البحث في نفحات7

 نفحات7 - تحقيقات - دروس الدعم بين الفرض والرفض
الرّئيسيـة > تـحـقـيـقـــات > دروس الدعـم بـيـن الـفــرض والـرفــض

بقلم الأستاذة: نزهة القلوب التجاني 10/05/2018

المدرسة تعتبرها آفة، والأولوياء يعتبرونها ضرورة


دروس الدعم هي إحدى المشاكل التي تواجه التعليم في مجتمعنا. فبالاضافة الى أنّها ترهق جيوب الأولياء ماديّا، فإنّ لها تأثيرا سلبيا في العملية التعليمية ، ذلك أنها تقلل من ثقة الطالب بنفسه وتدفعه دفعا نحو عدم الاعتماد على شرح المعلّم في المدرسة. تلك هي النظرة التربوية والمجتمعية السائدة تجاه دروس الدعم. لكن هناك وجهة نظرٍ أخرى يتبنّاها البعض في المقابل، ويبدو أنّ عدد هؤلاء غير قليل، حيث أنّ هناك من ينظر إلى الظاهرة باعتبارها ضرورة تعليميّة في بعض الأحوال بحيث يطلبها الطلاّب أو يدفعهم الأهل نحوها دفعا إليها من منطلق الحرص على مصلحتهم وضمانا لتحصيلهم أعلى مستوى دراسي ممكن - حسبهم -.
وفي هذا التحقيق نستطلع بعض الأراء حول هذه الظاهرة، ومن خلال مناقشتنا مع بعض العيّنات من مختلف شرائح المجتمع، مِن طلبةٍ مواضبين على دروس الدعم عبر محيطنا، ومع بعض الأولياء - الأمّهات خاصّة - وأساتذة، حول: إستطعنا أن نأخذ فكرة عن واقع الظاهرة .. حيث تقول إحدى الطالبات، ( سنة 2 ثانوي ) أنّ مايجعلها تلجأ الى دروس الدعم هو شعورها بالخوف والقلق عن مصيرها آخر السنة. ونحن في هذه الأيّام في فترة فروض تقول: فهذه الدروس تعينها على فهم الدروس التي يصعب عليها استيعابها مؤكدة أنّ أهلها لا يعارضون فكرة دروس الدعم ما دامت في مصلحتها وتعينها على رفع مستواها الدراسي، خاصّة أنّ أستاذ الدعم يتأنّى في الشرح فضلا عن تبسيط المعلومات وتفهيمها بالشكل الصحيح، وهذا الذي لا يتحلّى به الأستاذ في القسم الذي همّه الوحيد إنهاء المقرّر قبل موعد الامتحانات الأخيرة. في المقابل، تقول التلميذة لميس، ( بقسم السنة الرابعة متوسط )، أنّ مايجعل التلميذ يلجأ إلى دروس الدعم بسبب أنه يعيش في ظروف غير مواتية لا توفّر له الأجواء المناسبة ليدرس بتركيز حتّى يضطرّ للاستعانة بدروس الدعم.
على الرغم من كونها أستاذة لغة عربية إلاّ أنّ السيدة ( ش ت ) تفضّل أن تتحدّث عن الظاهرة من وجهة نظر الأمّ، حيث تقول أنّ الأمّ عندما تكتشف تراجع مستوى إبنها، سواء من خلال علاماته أو أثناء قيامها بمتابعته في دروسه، فإنّها تصبح على قناعة تامّة بأنّ ابنها لا يكتفي بشرح المعلم داخل القسم، وأنه من الضروري أن تدعمه بهذه الدروس. وتضيف أنّ الأم هي مَن تقوم عادة بهذا القرار. وتؤكّد أنْ تكون الاستعانة بدروس الدعم في بعض المواد فقط التي تصعب على التلميذ. هنا تكون ضرورة ملحة، عكس مانراه اليوم أنّ التلميذ يأخذها في كلّ المواد.
تتّفق معها السيدة أمُّ أيمن في الشق الأخير، التي تعتبر دروس الدعم حالة استثنائية تفرضها ظروف معيّنة، ولا يسمح بها الأهل الاّ من أجل تعزيز معلومات التلميذ وتقويته في المراحل الدراسية المهمة ( شهادة التعليم المتوسط أو الباكلوريا )، وتقول أنّ أغلبية العائلات يستعينون بمعلمي الدعم حتى لا يشعروا بالتقصير تجاه أبنائهم بسبب انشغالهم عنهم. كما أنّ مِن أهمّ الأسباب، حسب ما أراه، أنّ محترفي دروس الدعم لديهم قدرة على توّقع وتخمين أسئلة الامتحان، وبالتالي يلجأ الأولوياء إلى زج أبنائهم في أقسام الدعم للحصول على علامات مرتفعة، وهذا مايوّلد لديهم روح الإتكالية.
وتقول الأستاذة ( حبيبة . خ )، أستاذة لغة عربية بالطور المتوسط، كلمةً مقتضبةً بكلّ صراحة: " مدرّسو الدعم أحدثوا لنا خلطا وصاروا يعيقوننا في تأدية رسالتنا، فالكثير من هؤلاء يشرحون للتلاميذ الدرس مسبقا ( من وجهة نظرهم ) قبل أن نصل إليه في الفصل، ما يجعل التلميذ يعتبر شرح معلّم الدعم أمرا لا يمكن الرجوع عنه. فتغيير مفهوم خاطئ رسخ في عقل التلميذ أمرٌ مرهق ".
وعن ادارة المؤسّسات التربوية، في هذا الشأن، يقول الاستاذ المتقاعد أحمد عمّار التجاني، خرّيج المدرسة العرفانية للشيخ الصادق التجاني: " إنّ دروس الدعم ليست علاجا سحريّا ينجح في تقوية نقاط ضعفٍ تراكمتْ لدى التلميذ على مدى سنوات في حصّة أو حصّتين تجعل الأهل يعتقدون أنّ هذه الدروس هي الحلّ الأمثل والوحيد ". ويؤكّد: " إنّ المعلّم في القسم هو المسؤول عن تقييم مستوى كلّ تلميذ عنده والعمل على تحسين مستوياتهم الدراسية من خلال توظيف خبرته التعليميّة والتربويّة والنفسيّة في خدمة العملية التعليمية ومساعدة التلاميذ الذين يعانون ضعفا دراسيّا أو صعوبة في الفهم والاستيعاب، ولكن من يفهم؟! فمعظم أساتذة هذا العصر تنقصهم الخبرة والنفَس الطويل، ويدخلون القسم وهم محمّلين بِكَمٍّ كبير من العُقد النفسيّة والأزمات المعيشيّة، وهذا مايجعله يُفرِغ ما في جعبته من دروس بطريقة ألية ويخرج. كُنَّا في الماضي - حسبه - نوّصل المعلومة للتلميذ بطريقة مشوَقة ". ويؤكّد على أهميّة التنسيق بين إدارة المدرسة وأولياء الأمور للوقوف على أيّ أسباب قد تؤثّر على مستوى التلميذ الدراسي، وبالتالي استدراكها دون الدخول في متاهة دروس الدعم: " أعرف الكثير من الأُسَر اجتاز أبناؤهم سنوات الدراسة بنجاح من خلال اعتمادهم على أنفسهم وعلى شرح المعلم في القسم ". ويضيف: " لا بدّ من برامج تقوية مكثفة تسطّرها المؤسسات التربوية وتشرف عليها للتقليل من هذه الظاهرة "
وفي سياق متّصل، يقول الأستاذ بشير خير الدين التجاني، أستاذ ثانوي ومدير متوسطّة سابق وباحث: " أعتبرها معاناة للمجتمع أجمع، بحيث التلميذ أًخِذ من المدرسة الى الوسط الخارجي، عوض أن يعتمد على ما يأخذه من الأستاذ في القسم أصبح يعتمد على ما يأخذه من الخارج فاختلَّ التوازن، وأًفرغت المدرسة من وظيفتها التعليمية. سابقا كانت البرامج أكثر من هذا كثافة، وكان الكتاب المدرسي نادرا، ولكن كان التلاميذ يحقّقون نتائج ممتازة جدا لأنّهم كانوا يعتمدون فقط على مايقدّمه الأستاذ، والعلاقة بينهما كانت روحية تعليمية. وهذا أحدث شرخا في هذه العلاقة ". ويضيف الأستاذ بشير: " لا أعرف ماذا أقول ولا كيفيّة معالجتها. جميل أن يراجع التلميذ في المنزل، ومَن عنده قدرة من الاستيعاب أنْ يتمّمها خارج المدرسة، ولكن أنْ تكون المدرسة في المرتبة الثانية بعد الدعم المدرسي؟! فأرجو أن يوجد لها حلاّ مناسبا. أرى الحلّ أنْ يعود التلميذ في اعتماده وتحصيله المعرفيّ الى المدرسة. فالكثير ممّن يقدّمون له دعما قد يكونون متطفّلين على القطاع، وبالتالي المعلومات تكون غير مركّزة ومختلّة. ففي غياب دعم خارجي سيعود إلى المدرسة ". ويضيف ذات المتحدِّث: " لا أستوعب فكرة تلميذ في السنة الأولى ابتدائي ويأخذ دروس دعم. لا مانع للتلاميذ المقبلين على اجتياز امتحانات مصيرية (شهادتيّ التعليم المتوسط والباكلوريا ) لدعم معلوماتهم. فالتلميذ لم يعد له وقت لأخذ راحة، وهذا ينعكس على عملية التحصيل في القسم. الجيل الذي أعرفه من الأساتذة كانوا يقدّمون الكثير بحيث لا يحتاج التلميذ لدروس دعم. فالكثير من الطلبة الذين درّسناهم ذوي كفاءات عالية، هُم الآن إطارات في مؤسّسات مهمّة، لم يأخذوا دروس دعم في مرحلة دراستهم. ويؤكّد على أنّ الأستاذ في الماضي، قبل أن يلتحق بالعمل، يمرّ بمراحل تكوينية. اليوم الكثير منهم تنقصهم الخبرة ( من مدرّجات الجامعة إلى الميدان ) مع 40 تلميذا، هذا مرهق بصراحة. أتذكّر، في مرحلة تكويني، كُنّا ندرس علم النفس التربوي، نتعلّم كيفيّة التعامل مع التلميذ، وهذا ما يسّر لنا العمليّة التعليميّة دون أن يضطرّ الأولوياء إلى خياراتٍ أخرى".
وختام القول، لا يسعني إلاّ أنْ أقول - كملاحِظة - من الجميل أن نمسك العصا من الوسط ولا نفرّط في هذه الدروس ولا نتخلّى عن مسؤوليتنا تجاه أبنائنا ونرميهم بكلّهم لدروس الدعم. من الضروري التقنين والضبط، وإنْ كان لا بدّ منها الأجدى تقديمها بطريقة رسمية منظمة تشرف عليها المؤسسات التعليمية، وعلى الأستاذ في القسم أن يشرح الدروس بأمانة وضمير حيّ، و يكون على وعْيٍ تامّ برسالته السامية.