نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الثالث
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > الرّماح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل الثالث


في إعلامهم أن الاعتقاد في أهل الله وتصديق ما يبرز منهم من العلوم والمعارف وتسليم ومحبتهم ولاية .
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه الى سواء الطريق : إعلم أنّ الشخص لايحبّ إلاّ مَن جانَسَه ، ولا يودّ إلاّ مَن كان بينه وبينه مؤانسة ، ولا يُصَدِّق بقلبه إلاّ ما يعلم صحّته ، ولا يكون ذلك إلاّ بالذوق ممّا ذاقه ، أو بالإيمان به . قال تعالى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (1) .
وفي عرائس البيان :
أعطى ، أيِّ بَذَلَ جهده من الكونين ، وتبرّأ من الدارين لمشاهدة الله ووصاله ، وَاتَّقَى مِنْ رؤية الأعراض بمعارضة النفس ، والنظر إلى غيرالله ، وصدّق بالحسنى بِكَشْفِ جماله وجلاله للعارفين ، وقربه من الموحّدين ، ويرى ما أعدّ الله له في الأزل بوصوله إليه ، ولا يجري على قلبه خاطر الشك أصلا ، فسَنُيسِّرُه لليسرى ، نسهِّل له طريق الوصول إليه ، ونرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية . أهـ
وروى البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عزّ وجلّ : « من عادى لي وليا فقد أذنته بالحرب » . وقال شيخنا رضي الله تعالى عنه :
وفي طَيِّهِ : مَن والى لي وليّا لأجل أنه وليّ ، اصطفيتُه واتّخذتُه وليّا .
وفي شرح قصيدة الشيخ أبي مدين عند قوله : " هم أهل ودّي وأحبابي" :
فإن الشخص لا يحب إلاّ من يجانسه ، ولا يودّ إلاّ مَن كان بينه وبينه مؤانسة ، وفي هذا الكلام إشارة إلى أنه رضي الله تعالى عنه مِن جملتهم ، وطينتُه من طينتهم . إنتهى .
وفي إتحاف الزكى بشرح التحفة المرسله إلى النبي صلى الله عليه وسلم : أقل درجات العاقل اللبيب ، الناصح نفسه ، ألاّ يُكَذِّبَ بما يبلغه من علوم الأسرار البارزة من أهل الله الأتقياء الأبرار، فإنّهم لا يأتون بما هو خارج عن الشريعة المطهّرة ، وكيف يكون خارج عنها وهو من نتائج الإتِّبَاع الكامل ، وإنما يأتون بأسرار ، وحكم من أسرار الشريعة مما هو خارج عن قوة الفكروالكسب لا تُنال إلاّ بالمشاهدة ، أو الإلهام السالم من الإحتمالات ، أو نحو ذلك . فالعاقل اللبيب إن لم يُصَدِّق ، فلا أقلّ من أن لا يُكَذِّب أيضا بل لسرحه في بقعة الامكان . وأقل درجة الطالب لهذا العلم االشريف الإحتياطي أن يُصَدِّق بأنّ ما يتحقق به أهل طريق الله المتبعون اتّباعا كاملا في الظاهر والباطن حق وإنْ لم يَذُقْه ، وإذا وَجَد من نفسه التصديق الجازم بذلك كان منهم في مشرب من مشاربهم ، وكان على بيّنة من ربّه ، ولا بدّ بتلك البيّنة يصدقهم ويوافقهم وإنْ لم يشعر به ، كذا قال الشيخ ، يعني ابن العربي الحاتمي قدّس سرّه في الباب الثامن والثمانين والمائتين .
وقال تلميذه الصدر القونوي قدّس سرّه في إعجاز البيان : المُؤهّلون للإنتفاع بنتائج الأذواق الصّحيحة ، وعلوم المكاشفات الصريحة ، هم المُحِبّون للمُحِقّين من أهل الله وخاصته ، والمؤمنون بهم وبأحوالهم مِن أهل القلوب المنوّرة ، والفكرة السليمة ، والعقول الوافرة ، الذين يَدْعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ، ويستمعون القول فيتّبعون أحسنه بصفاء الطويه وحسن إصغاء ، بعد تطهّرهم مِن صِفتيْ الجدال والنزاع ونحوهما ، متعرِّضين لنفحات جود الحقّ ، مراقبين له ، منتظرين ما يبرز لهم من جنابه العزيز على يَدِ مَن وصل مِن أيّ رتبة من مراتب أسمائه ، ورَدَ بواسطة معلومة وبدونها ، متلقّين بحسن الأدب ، وازنين له بميزان ربّهم العام تارة لا بموازين عقولهم . فمثل هذا المؤمن الصحيح الإيمان والفطرة ، الصافي المحلّ ، يشعر بصحّة ما يسمع مِن وراء سترٍ رقيق اقتضاه حكم الطبع ، وبقية الشواغل والعوائق المستجمة في المحلّ ، والعائقة له عن كمال الإستجلاء عن الشعور المذكور . فهو مستعدّ للكشف ، مؤهَّل للتّلقّي ، منتفع بما يسمع ، مُرْتَقٍ بِنُورِ الإيمان إلى مقام العيان . اهـ .
وقال في حاشية هذا المقام : الميزان العام هو المفهوم الأوّل من ظاهر الإخبارات الشرعية في الكتاب العزيز ، والسّنة النبوية ، والميزان الخاص ما يتحقق من الكشف المحقَّق بالشهود ، والتعريف الإلهي ، والإلهام التّام السّالم من كلّ احتمال ، والمدرَك أيضا من الأسرار الشرعية من باطن الكتاب والسنة ، وهو البطن المشار إليه ، وفوقه الحدّ والمطلع ، والكُلّ من قسم الباطن . اهـ .
وقال الشيخ يعني ، الحاتمي قدّس سرّه في الباب الثامن والثمانين والمائتين : ولا يسلّم لصاحب العلم الذي هو صاحب العلم الشريف الإحاطي أخذ طريقه إلاّ مَنْ ذاق ما ذاقوه ، وآمن به ، كما قال أبو يزيد رحمه الله : إذا رأيتم من يؤمن بكلام أهل هذه الطريقة ، ويسلّم لهم ما يتحققون به ، فقولوا له يدعو لكم فإنه مجاب الدعوة ، وكيف لا يكون مجاب الدعوة والمسلم في بحبوحة الحضرة لكنه لايعرف أنه فيها لجهله .
وقال في مقدمة الفتوحات : إذا حَسُنَ عندك علمُ الأسرار وقَبِلْتَه وآمنت به فأبشر ، فإنك على كشف منه ضرورة وأنت لاتدري ، ؟لا سبيل إلاّ هذا إذْ لا يثلج أَيِّ لا يسكن الصدرُ إلاّ بما يقطع بِصِحَّتِه ، وليس للعقل هنا مدخل ، أيِّ لأنه فوق ظهوره من حيث الفكر . قال : إلاّ إن أتى بذلك معصوم ، حينئذ يثلج صدر العاقل ، وأمّا غير المعصوم فلا يلتذّ بكلامه إلا صاحب ذوق . أهـ .
فالحمد لله رب العالمين .
قلت : وممّا يدل على أن المرء لا يحبّ إلاّ مَن يجانسه ، ولا يودّ إلاّ من كان بينه وبينه مؤانسة ، ولا يُصَدِّق بقلبه إلاّ ما يعلم صِحَّتَه ، ولا يكون ذلك إلاّ بالرّزق ، ؟قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (2) ، وفي تفسير ابن عطيّة :
بسبب الألفة التشابه ، فمن كان من أهل الخير ألِفَ أشباهه . أهـ .
وفي عرائس البيان : أَلّفَ بين الأشكال بالتجانس والإستئناس لأنها من مصدر فطرة قوله خلقت بيدي ، وألّفَ بين الأرواح بالتجانس والإستئناس من جهة الفطرة الخاصة من قوله ونفخت فيه من روحي ، وألّفَ بين القلوب بمعاينة الصِّفة لها بإشارة قوله عليه السلام : « القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن » . ، وألّفَ بين العقول بجانسها من أصل فطرتها التي قيل فيها " العقل أول مصدر من الباري " ، وذلك قوله عليه السلام : « أّول من خلق الله العقل » . انصرف منه مصدر الزينة ، وألّف بين الأسرار بمطالعة الأنوار ، واتصال الأنوار بها من الغيب ، قيل أيّ يشاهدون أنوار الغيوب بموافقة الأشباح من حيث تجانس مقاماتها في الطاعات ، ورؤية الآيات ، والضفر بالكرامات ، وموافقة الأرواح بائتلافها ، ومجانسة مقاماتها في المشاهدات ، وسلوكها في مسالك المراقبات والمحاضرات ، وموافقة القلوب ، من تجانس سيرها في الصّفات . فمن شاهد القدرة يأتلف بمن شاهد مقامه في القدرة ، وكذلك مقام رؤية جميع الصفات . لأنّ سيرَها في أنوار الصفات وموافقة العقول مِنْ تجانسِ إدراكِها أنوارَ الأفعالِ ، وتحصيلَها سناءَ الحكمياتِ مِنْ أصول الآيات وتدبُّرِها ، وتذَكُّرَها فيه بأنوارِ الهداياتِ ، وموافقةِ الأسرار ، من تجانسِ مشاربِها مِنْ مشاهدِ القِدَمِ ، ومطالعة الأبد . وكلِّ سِرٍّ يَرِدُ مِنْ مشرب المعرفة ، أو المحبّة ، أو الشوق ، أو التوحيد ، أو الفناء ، أو البقاء ، أو السُّكْرِ ، أو الصّحْوِ ، تستأنس بِمَنْ يكون شربُه مِنْ مقامِه مِنَ الأسرار ، فسبحان الذي ألّفَ بين كلّ جنس مع جنسه رحمةً منه وتلطُّفاً . قال عليه السلام في بيان ما شرحنا من ائتلافِ هذه المؤلَّفات ، واستئناس هذه المستأنَسات في مقام القربات : « الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » . . فاتلاف المريدين بإرادة ، وائتلاف المحبّين بالمحبّة ، وائتلاف المشتاقين بالشوق ، وائتلاف العاشقين بالعشق ، وائتلاف المستأنسين بالأنس ، وائتلاف العارفين بالمعرفة ، وائتلاف الموحِّدين بالتوحيد ، وائتلاف الكاشفين بالكشف ، وائتلاف المشاهدين بالمشاهدة ، وائتلاف المخاطَبين بسماع الخطاب ، وائتلاف الواجدين بالوجد ، وائتلاف المتفرِّسين بالفِراسة ، وائتلاف المتعبِّدين بالعبودية ، وائتلاف الأولياء بالولاية ، وائتلاف الأنبياء بالنبوّة ، وائتلاف المرسَلين بالرّسالة . فكل جنس يستأنس بجنسه ، ويَلْحَق بِمَن يليه في مقامه .
قال بعضهم : ألَّفَ بين قلوب المرسلين بالرسالة ، وقلوب الأنبياء بالنبوّة ، وقلوب الصدّيقين بالصّدق ، وقلوب الشّهداء بالمشاهدة ، وقلوب الصّالحين بالخدمة ، وقلوب عامّة المؤمنين بالهداية . فجعل المرسلين رحمة على الأنبياء ، وجعل الأنبياء رحمة على الصدّيقين ، وجعل الصدّيقين رحمة عل الشّهداء ، وجعل الشّهداء رحمة على الصّالحين ، وجعل الصّالحين رحمة على عامّة المؤمنين ، وجعل المؤمنين رحمة على الكافرين .
وقال أبو سعيد الخراز : ألّفَ بين الأشكال ، وغاير الرّسوم لقلم آخر ، فكلٌّ مربوطٌ بجنسِهِ ، ومستأنِسٌ بأهلِ نِحْلته ، وهذا معنى قوله صلى الله عيه وسلم : « الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف . » . أهـ .
قلت : وإذا فهمتَ جميع ما تقدم ، وأعطيتَه مِنَ التّأمّل حقّه ، علمتَ عِلماً قطعيّاً يحصل لك به علمُ معنَى قولِ الشيخ زروق رضي الله عنه :
الإعتقاد أصل في كل خير .
وقول القشيري :
الإعتقاد ولاية .
وكذا غيرهما مِنَ السّادات رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، وهذا ظاهر جليّ لكلّ موفَّق ، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (3) ، والله تعالى الموفق بمنّه إلى الصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .

<< الفصل السابق    الفصل التالي >>


  1. سورة الليل ، الآيات 5 - 7 .
  2. سورة الأنفال ، الآيتان 62 ، 63 .
  3. سورة النور ، الآية 40 .