البحث في نفحات7

 نفحات7 - دراسات - هل الحلّ في الطريقة التجانية ؟
الـرّئيسية > دراسات > هل الحـلّ في الطريقة التجانيـة ؟


بقلم : محمود سلطاني 12/11/2008


طرح الأستاذ الدكتور حمدي يعقوب شطّة من السودان الشقيق ، إثر مداخلته في ورشة " الدور العلمي والجهادي لرجال الطريقة التجانية " التي أقيمت ضمن برنامج الملتقى الدولي الثاني للطريقة التجانية ، طرح السؤال التالي : " هل يمكن أن تكون الطريقة التجانية هي الحلّ لكلّ مشاكل الأمّة الإسلامية ؟ "
سؤال جاء من صميم موضوعه الذي عرضه على الحاضرين ، وهو : " دور الطرق الصوفية في فضّ النزاعات " ، وكان عرضا مستفيضا ، وبأسلوب أكاديمي راقٍ ، لنماذج من مساعي المشائخ التجانيين الطيبة - من داخل السودان ومن خارجه - للصلح بين الإخوة في دارفور ، وجهودهم في رأب الصدع ، ومبادراتهم لإطفاء نار الفتنة .
ولم يتّسع الوقت آنذاك لإبداء رأيي ، لكنني قرّرت أن أنشر سؤاله على صفحات الموقع ليصل إلى من لم تُتح له فرصة حضور المؤتمر ليبدي وجهة نظره ، بالإضافة إلى نشر جوابي الشخصي عليه .
أستاذ حمدي ..
إنّ الأهميّة القصوى ليست في التساؤل " هل يمكن أن تكون الطريقة التجانية هي الحلّ لكلّ مشاكل الأمّة الإسلامية ؟ " وإنّما هي في " هل يمكن أن تُقبَلَ الطريقة التجانية أن تكون حلاّ ؟ " . وتساؤلك هو تخصيص لتساؤل عامّ لكنّه يصبّ في نفس السياق ، ومفاده أنّ حضرتك كأنّك تقول " هل يمكن أن يكون الخير حلاّ لمشاكل الإنسان ؟ " . لقد وجد هذا السؤال جوابه منذ أن خطى أوّل إنسان أوّل خطوة على الأرض ، وهو " نعم " ، لكن هل يعني ذلك أنّ الجالس على عرش مملكة مصالح الإنسانية هو الخير ؟
والجواب : لا .. بداهةً : لا .
إنّ الساعين في الخير وإليه في منطقة دارفور يسعون بين متخالفين في أمور معقّدة ولا شكّ لكنهم متآلفين في العقيدة التجانية ، ولذلك تحرّك الخيّرون بِحُرِّيةٍ ومرونة بين الفرقاء ، مستغلّين تلك النقطة القوية المشتركة لجذب كلّ طرف مهما كان عناده واستعصاؤه على دفعه للتنازل عمّا قرّره ، وكان الصلح النسبيّ ، وسيتمّ بإذن الله .
لكن لو تحوّلنا إلى مناطق أخرى من العالم الإسلامي فإنّ ردّة الفعل الغالبة ستتراوح بين الجهل بالطريقة التجانية والرفض الباتّ ، مرورا بتجاهلها ، وعدم الإكتراث بجدواها ، والتوجّس من انتشارها ، وغير ذلك حسب طبيعة الناس وحسب تكوينهم . وكيف تريد من شخص يعتبر الطرق الصوفية شركا بالله جملة وتفصيلا أن يعتمد الطريقة التجانية حلاّ لمشاكله ؟ إنّ هذا شخص غير مستعدّ لسماعك أصلا !
نعم إنّ الطريقة التجانية هي الحلّ ليس لمشاكل الأمّة الإسلامية فحسب بل لمشاكل الإنسانية جمعاء وإلى يوم القيامة ، لكنها لن تجد طريقها إلى التطبيق بصفتها حلاّ شاملا لهؤلاء وأولئك مهما توافقتْ مع الحق لأنّ الإرادة الإلهية قرّرتْ منذ الآزال أن يُرَى الحقُّ بمستويات متفاوتة ولذلك كان هذا التفاوت في القيم والأقدار ، لأنّ مقادير كلّ أمر تتحدّد بموازين مؤوّليه عند كلّ مستوى ، وما أكثر الموازين !
والأمر الذي لا يخامرنا فيه شكّ هو أنّ ذلك التفاوت يعكس تميّزا وتمايزا موضوعيّا مطلقا بالقياس إلى الحقّ المطلق ، واصطفاءً تصاعديّا حقيقيّا في المراتب والمفاهيم والإستشراف ، لكن هل ثبوت هذا الإصطفاء والتفاضل ألْغى زيف النسبيات الذاتية العائمة فانتهتْ عن طمس الحقّ ؟ للأسف .. لا . لم تنته إمّا تحت تأثير جهلها بوجود الإصطفاء أصلا أو جحودها إيّاه ، وفي الحالتين تستوي النتيجة : لا مكان للمستحقّ فعلا في ما هو له أهل إلاّ بِنِسَبٍ .
إنّه قَدَرٌ مقضيّ .
وهو أساس القناعة الراسخة بأنّ نتائج السعي لنشر الخير هي نتائج جزئية ، وأنّها ليست مرتبطة ارتباطا مطّردا لا يتخلّف بكمال مبدئها وبأعلى رتبة متوفّرة لمرجعيّتها في ذلك الزمان وذلك المكان ، وإنّما هي مرتبطة بفئاتها من ذوي الإستعداد وإن لم يظهروا في البداية كذلك ، فيتكشّف لهم كمال المبدإ وعلوّ الرتبة ، فيتبنّونه بصفته الصواب وبصفتهم ذوي الألباب الواجدين لضالّتهم ، وَهُمْ لا يمثّلون إلاّ النزر القليل من ذوي الحاجة إلى حلولٍ لمشاكلهم . فهي - كما نرى - علاقة الـ " حالة بحالة " Relation cas par cas أو (case by case) وإن جمعتْ الكثير لأنّها لم تكن بتلك الكثرة في البداية .
إنّها كثرة تراكمية وليست كثرة ابتدائية حتمية محسومة سلفا يجمعها نظريّا ناموس محدّد من نواميس الله تعالى في كونه .
إنّها كثرة على بساط الحكمة وليست على بساط المشيئة ، وهو مرادف لقولنا أنّها كثرة لم تخرج عن نطاق خصوص أسبابها مهما كبرتْ .
وأسبابها الخاصة هي موضوع الملتقى الميمون وهو : " الخطاب الصوفي التجاني زمن العولمة " .
المهمّة هي انطلاق " الخطاب " ، وسِمَتُه أن يكون " تجانيا " ، وزمانه هو " العولمة " . ولا يضرّ ولا يضير ذلك الخطاب أن ينال نصيبه من الإنكار ، بل إنّه لم ينطلق إلاّ وهو متأكّد من مواجهته ، لكن وقود انطلاقته لا يتولّد من شرط خلوّ الساحة من الإنكار . إنّ وقوده الحقيقيّ كامن في حقيقتين اثنتين هما :
- الإيمان الراسخ بأنّ المبدأ هو الحقّ المطلق .
- إظهار ذلك الحقّ في كلّ مكان لتمكين من هو أهل لاتّباعه من رؤيته ونيل فضله .
وإن كانت الحقيقة الأولى معنوية محلّها القلب ، فإنّ الحقيقة الثانية هي مناط الأمر الموضوعي العقلي المتعلّق بـ" لماذا ، وأينِ ، وكمِّ ، وكيفِ " المهمّة لأنّها دعوة ، والدعوة انتشار بين الخلق واختراق لمجاهيلهم بضوابط . هذه الضوابط هي العلم العصري ، والتكوين المستمر ، والزوايا والنوادي والمكتبات ، والخدمة الإجتماعية ، والعمل المنظّم والمتقن ، والصدق في بذل المجهود والصبر على متاعب مراحله ، ولزوم الأدب والتواضع مع الغير خارج وداخل حدوده الشخصية .
وتأتي الثمار ولا شكّ . ثمار يانعة وبأعلى جودة لكنّها ليست بكمال المبدإ وإن خرجت من رحمه ، ولا بحجم النوايا والآمال وإن برزت من بذورها المثالية ، أو بعبارة أخرى " ولا بحجم آمال ونوايا الدكتور الفاضل حمدي يعقوب شطّة التي لا ريب أنّها من أمثل وأطيب النوايا ".
وتبقى الدنيا على تلك الحال حتى تكتمل دورة الزمن وتحتاج الإنسانية إلى نمط " سَيْرٍ " جديد فيبعث الله عزّ وجلّ من يحمل إليها رسالة الحقّ بلبوس " سَيْرِهَا " ، فيجمع النخبة فيها ثمّ يعود معهم إليه . وهكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
والله الموفّق للصواب .