البحث في نفحات7
 

 نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الثالث والثلاثون
الرّئيسيـة > مكتبة على الخطّ > الرّماح - فهرس الجزء الأوّل > الفصل الثالث والثلاثون


في بيان الأذكار اللازمة للطريقة الأحمديّة المحمّدية الأبراهيميّة الحنيفيّة التجانيّة .
فأقول ، وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنّه إلى سواء الطريق ، إعلم أنّ أوراد شيخنا رضي له تعالى عنه التي يلقّنها لكافّة الخلق كثيرة ، منها ما كان لازما للطريقة ومنها غيره .
أمّا الأذكار اللازمة ، منها : الورد ، وهو استغفار الله مائة مرّة ، والصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأيّ صيغة كانت مائة مرّة ، ثمّ الهيللة مائة مرّة . وهذه الأذكار بعينها هي التي رتّبها له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأمره بتلقينها لكلّ من طلبها من المسلمين على أيّ حالة كان ، كبيرا أو صغيرا ذكرا أوأنثى حرّا كان أو غيره طائعا أو عاصيا ، لا يمنعها عن أحد طلبها . وكون الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بصلاة الفاتح لما أغلق أفضل وأكمل ، لِما فيها من الفضل العظيم والثواب الجسيم الذي لا يقدّر قدره إلاّ الذي أمتنّ به من فيض فضله . ووقته : بعد صلاة الصبح إلى وقت الضحى ، وبعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء . ومن فاته في هذين الوقتين لعذر فالنهار كلّه وقت والليل كذلك . ومن فاته وردٌ فليتداركه على ممرّ الدهر .
ومن الأذكار اللازمة للطريقة : الوظيفة ، وهي ( أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم ) ثلاثين مرّة ، وصلاة الفاتح لما أغلق خمسين مرّة ، ولا يكفي في الوظيفة غيرها ، وهي ( اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحقّ بالحقّ والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حقّ قدره ومقداره العظيم ) ، ثمّ ( لا إله إلاّ الله ) مائة مرّة ، ثمّ جوهرة الكمال إثنتا عشرة مرّة ، وهي ( اللهمّ صلّ وسلّم على عين الرحمة الربّانية ، والياقوتة المتحقّقة بمركز الفهوم والمعاني ، ونور الأكوان المتكوّنة ، الآدمي ، صاحب الحقّ الربّاني ، البرق الأسطع بمزون الأرباح المالئة لكلّ متعرّض من البحور والأواني ، ونوركَ اللامع الذي ملأتَ به كونك الحائط بأمكنة المكان ، اللهمّ صلّ وسلّم على عين الحقّ التي تتجلّى منها عروش الحقائق ، عين المعارف الأقوم صراطك التامّ الأسقم ، اللهمّ صلّ وسلّم على طلعة الحقّ بالحقّ ، الكنز الأعظم ، إفاضتك منك إليك ، إحاطة النور المطلسم ، صلّى الله عليه وعلى آله صلاةً تعرّفنا بها إياه ) . وتكفي قراءة هذه الوظيفة في وقت واحد ، إمّا في الصباح وإمّا في المساء ، وإنْ قُرِئَتْ في الوقتيْن فحَسَنٌ . وقتها كالورد ، وهما حينئذ في الوقت مشتركان يقدّم الإنسان أيّهما شاء . ومن أراد أن يفعل الوظيفة بهذه الكيفيّة التي سنذكرها فله ذلك ، وهي الإستغفار بأيّ كيفيّة كانت مائة مرّة ، وصلاة الفاتح لما أغلق مائة مرّة ، والهيللة مائة مرّة . وهذه الكيفيّة هي الأصل ، وخفّفت بالكيفيّة التي يفعلها الإخوان الآن . أخبرني سيّدي محمّد الغالي أنّ بعض الإخوان يفعلها بالكيفيّة الأصليّة إلى الآن ولا يستعملون غيرها . ومن أراد أن يفعلها مرّة كذا ومرّة كذا فله ذلك . وشرطها أن تُقرأ مع الإخوان في الطريقة مجتمعين إن كانوا موجودين غير مسافرين ، وإن كانوا مسافرين فلا يلزمهم الإجتماع بذكرها ، بل إن شاؤوا . وإن كانوا غير موجودين في البلد فإنّ الإنسان يقرؤها وحده ، وتُقضَى إن فاتت كالورد . ومحلّ القضاء في الكلّ إن لم يكن لعذر كمرض وحيض ونفاس ، وإن كان لِما ذُكِر فلا قضاء ، ويستحبّ القضاء إن كان المرض خفيفا من غير لزوم . ولا تقرأ جوهرة الكمال إلاّ بالطهارة المائيّة من الحدث والخبث وطهارة الثوب والمكان ، ويكون الذاكر بها جالسا ، فإن فُقِد شرطٌ من هذه الشروط فإنّها لا تقرأ في الوظيفة ، وتقرأ صلاة الفاتح لما أغلق بدلها عشرين مرّة .
ومن الأذكار اللازمة للطريقة : ذكر الكلمة المشرّفة بتمامها بعد عصر يوم الجمعة ، وهو : لا إله إلاّ الله ، أو الذكر الفرد ، وهو : الله الله الله ، بالإثبات من غير نفي . وإن كان في البلد إخوان وكانوا غير مسافرين فإنّهم يجتمعون للذكر ويذكرون بعد صلاة العصر إلى الغروب ، وإن شاؤ وا يؤخّرون ولا يبدؤون بعد صلاة العصر حتّى يبقى بين ابتدائهم وبين الغروب قدر ساعة بقدر الإمكان ، وإن شاءوا يبتدؤون بقراءة الوظيفة ، إن لم يكونوا قد قرؤوها ، ثمّ يفعلون الذكر الذي يفعل بعد عصر يوم الجمعة ، ويكون على كلّ حال متّصلا بالغروب . وإن شاؤوا يذكرون الكلمة الشريفة بتمامها من أوّل الذكر إلى آخره أو يقتصرون على الذكر الفرد من أوّل الذكر إلى آخره ، ويبتدؤون بالكلمة بتمامها ويختمون في آخر الذكر بالذكر الفرد . وعلى أيّ وجه من هذه الوجوه ذكروا أجزأ . وإن كانوا مسافرين فلا يلزمهم الإجتماع وإنّما عليهم حينئذ أن يذكر كلّ واحد منهم الكلمة الشريفة بكمالها أو الذكر الفرد على أيّ وجه كان من الوجوه المتقدّمة ألفا وخمسمائة أو ألفا وستمائة مرّة . والمنفرد الذي لم يكن له في البلد إخوان هكذا ، وإن شاء المسافرون أن يجتمعوا ويذكروا جماعة بلا عدد فلهم ذلك . وفيه فضل عظيم لأنّ المرّة الواحدة من صلاة الفاتح لما أغلق وقت السحر تعدل خمسمائة مرّة منها في غير وقت السحر ، لكن إذا طلع الفجر ولم يفرغ من الورد فإنّه لا يجزي ولو كان الباقي مرّة واحدة من الهيللة ، وحينئذ فلا بدّ من إعادة الورد مرّة ثانية لأنّه قدّم قبل وقته المحمود له ترخيصا وتسهيلا ، فإذا حضر وقته قبل الفراغ منه لزم ابتداؤه . وأمّا في الوظيفة فإنّ ذلك غير مضرّ إلاّ إذا كان يقرؤها صباحا ومساءا فإنّه يعيدها مرّة ثانية لأنّها صارت حينئذ كالورد . وللمسافر إذا صلّى الظهر أن يقدّم ورد المساء ويفعله بعد صلاة الظهر لمشقّة تدركه في التأخير . ويقول الذاكر بعد الفراغ من الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الورد والوظيفة : سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مرّة واحدة ، ويقول ، بعد الفراغ من المائة في الهيللة : ( محمّد رسول الله عليه سلام الله ) ، وإن شاء قال : سيّدنا محمّد رسول الله عليه سلام الله ، بزيادة التسييد ، فحسن .
وفي القواعد الزرّوقيّة : ما خرج مخرج التعليم وقف به على ما ورد من غير زيادة ولا نقص ، فلذا رُوي أنّ رجلا كان يذكر دبر كلّ صلاة ( سبحان الله والحمد لله والله أكبر ) مائة مرّة من كلّ واحدة ، فرأى كأنّ قائلا يقول : أين الذاكرون في دبر الصلوات ؟ فقام ، فقيل له : إرجع فلست منهم ، إنّما هذه المزيّة لمن اقتصر على الثلاث والثلاثون ، فكلّما ورد عدد اقتصر عليه ، وكذا اللفظ . نعم ، أختُلِف في زيادة ( سيّدنا ) في الواردة من كيفيّة صلّى الله تعالى عليه وسلّم وإلاّ وجهه أن يقتصر على لفظه حيث تعبّد به ، ويزاد حيث ما يزاد الفضل في الجملة . اهـ . وفي مطالع المسرّات شرح دلائل الخيرات ، عن قول المؤلّف في الصلاة الحادية عشر ( سيّدنا ) : الصحيح جواز الإتيان به ، أيّ تلفّظ السيّد والمولى ونحوهما ممّا يقتضي التشريف والتوقير والتعظيم في الصلاة على سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم وإيثار ذلك على تركه . ويقال في الصلاة وغيرها إلاّ حيث تعبّد بلفظ ما روى فيقتصر على ما تعبّد به أو في الرواية فيؤتى بها على وجهها . وقال البرزلي : ولا خلاف أنّ كلّ ما يقتضي التشريف والتوقير والتعظيم في حقّه صلّى الله عليه وسلّم أنّه يقال بألفاظ مختلفة حتّى بلغها ابن العربي مائة فأكثر . وقال صاحب مفتاح الفلاح : وإيّاك أن تترك لفظ ( السيادة ) . اهـ . وفي الفتح المبين شرح كنز الأسرار : قال سيّدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته على دلائل الخيرات ، قال الأبي في شرح مسلم : وما يستعمل في هذا المقام من لفظ ( المولى ) و( السيّد ) حسن وإن لم يرد واختار المجد اللغوي ترك ذلك في الصلاة إتباعا للفظ الحديث والإتيان به في غير الصلاة . وقال ابن عبد السلام : الإتيان بهما ينبني على الخلاف : هل الأول امتثال الأمر أو سلوك طريق الأدب ؟ وسُئِل السيوطي عن حديث : ( لا تسيّدوني في الصلاة ) ، فأجاب : أنّه لم ير ذلك ؟ قال : وإنّما لم يتلفّظ به صلّى الله عليه وسلّم لكراهية الفخر ، ولهذا قال : « أنا سيّد ولد آدم ولا فخر » ، وأمّا نحن ، فيجب علينا تعظيمه وتوقيره ، ولهذا نهانا الله تعالى أن نناديه باسمه فقال : لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا . وقال الحطّاب : الذي يظهر لي ويفعله في الصلاة وغيرها ، الإتيان بلفظ ( السيّد ) . ويختار العارف بالله تعالى سيّدي أحمد زرّوق ما اختاره المجد اللغوي صاحب القاموس . اهـ . ثمّ قال : والذي جرى عليه عمل الأئمّة زياد ( السيادة ) في غير الوارد وتركها فيما ورد إتباعا للفظ وفرارا من الزيادة فيه لكونه خرج مخرج التعليم ووقوفا عند ما حدّ لهم . قلتُ : وهذا عين ما في قواعد زرّوق . ثمّ قال الحطّاب : وعلى هذا درج صاحب دلائل الخيرات رضي الله تعالى عنه ، فإنّه أثبت اللفظ الوارد من غير زيادة سيّادة ، وزادها في غير الوارد ، لكن هذا بحسب الوضع في الخط . أمّا من حيث الآداء فالأولى أن لا تعرى عنها في الوارد وغيره . قال : وسئل شيخنا العيّاشي حفظه الله تعالى عن زيادة السيادة في الصلاة على النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، فقال : السيادة عبادة . قال : قلت وهو بيّن لأنّ المصلّي إنّما يقصد بصلاته تعظيمه صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، فلا معنى حينئذ إذ هو عين التعظيم . وفي الحِكَم : ( ما الشأن وجود الطلب إنّما الشأن أن ترزق حسن الأدب لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزّروه وتوقّروه ) . قال الشيخ يوسف العجمي في رسالته : قد اعترض على إفراد ( لا إله إلاّ الله ) دون ( محمّد رسول الله ) ، وأجاب : بأنّ محمّدا رسول إقرار ، والإقرار يكفي ولو مرّة واحدة في العمر ، مع أنّ قول العبد ( لا إله إلاّ الله ) كقول الرسول هو عين إثبات رسالته ، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم : « أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله » ولم يقل ( محمّد رسول الله ) لتضمّن هذه الشهادة بالرسالة . اهـ . ويقول بعد الفراغ من الورد أو الوظيفة : ( إنّ الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما ) ، ثمّ يقول : سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . ويبتدئ حضرة يوم الجمعة بالبسملة مع الفاتح ، ثمّ ( أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم ) ثلاث مرّات ، ثمّ صلاة الفاتح ثلاث مرّات ، ثمّ إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ الآية ، ثمّ صلّى الله عليه وسلّم الخ ، ثمّ سُبْحَانَ رَبِّكَ الآية ، ويختمها بالبسملة مع الفاتحة ، ثمّ صلاة الفاتح ثلاثا ، ثمّ إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ الآية ، ثمّ صلّى الله الخ ، ثمّ سُبْحَانَ رَبِّكَ الخ . ومَن زاد في الورد وفي الوظيفة أو نقّص تحقيقا أو شكّا فإنّه يجبر بالإستغفار مائة مرّة . وأمّا من شرع في الورد أوالوظيفة ثمّ أقيمت الصلاة ، فإنّه يصلّي مع الجماعة ، فإذا سلّم يبني ولا يستأنف ، بل يتمّم ما بقى له بمجرّد السلام قبل أن يحدث شيئا من الأذكار ، فإذا تمّم بذكر الأفكار التي تفعل دبر الصلوات . وكذلك إذا حضر بين يديه طعام خفيف أو شراب وقد شرع في الذكر ، فإنّه يأكل أو يشرب ثمّ يتمّم من غير استئناف . وأمّا الثقيل فلا ، وإن فعل استأنف . وأمّا المسبوق في الوظيفة فإنّه يبتدئ بالذكر الذي وجد الذاكرين يقرؤونه ، فإذا تمّموا يقضي ما فاته . مثاله : أن يجدهم قد شرعوا في قراءة جوهرة الكمال أو لم يبق لهم الاّ ستّ مرّات ، فإنّه يقرأ ما بقي معهم ، فإذا فرغوا يبتدي الإستغفار ثمّ بصلاة الفاتح ثمّ بالهيللة ثمّ بجوهرة الكمال ستّ مرّات ، فقد أتمّ الوظيفة . فليَقِسْ على هذا كلّ ذكر وجدهم فيه . وأمّا الدعاء بعد إتمام الذاكر ورده فمعلوم مشهور في هذه الملّة المحمّديّة . وفي لواقح الأنوار في الأدعية والاسرار للشيخ شهاب الدين أحمد القسطلاني : ينبغي للداعي أن يترصّد الأزمان والأحوال الشريفة ، كيوم عرفة وشهر رمضان ويوم الجمعة ، إلى أن قال : وعند شرب ماء زمزم وصياح الديك ، يعني في السحر ، لقوله عليه السلام : « يأتي ربّنا - وفي رواية ينزل ربّنا - وقت السحر إلى سماء الدنيا فيقول هل من داع » الحديث ، واجتماع المسلمين ، وفي مجالس الذكر . أهـ . وأمّا مدّ اليدين حالة الدعاء ومسح الوجه بهما فقد قال أيضا في ذلك الكتاب : وينبغي للداعي أن يعتني بآداب الدعاء ، ثمّ عدّدها إلى أن قال : وأن يمدّ يديه ولا يقبضهما لأن الله تعالى ذمّ أقواما يقبضون أيديهم فقال تعالى : نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ ، قيل أنّ معنى الآية لا يمدّونها في الدعاء ، واختلفوا في كيفيّة مدّ اليدين ، فقيل يدعو الله تعالى ببطون كفّيه ، وقيل بظهورها ، وقيل إن كان بسؤال دفع البلاء يدع بظهورهما وإن كان في طلب حاجة سأل ببطونهما . روى مسدّد أنّ عبد الرحمن بن محيريز قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « إذا سألتم الله عزّ وجلّ فأسألوه ببطون أكفّكم ولا تسألوه بظهورها » . واختلفوا في استحباب رفع بصره إلى السماء ، هل هو أفضل مِن جعْل وجهه إلى الأرض أم لا على قولين ، الراجح الأوّل لأنّ السماء قبلة الداعين ، ولأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعا هكذا يوم بدر ، وينبغي أيضا ، كما قاله الخطّابي ، أن يكشف يديه في حال رفعهما ولا يدعهما مغطّاتين . قال أبو سليمان الداراني : كانت ليلة باردة ، وكنت في المحراب ، فأقلقني البرد ، فجالت يدي من البرد ، يعني في الدعاء . قال : وبقِيَت الأخرى ممدودة . فغلبتني عيناي ، فإذا تلك اليد المكشوفة قد صوّرت من الجنّة ، فهتف بي هاتف : يا أبا سليمان ، قد وضعنا في هذه ما أصابها ، ولو كانت الأخرى مكشوفة لوضعنا فيها ، فآليت على نفسي أن لا أدعوا إلاّ ويداي مكشوفتان حَرّاً كان أو بردا . وأن يسمح بهما وجهه ، فعن عمر رضي الله تعالى عنه : « كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطّهما حتّى يمسح بهما وجهه » ، رواه الترمذي . إنتهى . وفي العهود المحمّديّة : أخذ علينا العهد العامّ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن لا نرفع بصرنا إلى السماء حال دعائنا ، نغضّ بصرنا أو ننظر إلى الأرض ، وكذلك لا ندعوا في قلبنا وهو غافل فإنّ في ذلك من سوء الأدب ما لا يخفي لاتباع الشريعة واتباع العرف في ذلك وإلاّ فالجهات كلّها في حقّ الله تعالى واحدة . وإن كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقلّب وجهه في السماء لأنّها طريق نزول الوحي المعهود ، كما أنّه التفت في صلاته ينظر على الغير الذي أرسل قاصدا ينظر منه خبر القوم ، فهو التفات إلى مخلوق ونظر إلى مخلوق من جبريل وغيره ، فافهم ، فإنّ الله تعالى مدحه قبل ذلك بقوله عند ليلة الاسراء : مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ، يعني : ما جاوز حضرة الخطاب . وقد سمعت سيّدي عليّا الخوّاص يقول في حديث « كانت خطيئة أخي داود النظر » يعني إلى غير الله تعالى بغير إذن من الله تعالى . إنتهى .
وأمّا رفع اليدين إلى السماء فإنّهما آلة يقبل بهما صدقات الحقّ تعالى التي تصدق الحق بها عليه ويضمّهما إلى بعضهما كالمغترف بهما ماء ، كما قال الشيخ أحمد الزاهد ، والله تعالى أعلم . وروى مسلم والنسائي وغيرهما مرفوعا : « لينتهيّن أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء وفي الصلاة إلى السماء أو ليخطفنّ الله أبصارهم » . وقال ابن جزيّ في قوانين الأحكام الشرعيّة ومسائل الفروع الفقهيّة على مذهب إمام المدينة مالك بن أنس رضي الله تعالى عنهما : وآداب الذكر سبعة ، الوضوء له ، وتقديم ذكر الله تعالى ، والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قبله ، ورفع اليدين فيه ، والإلحاح بالتكرار ، والإخلاص .
والله تعالى الموفّق بمنّه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب . << الفصل السابق    الفصل التالي >>