البحث في نفحات7
 

 نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الثاني
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > الرّماح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل الثاني


في ترغيب الإخوان في الإنتساب إلى أولياء الله تعالى والتعلق بهم بمحبتهم وخدمتهم ونحوهما .
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق ، إعلم أن التعلق بأهل الله ، والليّاذ بجنابهم ، والإنحياز إليهم ، تعلّق بجنابه الكريم ، ووقوف ببابه العظيم ، لأنهم أبواب رحمة الله تعالى دنيا وأخرى ، على أيديهم تنزل الرحمة من الرحمن إلى كل مرحوم ، وهم الوسائل ، ولولاهم لهلك الكل . كما قيل لولا الواسطة لذهب الموسوط . قال تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ (1) ، قال الترمذي : « إن أكرمتم أوليائي أكرمتكم » ، وقال تعالى : وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا (2)
قال بعض العارفين على طريق الإشارة : " ثواب الدنيا صحبة الأولياء وثواب الآخرة صحبة الحق "
، وقال تعالى : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (3) ، قال بعضهم :
وتعاونوا على البر والتقوى : وهو طاعة الأكابر من السادات والمشائخ ، ولا تضيعوا حظوظكم منهم ومن معاونتهم ، وخدمتهم ، ولا تعاونوا على الإثم : وهو الإشتغال بالدنيا ، والعدوان : موافقة النفس على هواها ومرادها أهـ .
وقال تعالى : فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ (4) ، قال في العرائس :
أي ليفهموا حقائق أحكام المعرفة والطريقة والحقيقة والشريعة . ثم قال بعد كلام : قال سهل : أفضل الرحلة رحلة من الهوى إلى العقل ، ومن الجهل إلى العلم ، ومن الدنيا إلى الآخرة ، ومن الإستطاعة إلى التبَرِّي من الحول والقوة ، ومن النفس إلى التقوى ، ومن الأرض إلى السماء ، ومن الخلق إلى الله تعالى . قال المرتعش : السياحة والأسفار على ضربين ، سياحة لتعلم أحكام الدين وأساس الشريعة ، وسياحة لآداب العبودية ورياضة الأنفس . فمن رجع من سياحة الأحكام قام بلسانه يدعوا الخلق إلى ربه ، ومن رجع من سياحة الآداب والرياضة قام في الخلق يؤدبهم بأخلاقه وشمائله . وسياحة هي سياحة للحق وهي رؤية أهل الحق والتأدب بآدابهم ، وهذا بركته تَعُمّ العباد والبلاد . أهـ . وقال عند قوله تعالى : فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي (5) : قيل بمحبة الفقراء ومجالستهم والتزيّي بزَيِّهم ، لأن الفقر هو طريق الحق . ألا ترى المصطفى صلوات الله عليه وسلامه لما جلس معهم قال : « المحيا محياكم والممات مماتكم » أهـ . وقال عند قوله تعالى : وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ (6) : أي لا تقتدوا بالمرائين والجاهلين وقرناء السوء ، فتمسكم نيران البعد وحب الجاه والرياسة ، وتلحقكم نيران البدعة والظلال . وأيضا لا تسكنوا إلى نفوسكم الظالمة في جهلها حقوق الله سبحانه وتعالى . قال الكاشاني : من لم يستحب بحكيم أو إمام يكون باطلا أبدا . قال الله تعالى : وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ (7) . وقال سهل : لا تعتمدوا في دينكم إلاّ السني . وقال حمدون القصار : لا تصاحبوا الأشرار فإن ذلك يحرمك صحبة الأخيار . وقال علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفرقال : لا تركنوا إلى نفوسكم فإنها ظالمة . وقال سهل : لا تجالسوا أهل البدع أهـ .
وقال تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (8) .
قال شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به :
يؤخذ من هذه الآية على طريق أهل الإشارة ، وابتغوا إليه الوسيلة التي لا تنقطعون بها عن غيره لتتصلوا به ، ولا وسيلة أعظم من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا وسيلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم . ومن جملة ما يُبْتَغى من الوسيلة إلى الله تعالى ، الشيخ الكامل ، فإنه من أعظم الوسائل إلى الله تعالى " أهـ .
والمرء مع من أحب ، ومن أحب قوما فهو معهم . روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه عن رجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة ، فقال : « متى الساعة ، قال وما أعددت لها ، قال لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله فقال إنك مع من أحببت . قال أنس : فما فَرِحْنا بشيء فَرَحَنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم إنك مع من أحببت . قال أنس : فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ، وأرجو أن أكون معهم بِحُبِّي إياهم وأن لم أعمل أعمالهم . » قال صلى الله عليه وسلم : « يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » . فإذا علمت هذا أيها الأخ ، فلا تخالل إلاّ من ينهضك إلى الله حالهم ، ويَدُلّك على الله مقالهم ، ولا يكون كهذا لأهل الله المتجرّدون عما سوى الله ، المقبلون على المولى . فليست اللذة إلا في مخاللتهم ، ولا السعادة إلا في خدمتهم ومصاحبتهم ، واستغنم الوقت في صحبتهم ، واحضر دائما معهم بقلبك وقالبك تسري إليك زوائدهم ، وتغمرك فوائدهم ، ويصلح ظاهرك بالتأدب بآدابهم ، ويشرق باطنك بالتحلي بأنوارهم . فإن من جالسهم جانس ، فإن جلست مع المحزون حزنت ، وإن جلست مع المسرور سررت ، وإن جلست مع الغافلين سَرَتْ إليك الغفلة ، وإن جلست مع الذاكرين انتبهت من غفلتك وسرت إليك اليقظة . فإنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، فكيف يشقى خادمهم ومحبهم وأنيسهم ، وما أحسن ما قيل :
لي سادة من عزهم        أقدامهم فوق الجبـاه
إن لم أكن منهم فلي        في ذكرهم عز وجـاه
واحمد الله أيها العاشق لجمالهم ، والمحب لطريقهم وكمالهم ، وقَرَّ عيناً بِهم وتعلق بأذيالهم ، ولا تلتفت إلى شيء يصدك عن جنابهم ، فإن طفيلي ساحتهم لا يرد ، وعن بابهم لا يُصدّ ، ولله درّ قائلهم :
هم سادتي هم راحتي هم منيتي        أهل الصفا حازوا المعالي الفاخرة
حاشا لمن قد حبّهم أوْ زارهـم        أن يهملوه سادتـي في الآخـرة
وقال غيره :
ولي بصحبتكم فضل على الناس        وكل من حبكم عار على الباس
أنتم مرادي وما في الكون غيركم      لولاكم لم تطب نفسي وأنفاسي
لا تهملوني فإني عبد حضرتكم        محلكم سادتي مني على الرأس
فطِبْ نفسا ، وقرّ عينا أيها الأخ الصادق في محبتهم ، المتعلق بذيلهم ، المنتسب إلى حضرتهم ، القائم بخدمتهم . وليهنك الفوز بالحياة الطيبة والسعادة الأبدية ، واحمد الله على ما وفّقك وهداك للتّعرض لنفحات مولاك . وفي تنبيه المغترين للشيخ الشعراني :
وكان أبو هريرة يقول : « يؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف بين يدي الله عزوجل ، فيقول الله عز وجل : هل أحببت لي وليا حتى أهبك له . » فأحبوا يا إخواني الصالحين ، واتخذوا عندهم أيادي ، فإن لهم دولة يوم القيامة " إنتهى .
وفي الطبراني : « إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها لعل أن تصيبكم نفحة منها ولا تشقون بعدها أبدا . » فيا فوز الذين نهضوا إليها ، وتعرضوا لها ، واستمدوا من تلك النفحة مددا . وإن كان عند ذكرهم ، كما في الأثر الموقوف والخبر المعروف ، تتنزل الرحمات وعواطر النسمات ، فما بالك بمحبتهم وخدمتهم ، والإنحياز إليهم واللياذ بهم ، ومصاحبتهم ومخالطتهم ، ودوام النظر إلى طلعتهم البهية ، ومنهم من إذا نظر إليك نظرة رضا تسعد سعادة لا شقاوة بعدها أبدا ، ومنهم من إذا مرّ على جماعة من العصاة فسلم عليهم أمنهم الله من عذابه ، ومنهم من إذا نظر إليك تسعد وإذا نظرت إليه تسعد ، ومنهم من إذا شهد لك أنك رأيته تسعد ، ومنهم من إذا صليت خلفه تسعد ، و منهم من إذا أكل طعامك تسعد ، ومنهم من إذا شربت من مائه تسعد ، و منهم من إذا أكلت طعامه تسعد ، ومنهم من إذا نكح منك تسعد وإذا نكحت منهم تسعد ، ومنهم من إذا أحببته تسعد ، ومنهم من إذا سمعت اسمه تسعد ، ومنهم من إذا عاصرته تسعد ، ومنهم من إذا أخذت ذكره تسعد ، ومنهم من إذا خدمته تسعد ، ومنهم من إذا دعوت له تسعد ، ومنهم من إذا دعا لك تسعد ، ومنهم من إذا شفع فيك تسعد ، ومنهم من يسأل الله أن يكبر جثته في النار لأجل تخفيف الوعيد من الله تعالى بملئها ، فيحملون عن آلاف من العصاة عن حرقهم بالنار ، ومنهم من أقامه الله في قضاء حوائج الناس ، فيقضي لهم حوائجهم ثم يرسلهم إلى من اشتهر بالصلاح في بلادهم ليقضوا حاجتهم ظاهرا ، ويستر بذلك نفسه ويكبر غيره ممن لا سر له ولا برهان ، ثم يسأل الله أن يحميه من الدعوى ، ومنهم من نصّبَه الله لتحمل البلايا والمحن عن أهل بلده واقليمه ، ومع ذلك فَهُمْ ينقصونه وينكرون عليه ليلا ونهارا ، فلا يصده الإنكار عن تحمل البلايا عنهم ، فيبيت سهران بالضارب ، وتنام الناس والجن وهو لا ينام ، والناس يضحكون ويلعبون ، ويتلذذون بالنساء على الفرش لا يحسون بشيء مما تحَمَّلَه عنهم مما كان نازلا عليهم ، ومنهم من يُربِّي بالهمة ، ومنهم من يربي بالنظرة ، ومنهم من يربي باللقمة ، ومنهم من يربي بالخلطة ، ومنهم من يربي بالخلوة ، ومنهم من يربي بالأوراد فقط . ولولا خوف التطويل ، وإفشاء الأسرار ، لَنَسَبْتُ كل حالة إلى صاحبها من الرجال . وكيف لا ، وهم الذين اصطفاهم الحق لخدمته ، وجعلهم أهلا لمناجاته وحضرته ، وأشهدهم أنوار جماله وإحسانه ، وأجلسهم على بساط كماله وامتنانه ، وهم القوم الذين شربوا من محبته فطابوا ، وتحيرت قلوبهم في عظمته فغابوا . فهُمُ السادات والأمراء والسلاطين في زي الفقراء ، الذين صلحوا أن يكونوا قادة لخليقته ، ممتثلين قائمين بخدمته على وفق حكمه ومشيئته ، فلا تصفو الحياة إلا بهم ، ولا تطمئن القلوب إلا بذكرهم . وقال بعض الشيوخ :
من أراد أن يكون شيخا من غير أمر الله فهو أحمق ، ومن أراد أن يكون شيخا من غير مواهب الله فهو مجنون ، ومن أراد أن يكون شيخا بالجَدِّ والنسب فهو جاهل ، ومن أراد أن يكون شيخا بالقبيلة والنسب فهو كافر ، ومن أراد أن يكون شيخا بالتذلل والمسكنة للمخلوقات فهو منافق ، ومن كان في المقام المحمود فلا يرجع إلى مخالطة أهل الهوى .
وقال بعضهم :
مخالطة العمومي تذهب بنور القلب وهيبة الوجه ، ومن مات على مخالطة العموم جاء يوم القيامة كالقمر المكسوف لا نور له ، فليجتهد العاقل على مخالطة الخصوص . وفي مخالطة الخصوص ثلاث خصال ، اكتساب العلم ، وصفاء القلب ، وسلامة الصدر .
وقال بعضهم :
إن الوسواس يأتي الشخص من جلساء السوء . وقال : ما أفلح من أفلح إلا بمجالسة من أفلح ، ولا هلك من هلك إلا بمجالسة من هلك أهـ .
وجاء في الخبر : « أن لله عبادا من نظروا إليه نظرة سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا " أهـ . » قلت : وكيف لا يسعد شخص تعلق بقوم جعلهم الله نواب أنبيائه ورسله ، وبهم أقام أمر العباد ، وبهم رزق كل مرزوق ، وبهم يصرف البلاء والعذاب عن الخلق . قال في السراج المنير ، عند قوله تعالى : ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض (9) :
أي ولولا دفاع الله بالمومنين والأبرار عن الكفار والفجار ، لهلكت الأرض بمن فيها ، ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر ، وبالصالح عن الفاجر . وقد روى ابن عمر رفعه : « أن الله عز وجل ليدفع بالمؤمن الصالح عن مئة أهل بيت من جيرانه البلاء ثم قرأ ابن عمر الآية . » ورُويَ عن ابن عباس أنه قال : « يدافع الله بمن يصلي عمن لا يصلي ، وبمن يحج على من لا يحج ، وبمن يزكي على من لا يزكي . » وعن جابر بن عبد الله : « أن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله مادام فيهم . » وعن ابن مسعود : « إن لله عز وجل في الخلق ثلاثمائة قلوبهم على قلب آدم ولله في الخلق أربعين قلوبهم على قلب موسى ولله في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم ولله في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبريل ولله في الخلق ثلاث قلوبهم على قلب ميكائيل ولله في الخلق واحدا قلبه على قلب إسرائيل إذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة وإذا مات واحد من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة وإذا مات واحد من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة وإذا مات واحد من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين وإذا مات واحد من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلاثمائة وإذا مات واحد من الثلاثمائة أبدل الله مكانه من العامة فبهم يحي ويميت قال لأنهم يسألون الله إكثار الأمم فيكثرون ويدعون على الجبابرة فيقسمون ويستسقون فيسقون ويسألون فتنبت لهم الأرض ويدعون فيدفع الله بهم أنواع البلاء » ولكن الله ذو فضل على الناس كلهم أولا بالإيجاد وثانيا بالدفاع فهو يكف ظلم الظلمة إما بعضهم ببعض أو بالصالحين ويسبغ عليهم غير ذلك من ثواب نعمه الظاهرة والباطنة . أهـ .
. وفي عرائس البيان ، عند قوله تعالى : لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا (10) :
أن الله سبحانه إذا أراد أمرا عظيما من أمور الربوبية بيد عباده وبلاده وضعه على أوليائه ليقوموا به على وفق مراده معذرة لضعف الخلق ، ونيابة عن تقصيرهم . فإذا خرجوا من ذلك بنعوت الرضا في العبودية ، سهل الله ذلك بعده على العامة ، لأن العامة خلقوا بنعوت الضعف وخلق أوليائه بنعوت القوة ، وفي كل أمة خلق الله أقواما من أئمة المعارف والكواشف لمواضع نظره وتحمل بلائه ، وهم النقباء والبدلاء والنجباء والأولياء والأصفياء والأتقياء والمقربون والعارفون والموحدون والصديقون والشهداء والصالحون والأخيار والأبرار ، ورئيسهم الغوث ، وأئمتهم المختارون ، وعرفاؤهم السياحون السبعة ، ونقباؤهم العشرة ، ونجباؤهم الأربعون ، وخلفاؤهم السبعون ، وأمناؤهم الثلاثمائة ، كل واحد منهم خلق على صورة نبي ، وسيرة رسول ، وقلب ملك ، لا يعرفهم إلا مثلهم ، وهم لا يعرف حقيقتهم إلا الله . قال الله تعالى : « أوليائي بفنائي لا يعرفهم أحد سواي . »
قال أبو بكر الوراق : لم يزل في الأمم أخيار لبدلاء ، و أوتاد على المراتب كما قال الله تعالى : وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا (11) ، وهم الذين كانوا مرجوعا إليهم عند الضرورات والعاهات والمصائب كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يكون في هذه الأمة أربعة على خلق إبراهيم وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى وواحد على خلق محمد صلى الله عليه وسلم فهم في مراتبهم سادات الخلق . » وقال عند قوله تعالى : وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ (12) بعد كلام : فيه إشارة أخرى أن رواسي الأرض هم أولياء الله ، وكما أن الجبال رواسي تتفاوت في صغرها وكبرها ، فكذلك الأولياء تتفاوت في مقاماتهم وأحوالهم عند الله . فالرواسي أعظم الجبال ، فأعظم الأولياء الغوث والثلاثة المختارون والسبعة ، ثم العشرة ، ثم الأربعون ، ثم السبعون ، ثم الثلاثمائة وهم البدلاء والأوتاد ، والسبعون النقباء ، والأربعون الخلفاء ، والعشرة العلماء ، والسبعة العرفاء ، والثلاثة أهل المكاشف ، وهم الرواسي ، والغوث ـ أعني القطب عليهم ـ مثله مثل جبل قاف . والأوتاد مفزع العامة ، والنقباء مفزع الأوتاد ، والخلفاء مفزع النقباء ، والعلماء مفزع الخلفاء ، والعرفاء مفزع العلماء ، وأهل المكاشف مفزع العرفاء ، والقطب مفزع الكل .
وقال بعضهم : مَدّ الأرض بقدرته ، وأمسكها ظاهرا بالجبال والرواسي . وأما الرواسي بالحقيقة فهو مقام أوليائه في خلقه ، بهم يدفع البلاء عنهم ، وبمكانهم تصرف المكاره ، فَهُم الرواسي على الحقيقة لا الجبال .
وقال محمد بن علي الترمذي : أن لله عبادا هم المفزع ، ومِن فوقهم الأوتاد ، ومِن فوقهم الرواسي . فإلى المفزع مرجع عامة العباد ومفزعهم ، ومرجع المفزع ، إذا هال الأمر ، إلى الأوتاد ، ومرجع الأوتاد إذا استعجل الأمر إلى الرواسي ، وهم خاصة الأولياء . قال الله تعالى : وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ (13) .
وقال سهل : مَدّ الأرض : وسّع رقعتها ليسير فيها الناظر بالعبرة والإستعبار فيطلب فيها أماكن الأولياء ، وهم الرواسي الذين بهم قوام الأرض أهـ .
وقال عند قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (14) . : قال بعضهم : وهو الذي بسط الأرض وجعل فيها أوتادا من أوليائه وسادة من عبيده ، فإليهم الملجأ ، وبهم الغياث . فمن ضرب في الأرض بقصدهم فاز ونجا ، ومن كان سعيه لغيرهم خاب .
قال الجريري : كان في جوار الجنيد إنسان مصاب في خربة ، فلما مات الجنيد وحملنا جنازته حضر الجنازة ، فلما رجعنا تقدم خطوات وعلا موضعا من الأرض واستقبلني بوجهه وقال : يارب محمد تراني أرجع إلى تلك الخربة وقد فقدت ذلك السيد ، ثم أنشأ يقول :
فوا أسفى من فراق قوم        هم المصابيح والحصون
والمدن والمزن والرواسي        والخير إلا من السكون
لـم تتغيـر لنـا الليالـي        حتى توفتهم المنون
فكل جمر لنا قلوب        وكان ماء لنا عيون
وقال الشيخ زروق رضي الله تعالى عنه في شرحه على الحكم العطائية ، عند قول المصنف رضي الله تعالى عنه : " فشعاع البصيرة إليّ وهو الآن على ما عليه كان " :
أن سيدي عبد الله بن عباد رحمه الله تعالى نقل عن شيخه ، أوحد أهل زمانه علما وعبادة ، ونخبة أوانه ورعا وزهادة ، الحاج أحمد بن عاشر أنه قال : وليجعل ـ يعني المريد ـ هجيراه مطالعة كتب التصوف ، وموالاة أهله بالتآلف والتعرف . فبذلك تقوى أنوار إيمانه ويغنيه ، وتنتفي عنه في علمه بوظائف دينه ، ولا يقدم على ذلك إلا فرض العين ، وما يستجم به خاطره من التعب . أهـ .
وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله رضي الله تعالى عنه في الحكم : سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه . أهـ . وقال الشيخ أحمد زروق رضي الله تعالى عنه في شرحه على هذا المحل : لأنهم لا يعرفون أحدا إلا دَلُّوهُ عليه ، وكيف لا وهم أهل الفضل والكمال ، وأعين الحق في عباده بكل حال . هم القوم لا يشقى بهم جليسهم . وإذا كان الإيمان بطريقتهم ولاية فكيف بمعرفتها ، وإذا كان كذلك فكيف بمعرفتهم ، وإذا كانت معرفتهم كذلك فكيف بمحبتهم ، وإذا كانت محبتهم كذلك فكيف بمخالطتهم ، وإذا كانت مخالطتهم كذلك فما ظنك بخدمتهم ، وإذا كانت خدمتهم كذلك فما ظنك بسلوك منهاجهم . وقال : قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله تعالى عنه : ما أصنع بالكيمياء . والله لقد صحبت أقواما يمر أحدهم على الشجرة اليابسة فيشير إليها فتثمر رمانا للوقت . فمن صحب هؤلاء الرجال ما يصنع بالكيمياء . وقال : والله ما سار الأولياء من قاف إلى قاف حتى يلقوا مثلنا ، فإذا لقوه كان بغيتهم . وقال أيضا : الولي إذا أراد أغنى .
وقال في لطائف المنن : إنما يكون الإقتداء بولي دلك الله عليه ، وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه ، فطوى عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته فألقيت إليه القياد ، فسلك بك سبيل الرشاد ، ويعرفك برعونات نفسك وكمائنها ودقائقها ، ويدلك على الجمع على الله ، ويعلمك الفرار عما سوى الله تعالى ، ويسايرك في طريقتك حتى تصل إلى الله ، ويوقفك على إساءة نفسك ، ويعرفك بإحسان الله إليك ، ويفيدك معرفة نفسك والهروب منها وعدم الركون إليها ، ويفيدك العلم بإحسان الله إليك ، والإقبال عليه والقيام بشكر آلائه ، والدوام على ممر الساعات بين يديه . فإن قلت فإن من هذا وصفه لقد دللتني على أغرب من عنقاء المغرب ، فاعلم أنه لا يعوزك وجدان الدالين ، وإنما يعوزك وجود الصدق في طلبهم . جِدَّ صدقا تجد مرشدا ، وتجد ذلك في آيتين من كتاب الله تعالى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ (15) ، وقال تعالى : فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (16) . فلو اضطررت إلى ما يوصلك إلى الله اضطرار الضمآن للماء ، والخائف للأمن لوجدت ذلك أقرب إليك من طلبك . ولو اضطررت إلى الله اضطرار الأمّ لولدها إذا فقدته لوجدت الوصول غير متعذر عليك ، ولَتَوَجّهَ الحقّ بتيسير ذلك إليك . أهـ .
وقال الشيخ القطب الكامل سيدى محمد بن سليمان الجزولى رضي الله تعالى عنه ، في كتابه : ومن فضائل خدمة الأولياء اكتساب العلوم والآداب ، ومعرفة ربّ الأرباب ، والعصمة من الذنوب ، والتباعد من العيوب ، والوصول إلى علام الغيوب . والخدمة أيضا إنما هي النصيحة والإعانة والمحبة والأخُوّة ، قال الله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (17) ، وقال : وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (18) . ولا بدّ للتابع أن يتبع المتبوع ، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم خادم يخدمه ، وهو أنس بن مالك الأنصاري ، وَجَدَهُ النبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرة سنين ، لقد كان لكم في رسول الله أسوة (19) . حسنة . كما قال بعض المشائخ : من ظهرت ولايته وجبت خدمته . وقال رضي الله تعالى عنه : من تأدب مع شيخه تأدب مع ربه ، وينبغي للمريد أن يعتقد في شيخه أنه يرى أحواله كلها كما يرى الأشياء في الزجاجة ، لأن المريد إذا أهمل أحوال قلبه ولم يتفقدها ، تارة تختلج الأنوار في قلبه ، وتارة يدخل عليها ما يذهبها . والمريد لا ينبغي له أن يعترض على شيخه ، ومن اعترض على شيخه فقد خرج من دائرته ، ومِنْ شَرْط المريد أن يغيب في كمال الشيخ ، لأنّ الشيخ رؤوف رحيم بالمريد .
تنبيه :
وزجْرُه رحمةٌ ، ولو أنه تركهم على ما هم فيه من الأهواء لفرح إبليس لعنه الله لهلاكهم ، ولا يريد الشيخ هلاكهم .
وقال : كلام الشيخ رحمة ، فمن لم يقبل كلامه خاب من الرحمة ، قال الله تعالى : وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . (20) . وقال : طريقنا طريقة النصح لا طريقة الغش والخيانة . أهـ .
وقال بعض الشيوخ رحمه الله : الشيخ الواصل حبل الله في أرضه ، فمن تعلق به وصل ، وأما غير الواصل فمن تعلق به انقطع . أهـ .
وفي رسالة الإمام القشيري رضي الله تعالى عنه : سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول : سمعت عبد الله بن المعلم يقول : سمعت أبا بكر الطستاني يقول : إًصحبوا مع الله ، فإن لم تطيقوا فاصحبوا مع من يصحب مع الله لتوصلكم بركاتُ صحبتِه إلى صحبة الله تعالى . أهـ . وقال ، في باب وصية المريدين : وقبول قلوب المشائخ للمريد أصدق شاهد لسعادته ، ومن رده قلب شيخ من الشيوخ فلا محالة يرى غب ذلك ولو بعد حين . ومن خذل لترك حرمة الشيوخ فقد ظهر رقم شقاوته وذلك لا يخطأ .
وقال الشيخ الورتجيني رضي الله تعالى عنه في عرائس البيان ، عند قوله تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ (21) ، على طريق الإشارة : هذا نداء لأصحاب القلوب ، وخطاب مع طلاب خطاب هلال المشاهد في أقطار سماوات الغيوب ، أي يا أهل اليقين فرض عليكم الإمساك عن الكون أصلا لأنكم في طلب المشاهدة ، فواجب عليكم أن تصوموا عن مألوفات الطبيعة في مقام العبودية ، كما كتب على الذين من قبلكم (22) ، أي كما كتب على المرسلين والنبيئين والعارفين والمحبين من قبلكم ، لعلكم تتقون (23) ، لكي تخلصوا عن رجس البشرية ، وتصلوا مقام الأمن والقربة ، أياما معدودات (24) ، وهي أيام زمن الدنيا ، يغري بهذا الخطاب أوليائه بترك المطايبة والمناكحة والمباشرة والمؤانسة والملاعبة ولذائذ العيش في أكل ألوان الشهوات ، وشرب المياه الباردات ، ولبس الناعمات ، أي أصبروا يا أوليائي عن شهوات الدنيا فإنها أيام ستنقرض عن قريب حتى تفطر بلقاء القديم ، وتعيش في جوار الكريم . فمن كان منكم مريضا (25) ، أي من كان من المنقطعين مريضا من فرقة ، أو على سفر (26) . الوحشة ، أي في سفر الوحشة عن وصلتي ، فعدة من أيام أخر (27) ، أي فعليه تدارك أيام الفطر بعد إدراكه مقام القربة والمشاهدة ، وعلى الذين يطيقونه فدية (28) ، أي على الذين يطيقون الإمساك عن الكون بنعت الزهد عن الدنيا أيام حياته ، ولم يعمل عمل أهل الطاعة لقلة توفيقه وهدايته ، فدية وهي خدمة أولياء الله تعالى ببذل النفس والمال ، الذين تركوا الدنيا لأهلها ، وذلك قوله تعالى طعام مساكين (29) ، والمساكين الذين صادفوا مقام التكوين ولم يبلغوا مقام التمكين ، فمن تطوع خيرا فهو خير له (30) ، أي فمن يفتدي ببذل نفسه وماله لأولياء الله لعجزه عن حقيقة المعاملة ، زيادة على الواجب الذي عليه من الموجود بعد مقاساته في المفقود ، فهو خير له من طلب الرخص .
حكى ابن عطية في تفسير سورة الكهف أن والده حدثه عن أبي الفضل الجوهري ، الواعظ بمصر ، أنه قال في مجلس وعظه : من صحب أهل الخير عادت عليهم بركتهم ، هذا كلب صحب قوما صالحين فكان من بركتهم عليه أنه ذكره الله تعالى في القرآن ، ولا يزال يتلى على الألسنة أبدا . ولذالك قيل من جالس الذاكرين انتبهه من غفلته ، ومن خدم الصالحين ارتفع لخدمته . أهـ .
فإذا مَنّ الله عليك أيها الأخ بالإطّلاع على واحد من هذه الطائفة ، وتمسكت بأثر تلك الأعتاب ، فراقب حينئذ أحواله ، واجتهد في حصول مراضيه ، وانكسر واخضع له في كل وقت وحين ، فإنك ترى الترياق والشفاء فيه . فإن قبول المشائخ ترياق الطريق ، من سعد بذلك تم له المطلوب ، وتخلّص من كل تعويق . فاجتهد أيها الأخ لتشييد هذا المعنى ، فعسى يرى عليك من إستحسانه لحالك أثرا . قال بعضهم :
مِنْ أشد الحرمان أن تجتمع بأولياء الله ولا ترزق القبول منهم ، ما ذلك إلا لسوء الأدب وإلاّ فلا بخل من جنابهم ، ولا نقص من جهتهم .
كما قال في الحكم : ليس الشأن أن ترزق الطلب ، وإنما الشأن أن ترزق حسن الأدب .
زار بعض السلاطين ضريح أبي يزيد رضي الله عنه وقال : هل هنا أحد ممن اجتمع بأبي يزيد ، فأشير إلى شخص كبير في السن كان حاضرا هناك ، فقال له السلطان : هل سمعت شيئا من كلامه ، فقال نعم : قال من رآني لا تحرقه النار ، فاستغرب السلطان ذلك ، فقال : كيف يقول أبو يزيد ذلك وهذا أبو جهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو تحرقه النار ، فقال ذلك الشيخ للسلطان : إن أبا جهل لم يرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما رأى يتيم أبي طالب ، ولو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تحرقه النار . ففهم السلطان كلامه وأعجبه هذا الجواب منه ، أي أنه لم يره للتعظيم والإكرام واعتقاد أنه رسول الله ، ولو رآه بهذه العين لم تحرقه النار ، ولكنه رآه بالإحتقار واعتقاد أنه يتيم أبي طالب ، فلم تنفعه تلك الرؤية .
وأنت يا أخي لو اجتمعت بقطب الوقت ولم تتأدب معه ، لم تنفعك تلك الرؤية ، بل كانت مضرتها أعظم عليك من منفعتها . فإذا فهمت هذا أيها السالك فتأدب بين يدي الشيخ ، واجتهد أن تسلك أحسن المسالك ، وخذ ما عرفت بجِدٍّ وإجتهاد ، وانهض في خدمته وأخلص في ذلك تسد مع من ساد . وقد رأينا ان نورد هنا قصيدة القطب الفاضل والغوث الكامل أبي مدين لمناسبتها ما تقدم مناسبة تامّة ، فنقول : قال رضي الله تعالى عنه :
ما لـذة العيـش إلا صحبـة  الفقـرا هم السلاطيـن والسـادات والأمـرا
فاصحبهـم  وتـأدّب فـي مجالسهـم وخـلِّ حظـك مهما خـالفـوك ورا
واستغنم الوقت واحضر  دائما معهـم وأعلم بأن الرضا يخص من حضـرا
ولازم الصـمـت إلاّ إن سئلـت فقـل لا علم عندي وكن بالجهل  مستتـرا
ولا تـرى العيـب إلاّ فيـك معتـقـدا لأنّـه مبيـن ولـو لم يكن  ظهـرا
وحـطّ رأسـك واستغفـر بلا سبـب وقم على قـدم الإنصـاف  معتـذرا
وإن بـدا  منك عيبا فاعتـرف وأقـم وجـه اعتـذارك عمّا فيـك  جـرى
وقـل عُبَـيْـدكـم أولـى بصفحكـمُ فسامحـوا وخذوا بالرّفـق يا فقـرا
هُـمْ بالتفضّـل أولـى وهو شيمتهـم فلا تخـف دركـا منهم ولا ضـررا
وبالتغنّـي علـى الإخـوان جد أبـدا حسا  ومعنى وغض الطرف إن عثرا
وراقب الشيـخ في أحوالـه  فعسـى يُـرى  عليك من استحسانـه أثـرا
وقـدّم الجدّ  وانهـض عنـد خدمتـه عساه يرضى وحاذر أن تكن ضجـرا
ففي رضـاه  رضا البـاري وطاعتـه يرضى عليك وكن مِنْ ترْكِها  حـذِرا
واعلـم بـأنّ طريـق القوم  دراسـة وحال من يدّعيهـا اليوم كيف تـرى
متـى أراهـم وأنّـى لـي برؤيتهـم أو تسمـع الأذن منّـي عنهمُ خبـرا
من لي  وأنّى لمثلـي أن يـزاحمهـم علـى مـوارد لم آلـف  بها كـدرا
أحُـبِّـهـم وأداريـهـم وأوثِـرُهـم بمهجتـي وخصوصـا  منهمُ نفـرا
قـوم كـرام السجايـا أينما جلسـوا يبقـى المكان على آثارهـم عطـرا
يهدي التصـرف من أخلاقهـم طرفـا حسـن التآلف منهم راقنـي نظـرا
هم أهـل  ودّي وأحبابـي الذين هـمُ ممّـن يجـرّ ذيـول العـزّ مفتخـرا
لازال شملـي بهم فـي الله  مجتمعـا وذنبنـا  فيـه مغفـورا ومغتـفـرا
ثم الصـلاة علـى  المختـار سيّدنـا محمّـد خيـر  من أوفـى بما نـذرا
فانظر يا أخي إلى الشيخ أبي مدين ورفعته في الطريق ، كما قيل أنه وصل من تحت تربيته أثنا عشرة ألف مريد ، فانظر إلى هذا التنزل منه ، والتدلّي بأغصان شجرة معرفته إلى أرض الخضوع والإنكسار حتى شرع يتأسف على الإجتماع بهذه الطائفة ويتمناه ويستبعد من نفسه حصول ذلك بقوله :
متى أراهم وأن لي برأيتهم أو تسمع الأذن مني عنهم خبرا
ثم أراد تنزلا وتدليا إلى أرض الخضوع والإنكسار ، حتى أنه لم ير نفسه أهلا للإجتماع بأهل الطريق بقوله :
من لي وأنى لمثلي أن يزاحمهم لى موارد لم آلف بها كدرا
ثم إنه دعا أن لا يزال شمله مجتمعا بهم في الله ، وذنبه مغفورا ومغتفرا . وهذا ينبئك عن فضل صحبتهم ، والإجتماع بهم وخدمتهم . وهذا شأن العارف بنفسه ، الممتلئ قلبه من معرفة ربه المتجلي بواردات قدسه ، لا يرى لنفسه حالا ولا مقالا ، بل يرى نفسه أقل من كل شيء . وهذا هو النظر التام . كما قيل :
إذا زاد علم المرء زاد تواضعا وإن زاد جهل المرء زاد ترفعا
وفي الغصن من حمل الثمار مثاله إن يعر من حمل الثمار تمنعا
ولا يزيده هذا الإنخفاض إلا إرتفاعا ، لأن الشجر لا يزيدها انخفاظها في عروقها إلا ارتفاعا في رأسها . فتواضع أيها الأخ في الطريق ، وخذ هذا الأصل العظيم من هذا العارف المتمكن يَزُلْ عنك كل تعويق ، واحذر أن يدب لك داء الأمم ، وهو حب الرياسة الذي منع أهل الكتاب وغيرهم من اتباع سيد العرب والعجم حتى هلكوا مع من هلك ، وهكذا كل شخص بعدهم نهجهم سلك . وهذا الداء هو الذي دب إلى علماء السوء من أهل هذا العصر حتى أعرضوا عن علماء الآخرة لما سيصيبهم من الله من مكر فضلوا وأضلوا وهلكوا ، ونعوذ بالله من الخسران ، ونسأله التوفيق دون الخذلان ، وبالله التوفيق ، وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق ، والله تعالى الموفق بمنه للصواب ، واليه سبحانه المرجع والمآب .

<< الفصل السابق    الفصل التالي >>

  1. سورة محمّد ، الآية 7 .
  2. سورة آل عمران ، الآية 145 .
  3. سورة المائدة ، الآية 2 .
  4. سورة التوبة ، الآية 122 .
  5. سورة آل عمران ، الآية 195 .
  6. سورة هود ، الآية 113 .
  7. سورة هود ، الآية 113 .
  8. سورة المائدة ، الآية 35 .
  9. سورة البقرة ، الآية 251 .
  10. سورة المائدة ، الآية 12 .
  11. سورة المائدة ، الآية 12 .
  12. سورة الحجر ، الآية 19 .
  13. سورة الحجر ، الآية 19 .
  14. سورة الرعد ، الآية 3 .
  15. سورة النمل ، الآية 62 .
  16. سورة محمّد ، الآية 21 .
  17. سورة الحجرات ، الآية 10 .
  18. سورة لقمان ، الآية 15 .
  19. سورة الأحزاب ، الآية 21 .
  20. سورة إبراهيم ، الآية 15 .
  21. سورة البقرة ، الآية 183 .
  22. سورة البقرة ، الآية 183 .
  23. سورة البقرة ، الآية 183 .
  24. سورة البقرة ، الآية 184 .
  25. سورة البقرة ، الآية 184 .
  26. سورة البقرة ، الآية 184 .
  27. سورة البقرة ، الآية 184 .
  28. سورة البقرة ، الآية 184 .
  29. سورة البقرة ، الآية 184 .
  30. سورة البقرة ، الآية 184 .