نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الخامس
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل الخامس


في إعلامهم أن زهد الكمل ليس هو بخلوّ اليدين من الدنيا وإنما هو بخلو القلب ، ولا يتحقق لهم كمال المقام إلا بزهدهم فيما في أيديهم ، وتحت تصريفهم ، من غير حائل يحول بينهم وبينه . وإعلامهم أن إيثار الزهد مع خلوّ اليدين ربما يكون لِعلّةِ الفقد ، والضعف والعجز عن الطلب ، وأنّ مِن شرط الداعي إلى الله تعالى أن لا يكون متجرّدا عن الدنيا بالكلية ، وأنّ مَن لا كسب له ، والناس ينفقون عليه ، فهو من جنس النساء وليس له في الرجولية نصيب .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق ، قال في لواقح الأنوار القدسية في العهود المحمدية :
أُخِذَ علينا العهد العام من الرسول صلى الله عليه وسلم أن نقرض كلّ مَنِ استقْرَضَنا من المحتاجين ، سواء كان مشهورا في حسن العاملة أم لا ، إمتثالا لقول الله عزّ وجلّ : وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (1) . وأما الفقراء ففاتتهم تلك اللذة وذلك الأجر ، ومِنْ هنا تسارع الأكابر من الأولياء إلى التكسّب بالتجارة ، والزراعة ، والحرفة ، ليفوزوا بلذّة الخطاب لا لِعِلَّةٍ أخرى مِن طلب ثوابٍ أو غيره ، قال الله تعالى : رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (2) . فوصْفُهُمْ بالرجولية لأجل أكلهم من كسبهم ، وإقراضهم من فواضل كسبهم كلّ محتاج ، مفهومه أنّ مَنْ لا كسْب له ، والناس يُنفقون عليه ، فهو من جنس النساء ، وإن كان له لحية كبيرة ، وسبحة ، وسجادة ، وعذبة ، ومرفعة ، وشفاعات عند الحكام ، وغير ذلك ، وليس له في الرجولية نصيب ، قال الله تعالى : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (3) ، قال : فعلم أنه لا يقدح في شيخ الزاوية أن يكون تاجرا أو زارعا ، بل ذلك أكمل له . فإيّاك يا أخي أن تنكر على فقير التكسب بالتجارة ، أو الزراعة ، أو معاملة الناس أواخر عمره وقد ختم عمره بمحبّة الدنيا وشهواتها بعد أن كان زاهدا فيها وفي أهلها ، فربّما يكون مشهد ذلك الفقير ما قلناه ، أو غير ذلك من النيّات الصّالحات . فإنّ زهد الكمّل ليس هو بِخُلُوِّ اليدين من الدنيا وإنما هو بخلوّ القلب ، ولا يتحقق لهم كمال المقام إلاّ بزهدهم فيما في أيديهم وتحت تصريفهم ، من غير حائل يَحُولُ بينهم وبين كنزه . وإيثار الزهد مع خلو اليدين ربّما يكون لِعِلَّةِ الفَقْدِ ، فَقَدْ قالوا مِنْ شرط الدّاعي إلى الله أن لا يكون متجرّدا عن الدنيا بالكليّة بأنْ تخلو يدُه منها ، وذلك لأنه يحتاج بالضرورة إلى سؤال الناس ، إمّا بالحال وإمّا بالمقال ، وإذا احتاج إلى الناس هان عليهم ، وقَلَّ نفعُهم به ، بخلاف ما إذا كان ذا مال يُعْطِي منه المحتاجين مِن مريديه وغيرهم . فمَنْ فَقَدَ الحالَ الذي يُمِيلُ به قلوبَ المريدين إليه ، كان معه المالُ يُمِيلُهم به ، ومَن لا حال له ولا مال لا ينفعه المقال ، وفي الحديث : « عزّ المؤمن استغناؤه عن الناس وشرفه في قيام الليل » أهـ .
قلت : وفي الحديث أيضا : « أن من طلب الدنيا قليلا تعففا عن المسألة وسعيا على عياله وتعطفا على جاره لقي الله تعالى ووجهه كالبدر » ، وفيه أيضا : « أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسا مع أصحابه ذات يوم فنظروا إلى شاب ذي جلد وقوة قد بكر يسعى قالوا ياويح هذا لو كان جلده وشبابه في سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم لا تقولوا هذا فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفها على المسئلة ويغنيها على الناس فهو في سبيل الله وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله وإن كان يسعى تفاخرا وتكاثرا فهو في سبيل الشيطان » ، وفيه : « لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا أعطاه الله فيسأله أعطاه أو منعه » ، وقال حذيفة : « خياركم من لم يدع دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه » ، وفيه : « لا تَسُبّوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر » ، وفيه : « اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول » ، وفيه : « الفارّ من عياله كالفارّ من الزحف » ، وفيه : « أنّ الصحابة أثنوا عند النبي صلى الله عليه وسلم على رجل بالعبادة فقال صلى الله عليه وسلم فمن كان يطعمه ويسقيه ويعلف دابته ويكفيه ضيعنته قالوا نحن يا رسول الله صلى الله عليك وسلم فقال كلكم خير منه » ، فقال أبو سليمان الداراني رضي الله تعالى عنه :
" ليس الشأن أن تَصُفَّ قدميك للعبادة وغيرك يقوتك ، إنما الشأن أن تحرز رغيفك في بيتك ، ثم تغلقه وتصلّي فلا تبالي باي داقّ للباب ، بخلاف مَن قام يصلّي في بيته وليس عنده شيء يأكله ، فيصير كلّ داقّ دقّ الباب يقول أن معه رغيفا " .
وقال الثوري : " عليكم بالحرفة ، فإن عامة من أتى أبواب الأمراء إنما أتاهم لحاجة " .
وقال عبد الله بن المبارك : " لا يُخْرِج العبدَ من الزهد إمساكُ الدنيا لِيَصُونَ بها وجهه عن سؤال الناس " .
وقال في عرائس البيان ، عند قوله تعالى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا (4) : " ولا تظنّ يا أخي أن العارف المتمكّن إذا باشر الدنيا وزينتها هو من جملتهم . إنه يريد الله برغبة المعرفة والشوق ، ويريد الدنيا للكفاف والعفاف ، يرزقه الله حياة حسنة وطيبة بأن يجعل الدنيا خادمة له ، ويبجّله في أعين الخلق ، ويُوقِعُ هيبتَه في قلوب الناس ، قال الله تعالى : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (5) ، وقال عليه السلام : « من أحسن فقد وقع أجره على الله في عاجل الدنيا وآجل الآخرة »
. وقال لقمان لإبنه : " يا بني ، حملت الصخور والحديد فلم أر شيئا أثقل مِنَ الدّيْنِ ، وأكلت الطيّب معانقة الحسان فلم أر شيئا ألذّ من العافية ، وذقت المرارات كلّها فلم أذق شيئا أمرّ مِنَ الحاجة إلى الناس " . وقال الشعراني : " مِنْ أخلاق السلف تقديم الخوف من الحاجة إلى الناس على خوف الحساب من جهة المال الذي ربما دخلته الشبهة " .
وقال سفيان الثوري : " لأن أخلّف عشرة آلاف درهم أحاسب عليها ، أحبّ إليّ مِنْ أن أحتاج إلى الناس " . وقال : " المال فيما مضى يكره وأما اليوم فهو طرس المؤمن " . وقال : " حفظك لما في يدك لتقضي به حاجاتك أولى من تصدقك وطلبك لما في يد غيرك " . وقال : " خصلتان لا يزال العبد بخير ما حفظهما ، درهمه لمعاشه ، ودينه لمعاده " .
وكان قيس بن عاص ، مع زهده وورعه ، يقول لبنيه : " عليكم بالكسب الحلال فإنه يَسُرُّ الصديق ، ويُكْمِد العدوّ ، تستغنون به عن سؤال الناس لا سيما اللئيم ، وإيّاكم وسؤال الناس فإنّ ذلك كسب العاجز " .
وقيل للثورى : " أيكون الرجل زاهدا ويكون له المال ؟ قال : نعم ، إذا ابْتُلِيَ صبر ، وإذا أُعْطِيَ شكر " .
وقال أبو قلابة : " لأن أُرى في معاشي أحبّ إليّ من أن ُأرى في زوايا المسجد " . وقال : " عليكم بالسوق والصنعة ، فإنكم لن تزالوا كراما على إخوانكم ما لم تحتاجوا إليهم " أهـ .
وقال في لواقح الأنوار القدسية :
أُخِذَ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننفق على زوجاتنا وعيالنا ، ثم قال : وسمعت سيّدي عَلِيّاً الخواص رحمه الله تعالى يقول : أسْعَ على عيالك ليلا ونهارا ولو سمّاكَ الناسُ دنيويا ، فإنه خير مِنْ أنْ يُسَمُّوكَ صالحا وأنت تأكل من صدقاتهم وأوساخهم ، وناظرٌ ما في أيديهم ، وكلُّ مَنْ لم يُعْطِكَ شيئا تكرهُهُ ، مع أنّ تلك الكراهة مِنْ غير حقّ . فقد رأى سيدي علي الخواص مرّة شخصا مِن مشائخ العصر ، كان يتّجِر في لبز والقماش ، فترك ذلك وعمل شيخا ، فقال له : إرجع إلى حالتك الأولى فإنها أرجح لك ، وأطهر لقلبك ، فلم يسمع ، فدعا الشيخ عليه بمحبّة الدنيا وحرمانه منها ، فصار بعد شهرٍ كذلك ، فلا هو يترك الدنيا ، ولا يقدر على أن يأكل منها ، ولا يتصدق منها ، ولا ينفق على عياله ، فتلف بالكلية لمخالفة الإرشاد . ثم ذكر في عهد آخر أنّ السالك إذا مَنَّ الله عليه بالكمال في الطريق ، وصارت الدنيا في يديه لا في قلبه ، يتمنى دخولها في يده ، وينقبض إذا أدبرت عنه ، لأنّ مِنْ كمال الدّاعي إلى الله من الأئمة أن تكون الدنيا فائضة عليه ، يطعم منها أتباعه ، وينفق عليهم منها ، ومن لم يكن كذلك فدعاؤه إلى الله تعالى ناقص ، ويطرقه الذلّ في طلب اللّقمة ، والخضوع لِمَنْ أتاه بها من أصحابه وغيرهم ، كما أنّ مِنْ لازِمِهِ الغيبةُ لكلّ مَنْ لم يحسن إليه ، كما سيأتي في حديث من شكر عياله ولم يعتب المسلمين الحديث . فأشار إلى أن الغالب على الفقير المحتاج غيبةُ مَنْ لم يطعمه ما احتاج إليه فانظر آفة المحتاج أهـ
وقال في البحر المورود في المواثيق والعهود :
أخذ علينا العهد أن لا نزهد في الدنيا بالكلية لِمَا نَجِدُ في الزّهد من نعيم الترك ، وخُلُوِّ اليد ، وراحة القلب ، فتكون كحمار الرحي الذي يبتدي من حيث ينتهي سيره إليه ، فيخرج من لذّة إلى أعظم منها أو مثلها ، كما يقع في ذلك العباد الذين لم يسلكوا على أيدي الأشياخ ، فكأنهم بهذا الزهد ما برحوا من حظوظ أنفسهم ، ولا عن حجابهم عن ربّهم عزّ وجلّ ، وإنما نزهد في الدنيا زُهد العارفين ، وهو أن نُعلِّق قلوبنا بحُبّ الله عزّ وجلّ وحده ثم نمسك الدنيا بحذافيرها لا نترك منها شيئا إلاّ إن كان فيه شبهة ، ونتصرّف فيها تَصَرُّفَ حكيم عليم ، ونستعمل كل شيء فيما خلق له . (وإيضاح ذلك) أن الله تعالى مَنَّ علينا بأَنْ سخّر لنا ما في السماوات وما في الأرض ، ولا يكمل لنا كمال شهود امتنانه إلاّ بشهودنا الإفتقار إلى كلّ شيء في الوجود . فافهمْ واعملْ على هذا الزهد ، ودَعْ عنك قول من يقول بِذَمِّ الدنيا على الإطلاق بما قلناه ، فإن الذم ما حصل إلاّ من تعلق القلب بمحبتها دون الله تعالى ، وحجاب صاحبها عن أعمال الآخرة . ثم إنه لا يصلح لأحد أبدا الإستغناء عن الدنيا كما يُتَوَهَّم ، أقَلُّ ما هنالك حاجته إلى ما يأكله وما يشربه ولا يتنفس فيه من الريح ، فإن مَنْ ذمّ نفسه مات . قد سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزهد في الدنيا فقال : « هو اليقين »
، وقد ذكرنا في رسالة الأدب الكبرى أن سبب الفتنة في الدنية اربع أشياء ، النساء والجاه والمال والولد ، والكامل لا يهرب بشيء منها ، بل يحبها كلها بتحبيب الله عزّ وجلّ ، ويغلب حكم محبّة الطبع والنفس لله تعالى ، وقد بسطنا الكلام في مؤلفاتنا على كل واحد منها . فعلم أن العارف الدنيا في يده لا في قلبه ، ومِحَكّ ذلك أنْ لا يبخل بشيء منها على محتاج ، ولا يصرفه لمن يورّث فيه الغني فسادا . فلا تظنّ يا أخي بالعارفين أنهم إذا أمسكوا الدنيا يمسكون بخلا ، وإنما ذلك لحكمة تخلّقا بأخلاق الله عزّ وجلّ . فاعلم يا أخي ذلك والله يتولى هداك أهـ . وقال : أخذ علينا العهد أن نُعَلِّمَ أولادنا الحرفة بعد تعليمهم أمور دينهم التي لا بد منها ، فإنه إن لم يكن بيده حرفة أكل بدينه أو بلسانه ، وسلق الناس بألسنة حداد ، وحَقَد عليهم في الباطن . وقد كان الناس في الزمن الماضي يُكْرِمون حَمَلَةَ القرآن ، ويرتّبون لهم المراتب ، ويهدون إليهم الهدايا ، ويتفقّدونهم في المواسم وغيرها ، يقولون لهم : إشتغلوا ونحن نكفيكم جميع ما تحتاجون إليه ، فصار الفقيه اليوم لا يحصل له ما ينفقه على عياله حتى يذوب قلبه من الدوران طول النهار ، ثم بعد ذلك يأكل صدقةً ، فتَعَلُّم الحرفة للفقيه الآن مِنْ أبرك المصالح ولو كانت دنية كالادمى والحجامة ونحوهم ، فإنْ وسَّعَ الله عليه كان ، وإلاّ فتُغنيه عنْ سؤال الناس ، فأعلم ذلك والله عليّ حكيم " أهـ .
قلت : وإذا فهمتَ جميع ماتقدم ، علمتَ أنه ما ضَرَّ بعضَ الناس إلاّ جهلُهم بالفرق بين الزهد والترهّب ، وبين التوكّل والعجز . قال السيوطي رحمه الله تعالى في الكوكب الساطع :
وليسَ مِنْ زَهَادَةٍ تَعَزُّبٌ      وترْك محتاجٍ له تَرَهُّبُ
وقال في شرحه :
ليس من الزهد التعزب وترك ما لا بد منه ، بل ذلك من التعمّق المنهيّ عنه ، وروى الترمذي مِن حديث أبي ذَرٍّ مرفوعا : « الزهادة في الدنيا ليس بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال والزهادة في الدنيا أن لا تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب لما أبقت لك »
، وقال أيضا : " والمرء محتاج إلى أن يعرف فرقَ أمورٍ في افتراقها خفاء ، كالفرق بين العجز والتوكّل ، وقال في شرحه : الشيء الواحد تكون صورته واحدة وهو ينقسم إلى محمود ومذموم ، فيحتاج العابد والصوفي وسالك طريق الآخرة إلى معرفة الفرق بينهما ، فمِنْ ذلك التوكّل والعجز ، فالتوكّل عمل القلب وعبوديته اعتمادا على الله ، وثقة به ، والتجاء إليه ، واجتهاده في تحصيلها ، والعجز تعطيل بكفايته ، وحسن اختياره لعبده إذا فرض إليه مع قيامه بالأسباب المأمور بها ، واجتهاده في تحصيلها . والعجز تعطيل الأمريين أو أحدهما . إما أن يعطل السبب عجزا عنه ويزعم ذلك توكلا ، وإنما هو عجز وتفريط كما في أثر عمر ، وإما أن يقوم بالسبب ناظرا إليه ، معتمدا عليه ، غافلا عن المسبِّب مُعْرِضا عنه ، وإن خطر بباله لم يثبت معه ذلك الخاطر ، ولم يعلق قلبه تعلّقا تامّا بحيث يكون قلبُه مع الله وبدنه مع السبب " أهـ .
وقال في تبيين المحارم : " واعلم أنه ليس معنى التوكّل ترك الكسب بالبدن ، وترك التدبير بالقلب ، والسقوط على الأرض كالحلقة الملقاة ، وهذا ظنّ الجهّال ، فإنَّ ذلك حرام في الشرع " أهـ .
قال في العهود المحمدية :
" أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نشتغل بشيء من العبادات ونترك الكسب بحيث يضيع عيالنا وأنفسنا ، ونحتاج كلّنا إلى سؤال الناس . وهذا العهد يقع في حبالته كثير من المتعبدين وطلبة العلم ، فيحتاج مَنْ يريد العمل به إلى سلوك الطريق على يد شيخ يُعلِّمه مراتب العبادات ، وما الأوْلى منها ليقدِّمه على غير الأوْلى ، لأنّ عُمُرَ الإنسان أعزّ من الدنيا وما فيها ، وهو قصير ، فوجب أن يبدأ العبد بالأهمّ فالأهمّ ليكون له الأعزّ فالأعزّ ، ولولا أنَّ مِنْ شأن العبد الملل لَمَا كان له أن يشتغل بغير الأعزّ فائدة ، فلمّا ركبّه الله على الملل جعل له رتبة أخرى مفضولة لينتقل إليها ثم يَمَلُّ منها كذلك فينتقل إلى المباح ، وهذا كلّه من رحمة الله تعالى بعباده ، وقد كان الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول : لا تشاور مَنْ ليس في بيته دقيق ، أيّ لأنه مشتّت البال . فاعلم أن حياة الأبدان مقدَّمَه على حياة الأرواح والقوت بالعلم ، لأن حياة الروح فرع عن حياة الجسم من حيث أنها محلّ لظهور أفعال التكليف وإقامة شعائر الدين ، وهذا اللّوم في حقّ من يضيع من يَعُولُ من اشتغاله بخير الآخر ، فكيف بمن يضعهم باشتغاله باللهو واللعب ونحو ذلك ؟ والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
وروى أبو داود والنسائي مرفوعا : « كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوته » ، وفي رواية النسائي : « من يعول » . وروى ابن حبّان في صحيحه : « أن الله سبحانه وتعالى سائل كلّ راعٍ عمّا استرعاه حفظه أو ضيّعه حتى يسأل الرجل عن أهل بيته » والله أعلم أهـ .
وقال أيضا :
" أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نجمع من الذهب والفضّة قط نصابا إلاّ إن كُنّا نثق من أنفسنا بأنا نخرج زكاتنا ، وإن لم نكن نعلم أنّا نخرجها كذلك اقتصرنا في الجمع على ما دون النّصاب ، ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد على وجهه إلى السلوك الكامل على يد شيخ مرشد صادق ، وإلاّ فلا يشمّ للعمل به رائحة ، بل يجمع ويمنع ، وإن أخرج شيئا منها فهو لعلّة قادحة في قبولها ، فاسْلُكْ يا أخي على يدِ شيخ حتى يفطمك عن محبّة الدنيا ، يعني عن الميل إليها ، إذِ الدنيا لا تُبغَض في ذاتها ، وإنّما المطلوب الزهد في الميل إليها لا في الميل لذاتها ، إذ لو كان الزهد مطلوبا في ذاتها لما جاز لأحد إمساكها ، ولا قائل بذلك . فإنّ المحظور إنما هو في إمساكها محبة لذاتها ، إذ هو الذي يتفرّع منه الحجاب ، والشح ، والبخل ، فيمنع العبدَ مِن إخراج زكاته . وقد غلط في هذا الأمر قوم فتركوا جمع الدنيا أصلا ورأسا ، فأحتاجوا إلى سؤال الناس تعريضا وتصريحا ، ولو أنهم سلكوا على يد الأشياخ حتى يفطموهم عن الميل إليها ، لجمعوا القناطير من الذهب وأنفقوها على المساكين ، وحصل لهم خير الدنيا والآخرة . وقد حُكِيَ أنّ فقيرا دخل زاوية سيدي إبراهيم المتبولي ، فجلس للعبادة ليلا ونهارا وترك الكسب ، وكان الشيخ لا يحبّ للفقير عدم الكسب ، فقال له يا ولدي : لِمَ لا تحترف وتقوم بنفسك ، وتستغني عن حمل الناس لك الطعام ، فقال : يا سيّدي لمّا دخلت زاويتكم رأيت في تلك الطاقة بومة عمياء لا تطيق أن تسعى مثلما تسعى الطيور ، ورأيت صقرا يأتيها كل يوم بقطعة لحم ، يرميها لها في طاقتها ، فقلت أنا أوْلى بالتوكّل على الله مِن هذه البومة ، فقال له سيدي إبراهيم : جعلتَ نفسك بومة عمياء ! هلاّ جعلتها صقرا تأكل وتطعم البومة ، فقال الفقير : التوبة ، وخرج للكسب ، إنتهى . فيحتاج الفقير إلى حال صادق يرمي به الدنيا ، وحال صادق يأخذها بعد ذلك به والله غفور رحيم " .
قلت : قد نصَّ العلماء بأنّ مَن وجد كفاية عن الأسباب فالله قد أغناه ، وإلاّ فلا يجوز لأحد أن يقعد عن الأسباب إتّكالا على الناس وهو قادر على الإكتساب . والشّبع من الحلال مبدأُ كلِّ شرف فكيف به من الحرام . وقد جاء عن عيسى على نبيّنا وعليه السلام أنه مرّ بمتعبِّد فقال له : من أين تأكل ؟ فقال : إني لي أخا يطعمني ، فقال له عيسى على نبينا وعليه السلام : أخوك أعبد منك ، أيّ لأنّه هو الذي أعانك على الطاعة ، وفرّغك لها أهـ . وقال الشيخ أحمد زروق رضي الله تعالى عنه في تأسيس القواعد والأصول وتحصيل الفوائد لذوي الأصول :
ملك العبد لِمَا بيده مِنْ أعراض الدنيا غير متحقق له بل إنما هو خازن له لقصره عليه تصرّفا وانتفاعا دون غيره ، ومِنْ ثَمَّ حرّم عليه الإقْتَارُ والإسراف ، حتى عَدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنجيات : « القصد في الغنى والفقر » ، ونهى صلى الله عليه وسلم عن : « إضاعة المال » ، إلى غير ذلك . فمِنْ ثَمَّ قال لنا الشيخ أبو العباس الحضرمي نفعنا الله به : " ليس الشأن من يعرف كيفية تفريق الدنيا فيفرقها ، إنما الشأن من يعرف كيفية إمساكها فيمسكها " . قال الشيخ زروق رضي الله تعالى عنه : " وذلك إنها كالحيّة ، ليس الشأن في قتلها ، إنما الشأن في إمساكها حيّةً " . وفي الحديث : « ليس الزهد في تحريم الحلال ولا بإضاعة المال إنما الزهد أن تكون بما في يد الله أو ثق منك بما في يدك »
. وقال الشيخ أبو مدين نفع الله تعالى به الدنيا : جرادة ورأسها حبها فإذا قطع رأس الجرادة مات .
وقال الشيخ أبو محمد عبد القادر نفع الله به ، لمّا سُئِلَ عن الدنيا : أخرجها من قلبك واجعلها في يدك ، فإنها لا تضرك . أهـ .
وكل هذه الجُمَل تدلّ على أن الزّهد فيها ليس عن تركها فافهم " أهـ كلام الشيخ زروق .
ثم قال :
" الزهد في الشيء بُرُودتُه على القلب حتى لا يعتبر في وجوده ولا في عدمه ، فمِن ثَمَّ قال الشاذلي نفع الله به : والله لقد عظمتها إذا زهدت فيها .
قال الشيخ زروق : قلت يعني بالظاهر ، لأنّ الإعراض عنها تعظيم لها وتعديب للظاهر بتركها ، كما أشار إليه ابن العريف في مجالسه ، والحريري في مقاماته .
وقد قال أيضا نفع الله تعالى به : رأيت الصدّيق في المنام فقال لي : علامة خروج حبّ الدّنيا مِنَ القلب بَذْلُها عند الوجد ، ووجود الراحة منها عند الفقد ، كَحَالِ الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذْ لم ينظروا إليها عند الفقد ، ولا شغلتهم عند الوجد ، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله (6) ، وما قال : لا يبيعون ولا يتّجِرون . وقد أدّب الله تعالى الأغنياء بقوله تعالى : وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ (7) ، وأدّب الفقراء بقوله سبحانه وتعالى : وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ (8) . ثم قال : واسألوا الله من فضله (9) ، وذلك لا يقتضي تمنيّا ولا وقتا ، فَلَزِمَ التزام كلّ ما أمر الله به ، فافهم " أهـ .
ثم قال :
ما ذُمَّ لا لذات قد يُمدح لا لذاته ، ومنه رتبة وجود المال والجاه والرئاسة ونحو ذلك ، ومما ليس بمذموم لذاته ، ولا محمود في ذاته ، بل يُحمَد ويُذَمّ لِمَا يعرض له . ولذلك ذَمّ صلى الله عليه وسلم الدنيا بقوله : « الدنيا ملعونة ملعون ما فيها » ، ومدَحَها بقوله : « فنعمت مطية المؤمن » ، وأثنى سبحانه وتعالى على قوم طلبوا الرئاسة الدينية إذ قالوا : واجعلنا للمتّقين إماما (10) ، فكان ابن عمر يقول : اللهم اجعلني للمتقين إماما .
قال مالك رحمه الله : ثواب المتقين عظيم ، فكيف بإمامهم . وقال صلى الله عليه وسلم : « أسألك رحمة أنال بها شرف كراماتك في الدنيا والآخرة » ، وقال لذلك الرجل الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : « دُلَّني على عمل إن عملتُه أحبني الناس ، قال إزهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس » الحديث . وقال الصدّيق عليه السلام : إجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (11) ، إلى غير ذلك .
فلَزِمَ اعتبار النِّسب وتحقيق المقام إباحةً ومنعاً ، والمحاشاة أقرب لسلامة الضعيف من باب ضعفه ، لا لِخَلَلٍ في ذات الحكم ، إذِ الأصل الإباحة ، ومِن ثَمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذرّ : « إنك رجل ضعيف وإنك إن تطلب الإمارة وُكِّلْتَ إليها وإن أُعْطِيتَها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها » ، فافهم " أهـ .
قال في أول الكتاب :
" حكم التّابع كَحُكْم المتبوع فيما تبعه وإنْ كان المتبوع أفضل ، وقد كان أهلُ الصُّفَة فقراء في أول أمرهم حتى صاروا يُعرفون بأضياف الله تعالى ، ثمّ كان منهم بعد ذلك الغَنِيُّ والأمير والمتسبب والفقير ، لكنهم شكروا عليها حين وُجِدَتْ كما صبروا عنها حين فُقِدَتْ ، فلم يخرجهم الوجدان عما وصفهم مولاهم به من أنهم : يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه (12) ، كما أنهم لم يُمْدَحُوا بالفقدان ، بل بإرادة وجهِ الملك الديّان ، وذلك غير مقيّد بفقر ولا غنى . وبحسب ذلك فلا يختصّ التصوف بفقر ولا غنى ، إذْ أنّ صاحبه يريد وجه ربّه ، فافهمْ " إنتهى .
ولذا قال بعض العلماء :
" والحاصل أن المال كالحيّة التي فيها سمّ ناقع ، والترياق نافع ، فإن أصابها المغرم الذي يعرف وجه الإحتراز عن سمّها الناقع ، وطريق استخراج ترياقها النافع ، كانت له نعمة وإلاّ فهى عليه بلاء وهلاك . وأنّ الجاه كالبحر الذي تحته أصناف الجواهر واللآلئ ، فمَنْ ظفر بها فهي نعمة ، وإن خاضه جاهل هلك . وأكثر الناس جـاهل بطريق الرّقية لِحَيَّة المال ، وطريق الخوض في بحر الجاه ، فوجب تحذيرهم لئلاّ يهلك باسم المال قبل الوصول إلى ترياقه ، وبتمساح الجاه قبل العثور على جواهره . فمَنْ وقف ببصيرته ، وكمال معرفته ، فلَهُ أن يقرّب منها متقيّا داءها ، ومستخرجا دواءها ، ومَن لا فالبُعْدُ والفرارُ عن مظانّ الأخطار ، ولا تعدل بالسلامة شيئا " أهـ .
قلت : ومما تَقَدَّم من النقول يظهر ظهوراً لا غُبَار عليه أنّ الزّهد في الدنيا بالكليّة نُقصان في حقّ الكُمّل من أهل الله ، وإنما كان سلامة للضعيف لضعفه لا لفضل ذلك المقام ، ولكل مقام رجال ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وفي حاشية الشيخ أبي الحسن عليّ الصعيد على شرح الخرشي على مختصر الشيخ خليل ، عند قوله على مذهب الإمام مالك بن أنس : (قائدة ) :
" ممّا نُقِل عن الإمام أنه أوصى الشافعي عند فراقه له ، فقال : لا تسكن الريف يذهب علمك ، واكتسب الدرهم لا تكن عالة على الناس ، واتّخذ لك ذا جاه ظهرا لئلاّ يستخفّ بك العامّة ، ولا تدخل على ذي سلطنة إلاّ وعنده من يعرفك ، وإذا جلست عند كبير فليكن بينك وبينه فسحة لئلاّ يأتي من هو أقرب منك إليه فيدنيه ويبعدك ، فيحصل في نفسك شيء .
ونُقل عن سحنون : وجدت كل شيء يحتاج إلى الجاه حتى العلم ، أي فلا بدّ أن يكون العالم ذا جاه . قال بعض الشيوخ : وهو كلام صدق ، وقول حقّ ".
وقال شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا بِهِ ، كما في جواهر المعاني :
" أن للشيطان لعنه الله تعالى مكرا خفيا لصاحب المال ، إذا رأى تقيّا مُقِيمًا لأمر ربّه فيما يقدر عليه ، كافّا كثيرا من شرّه ، منغمسا في كثير من أمور التّقى ، ويراه في ذلك مطمئنا بحاله لا ينزعج ، فيأتيه اللّعين بمكره الخفيّ ، ويسوق الناس إليه لطلب العطاء لله ، ويخوّفه في قلبه إن ردَدْتَ هؤلاء سخط الله عليك ، أو سلَبَكَ نعمته ، ولا يزال يستدرجه في مثل هذا ، وقصدُه أن يفرّق عنه المال ليذهب دينه وإيمانه ، فلا يزال كذلك لا يكفّ عنه حتى يفرّق جميع ماله ، فإذا فرّقه وقع التّشويش في قلبه ، فيريد أن يُنفق نفقته التي كان ينفقها في ساعة اتساع ماله فلا يجد السبيل إليها ، فيقع التشويش له ، والترويع من أهله طلبا بما اعتادوه من اتّساع النفقة ، فإن لم يأت بها آل الأمر بينه وبين أهله إلى اتساع السخط والغضب والعداوة ، فيكثر عليه الضيق والغيظ ، فلا يجد وقتا يذكر فيه ربّه ، ولا يؤدّي فيه أمرا من طاعة ربّه ، وربّما أضاع عليه فرض الصلاة ، فيحمله ذلك على أخذ الدّيْن من الناس وإتلافه في النفقة . فَعَنْ قريب يحلّ به البلاء والويل من عدم وجود ما يقضي به ديْن الناس ، ويصبح في زمرة الهالكين وقد تلف دينه وعقله ودنياه وآخرته ، فهذا مراد الشيطان منه فيما كان يُرَغِّبُة فيه من الإعطاء لله وعدم المنع ، فاحذر هذا المكر ، وفيما ذكرناه لك كفاية " أهـ .
وقال أيضا في جواهر المعاني : " لله تصريف في بعض خلقه ، يجعل الدّنيا في أيديهم ، فمَنْ حفظها منهم مع المحافظة على أمر الله تعالى فيه من غير تضييع حفظها الله في يده ، وصانه بها ، وجعلها له بركة ، ومَنْ ضيّعها مِن يده تهاونا بها ضيعه الله ، وأحوجه إليها ولم يجدها " أهـ .
فلنجعلْ كلام هذا القطب المكتوم ، والبرزخ المختوم ، ختاما لهذا الفصل ، وكفى بكلامه بركة وحجّة على صحّة كلام مَن تقدّمه مِن ساداتنا الأولياء والعلماء رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، والله تعالى الموفّق بمنّه للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .

<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة الحديد ، الآية 18 .
  2. سورة النور ، الآية 37 .
  3. سورة النساء ، الآية 34 .
  4. سورة هود ، الآية 15 .
  5. سورة النحل ، الآية 97 .
  6. سورة النور ، الآية 37 .
  7. سورة النساء ، الآية 5 .
  8. سورة النساء ، الآية 32 .
  9. سورة النساء ، الآية 32 .
  10. سورة الفرقان ، الآية 74 .
  11. سورة يوسف ، الآية 55 .
  12. سورة الأنعام ، الآية 52 .