نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل السّادس
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل السّادس


في تحذيرهم وتنفيرهم عن الإنكار على واحد من ساداتنا الأولياء ومعاداتهم ، والإعلان بأنه هو عين الهلاك في الدنيا والعقبى .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق : إعلم أن المنكر على الأولياء ساقط من عين الله ، وهالك في الدنيا والآخرة ، وأنه في لعنة الله ومحاربته ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (1) ، ومعنى الآية عند المفسرين : أن الذين يؤذون أولياء الله . وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أن الله تعالى قال من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب » ، وفي شرح الفشي على الأربعين النووية :
من آذى لي وليّا أيّ اتّخذه عدوّا ، فقد آذنته بالحرب أيّ أعلمته بأنّي محارب له عنه ، بمعنى أنّي مهلكه .
ثمّ قال بعد كلام :
تنبيه : قال الفاكهاني رحمه الله تعالى : مَن حاربه الله أهلكه .
وقال غيره : إيذاء أولياء الله علامة على سوء الخاتمة ، كأكل الرِّبا عافانا الله تعالى من ذلك . فمَن والى أولياء الله أكرمه الله ، ومن عادى أولياء الله أهلكه الله . قال أبو تراب النخشي رحمه الله تعالى : وإذا أَلِفَ القلبُ ثمر الإعراض عن أهل الله صاحبته الوقيعة في أولياء الله ، ثم ذكر تنبيها بناسب المقام . رُوِيَ عن حاتم الأصمّ ، عن جماعة من أصحاب العلم والهمم ، أنّ جرجيس نبيّا من أنبياء بني إسرائيل كان في زمانه ملك كثير الفساد ، مُصِرٌّ على مظالم العباد ، فمنع الله تعالى عنه المطر حتى أشرف هو ومن معه على الهلاك والضرّ ، فركب هذا الكافر الظالم الغادر في عساكره حتى أتى جرجيس ، فوجده في صومعته وهو يكثر التسبيح والتقديس ، فقال له : يا جرجيس إنّي أحمّلك رسالة إلى ربّك ، فقال جرجيس : وما تلك ، قال : أن تقول لربّك يأتينا بالمطر وإلاّ آذيتُه إذاية يسمعها سائر البشر . فدخل جرجيس في محرابه وقد خرس من خوف الله عن جوابه ، فجاء جبريل بأمر الملك الجليل فقال له : آت الرسالة التي معك على الوجه الذي قال لك ، فقال : إنّي أخاف من الله ذي الجلال عند مقال ذلك القول على ما قال ، فقال جبريل : يا جرجيس قل كما قال ، هكذا أمر العزيز المتعال ، فقال جرجيس : يأتينا بالمطر وإلاّ آذيته إذاية يسمعها سائر البشر ، قال : فقال جبريل يا جرجيس ربّك يقول لك : قل له بما تُؤذيه ، فمضى جرجيس وأعاد الرسالة عليه ، فقال : الملك لا قدرة لي على إذايته إلاّ مِن وجه واحد ، لأنّني ضعيف وهو قوي ، وأنا عاجز وهو قادر ، وإنّما أؤذي أحبّاءه ، ومَن آذى أحبّاءه فقد آذاه . فجاء جبريل عليه السلام فقال : يا جرجيس قل له لا تفعل ، فنحن نأتيك بالمطر ، ثم جادت السماء بالسّحاب ، وامتلأت الصحاري بالسيول من كلّ جانب مدّة ثلاثة أيام بإذن ربّ الأرباب ، وأمر الله تعالى النبات في تلك الأيام الثلاثة أن يطلع . فلما طلعت الشّمس نظر إلى الحياض مترعة ، والفلوات مشرقة ، والزّروع إلى صدر الإنسان طالعة ، والرياض مورقة ، فركب الملك وأتى إلى باب جرجيس وهو في صومعته يكثر من التسبيح والتقديس ، وخرج إليه وقال : يا هذا ما تريد مِنِّي ، لِمَ لا تشتغل بملكك عنّي ، لا تحمّلني مثل تلك الرسالة فإنّ فيها فضاعة ، فقال يا نبيّ الله ما أتيت حربا فقد أتيت سلما ، وقد انفتح بصرُ الضعيف الأعمى . فإن مَن عمل الإحسان مع عدوّه مِن أجل وليّه يجب أن تسجد الجباه لعظمته ، وإنّي أريد المصالحة لتكون صفقتي رابحة ، فقد ظهر لي أن أسرار التوحيد لائحة ، أنا أشهد أن لا إله إلا الله ، ولا معبود بحقٍّ سواه .
إخواني : دلّ الحديث الإلهي أن عدوّ وليّ الله عدوّ الله ، فمن عاداه كان كَمَنْ حاربه ، نعوذ بالله تعالى من الإنكار والحرمان " أهـ كلام الفشنى .
وفي لطائف المنن
فأصغ رحمك الله إلى ما تضمته هذا الحديث من غزارة قدر الوليّ ، وفخامة رتبته ، حتى ينزله الحقّ سبحانه وتعالى هذه المنزلة ، ويحلّه هذه الرتبة . فقوله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى : « من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب » ، لأن الولي خرج على تدبيره إلى تدبير الله ، وعن انتصاره لنفسه إلى انتصار الله له ، وعن حوله وقوته بصدق التوكل على الله عز وجل . فقد قال سبحانه وتعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (2) ، وقد قال الله عز وجل : وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (3) . وإنما كان ذلك لهم لأنهم جعلوا الله تعالى مكان همومهم فدفع عنهم الأغيار ، وقام لهم بوجوه الإنتصار .
وقال بعد كلام :
ولقد سمعت شيخنا أبا العباس رضي الله تعالى عنه يقول : " وليّ الله مع الله كولد اللّبُؤة في جحرها ، أتراها تاركة ولدها لمن أراد اغتياله ؟ وقد جاء في بعض الأحاديث أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان في بعض غزواته ، وامرأة تطوف على ولدها رضيع ، فلمّا وجدته حنّت عليه ، وألْقمته الثدي ، فنظر الصحابة إليها متعجّبين ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « الله أرحم بعبده المؤمن من هذه بولدها » . ومن هذه الرحمة برز انتصار الحق لهم ، ومحاربة من عاداهم ، إذ هم حُمّال أسراره ، ومعادن أنواره ، وقد قال الله سبحانه وتعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا (4) وقال الله سبحانه لِمن آذى أولياءه : إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا (5) . غير أن مقاتلة الحق سبحانه لمن آذى أولياءه ليس يلزم أن تكون معجلة لقصر مدّة الدنيا عند الله ، ولأن الله لم يرض الدنيا أهلا لعقوبة أعدائه كما لم يرضها أهلا لإثابة أحبّائه ، وإن كانت معجلة فقد تكون قسوة في القلب ، أو جمودا في العين ، أو تعويقا عن طاعة ، أو وقوعا في ذنب ، أو فترة في الهمة ، أو سلب لذاذة خدمة . وقد كان رجل في بني إسرائيل أقبل على الله ، ثم أعرض عنه ، فقال : يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني ، فأوحى الله تعالى إلى نبيّ ذلك الزمان أنْ قل لفلان كم عاقبتك ولم تشعر . ألم أسلبك حلاوة ذكري ، ولذاذة مناجاتي ؟
قال ابن عطاء الله : وفائدة هذا البيان أن لا يحكم لإنسان آذى وليّا من أولياء الله تعالى بالسلامة إذْ لم ير عليه محنة في نفسه وماله وولده ، فقد تكون محنته أكبر من أن يطلع العباد عليها اهـ .
وقال ابن عطاء الله في لطائف المنن أيضا وصية وإرشادا : إيّاك أيّها الأخ أن تصغى إلى الواقعين في هذه الطائفة ، والمستهزئين لئلاّ تسقط من عين الله ، وتستوجب المقت . فإن هؤلاء القوم جلسوا مع الله على حقيقة الصدق ، وإخلاص الوفاء ، ومراقبة الأنفاس مع الله ، قد سلّموا قيادهم إليه ، وألْقُوا أنفسهم سلَماً بين يديه . تركوا الإنتصار لأنفسهم حياءً من ربوبيته لهم ، واكتفوا بقيّومِيته فقام لهم بأوْفى ما يقومون به لأنفسهم ، وكان هو المحارب عنهم لِمن حاربهم ، والغالب لمن غالبهم . ولقد ابتلى الله سبحانه هذه الطائفة بالخلق ، خصوصا أهل العلم الظاهر . فَقَلَّ أنْ تجِدَ منهم من شرح الله صدره للتصديق بوليّ مُعَيّن ، بل يقول لك : نعم نعلم إنّ الأولياء موجودون ، ولكن أين هم ؟ فلا تذكر له أحدا إلاّ وأخذ يدفع خصوصية الله فيه ، طلِق اللسان بالإحتجاج ، عاريا من وجود نور التصديق . فاحذر ممّن هذا وصفه ، وفِرَّ منه فرارَك من الأسد . جعلنا الله وإيّاك من المصدّقين بأوليائه بِمَنِّه وكرمه إنه على كل شيء قدير أهـ .
وفي عرائس البيان في حقائق القرآن عند قوله تعالى : لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (6)
أيّ لا يعجبنّك طواف المنكرين في البلدان لتطلب الفصاحة والبلاغة ، والتكلّف في الآداب والزينة طلبا لصرف وجوه الناس والرئاسة والحيل بأولياء الله ، فإن أحوالهم مزخرفات فانية يريدون بها إسقاط جاه الصدّيقين عند الخلق ، وأنا بجلالي في كل نفس رافع درجاتهم ، وأزيد في ملك ولايتهم ، رغما للمنكرين وإرغاما لأنوف المبطلين . قال : وأيضا لا يغرنّك ولا يفتننّك صحّة أبدانهم ، ولين عيشهم في العالم ، وتيسير إقبال الدنيا إليهم في البلاد بجاههم عند العامة ، فإنهم يحاربونني بإهانتهم أوليائي ، ومبارزتهم بعداوة أحبّائي ، فإن أيّامهم قليلة ، وحسراتهم كثيرة عند طلوع أنواري من شرق القيامة على وجوه أوليائي ، حيث قلتُ : وأشرقت الأرض بنور ربّها (7) ، أفضحُهم عند وضوح الكتاب ، وحضور الأنبياء والشهداء . قال : وهذا وعيد شديد لأهل زماننا .
وفيه أيضا ، عند قوله تعالى : رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (8) هذا وصف أهل الإنكار ، الساقطين عن طريق الحق ، يَوَدّون لو أنهم كانوا من المريدين ولم يكونوا من المنكرين ، وأن يكونوا من المجتهدين ولم يكونوا من الكسالى البَطِرِين ، وأن يكونوا من الراضين ولم يكونوا من الساخطين ، وأن يكونوا من المتوكّلين ولم يكونوا بتدابيرهم لأجْل الرزق من المتّهمين ، وأن يكونوا من العالِمين ولم يكونوا من الجاهلين ، ومن الموقنين لا من الشاكّين ، ومن العارفين لا من المقلّدين ، ومن الموحّدين لا من المدّعين ، ومن المخلصين لا من المُرائين . إلى أن قال : ثم سلّى قلبَ حبيبِه عن إنكارهم ، وطيَّبَ بخطابِه فؤادَه فقال : ذرهم يأكلون ويتمتعون ويلههم الأمل فسوف يعلمون (9) . قال : وصَفَ المنكرين بِشَرَهِ بطونِهم ، وشهوات فروجهم ، وأمل نفوسِهم ، لشبَهِهِم بالبهائم ، وجعلَهم أجهلَ منها بآمالهم ومنازغتهم بالمقادير ، لأن البهائم لا يكون لها الأمل ، فقال تعالى : أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ (10) ، فَهُمْ لا يعلمون حقائق فسادهم وجهلهم بالله وبأوليائه ، فسوف يعلمون ما أفسدوا من أيام الطاعات بالمخالفات عند معاينة العقوبة ، ووقوع الحسرة أهـ .
وفي العهود المحمّدية للشعراني
أنّ الشيخ سراج الدين والد شيخ الإسلام صالح البلقيني مرّ يوما على باب قوم فوجد زحمة هناك ، فقال : ما هذه الزحمة ؟ فقالوا له : شخص من أولياء الله تعالى يبيع الحشيش ، فقال : لو خرج الدجّال حينئذ في مصر لاعتقدوه من شدّة جهلهم . كيف يكون شخص حشّاشا من أولياء الله تعالى ؟ إنّما هو من الحرافيش ، ثم ولّى . فسُلِب الشيخ جميع ما معه حتى الفاتحة . فتنكّرت عليه أحواله ، وصارت الفتاوى تأتي إليه فلا يعرف شيئا ، ونسيَ ما قاله في حقّ الحشّاش . فمكث كذلك في مدرسته بِحَارَةِ بهاء الدين ثلاثة أيّام ، فدخل عليه فقير فشكا إليه حاله ، فقال : هذا من الحشّاش الذي أنكرتَ عليه ، فإن الفقير جلس هناك يتوّبُ الناس عن أكل الحشيش ، فلا يأخذها أحد من يده فيعود إلى أكلها أبدا حتى يموت ، فأَرْسِلْ واستغفرْ له يَرُدُّ عليك حالك . فأرسل له ، فبمجرّد ما أقبل الرسول أنشد :
نحن الحرافيش لا نسكن عوالي الدور     ولا نرائي ولا نشهد شهادة الزور
تقتع بلقمة وخرقة في مسجد مهجـور     من كان ذا الحال حاله ذنبه مغفور
فلو كنا عصاة ببيع الحشيش ما قدّرَنَا الله على سلب شيخ الإسلام . ثم قال له : أعطني أربعة خرفان معاليق شواء ، وأربعمائة رغيف ، وتعالى أجلس عندي ، كلّ مَنْ بِعْتُ له قطعةَ حشيش زِنْ له رطلا وأعطه رغيفا . فشَقَّ ذلك على شيخ الإسلام . فما زال به أصحابه حتى فعل ذلك ، وصار يَزِنُ لكلّ واحد رطلا ويعطيه رغيفا ، والشيخ يتبسّم ويقول : نحن نحلِّيهم في الباطن وأنتَ تحلّيهم في الظاهر ، إلى أن فرغ الرغفان . ثم قال له : إذهب إلى الديك الذي فوق سطح مدرستك ، واذبحه وكُلْ قلبَه يُرَدّ عليك علمُك ، فبالله عليك كيف تنكر على المسلمين بعلمٍ حمله الديك في قلبه . فمن ذلك الوقت ما أنكر البلقيتي على أحد من أرباب الأحوال أهـ .
ومن قبائح الإنكار على الأولياء أنّ المنكرين مقتفون آثار اليهود والمشركين والمنافقين ، فلا شك أن الله تعالى يعاقبهم بمثل ما عوقب به اليهود والمشركون والمنافقون لاتّصافهم بصفات المذكورين ، ومنها إيثارهم صحبة الفسقة الفجرة من العصاة المخالفين ، والملوك الظلاّم المعاندين ، ومنها أنهم يقولون أن الذي عليه الملوك والظلمة وأعوانهم هو الدين القيّم ، والصراط المستقيم ، وما عليه علماء الآخرة والكرام البررة ، الذين يدعون إليهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه هو الطريق المعوجّ السقيم ، ويزعمون أن ما عليه أهل العوائد الذميمة ، والبدع القبيحة التي توارثها من كان في الضلال القديم ، هو الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحزبه الصميم ، ومنها الداء العضال الذي صدّ اليهود عن اتّباع سيّد الوجود صلى الله عليه وسلم لخوف سقوط رئاستهم ، وهو الحسد ، قال تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِأَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . (11)
قال في عرائس البيان عند قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ (12)
وبّخ الله تعالى أهل ظاهر العلم الذين اختاروا الرئاسة ، وأنكروا على أهل الولاية ، وآثروا صحبة المخالفين ، يقبلون هواجس أنفسهم التي هي الجبت ، ويخطون آثار الطاغوت الذي هو إبليس أهـ .
قلت : ولهذا قال الشعراني رضي الله تعالى عنه :
أُخِذَ علينا العهدُ العام من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن لا نمكّن أحدا ممّن صحبنا من الولاّة لهذا الزمان وانقاد لنا أن يشقّ على رعيّته ويجور عليهم ، أو يغشّهم ، أو يحتجب عنهم ، أو يغلق بابه دونهم . ثم ذكر أنّ هذا العهد لا يقدر على إنفاذه إلاّ أكابر العلماء والصالحون المتعفّفون عمّا بأيدي الظلَمَة والولاّة ، الذين ليس لهم عند الولاّة بِرّ ولا إحسان ولا جوار ولا مسموح ولا مرتّب على بساط السلطان ونحو ذلك ، فإنّ هؤلاء ربّما سمع لهم الولاّة .
ثم قال : إنّ من يأكل من أموال الملوك والظلَمَة ، ويَقبَل صدقاتِهم وبرّهم ولو بلا سؤال ، فلسانه أخرس ، وعينه عمياء ، وأذنه صماء ، قهرا عليه لا يقدر على أن يكلمهم بكلمة .
ثم قال : وقد قَلَّ العالم العفيف أو الصالح .
ثم قال : إن هذا النوع في الصالحين والعلماء أقلّ من القليل ، وربما نهوا أحدا من الولاّة أو أمروه بمعروف فقام لهم عند الولاّة علاقة وقد صار خصما لهم ، حتى كأنّ الذي أمر بالمعروف هو الذي فعل المنكر .
ثمّ قال : ومَن شكّ في قولي هذا فليُجَرِّب ، فإن أهل الشرّ قد غلبوا على أهل الخير ليقضي الله أمرا كان مفعولا .
ثم قال : وإذا غلب أهل الله عن إقامة الدين فلا لوم عليهم .
ثم قال : بل أقول أنه لو أراد الأئمة الآن أن يعدلوا في رعيّتهم لا يقدرون لعدم استحقاق رعيّتهم الرحمة بهم . فغلبة الظلم والجور مركّبة من الظلَمَة ورعيّتهم ، وما بقيَ يُرجي لهم تنفيس حتى يخرج المهدي عليه السلام .
ثم قال صاحب العرائس :
وقال سهل بن عبد الله : رأس الطواغيت نفسك الأمّارة يالسوء .
وقال بن عطاء الله : أَعْطُوا الكتابَ حجّةً عليهم لا كرامة لهم ، قال بعضهم الجبت والطاغوت هيكلك . وقال تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (13) ، أخبر الله تعالى على حسدة الأولياء الذين يرون لباس الهيبة والوقار على الصدّقين وهُمْ يعظَّمون به في عيون الخلق ، وهم يحسدون به وبكراماتهم و ولايتهم ، فإذا ذكر الخلق أوصافهم يدفعونها بالإنكار عليهم . وفضلُ الله معرفتُه وكراماتُه ، وقد قال بعضهم : الفضل ههنا الكرامات والولايات والمشاهدات ، ويكذّبون صاحبها ولا يعظّمونه . وقال عند قوله تعالى : يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ : (14) يعرفون أولياء الله بالبراهين الساطعة ، والآيات الواضحة ، والفراسات الصادقة ، ولكن لم يعرفوهم بحقيقة المعرفة من حيث التوفيق والسعادة ، وينكرونهم حسدا وبغيا وعدوانا وظلما ، وطلبا للرياسة والجاه وأكثرهم الكافرون ، يسترون ولاية أوليائه ، وآيات أصفياه . قال : وفي الآية توبيخ علماء السوء ، والقرّاء المداهنين . وضعوا شبكة الرياء والسمعة ليصطادوا بها الجهّال ، ويوبّخوا عندهم أحبّاء الله تعالى ليصرفوا وجوه الناس إليهم ، يخونون الله والله لا يهدي كيد الخائنين ، يعلمون الحقّ وينكرونه . قال : وأيّ شقيّ أشقى ممّن رأى منهم ألف كرامة صادقة ثم يشترون بها وبإنكارها رئاسة الدنيا عند العامة .
ومنها صدّ الناس عن صحبة أهل الصلاح والولاية ، قال في العرائس عند قوله تعالى : وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (15) :
حذّر أولياءه عن المشابهة بهؤلاء المرائين الذين يخرجون من دورهم وزواياهم الخبيثة بألوان زيّ السلوسين ، ويتبخترون فيها مِن فرحهم بالجاه عند الظالمين الذين لا يعرفون العدوّ من البّر ، وهم كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا ، ويدفعون أهل الإرادة من صحبة الأولياء لتسعير أسواقهم ، وترويج نفقاتهم ، حتى يجتمعون عليهم ، ويبجّلون في أعين الخلق ، أهلكهم الله تعالى في أودية قهره . ثم وصفهم بأن الشيطان يزين قبائح أعمالهم في أعينهم في قوله تعالى : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ . (16)
ومنها التطبّع بطبيعة أهل النفاق ، والتخلق بخلقهم ، وهو التآمر والتواصي بإيذاء أولياء الله تعالى وصالح عباده . قال في العرائس عند قوله تعالى : الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ (17) :
أخبر الله سبحانه طينة أهل النفاق في وقت مباشرة قهره فيها بعضها من بعض ، فيأمر بعضهم بعضا بمخالفة الله تعالى و مخالفة رسوله في إذائهم أولياء الله . قال أبو بكر الوراق : المنافق يستر المنافق عليه عورته ، والمؤمن مرآة المؤمن ، يبصِّره بعيوبه ويدله على سبيل نجاته .
ومنها اتّخاذ علماء السوء ، وأباطيلهم التي كانوا عليها ، حجّة على ترك اتّباع علماء الآخرة ، ويزعم بعضهم أنه من المشايخ الواصلين الذين بلغوا في الولاية كل مبلغ ، ويريدون بذلك إسقاط أهل الله مع أنهم لا يزيدهم الله بذلك ، وكذا مَنِ تبعهم إلاّ ضلالا وبعدا و هلاكا ، لأنهم : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ . (18) قال في العرائس ، عند قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُم أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا (19) :
قال بعضهم في هذه الآية : سكنوا إلى أمثالهم ، وطلبوا الحق من غير مضانّهِ ، وطرق الحق واضحة لمن كُحِّل بنور التوفيق ، وبصر سبيل التحقيق ، ومن عمى عن ذلك كان مطرودا عن طريق الحق إلى طريق الضالين من الخلق وقد وقع أنهم معيّرون وموبّخون بِقِلة عرفانهم أهل الحقائق ، وركنونهم إلى أهل التقليد ، وسقطوا عن منازل التوحيد في الفريد ، وهكذا شأن من اقتدى بالزوّاقين من أهل السلوس ، المتزيّين بِزَيِّ المشايخ والعارفين المتحققين ، وتخلّق بخُلُق الجامعين للدنيا الذين يقولون نحن أبناء المشايخ ، ونحن رؤساء الطريقة ، يُضحِك الله الدهرَ بلحاهم حيث علموا أنّ الولاية بالنسب حاشا من لم يذق طعم وصال الله وقلبه معلق بغير الله تعالى من أولياء الله تعالى . قال الجنيد : إذا أراد الله تعالى بالمريد خيرا هداه إلى صحبة الصوفية ، ووقاه من صحبة القراء . ولو اشتغلوا بشأنهم وجمع دنياهم ، ولم يتعرضوا لأولياء الله تعالى ، ولم يقصدوا إسقاط جاههم ، يكفيهم شقاوتهم ، لا سيما ويطعنون في الصديقين والعارفين ، قال : قال الله تعالى في شأنهم : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ (20) ، كيف يطفئون بنور حسبانهم أنوار شموس الصفات التي تبرز من جاه وجوههم ، ولآلئ خدودهم ، وأصلها ثابت في أفلاك الوحدانية ، والسماوات القيّومية ، ويزيد نورهم على نور لأنه تعالى بلا نهاية ، ولا نهاية لصفاته أهـ .
ولا شك أنّ من شدّ على هذه الصفات باطنه وداوم عليها يجازيه الله تعالى بقساوة القلب ، واستحلاء المعاصي ، وإزدراء المنتسبين إلى عظيم جناب الله وإيذائهم ، فيبتليه بسوء الخاتمة ، والموت على الكفر ، نسأل الله تعالى السلامة والعافية دينا ودنيا وبرزخا وأخرى بِمَنِّهِ وكرمه . قال في العرائس ، عند قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ (21)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ (22) ، مَن كُشِف له من مقامات الأولياء شيء وصدّق به ، وآمن بأحوالهم وكراماتهم ، ثم كذّبهم وارتدّ على إيمانه بهم بسبب ، أو علّة ، أو فرارا من مجاهداتهم واجتهادهم ، وضيق رسومهم ، ثم ازدادوا كفرا بإقامتهم على إنكارهم ، وشروعهم في إيذاء الأولياء والمريدين وأهل الرغائب . قال : والإشارة فيه إلى أنّ هؤلاء الذين وقعوا في عاهة الإنكار وبَلِيّةِ الجحود ، وبعد شهودهم أثار الغيب في مشاهد البيان ، وأنسوا به وألفوهم ، ثم عميت أبصار قلوبهم عن مشاهدة الآخرة ، وصمّت آذان أسرارهم عن خطاب الحق في مواطن الغيب ، وصَدَتْ عقولهم بِرَانِ الجهالة ، وعصت نفوسهم خالق الخلق بهجومها في غلطات الكِبْر والرعونة ، وخَبَثْ أخلاقهم من شوائب الشهوات ، وكدرتْ أرواحهم من اقتحامهم في العُجب والرياء والكبر ، وأبغضت الأولياء ، لم يقبل الله توبتهم لأنهم ذاقوا حلاوة الرياء والسمع ، وآثروا حظوظ الدنيا على صحبة أهل المعرفة ، وركنوا إلى صحبة الأضداد ، ومالوا عن بساط الحرمة إلى عرضة المخالفة . ومَنْ هذه أحوالُه فتوبته لا تستقيم ، وأوبته لا تدوم ، لغلبة الشهوة على قلبه ، وكثرة الفترة على بدنه ، لا تلصق فيه نصيحة ، ولا تؤثّر فيه شفقة ، ولا ينتظم شمله . بطرت نفوس هؤلاء الشهوات ، واسودت قلوبهم من الشهوات ، جزاهم الله تعالى بإبعادهم عن حضرة الوصال ، ومشهد الجمال ، وهو قوله تعالى : لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ (23) عن طريق الحقائق والمعارف والكواشف ، وأسبل الله على قلوبهم غطاء القهر حتى لا يروا أنواع عجائب كرامات الأولياء ، ولا يقام لهم عند الله يوم القيامة وزن وإن كثرت صلاتهم وصيامهم وصدقاتهم ، قال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَمِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ (24) أهـ .
وقال ، عند قوله تعالى : وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ (25) :
آيات أنبياؤه وأولياؤه ، وهم أعظم الآيات ، إذ تجلى الحق من وجوههم بنعمة العزة والكبرياء للعالمين ، وأيّ منكر أعظم ممن ينكر هذه الآيات الساطعة ، والبراهين الواضحة . قال سهل : أظهر آياته في أوليائه ، وجعل السعيد مِن عباده مَن صَدّقهم في كراماتهم ، وأعمى أعين الأشقياء عن ذلك ، وصرف قلوبهم عنهم .
ثم قال ، عند قوله تعالى : سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ (26) ، بيّنَ الله سبحانه أنه لا ينفع إيمان المنكرين أنبياءه وأولياءه عند معاينة جزاء إنكارهم ، فإنه بجلاله وعزّته منتقم لأوليائه من أعدائه أهـ .
وقال ، عند قوله تعالى : فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (27) ، فلما أقاموا على دعاويهم الباطلة ، وكلماتهم المزخرفة ، وبِدَعِهم الباردة ، وأصرّوا على إيذاء أوليائنا وأحبّائنا ، غضبنا وسلّطنا عليهم جنود قهرنا ، وأمَتْنَاهم في أودية الجهالة ، وأغرقناهم في بحار الغفلة ، وجرّدنا قلوبهم عن أنوار المعرفة ، وطمسنا أعين أسرارهم حتى لا يرَوْا لطائف برّنا على أوليائنا أهـ .
وقال ، عند قوله تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا (28) ، ثم إن الله سبحانه ذكر أنّ عرائس خطابه ، ولطائف كلامه لا تنكشف لمن رأى قيمة نفسه في جناب الأزلية ، وميادين الربوبية بقوله سأصرف ، سأمنع عن آياتي الذين يتكبّرون في الأرض عن إدراك حقائق خطابي ، وفَهْم لطائف معاني كلامي ، الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ، المدّعين المعجبين بشأنهم ومزخرفاتهم بمجاراتهم كلام الدعاوي الباطلة بغير الحق لأنهم منكر و كرامات أوليائي ، وآيات أصفيائي . ثم وصف حالهم في تضاعيف الآية بقوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا (29) ، ثم زاد مباعدتهم عن باب التوفيق ، ووجدان رشد الطريق بقوله : وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا (30) ، لو تبيّن ألف طريق من طرق الأولياء إلى الله تعالى لا يبتغونها سبيلا لحرمانهم عن مصادفة الحق ، وإن ظهر لهم طريق الدعاوى في متابعة الشهوات اتّبعوه وجعلوه سبيل الحق ، لأن سجيتهم الضلال . إنتهى .
وقال : قال سهل في قوله : سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض (31) ، وهو أنْ يحرمهم فَهْمَ القرآن والإقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم أهـ .
قلتُ : والتكبّر في الأرض بغير الحقّ وصْفٌ لازمٌ للمنكرين ، ولو لم يعاقب الله المنكرين على السادات الأولياء الأخيار إلاّ بما ذكر في هذه الآية لكان كافيا ، محذّرا عن الإنكار لكل من كان موفّقا من أهل الإعتبار ، لكن ما أصابهم ما قاله مولانا سبحانه وتعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ (32) . قال في عرائس البيان :
الله سبحانه عجّز خواطرَ الجهلة عن إدراك العلوم المجهولة عند أكثر الخلق ، المعروفة عند أهل المعرفة ، تنطق بها ألسنة الروحانيين والملكوتيين ، ومن الصفات والذات ، فلما لم يكونوا من أهل الخطاب كذّبوا حقائق الخطاب الذي جرى على لسان الأولياء والصديقين والأنبياء والمقربين . قال : وهكذا عادة المفلسين والمنكرين كرامات أهل المشاهدات ، وفراسة أهل المكاشفات ، لجهلهم وغرورهم وقياساتهم الفاسدة . قال تعالى : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (33) ، يسمعون حقائق كلمات القوم التي هي مخبرة عن حقائق أسرار الغيب ويسمّونها طامّات ، ياليتهم لو يشمّون مِن ألف فرسخ رائحتها لطاروا من الفرح بوجدانها ، لكن ما خلقوا لقبول الحقائق . قال : قال بعضهم : كذّبوا أولياء الله تعالى في براهينهم لمّا حُرِموا ما خُصّ به القوم ، والمحروم من حُرِم حظّه من قبولهم وتصديقهم والإيمان بما يظهر الله تعالى عليهم من أنواع الكرامات . قال : قال أبو تراب النخشي : إذا بعدت القلوب عن الهب تعالى مقتت القائمين بحقوق الله تعالى أهـ . وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : الناس أعداء لما جهلوا أهـ .
وفي الأنوار القدسية :
وحكى الشيخ محمد الطخيخي ، عن إمام جامع سماقود ، أن شخصا كان ينام في المحراب في ثياب وسخة ، فكان كلّما أراد أن يقف في المحراب يجده نائما فيه ، فسمّاه عجل المحراب . فجاء الإمام يوما ، فغمزه برجله في خدّه ، فقام وعيناه كالدم الأحمر ، فمسك الإمام ودفعه في المحراب ، فوجد نفسه في أرض قفراء وعرة ، فتقرحت رجلاه من المشي ، فقطّع عمامته ولف منها على رجليه فلما تعبت تراءت له شجرة فقصدها ، فإذا عندها عين ماء ، وإذا بأثر أقدام توضأت وذهبت ، فتبع الآثار فوجد جماعة كثيرة في عطف جبل ، وإذا بالرجل الذي كان ينام في المحراب هو شيخ الجماعة ، وعليه ثياب نظيفة ، فالتفت إلى أصحابه وقال : هل رآني أحد منكم يوما وأنا عجلُ بقرٍ ؟ فقالوا : لا ، فقال : قولوا لهذا الإمام استغفر الله وأتوب إليه ، فأشار الشيخ إلى واحد من الجماعة يدفعه إلى جامع سماقود ، فقام فدفعه فوجد نفسه خارجا من حائط المحراب والناس ينتظرونه في صلاة العصر ، فأخبرهم بالقضية وأن تلك الأرض القفراء مسافتها سنة كاملة من مصر أهـ .
وحكى الشيخ الصالح أحمد بن الشيخ الشربيني : أنه كان مجاورا بمكة ، فاشتاق إلى زيارة والدته بشربين وليس معه دراهم يكري بها ، ولا ركب يسافر إلى مصر . فبينما هو كذلك إذ وجد رجلا مبتلي بالمسعى ينكر عليه أهل مكّة أشد الإنكار ، ففاجأه بالكلام وقال : تريد تروح إلى أهل مصر ؟ فقال : نعم ، فدفعه ، وإذا به على باب شربين . هذه حكايته لي ، وأخبرني : أنه كان صاحب الشفاعة لأهل موقف عرفة سنة ثلاثة وعشرين وتسعمائة من الهجرة .
وحكى الشيخ نور الدين الشنواني : أن شخصا من قنطرة الموسكى كان مكاريا يحمل النساء من بنات الخطأ ، وكان الناس يسبّونه ويصفونه بالتعريص ، وكان من أولياء الله تعالى لا يُركِب امرأة قط من بنات الخطأ وتعود إلى الزنا أبدا . فقال له الشيخ نور الدين : بِمَ وصلت هذه المنزلة ؟ قال : باحتمال الأذى .
وقال بعد كلام : وسمعته ، يعني الشيخ عليّا الخواص ، يقول : إن الله تعالى أعطى أرباب الأحوال في هذه الدار التقديم والتأخير والتولية ، والعزّ والقهر ، والتحكّم على الله تعالى الذي هو الإدلال عليه ، ونفوذ الأمر في كل ما أراده من الأمور ، فإيّاكم والإنكار على أحد إلاّ بعد التوجّه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليحفظكم من ذلك وإلاّ فربّما مُقِـتُمْ فهلَكْـتُمْ أهـ .
قلتُ : وأين أنت من هذا التوجّه ، فسلّم تسلم .
وقال في كتاب اليواقيت :
وقد كان الشيخ سراج الدين المخزومي، شيخ الإسلام بالشام ، يقول : إيّاكم والإنكار على كل شيء من كلام الشيخ محي الدين فإنّ لحوم الأولياء مسمومة ، وهلاك أديان مبغضيهم معلوم ، وبعضهم تنصّر ومات على ذلك . ومن أطلق لسانه فيهم بالسبّ ابتلاه الله بموت القلب .
وكان أبوعبد الله القرشي رضي الله عنه يقول : من غضّ مِن ولي لله تعالى ضرب في قلبه بسهم مسموم ، ولم يمُتْ حتى يفسد معتقده ، ويُخَافُ عليه من سوء الخاتمة . وقال فيه أيضا : وكان الإمام ابن أسعد اليافعي يقول : أن حكم إنكار هؤلاء الجهلة على أهل الطريق حكم ناموسة نفخت على جبل تريد أن تزيله عن مكانه بنفختها ، ومن عادى أولياء الله تعالى فكأنما عادى أنبياء الله ، وإن كان لم يبلغ حدّ التكفير الموجب في النار أهـ .
وفيه : سُئل الإمام محي الدين النووي عن الشيخ محي الدين بن عربي فقال : تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ، ولكن الذي عندنا أنّه يحْرُم على كل عاقل أن يسيء الظنذ بأحد من أولياء الله عزّ وجلّ ، ويجب عليه أن يؤوّل أفعالهم وأقوالهم ما دام لم يلحق بدرجتهم ، ولا يعجز عن ذلك إلاّ قليل التوفيق .
وقال في شرح المهذب : إذا أوّل فليؤول كلامه إلى سبعين وجها ، فإن لم يقبل كلامهم تأويلا منها فليرجع على نفسه باللوم ويقول لها : يحتمل كلام أخيك سبعين وجها ولا تقبلين منه تأويلا واحدا ، وما ذلك إلا تعنّت أهـ .
وقال في رسالة الأدب : وبالجملة ، فكثر البحث والجدال ، وعدم التسليم لكل شيء لا يخرج على الإجماع ، تعمي قلب العبد ، وتخرجه عن محلّ القرب إلى محلّ الطرد ، وكان الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه كثبرا ما يقول : الإنكار ركن عظيم من أركان الشرك والنفاق لأنّ أصل الكفر عدم التصديق ، فهو في حقّ النبي صلى الله عليه وسلم كفر ، وفي حقّ التابع له صلى الله عليه وسلم نفاق ، فللتابع حقّ كما للمتبوع حقّ إذ العين الممدّدة واحدة . فالإنكار بالظن والوهم كلّه مذموم .
وقال بعد كلام : ولذلك طال الطريق إلى الله تعالى وإلى معرفة حضراته وحضرات أسمائه وصفاته على أهل الإنكار والجدال .
ثم قال بعد كلام : وقد كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه يقول : ليس الكامل من الرجال من يوصل كلّ يوم ألفا من العوام ، وإنما الكامل من يوصل فقيها كثير الجدال في مائة عام .
قال بعد كلام : فالواجب على كلّ من أراد تقريبه إلى حضرات القرب من الحق تعالى ، ورسله وأوليائه ، أن لا يبحث ولا يجادل في كلامهم ، بل يُقْبِل على العمل بكل ما أمروه ، ويقبله قبول العبد الصالح ، لا سيما كلام أرباب الأحوال ، فإنّ حالهم من أغرب الأمور ، والإنكار على أحوالهم سمّ ساعة .
ثم قال في موضع آخر ، بعد كلام : وكان سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله تعالى عنه يقول : أولى الناس بالمقت عالم فاجر كثير الجدال ، لا يرى غير زعمه ، ودعاوى وهمه ، إن تكلّم جار ، وإن سكت جار . وكان رضي الله عنه يقول : من علامة أهل الطرد عن حضرة الله تعالى أن لا تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله . وذَكَرُوا بين يديه واحدا من علماء عصره وأثنوا عليه ، فقال : دعونا من ذكر أهل الطرد ، قالوا : كيف يا سيدي وهو من علماء الإسلام ؟ قال : ليس له من العلم إلاّ الإسم ، فقالوا : كيف ؟ فقال : هل رأيتم محبّا لله عزّ وجلّ يثقل عليه تكرار اسم محبوبه ، ويضيق صدره إذا أمِر بذلك ؟ فقالوا : لا ، فقال : لا أشقّ على الواحد منهم أن يقال له أترك درسك في النحو واللغة ، أو في هذه المسائل التي لا تعرف لها دليلا من الكتاب والسنة ، وتعال نذكر الله عزّ وجلّ ساعة ، وقد قال تعالى : « أنا جليس من ذكرني » ، فكل من لم يقدر على المجالسة مع الله تعالى فهو مطرود عن حضرته ، فقالوا : يا سيدي ، إشتغالهم خير على كل حال ، قال : صحيح ، ولكن كلامنا في أهل حضرة الله عزّ وجلّ لا في حضرات أحكامه ، وفرق بين مشهوده ذاته وبين مشهوده أسماؤه وصفاته ، فإن أحدهم يموت وهو مع أصحاب الأحكام من الخلق لا يشهد الحق إلا عند موته ، بخلاف من يشتغل باسم الذات ، فلا يزال يذكر حتى يجتمع بصاحب الإسم ، إذِ الإسم لا يفارق المسمّى ، بخلاف الأحكام .
وقد طلب الشيخ فخر الدين الرازي الطريق إلى الله تعالى ، فقال له الشيخ نجم الدين البكري : لا تطيق مفارقة صنعك الذي هو علمك ، فقال : يا سيدي لا بد إن شاء الله تعالى . فأدخله الشيخ الخلوة ، وسلبه جميع ما معه من العلم ، فصاح في الخلوة بأعلى صوته : لا أطيق ، فأخرجه وقال : أعجبني صدقك ، وعدم نفاقك ، ولكن أنت صرت من معارفنا فاعلم ذلك وأنت أعلم بنيتك أهـ .
وفي العهود المحمدية
أخبرني سيدي عليّ الخواص أن شخصا من القضاة كان يؤذي سيدي إبراهيم المتبولي وينكر عليه ، وكان القاضي سيّئ الخلق . فلما مات تصور سوء خلقه كلبا أسود ، فجلس على نعشه والناس ينظرون إلى أن نزل معه في القبر أهـ .
وفي حياة الحيوان للدميري ، عند ذكر الذباب : وفي تاريخ ابن خلكان ، في ترجمة الإمام يوسف بن أيوب بن زهرة الهمداني الزاهد ، صاحب المقامات والكرامات والأحوال الباهرات ، أنه جلس يوما للوعظ فاجتمع إليه العالم فقام من بينهم يعرف بابن السقاء وأتاه وسأله عن مسألة ، فقال له الإمام يوسف : إجلس فإني أجد من كلامك رائحة الكفر ، ولعلك تموت على غير دين الإسلام . فقدِم رسول ملك الروم إلى الخليفة ، فخرج ابن السقاء مع الرسول إلى بلاد القسطنطينية ، فتنصّر ومات نصرانيا . وكان ابن السقاء قارئا للقرآن ، مجوّدا في تلاوته . وحكى من رآه بالقسطنطينية قال : رأيته مريضا ملقى على دكان ، وبيده مروحة يدفع بها الذباب على وجهه ، فقلت : هل القرآن باق على حفظك ، قال : ما أذكر منه إلا آية واحدة ، وهي : رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (34) والباقي نسيته أهـ . نعوذ بالله من سخطه وخذلانه ، ونسأله حسن الخاتمة .
قال : فانظر يا أخي كيف هلك هذا الرجل وخذل بالإنتقاد وترك الإعتقاد ، نسأل الله السلامة . فعليك يا أخي بالإعتقاد وترك الإنتقاد على المشايخ العارفين ، والعلماء العاملين ، والمؤمنين الصالحين ، فإنّ حرابهم مسمومة ، فقلّ من تعرّض لها وسلِم ، فسلِّم تسلم ، ولا تنتقد فتندم ، وإقتدِ بإمام العارفين ، ورأس الصدقين ، وعلامة العلماء العاملين في وقته ، الشيخ محي الدين عبد القادر الجيلاني لمّا عزم على زيارة الغوث بمكة وقال رفيقاه : ما نالنا ؟ فقال : أما أنا فذاهب على قدم الزيارة والتبرك لا على قدم الإنكار والإمتحان ، فآل أمره إلى أن قال قدمي هذه على ركبة كل ولي لله تعالى ، وآل أمر رفيقه إلى الكفر وترك الإيمان بالإتقاد وترك الإعتقاد كما اتّفق في هذه الحكاية ، وآل أمر الآخر إلى اشتغاله بالدنيا ، وترك خدمة المولى بقلّة التوفيق ، نسأل الله التوفيق والهداية والأمانة على الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، والإعتقاد الحسن في أوليائه وأصفيائه ،بجاه محمد وآله أهـ . كلام الدميري .
وقال أبو المواهب التونسي : إحذروا من قولكم ذهب الأكابر والصادقون من الفقراء ، إنهم ما ذهبوا حقيقة وإنما هم ككنز صاحب الجدار ، وقد يعطي الله من جاء في آخر الزمان ما حجبه عن أهل العصر الأوّل ، فإن الله تعالى قد أعطى محمدا صلّى اله عليه وسلّم ما لم يُعطِ للأنبياء قبله ، ثم قدّمه في المدح عليهم . ويا لله العجب في كثير من المتفقّهة ! ينكرون ما أجمع عليه الأولياء ، ويصدّقون بما وصل إليه على لسان فقيه واحد ، وربما كان استناده في ذلك القول إلى دليلٍ قياسُه ضعيف أو إلى شذوذٍ من القول ، ما ذاك – والله - إلاّ لغلبة الحرمان ! ثم هو مع إنكاره ، إذا صادفه همّ أو مصيبة ، يأتي إلى قبورهم فيحملهم الحملة دون الفقيه الذي صدّق قوله وقدّمه عليهم ، وكان الأمر باالعكس . فإيّاك يا أخي أن تُحرَم احترام أصحاب الوقت فتستوجب الطرد والمقت ، فإنّ من أنكر على أهل زمانه حُرِم بركة أوانه أهـ .
وقال في عرائس البيان في حتائق القرآن ، عند قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (35)
وصف أهل التردد في سلوك سبيل الأولياء ، والإيمان بهم وبأحوالهم حين هيج الله رغبتهم إلى رئاسة القوم، وشرفهم عند الخاص والعام ، آمنوا رسما ولا استعدادا ، فلما جنّت عليهم ظلمات المجاهدات لم يحتملوا ، وأنكروا عليهم ، ورجعوا إلى حظوظ أنفسهم . فإذا سمعوا إنكار الخلق على ترددهم ، ورأوا مهابة الأكابر عندهم ، آمنوا بعد ذلك رسما لا حقيقة ، فلما لم يصلوا إلى شيء من مقامات القوم وكراماتهم ، إرتدوا وصاروا منكرين على القوم وعلى مقاماتهم ، وازداد إنكارهم حين رجعوا إلى اللذات والشهوات ، واختاروا الدنيا على الآخرة ، ويقولون عند الخلق أن هؤلاء ليسوا على الحق ، ويطعنون فيهم ويقعون في تمزيقهم وغيبتهم ، حتى تضيق صدور القوم عليهم ، وإن الله سبحانه ينتقم منهم بأن يشغلهم بجمع المال والرئاسة ، ولا يرشدهم بعد ذلك إلى سبيل الرشاد ، ويبقى على وجوههم سمات الخسران ، ويتحرقون غدا في وسط النيران ، وهذا وصف أهل زماننا من المنكرين أهـ .
والله تعالى الموفّق بِمَنّه للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة الأحزاب ، الآية 57 .
  2. سورة الطلاق ، الآية 3 .
  3. سورة الروم ، الآية 47 .
  4. سورة البقرة ، الآية 258 .
  5. سورة الحجّ ، الآية 38 .
  6. سورة أل عمران ، الآيتان 196 ـ 197 .
  7. سورة الزمر ، الآية 69 .
  8. سورة الحجر ، الآية 2 .
  9. سورة الحجر ، الآية 3 .
  10. سورة الأعراف ، الآية 179 .
  11. سورة النساء ، الآيات من 51 إلى 54 .
  12. سورة النساء ، الآية 51 .
  13. سورة النساء ، الآية 54 .
  14. سورة النحل ، الآية 83 .
  15. سورة الأنفال ، الآية 47 .
  16. سورة الأنفال ، الآية 48 .
  17. سورة التوبة ، الآية 67 .
  18. سورة التوبة ، الآية 32 .
  19. سورة التوبة ، الآية 31 .
  20. سورة التوبة ، الآية 32 .
  21. سورة آل عمران ، الآيتان 90 ـ 91 .
  22. سورة آل عمران ، الآية 90 .
  23. سورة آل عمران ، الآية 90 .
  24. سورة آل عمران ، الآية 91 .
  25. سورة غافر ، الآية 81 .
  26. سورة غافر ، الآية 85 .
  27. سورة الزخرف ، الآية 55 .
  28. سورة الأعراف ، الآية 146 .
  29. سورة الأعراف ، الآية 146 .
  30. سورة الأعراف ، الآية 146 .
  31. سورة الأعراف ، الآية 146 .
  32. سورة يونس ، الآية 39 .
  33. سورة الأحقاف ، الآية 11 .
  34. سورة الحجر ، الآية 2 .
  35. سورة النساء ، الآية 137 .