ زال عن تلك المعصية فإنّهم لا يعتقدون فيه الإصرار ، ويقولون : لعلّه تاب في سرّه ، ولعلّه ممّن لا تضرّه المعصية لاعنتناء الباري به في عاقبة أمره . ومن نظر نفسه خيرا من أحد من غير أن يعرف مرتبته ومرتبة ذلك الآخر بالغاية لا بالوقت فهو جاهل بالله عزّ وجلّ ، مخدوع لا خير فيه ولو أعطى من المعارف ما أعطى . وقال أبو طالب المكّي رضي الله تعالى عنه : ومن حقوق العارفين علمهم بأنّ الله عزّ وجلّ يخوّف عباده بما يشاء من عباده الأعلين يجعلهم نكالا للأدنين ، ويخوّف العموم من خلقه بالتنكيل ببعض الخصوص من عباده ، حكمة له وحكما منه . فعند الخائفين في علمهم أنّ الله تعالى قد أخرج طائفة من الصالحين نكالا خوّف بهم المؤمنين ونكّل بطائفة من الشهداء خوّف بهم الصالحين وأخرج جماعة من الصدّيقين خوّف بهم الشهداء ، والله أعلم بما وراء ذلك ، فصار من أهل كلّ مقام عِبَر لمن دونهم وموعظة لمن فوقهم وتخويف وتهديد لأصحابهم ، وهذا داخل في وصف من أوصافه وهو ترك المبالاة بما ظهر من العلوم والأعمال ، فلم يسكن عند ذلك أحد من أهل المقامات في مقام ولا نظر أحد من أهل الأحوال إلى حال ولا أمن مكر الله عزّ وجلّ عالم به في كلّ الأحوال . وقال أبو حامد رضي الله تعالى عنه : إنّ الأمور مرتبطة بالمشيئة ارتباطا يخرج عن حدّ المعقولات والمألوفات ، ولا يمكن الحكم عليها بقياس ولا حدس وحسبان فضلا عن التحقيق والإستيقان ، وهذا الذي قطع قلوب العارفين إلى الطامّة الكبرى هو ارتباط أمرك بمشيئة من لا يبالي بك . ثمّ قال ، بعد كلام طويل : قال بعض العارفين : لو حال بيني وبين من عرفته خمسين سنة بالتوحيد إسطوانة ، فمات ، لَمَا قطعت له بالتوحيد ، لأنّي لا أدري ما ظهر له من التغليب . وقال بعضهم : لو كانت الشهادة على باب الدار والموت على الإسلام على باب الحجرة لاخترت الموت على الإسلام لأنّي لا أدري ما يعرض لقلبي من باب الحجرة إلى باب الدار . وكان سهل يقول : خوف الصدّيقين من سوء الخاتمة عند كلّ خطو وكلّ حركة وهُم الذين وصفهم الله تعالى إذ قال تعالى : وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ . وقال : وكان سهل يقول : المريد يخاف من المعاصي والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر . وكان أبو يزيد يقول : إنّي إذا توجّهت إلى المسجد فكأنّ في وسطي زنّار أخاف أن يذهب إلى البيعة أو لبيت النار حتّى أدخل المسجد فينقطع عنّي الزنّار ، فهو دأبي كلّ يوم خمس مرّات . قال الشيخ أحمد بن المبارك رضي الله تعالى عنه : ووقعت حكاية غريبة من هذا المذهب سمعتها من الشيخ رضي الله تعالى عنه ، سمعته يقول : لاقيت بمكّة شرّفها الله أبا الحسن عليّا الصغائي الهندي فوجدته على حالة غريبة وذلك أنّه إذا أراد أن يخطو خطوة يرفع رجله ويرتعد في الهواء ثمّ يردّها فترتعد ثّم يعيدها إلى ناحية الخطوة فترتعد ولا يكمل الخطوة حتّى يقول من رآه ما به إلاّ الجنون ، ثمّ هكذا في كلّ خطوة . وكذا إذا رفع طعاما إلى فيه يقع له مثل ذلك فيمدّ يده لناحية فمه فترتعد ثمّ يردّها لناحية فمه فترتعد ، ولا يجعل اللقمة في فيه حتّى يرحمه كلّ من يراه ، وهكذا يقع له مثل ذلك إذا أراد أن يضطجع . وبلغ به الحال إلى أن وقع له ذلك في كلّ حركة اختياريّة منسوبة إليه ، حتّى وقع له مثل ذلك في تغميض الجفن وفتحه . فلمّا رأيت منه ذلك أكربني وأحزنني غاية حتّى رحمته ، فقلت له : يا أبا الحسن ما هذه الحالة التي أنت عليها وقد جعلك الله تعالى من أوليائه وخواصّ أصفيائه ومن كبراء العارفين به ومن أهل الديوان ، وذاتك سليمة صحيحة لا علّة فيها ؟ وقال : ما ذكرت هذا الذي حلّ بي لأحد سواكم وسأذكره لكم ، وهو أنّ الله تعالى ، وله الحمد ، أطلعني على مشاهدة فعله في مخلوقاته ، فأنا أرى فعله ساريا في الخليقة عيانا لا يغيب عليّ منه شيء ، ثمّ أطلعني الله تبارك وتعالى ، وله الحمد بمحض فضله ، على أسرار فعله وقضائه وقدره في خليقته ، فأنا أشاهد تلك الأفعال وأعلم لِمَ كانت ، وأعلم أسرار القدر فيه بحيث لا يخفى عليّ شيء من تلك الأسرار ، ثمّ نظرت إلى فعله فيّ فوجدته قد حجبني عن مشاهدته ومشاهدة أسراره ، فوقع في ظنّي أنّه ما حجبني عن مشاهدته إلاّ لشرّ أراده بي بأن يكون سخطه تعالى مقرونا بفعل من أفعالي فحجبني عن الجميع حتّى لا أعلم الذي يكون هلاكي به فأجتنبه ، فلذا صرت خائفا من كلّ فعل اختياريّ منسوب لي ، يجوز في كلّ فعل من أفعالي الاختياريّة أن يكون هو سبب هلاكي ، فما من فعل من أفعالي إلاّ وأنا خائف منه ، فلذا صرت أتضرّع إلى الله تعالى بظاهري وباطني وأستحضر الخوف من الذي أريد أن أقدم عليه وأسأله تعالى أن لا يكون ذلك الفعل سببا لهلاكي ، والحركة الأولى في مدّ رجلي فعل فأرتعد منها فأخاف فأردّها وأرتعد خوفا من الردّ ، وهكذا في كلّ فعل . قال الشيخ رضي الله تعالى عنه : فما زلت أذكّره بالله عزّ وجلّ وأذكر له سعة رحمته وقوله في الحديث القدسيّ « أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء فإن ظنّ بي خيرا أعطيته خيرا » الحديث ، وهو يسمع لكلامي حتّى ظننت أنّه سيرجع عن حالته تلك ، ثمّ عاوده ظنّه وبقى على حالته ، وكلّ من رآه يرحمه ويدعو له بتعجيل الراحة لهذه أو لهذه . قال رضي الله تعالى عنه : وتمنّيت أن يراه أهل الحجاب ويعلمون بسرّ حاله وشدّة خوفه من الله عزّ وجلّ وعظيم مراقبته له سبحانه في كلّ حركة وسكون حتّى يعلموا ما هم عليه من الانهماك في الشهوات والقطيعة عن الله عزّ وجلّ . إنتهى .
وقال في جواهر المعاني : وإذا تكلّم أحد بما يشير إلى الدعوة وثناء منه على نفسه قابله بالعكس ، يعني قابله الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه بالعكس ، وجعل يتكلّم في عيوب النفس ودسائسها ، ويظهر له خسائسها ودقائقها وما اشتملت عليه من العيوب والنقائص والرذائل التي هي شأنها ووصفها ولا تحبّ أن تتّصف إلاّ بأوصاف الربوبيّة كالكبر والعظمة مع أنّها لا تحصى معائبها ، ولها من النقائص مثل ما لله من الكمالات ، يعني لا نهاية ، لولا أنّ الله يحول بين المرء وبينها لهلك ، ولو أنّه خلّى سبيلها لكفر بالله كما كفر بأنعمه . ويقول : إذا أراد الله تعالى إهلاك عبد وكله إليها لم يزده شيئا وإذا أراد به رحمه عرّفه نعمته وألهمه شكرها وجنّبه كفرها وذلك هو أصل كلّ خير ، وما جاءه أحد مظهرا للرجاء غافلا عن اللجأ إلاّ خوّفه من سطوة الله تعالى وقهره وسرعة نفوذ قضائه وأمْره حتّى يذهب خائفا مذعورا . إلى أن قال : وإذا ذكر له أحد عن نفسه عملا صالحا لامه على ذكره أو عرّفه بما جهل عن أمره ، فأخرج له دسائس ذلك العمل وعلّله حتّى يتبيّن له أنّه معلول مدخول ، لا يترك لأحد شيئا يعتمد عليه ولا عملا يستند إليه ولا حالة يأنس بها ولا الركون لشيء إلاّ لفضل الله تعالى ورحمته . وكثيرا ما يستشهد بقوله : ما عندنا إلاّ فضل الله ورحمته وشفاعة رسول صلّى الله عليه وسلّم . اهـ . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : أقول لكم أنّ سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم ضمن لنا أنّ من سبّنا ودام عل ذلك ولم يتب لا يموت إلاّ كافرا ، وأقول للإخوان أنّ من أخذ وردنا وسمع ما فيه من دخول الجنّة بلا حساب ولا عقاب ، وأنّه لا تضرّه معصية ، أنّ من سمع ذلك وطرح نفسه في معاصي الله عزّ وجلّ لأجل ما سمع واتّخذ ذلك حبالة إلى الأمان من عقوبة الله في معاصيه ، ألبس الله تعالى قلبه بغضنا حتّى يسبّنا ، فإذا سبّنا أماته الله تعالى كافرا ، فاحذروا من معاصي الله تعالى ومن عقوبته . ومن قضى الله تعالى عليه بذنب منكم ، والعبد غير معصوم ، فلا يقربنّه إلاّ وهو باكي القلب خائف من الله عزّ وجلّ . والسلام . وأخبرني سيّدي محمّد الغالي أنّ الشيخ رضي الله تعالى عنه كثيرا ما ينشد لهم :
وآمن مكر الله بالله جاهل     وخائف مكر الله بالله عارف
ولا جاهل إلاّ من الله آمن     ولا عارف إلاّ من الله خائف
والسابع ، أن لا يصدر منه سبّ ولا بغض ولا عداوة في جانب الشيخ رضي الله تعالى عنه .
والثامن ، مداومة الورد إلى الممات .
والتاسع ، الإعتقاد ، قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : ومن أخذ عنّي الورد المعلوم ، الذي هو لازم للطريق ، أو عمّن أذنته ، يدخل الجنّة هو ووالداه وأزواجه وذريّته المنفصلة عنه لا الحفدة بلا حساب ولا عقاب بشرط أن لا يصدر منهم سبّ ولا بغض ولا عداوة ، ويديم محبّة الشيخ إلى الممات ، وكذلك مداومة الورد إلى الممات . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : كلّ من أخذ وردنا يبعث من الآمنين ويدخل الجنّة بغير حساب ولا عقاب هو ووالداه وأزواجه وذريّته المنفصلة عنه لا الحفدة بشرط الإعتقاد وعدم نكث المحبّة وعدم إلأمن من مكر الله كما قدّمنا .
والعاشر ، السلامة من الإنتقاد . قال في جواهر المعاني : وممّا كتب به سيّدنا وشيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الل عليه وسلّم ، إلى ان قال : وأمّا ما ذكرت من أنّك تطلبني أن أخبرك ببعض الأمور ليطمئنّ قلبك وتزيد محبّتك ويدوم سرورك فأقول لك : الأولى من ذلك الكرامة التي شاعت عند المعتقد ، على رغم المنتقد ، وهي أعظم خير يرجى وأفضل عدّة للعامل تترجّى ، وهي أنّ كلّ من أخذ وردنا وداوم عليه إلى الممات أنّه يدخل الجنّة بغير حساب ولا عقاب هو ووالداه وأزواجه وذريّته إن سلم الجميع من الإنتقاد . قلتُ : كلّ من أراد أن يعترض على شيخنا في شيء من هذه الشروط فعليه بالوقوف على ما أودعناه في الفصل الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر من هذا الكتاب المبارك إن شاء الله تعالى فسيجد فيها ما يردّه أتمّ مردّ .
والحادي عشر ، كون التلميذ مأذون في الذكر بتلقين صحيح ممّن كان له إذن صحيح من القدوة أو ممّن أذن له . قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : قلت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم : هذا الفضل خاصّ بمن أخذ عنّي الذكر مشافهة أو هو لكلّ من أخذه ولو بواسطة ؟ فقال لي : كلّ من آذنته وأعطى فكأنّه أخذ عنك مشافهة ، وأنا ضامن لهم . فقلت : فليطالع من في قلبه حبّ الإعتراض الفصل الثالث والعشرين من هذا الكتاب .
الثاني عشر ، الإجتماع للوظيفة وذكر الهيللة بعد عصر يوم الجمعة . قال في جواهر المعاني : ومن الاوراد اللازمة للطريقة : الوظيفة ، إلى أن قال : وإن كانوا جماعة في بلد من الإخوان يجتمعوا لها ويقرؤون جماعة ، وهو شرط فيها . ومن الأوراد اللازمة للطريقة ذكر الهيللة بعد عصر يوم الجمعة مع الجماعة إن كان له إخوان ، ولا بدّ من اجتماعهم وذكرهم جماعة . وإن كان لك اعتراض فطالع الفصل الحادي والعشرون من هذا الكتاب المبارك والفصل الخامس من كتابنا سيوف السعيد المعتقد ، ستجد فيها ما يقطع أعناق المنكرين إن شاء الله تعالى .
والثالث عشر ، أن لا تقرأ جوهرة الكمال إلاّ بالطهارة المائيّة . قال في جواهر المعاني : ولا تقرأ جوهرة الكمال إلاّ بالطهارة المائيّة لا بالترابيّة لأنّ النبيّ صلّى اله عليه وسلّم والخلفاء الأربعة يحضرون عند قراءتها . وإن كان في قلبك خاطر إنكار من حضور النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والخلفاء الأربعة عند أيّ مجلس أو مكان شاء فعليك بالفصل الذي قبل هذا الفصل من هذا الكتاب المبارك . وفي لواقح الأنوار القدسيّة للشيخ الشعراني : ويحتاج المصلّي ، يعني على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، إلى طهارة وحضور مع الله تعالى لأنّها منجاة لله تعالى كالصلاة ذات الركوع والسجود . وتقدّم في الفصل التاسع عشر أيضا قول ابن عطاء الله : لا يعترض على الشيخ في ما يفعله بإذن عن الله تعالى . وقول الشيخ الشعراني : أنّ العبد إذا دخل طريق القوم وتبحّر فيه أعطاه الله عزّ وجلّ هناك قوّة الاستنباط نظير الأحكام الإلهيّة الظاهرة على حدّ سواء ، فيستنبط في الطريق واجبات الخ ، فراجعه .
والرابع عشر ، عدم وقوع المقاطعة بينه وبين جميع الخلق ولا سيما بينه وبين إخوانه في الطريقة . قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به في الرسالة الاولى من جواهر المعاني : وشرطه المحافظة على الصلوات في الجماعات والأمور الشرعيّة ، وإيّاكم ولباس حلّة الامان من مكر الله في الذنوب فإنّها عين الهلاك ، وترك المقاطعة مع جمع الخلق وآكد ذلك بينكم وبين الإخوان ، يعني في الطريقة ، وزوروا في الله تعالى وواصلوا في الله تعالى وأطعموا في الله تعالى ما استطعتم في غير تعسير ولا كدّ . اهـ . وقال في لواقح الأنوار القدسيّة : لقد ذكرنا في البحر المورود أنّ الواجب على المريد إكرام كلّ من كان شيخه يحبّه وموالاته ، وإنّ من كره أحدا من جماعة شيخه بغير طريق شرعيّ فهو كاذب في دعواه صحّة الأخذ عنه ، وذلك دليل على تمكّن المقت منه ، ولو أنّهم صحّ لهم الأخذ عن شيخهم لأحبّوا كل من كان شيخه يحبّه . اهـ . وقال شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخبره بأنّه صلّى الله عليه وسلّم يؤذيه ما يؤذي أصحابه . وقال رضي الله تعالى عنه في الرسائل : وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ، وإيّاكم ثمّ إيّاكم أن يهمل أحدكم حقوق إخوانه ممّا هو جلب مودّة أو دفع مضرّة إعانة على كربة ، فإنّ من ابتليَ بتضييع حقوق الإخوان ابتلي بتضيع الحقوق الإلهيّة ، والله سبحانه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه . أهـ . وقال في موضع آخر : وليكن شديد الإهتمام بحقوق إخوانه في طريقته التي لا يمكنه التأخّر عنها ، إلى أن قال : إستدراك ما قلناه من مراعاة حقوق الإخوان فليكن ذلك في غير حرج ولا ثقل ولا كلفة بما تيسّر وأمكن في الوقت ، إلاّ أن يكون في بعض العوارض يخاف من أخيه العداوة والقطيعة أو فساد القلب فليسرع لإصلاح قلبه فإنّ ذلك يستجلب الرضا من الله تعالى . وفي تحفة الإخوان والخلاّن في آداب أهل العرفان : وأمّا الآداب التي عليه ، يعني الأخ في الطريقة ، في حقّ إخوانه أن يكون محبّا لهم ، كبيرهم وصغيرهم ، وأن لا يخصّص نفسه بشيء دونهم ، وأن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه ، وأن يعودهم إذا مرضوا ، وأن يسأل عنهم إذا غابوا ، ويبدأهم بالسلام وطلاقة الوجه ، وأن يراهم خيرا منه ، وأن يطلب منهم الرضا ، وأن لا يزاحمهم على أمر دنيوي بل يبذل لهم ما فتح عليه به ، يوقّر الكبير ويرحم الصغير ، ويعضدهم على ذكر الله تعالى ويتعاون معهم على حبّ الله تعالى ويرغّبهم في ما يرضى الله تعالى ، كافّا عن عيوبهم مسامحا لهم في ما وقع منهم ، وليجعل رأس ماله مسامحة إخوانه ظاهرا وباطنا لا يعاتبهم على شيء صدر منهم ، يعادي من يعاديهم ويحبّ من يحبّهم ، يرشدهم إلى الصواب إن كان كبيرا أو يتعلّم منهم إن كان صغيرا ، لا يوسّع على نفسه وهم في ضيق ، يخدمهم ولو بتقديم النعال لهم ، وأن يكون بشوشا لهم في مخاطبته ومحاورته . اهـ . وقال في جواهر المعاني : وأمّا رحمه الديني فإنّه من أعظم الناس مواصلة وأكثرهم برورا وإحسانا لأهل جانبه ، يواسي إخوانه وأصحابه وكلّ من له معرفة في الله بأنواع المواساة ويحسن إليهم ، فيطعم جائعهم ويشمل ضائعهم ويكسو عاريهم ويرقد فقراءهم ويعين ضعفاءهم ، إذ هو رضي الله تعالى عنه أشدّ اهتماما بأهل الأخوّة الدينيّة ، يتألّم لمصابهم أكثر ممّا يتألّم لذوي نسبه ، ورحمه أعظم الناس عنده قربا أكثرهم في الله تعالى حبّا ، فيقرّب الإنسان عنده ذلك ولو كان من أبعد الأجانب ويبعد عنه القريب ولو كان من الأقارب ، تجده يستعظم حقوقهم ويرى أنّ القيام بما غير مستطاع . سمعته غير ما مرّة يقول : من ابتلي بتضييع حقوق الاخوان إبتلاه الله تعالى بتضييع الحقوق الالهيّة ، نسأل الله تعالى السلامة والعافية من هذه البليّة العظيمة . اهـ .
والخامس عشر ، عدم التهاون بالورد ، كتأخيره عن وفته من غير عذر ونحوه . قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : ومن أخذه وتركه تركا كليّا أو تهاون به حلّت به عقوبة ، ويأتيه الهلاك ، وهذا بإخبار منه صلّى الله عليه وسلّم لشيخنا رضي الله تعالى عنه . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : من ترك وردا من أوراد المشايخ لأجل الدخول في طريقتنا هذه المحمّديّة التي شرّفها الله تعالى على جميع الطرق أمّنه الله في الدنيا والآخرة فلا يخاف من شيء يصيبه ، لا من الله تعالى ولا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا من شيخه أيّا كان ، من الأحياء أو من الأموات . وأمّا من دخل زمرتنا وتأخّر عنها تحلّ به المصائب دنيا وأخرى ، ولا يعود أبدا .
والسادس عشر ، عدم التصدّر للإعطاء من غير إذْن صحيح بالإعطاء . قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به ، كما في جواهر المعاني : ذكر أهل الكشف أمورا إنّ من فعل واحدة منها ولم يتب منها يموت على سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى ، وهي دعوى الولاية بالكذب ، وادّعاء المشيخة : وهو التصدّر لإعطاء الورد من غير إذن . إنتهى المراد منها هنا .
السابع عشر ، إحترام كلّ من كان منتسبا إلى الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به ، ولا سيما الكبار أهل الخصوصيّة من أهل هذه الطريقة . قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به : إنّ لنا مرتبة عند الله تعالى تناهت في العلوّ عند الله تعالى إلى حدّ يحرم ذكره ، ليس هو ما أفشيته لكم ، ولو صرّحت به لأجمع أهل الحقّ والعرفان على كفري فضلا عمّن عداهم . وليست هي التي ذكرت لكم بل هي من ورائها ، ومن خاصيّة تلك المرتبة أنّ من لم يتحفّظ على تغيير قلبي من أصحابنا بعدم حفظ حرمة أصحابنا طرده الله تعالى عن قربة وسلبه ما منحه .
والثامن عشر ، الطهارة البدنيّة والثوبيّة إن أمكن .
والتاسع عشر ، طهارة المكان .
والموفّى عشرين ، الجلوس واستقبال القبلة ، إلاّ لسفر ولو قريبا جدّا أو كان في جماعة .
والحادي والعشرون ، عدم الكلام إلاّ لضرورة . قال في جواهر المعاني : وشرطه المحافظة على حضور الصلوات في أوقاتها في الجماعة إن أمكن ، والطهارة البدنيّة والثوبيّة والمكانيّة ، والجلوس واستقبال القبلة وعدم الكلام إلاّ لضرورة . وفي تحفة الإخوان : وللذكر آداب لا بدّ من ملاحظتها ، أن يكون على طهارة كاملة من حدث وخبث ، وأن يستقبل القبلة إن كان وحده وإلاّ تحلّقوا ، وإن ضاق بهم المجلس اصطفّوا . اهـ . وفي الخلاصة المرضيّة : الثاني من آداب الذكر : الغسل أو الوضوء ، الثالث : السكوت . ثمّ ، بعد كلام ، ذكر الجلوس على مكان طاهر مستقبل القلبة إن كان وحده . وهنا إنتهت الشروط اللازمة العامّة .
والثاني والعشرون ، لمن قدر عليه ، إستحضار صورة القدوة بين يديه من أوّل الذكر إلى آخره ويستمدّ منه . وأعظم من ذلك وأرفع وأكمل وأنفع ، إستحضار صورة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم . قال في جواهر المعاني : وشرطها الخاصّ ، لمن قدر عليه ، أن يستحضر صورة القدوة وأنّه جالس بين يديه من أوّل الذكر إلى آخره ويستمدّ منه ، وأعظم من هذا وأرفع وأكمل وأنفع أن يستحضر صورة المصطفى صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، وأنّه جالس بين يديه صلّى الله عليه وسلّم بهيبة ووقار وإعظام وإكبار ، ويستمدّ منه بقدر حاله ومقامه . اهـ . قلتُ : والمراد باستحضار صورته المذكورة هنا النوع الثاني من التعلّق بجنابه صلّى الله عليه وسلّم ، وهو كما ذكره القطب محمّد بن عبد الكريم السمّان على قسميْن ، الأوّل : إستحضار صورته صلّى الله عليه وسلّم والتأدّب لها حالة الاستحضار بالجلال والتعظيم والهيبة والوقار ، فإن لم يستطع فيستحضر الصورة التي رأيتها في النوم ، وإن لم تكن رأيته قطّ في منامك ففي حال ذكرك له صلّى الله تعالى عليه وسلّم تصوّر كأنّك بين يديه متأدّبا بالإجلال والتعظيم والهيبة والحياء ، فإنّه يراك ويسمعك كلّما ذكرته لأنّه متّصف بصفات الله ، وهو سبحانه جليس من ذكره ، وللنبيّ صلّى الله عليه وسلّم نصيب وافر من هذه الصفات لأنّ العارف وصفه وصف معروف ، فهو صلّى الله عليه وسلّم أعرف الناس بالله تعالى . الثاني من التعلّق المعنويّ : إستحضار حقيقته الكاملة الموصوفة بأوصاف الكمال الجامعة بين الجلال والجمال المتحلّية بأوصاف الله تعالى الكبير المشرقة بنور الذات الالهية آباد الآباد . فإن لم تستطع فاعلم أنّه صلّى الله تعالى عليه وسلّم الروح الكلّيّ القائم بطرفيّ حقائق الوجود القديم والحادث ، فهو حقيقة كلّ من الجهتين ذاتا وصفاتا لأنّه مخلوق من نور الذات جامع لأوصافها وأفعالها وآثارها ومؤثّراتها حكما وعينا ، ومن ثَمّ قال الله تعالى في حقّه : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . وإنّما كان صلّى الله عليه وسلّم برزخا بين الحقيقة والحقية الخلقية لأنّه حقيقة الحقائق جميعها ، ولهذا كان مقامه ليلة المعراج فوق العرش وقد علمت أنّ العرش غاية المخلوق إذ ليس فوقه مخلوق . فعند استوائه صلّى الله عليه وسلّم فوق العرش كانت المخلوقات تحته بأسرها وربّه فوقه ، فصار برزخا بالمعنى لأنّه موجود من الحقّ والخلق موجودون منه ، فهو المتّصف بكلتا الوصفين من كلتا الجهتين صورة ومعنى حكما وعينا . قال صلّى الله عليه وسلّم : « أنا من الله والمؤمنون منّي » . فإذا علمت ما ذكرته لك سهل عليك استحضار هذا الكمال المحمّديّ إن شاء الله تعالى . ثمّ اعلم ، وفّقنا الله وإيّاكم وأذاقنا من هذا المشرب الصافي ، أنّ للحقيقة المحمّديّة ظهورا في كلّ عالم ، فليس ظهوره في عالم الأجسام كظهوره في عالم الأرواح لأنّ غالب الأجسام لا يسع ما يسعه عالم الأرواح ، وليس ظهوره في عالم الأرواح كظهوره في عالم المعنى لأنّ عالم المعنى ألطف من عالم الأرواح وأوسع ، وليس ظهوره في الأرض كظهوره في السماء ، وليس ظهوره في السماء كظهوره عن يمين العرش ، وليس ظهوره عن يمين العرش كظهوه عند الله تعالى حيث لا أين ولا كيف ، فكلّ مقام أعلى يكون ظهوره فيه أتمّ وأكمل من المقام الأوّل ، ولكلّ ظهور جلالة وهيبة يقبلها المحلّ حتّى أنّه يتناهى إلى محلّ لا يستطيع أن يراه فيه أحد من الأنبياء والملائكة والأولياء ، وذلك معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم : « لي مع الله تعالى وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » . فارفع يا أخي همّتك لتراه في مظاهر العلياء المعاينة الكبرى أينما هو ، فافهم الإشارة . وأوصيك يا صافي بدوام ملاحظة صورته ومعناه ولو كنت في أوّل الأمر متكلّفا في الاستحضار ، فعن قريب تألف روحك فيحضرك صلّى الله تعالى عليه وسلّم عيانا تحدّثه وتخاطبه فيجيبك ويحدّثك ويخاطبك ، فتفوز بدرجة الصحابة وتلحق بهم إن شاء الله تعالى ، قال صلّى الله عليه سلّم : « أكثركم عليّ صلاة أقربكم منّي يوم القيامة » . وإذا كان هذا نتيجة الصلاة باللسان فما نتيجة الصلاة عليه بالقلب والروح والسرّ ؟ ! وهل تكون إلاّ معه وعنده تعالى ؟ لأنّ نتيجة العمل الظاهر ، وهو الصلاة عليه صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، الفوز بالمكان : وهو الجنّة ، ونتيجة الباطن ، وهو التعلّق والإقبال ودوام الاستحضار ، صورة ومعنى الفوز بالقرب بالمكانة : فهو عند الله تعالى نزل في مقعد صدق حيث لا أين ولا كيف ، فافهم الإشارة تقع على البشارة .
واعلم أنّ الوليّ الكامل كلّما ازدادت معرفته في الله تعالى سكن وثبت لوجوده عند ذكره لأنّ الله تعالى لا ينساه ، وكلّما ازدادت معرفته في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اضطرب وظهرت الآثار عند ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وذلك أنّ معرفة الوليّ بالله تعالى على قدر قابليّته ومحبّته في الله تعالى ، ومعرفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نشأت من معرفة الله تعالى على قدر قابليّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم . ولأجل هذا لا يطيق أن يثبت له وتظهر الآثار كلّما ازداد الوليّ معرفة بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان أكمل من غيره وأمكن في الحضرة الإلهيّة وأطلق في معرفة الله تعالى على الإطلاق .
ثمّ اعلم أنّ كلّ من رآه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الأولياء في تجلّ من التجلّيات الإلهيّة لابسا خلعة من خلعة الكمال فإنّه صلّى الله عليه وسلّم يتصرّف بتلك الخلعة على الذي رآه بها ، وهي له هديّة من الرسول صلّى الله عليه وسلّم ، فإن كان قويّا أمكن له لبْسُها على الفور في الدنيا ، وإلاّ فهي مدّخرة له عند الله تعالى يلبسها متى يقوى استعداده . أمّا في الدنيا وامّا في الأخرى فمن حصلت له تلك الخلعة ولبسها في الدنيا والآخرة تكون هذه الفتوة له من النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، فكلّ من رآى ذلك الوليّ أيضا في تجلّ من التجلّيات وعليه تلك الخلعة النبويّة فإنّ ذلك الوليّ يخلعها ويتصدّق بها نيابة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على ذلك الرائي الثاني تنزل من المقام المحمّديّ للوليّ خلعة أخرى أكمل من تلك الخلعة عوض ما تصدّق به عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وهكذا إلى ما لا نهاية له ولم تزل هذه الفتوة دأبه وعادته لسائر من يراه من الأولياء أبدا الآبدين . وهذه كيفيّة أخرى من التعلّق الصوري ، وهي أن تلاحظ أنّه صلّى الله تعالى عليه وسلّم ملء الكون ، بل عينه ، وأنّه نور محض ، وأنّك منغمس في ذلك النور مع تغميض عين البصر لا البصيرة ، فإذا حصل لك الإستغراق في هذا النور والتلاشي والعينيّة فتتّصف حينئذ بمقام الفناء فيه ، ومن حصل له مقام الفناء فيه ذاق محبّته وهو أحد قسميّ التعلّق الصوري ، وكيفيّته أن تتّبعه صلّى الله تعالى عليه وسلّم وتلازم الشوق والمحبّة له حتّى تجد ذوق محبّته صلّى الله عليه وسلّم في جميع وجودك قلبا وروحا وجسما وشعرا وبشرا كما تجد سريان الماء البارد في وجودك إذا شربته بعد الظمأ الشديد . هذا ، وإنّ حبّه صلّى الله تعالى عليه وسلّم فرض على كلّ أحد ، قال تعالى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ () ، وقال صلّى الله تعالى عليه وسلّم : « لن يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه وماله وولده » ، وإن لم تجد في جميع وجودك هذه المحبّة التي وصفتها فاعلم أنّك ناقص الإيمان ، فاستغفر الله وتضرّع إليه ، وتُبْ من ذنوبك ، وتولّع واطلب الحبّ بدوام ذكر النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم والتأدّب معه والقيام بما أمر مع الإجتماع عمّا نهانا لعلك تنال ذلك فتحشر معه ، لأنّه القائل صلّى الله تعالى عليه وسلّم : « المرء مع من أحبّ » .
وإذا تحقّقت مقام الفناء فيه صلّى الله تعالى عليه وسلّم فليكن فناؤك عن الفناء هو المقام المحمود ، فعند ذلك تلقى ما يفاض عليك منها ، أيّ من الصورة التي ظهر من النور ، وكيفيّته أن تلاحظ عند توجّهك إليه صلّى الله تعالى عليه وسلّم أنّه المتوجّه لنفسه حتّى تتلاشى فيه ، وكذلك إذا صلّيتَ عليه صلّى الله تعالى عليه وسلّم لاحظ أنّه صلّى الله تعالى عليه وسلّم هوالمصلّي لا أنت ، لأنّ جميع الأشياء خلقت من نوره صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، وفي كلّ ذرّة من الذرّات دقيقة منه صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، وتظهر تلك الدقيقة بحسب حال الذي هي فيه ، وأنت من جملة الأشياء ، وفيك سرّ منه صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، فالمتوجّه منك له صلّى الله عليه وسلّم ذلك السرّ الكامن فيك . ولم تزل كذلك من مقام إلى مقام حتّى ينقلك الله تعالى إلى مقام البقاء به صلّى الله عليه وسلّم ، فعند ذلك تكون إنسانا كاملا وارثا الحقيقة جامعا الكمالات المصطفوية ، فاحمد الله تعالى على ما أولاك وأعطاك وكن طالبا مقام العبوديّة غارقا في بحار الأحاديّة عارفا بتصرّفات الواحديّة . اهـ .
والثالث والعشرون ، إستحضار معاني ألفاظ الذكرإن كانت لك قدرة على فهمها ، قال في جواهر المعاني : ويستحضر على ذلك معاني ألفاظ الذكر إن كانت له قدرة على فهمها ، وإلاّ فليستمع لما يذكره بلسانه ليشتغل فكره عن الجولان في غير ما هو بصده ويعينه على الحضور . اهـ . وقال في الخلاصة المرضيّة : الحادي عشر ، يعني من آداب الذكر ، إحضار معنى الذكر بقلبه مع كلّ مرّة . اهـ .
والله تعالى الموفّق بمنّه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب . << الفصل السابق    الفصل التالي >>