البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ الإستغـاثـة
الرّئيسيـة > نـوافـذ علـى الحـق > الإستغـاثـة


بقلم : محمود سلطاني

الإستغاثة طلبٌ ينتظر تلبيةً .
هي عملية توصيل وتواصل Communication بين مصدرٍ يبثّ وآخر يتلقّى .
ولذلك فإنّ أهمّ ما يُميّز الإستغاثة هو توافق المستغاث به مع ما يُلْتَمَسُ منه فهماً وإمكاناً ، وهو في حدّ ذاته الجسر القائم بين الطالب والمطلوب .
هذا معنى الإستغاثة بدون تخصيص .
وإذا تناولنا الموضوع من الناحية الشرعية فإنّ التعريف لن يتغيّر طبعا ، لكن ما سيقع عليه الإختلاف هي كيفية الإستغاثة . والإختلاف المقصود واقع بين الصوفية والمنكرين عليهم .
يقول المنكرون : " إنّ الإستغاثة لا تكون إلاّ بالله تعالى ، وأنّ الهيئة الوحيدة المشروعة للإستغاثة بالمخلوق تكون في الأمور الحسيّة العادية ، كالإستغاثة بصديقٍ ضدّ عدوّ مثلا . أمّا ما لا يقدر على فعله إلاّ الله فلا استغاثة فيه بغيره ، وإلاّ فإنّها تتحوّل إلى شركٍ وكُفرٍ " .
فأمّا القول بأنّ الإستغاثة لا تكون إلاّ بالله تعالى وحده فهو عين ما نقول به ونعتقده وندعو إليه .
لكن ما يحيّرني هو قول المنكر :" ما لا يقدر إلاّ الله على فعله " ، لأنه قول يُفتَرَض في صاحبه القدرة على توضيح الحدّ بين ما هو من خصوصيات الله وحده وبين ما للمخلوق منه نصيب . وكلمة " العادية " أو " الحسية " غير كافية لإقناعنا بإحداثيات الخط المزعوم لأنّ " العادي " أو " المحسوس " عالم يكاد لا يكون له حصر ، وهو أمر متعلّق بقوّة المخلوق على مدّ يده إلى توسيع دائرة إنجازاته ومعها مفاهيمه عبر تدرّجه في مسالك الحياة والتاريخ . تلك الإنجازات ، وهذه المفاهيم كانت في كلّ مرحلة تاريخية تمثّل الخط المحدّد للمحسوس والمألوف ، وكانت العلاقة بين كلّ مرحلة متأخّرة وأخرى تليها علاقةَ الممكن المحجوب بدثار المستحيل على المخلوق جهلاً ، وهو مرادف للقول : " أنّ ذلك ممّا لا يقدر غير الله على فعله " .
قد يعترض عليّ المنكر ويقول إنّ جميع ما ذكرتَ يتمّ في الدنيا ، ووفق عالم المادة ، وما المسألة إلاّ مسألة اكتشافات .
ونقول نعم ، وهذا عليكم لا في صالحكم ، لأن الأمر وبالرغم من أنه يقع في عالم المادة المحتفظة بجميع أبعادها في كلّ حين ، إلاّ أنه يعطي فكرة واضحة مقنعة عن نسبية " المحسوس " ، ومدى هشاشة " الحدّ " المزعوم .
ولنضرب مثلاً .
سنقدّم وصفا لعملية تحويل نقود من حساب فرد إلى حساب فرد آخر ، وما يرافقها من جزئيات هي من أهمّ الأدلّة على ما نقول .

المشهد الأوّل
شخصان يجلسان في غرفة ، يطلب الأوّل من الثاني تسديد ديْن عليه له . يُخرِج الثاني نقودا من جيبه ويناوله إيّاها .
المحسوس العادي في هذه الحالة هو : وصول الكلام من الفم إلى الأذن ، وعملية المناولة وقعت مباشرة .

المشهد الثاني
الشخص الأوّل مسافر إلى بلد بعيد ، وكتب رسالة عادية يطلب نقوده من صديقه ، فأرسل هذا الأخير النقود داخل الظرف الحاوي للردّ ، وتسلّم الأوّل حقّه في مدّة ثلاثة أو أربعة أيّام بواسطة البريد .
المحسوس في هذه الحالة هي سرعة التسديد بالقياس إلى بُعدِ المسافة . إنّها وسيلة النقل المخترعة ، وهي إمّا أن تكون سيارة أو قطار أو طائرة .

المشهد الثالث
الشخص الأوّل لا يزال في غربته لكنه اتّصل بصاحبه بالهاتف النقّال وأخبره عن رغبته في استرجاع مبلغ من ماله . دخل الرجل دار البريد وحوّل المبلغ المراد بواسطة الحاسوب إلى حساب صديقه ، ثمّ هتف له وأعلمه بالتحويل ، فسحب الصديق ماله في تلك الساعة .
إنّ المحسوس العادي في هذه الحالة هو التخاطب بالهاتف النقال ، ووسيلة الإتّصال في تقنية التحويل وسرعتها .

وقد أسقطتُ عمدا مراحل أخرى يمكن إدراجها بين الحالات المذكورة تضيف جديدا ،لأنّي أرى أنّ ما اخترته من مراحل في هذا الباب كافيا للجزم بأنّ الإختلاف " الحسيّ " و " العادي " في كلّ مرحلة يمكن أن يصل إلى صنف الخوارق ، وليس لديّ شكّ في أنّ ما نعيشه اليوم من منجزات مكّنتْنا منها المخترعات هي أشدّ غرابة وعجبا من فنون الخيال الذي طاف وسكن عقول القرون الأولى وما بعدهم ، وهو ما يعادل قولنا بأن هؤلاء لو عادوا إلى الحياة ، ونظروا إلى ما وصلنا إليه اليوم أو الأمس القريب ، فإنّهم سيتحقّقون من أنّ أمورا كثيرة كانوا يعتبرونها " ممّا لا يقدر على فعلها إلاّ الله " قد أصبحت ممكنة في حقّ المخلوق ، ويظهر لهم خطأ تصرّفهم في تجميد المفاهيم ، وقصرها على زمان أو مستوى فكريّ معيّن . وليس لديّ شكّ في أنّ الكثير ممّا نعدّه اليوم مستحيلا بعيد المنال سيعرف نفس المصير بعد أحقاب إذا مدّ الله تعالى في عمر الدنيا ، بل لقد بدأت إرهاصات هذا الإنقلاب تظهر في أيام الناس هذه .
لقد أثبتت الدراسات التطبيقية العلمية أنّ قراءة أفكار الإنسان أصبحت ممكنة بواسطة الآلة ، وهي لا تزال في طورها الأوّلي إلاّ أنّ نتائجها ذات مغزى كبير . فلقد طُلِب من شخص اختيار رقمٍ في ذهنه بين الواحد والعشرة ، ثمّ أُخضِع إلى عملية اختبار لصدق جوابه أو كذبه بإبراز أرقام متتالية أمام عينيه . وقد ظلّ العلماء المحقّقون يحصرون الحقيقة بأسلوب تصفوي يقصي كلّ حالة كاذبة حتّى وقفوا وجها لوجه أمام الرقم الصحيح المختار . وقد أثار هذا الإكتشاف جدلا واسعا لأنّه يمسّ جانبا أخلاقيّا حسّاسا جدّا ألا وهو اقتحام أضيق دوائر الإنسان خصوصيةً .
فهل نقول أنّ العلماء التجريبيين قد قفزوا من صعيد العادي " الحسيّ " إلى صعيد " ما لا يعلمه إلاّ الله " وعلموا ما تخفي الصدور ؟ لا طبعا ، لأنّ الأمر لا يعدو أن يكون تحوّلات سريعة ودقيقة ولطيفة في نِسَبِ نوعيات من الهرمونات في الدم في حالتيّ الصدق والكذب ، تحدث على المستوى المتناهي في الصغر ( المستوى الجزيئي والذرّي ) بحيث لا يمكن اكتشافها إلاّ بآلة ذات حساسية كبيرة .
فالمسألة إذن مسألة ماديّة بحتة ، غاب سرّها عمّن علِمَ شيئاً وغابت عنه أشياء .
وقل مثل ذلك في غزو الفضاء وصعود الإنسان إلى القمر ، والتحكّم في " روبوت " صغير على المريخ من محطة على الأرض ، وعلم الإستنساخ والخلايا الجذعية ، وحلّ الكثير من طلاسم مكوّنات الحمض النووي ، ووسائل تصوير ما لا يُرى بالعيون المجرّدة ، وتسجيل أصوات المجرّات البعيدة السحيقة المكتومة إلاّ على الآلات الحساسة .
بل قل أكثر من ذلك عند النظر إلى تطلّعات الإنسان لإعادة توليد الماضي بالْتِقاط أمواج الأصوات التي ظنّ الناس أنّها اندثرتْ وهي لا تزال موجودة لكنها في اضمحلال دائم ، وهو ما يسمّى بـ Les ondes amorties . ثمّ جاء عصر " النانو " Le Nano ، تلك التقنية الـ" آخر صيحة " في أيّامنا هذه ، والتي أوكِل إليها صنع التاريخ في مخابر المستقبل . تقنية تهتمّ بخصائص المادة على صعيد " المتناهي في الصغر " والتي تختلف اختلافا كلّيّا وجذريّا عنها في ما نعتبره قبل اليوم " مادة عادية " ، ثمّ استغلالها لإحداث القفزة المرجوّة ، والإنقلاب العاصف .
إنّ التوغّل الشديد في أغوار المتناهي في الصغر غيّر مفهوم المادّة من أساسه عند إنسان العصر الراهن ، وأظهر لنا أنّ حقيقة المادة الصلبة الجافّة المعتّمة المتبلّدة إنّما هي إشعاع ، وطاقة ، وخواء ، وحركة ، ولطافة .وقد اتّضح للعلماء بجميع أطيافهم أنّ ما يسمّونه " مادّة " إنّما هي أمواج سابحة في أفلاكها ، جارية جريان الأنهار ، ذات طبيعة أقرب إلى الروحانيات ، وهي لا تزال تخفي الكثير البعيد المنال إلاّ بأسبابه . لقد جاء اليوم الذي أمسك فيه العلماء عن الكلام عن الفيزياء والكيمياء والطبيعة وحدها وتكلّموا معها عن الفلسفة الفيزيائية والكيميائية والطبيعية ، وذلك لتداخل المفاهيم المعقولة بعالم الميتافيزيقا ، واهتزاز البرزخ الفاصل بين الملموس والمعنوي .
هذا فقط في عالم المادة ، وهي حقائق ثابتة لا مجال لإنكارها .
فإذا ما عدنا إلى إخواننا المنكرين فإنّ سؤالنا هو التالي : أيّ مستوى من الممكن ، ومن أيّ حقبة تريدون رسم الخط الفاصل بين ما ترونه " ما لا يقدر على فعله إلاّ الله " وبين ما للمخلوق عليه قدرة ؟
إنّ مثل هذا التصنيف - لو قبِلْنا به - سيوقعنا في معضلة عقائدية ، وسيُظهِر لنا الأمر وكأنّه صراع مستمرّ بين الخالق والمخلوق ، كلّما اقتحم المخلوق دائرة الخالق وسّع الخالق من دائرته هروبا من المزاحمة . كأنّنا إزاء عملية قرصنة يستحوذ بواسطتها المخلوق ، على مَرّ الأزمان ، على حقوق الخالق الذي لا يجد بدّا من رفع مستوى تعقيد مقدرته للتخلّص من تطفّل عباده الذي لا يعرف حدودا .
تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً !!!
أين الخلل بالضبط ؟
إنّ الخلل في اعتماد التقسيم ، واختراع التصنيف بين القدرتين .
والحق الراسخ أن لا تقسيم هناك ولا تصنيف ، وإنّما هو ملك واحد لله الواحد . والقاعدة الأسلم والأضمن والأقوى حجّة إذا تحدّثنا عن قدرة المخلوق هي : " ما أذِنَ الله لغيره في فعله " أو " ما مكّن الله من التصرّف فيه وبه " أو " ما ملّك الله عباده إيّاه " ، ثمّ لا عليك بعد هذا أن يكون الأمر حسيّا ملموسا أو معنويّا روحيّا خارقا .
وأنت لو بحثتَ دهورا في كتاب الله تعالى وسُنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم فإنّك لن تجِد عبارة أو كلمة واحدة - لا تصريحا ولا تلميحا - تفيد بأنّ الله قد حصر ممكنات المخلوق في هيئته وطبعه الظاهر . ذلك الحصر من اختلاق السطحيين ووضْعِهم ، والذي دفعهم إلى ذلك هو شدّة " مألوفية " ما جُبِلَ عليه الإنسان في الحياة الدنيا من خاصية استعمال " الجوارح " إلى الدرجة التي لم يعد " استعمالها " يثير في نفوسهم أيّة دهشة ، فظنّوا أنّ حدود عطاء الله للإنسان لا تتعدّى ما أودِع في الجسد الترابي .
لكن من ناحية أخرى تجد أنّ المنكرين يؤمنون - كلّهم - بمعجزات الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ويؤمنون بكرامات الأولياء رضي الله عنهم ، والكلّ يعلم أنّ تلك المعجزات والكرامات من الخوارق التي لا يُتاح لكلّ أحد فِعْلها . هي إذَنْ هِبة من الله لبعض عباده ، أو بعبارة أخرى هي " تمكينٌ " أو " إذْنٌ " أو " تمليكٌ " لأفراد من خلْقِه للتصرّف بطريقة لا يستطيعها كلّ الناس . إنّها في هذا الصدد " نعمةٌ " موهوبة مثل " نعمة " البصر ، والسمع ، والحركة ، والتفكير ، وسائر خصائص الجسد . فلماذا يؤمن المنكر بقدرتي على استعمال " عيني " و" أُذُني " و" أطرافي " و" وعقلي " ويعتبرها مشروعة وينكرها إذا تعلّق الأمر باستعمال " الخوارق " ؟ أليس قد ملّكني الله هذه وتلك ؟ لِمَ التفريق بين نعمة ونعمة ؟ وكيف يختلف الحكم على ظاهرتين حقيقتهما واحدة وإن اختلفتا ظاهرا ؟
هل يظنّ المنكر أنّ تحريك يده بخفّة لطرد ذبابة أقلّ شأنا من وصول صوتي في المشرق إلى أُذُنِ شيخي في المغرب كرامةً ؟ إنّ آية الله عزّ وجلّ في حركة الأجسام لا تنقضي عجائبها . عشرات الآلاف من القوانين الفيزيائية ، والتبادلات الكيميائية ، والتيارات الكهربائية والضوئية والعصبية تنطلق بأشدّ من طرفة العين لإتمام تلك الحركة . ولو أضفتَ لها جميع حالات التفكير والتصوّر ، وخصائص الذباب الهائلة في طيرانه ووقوعه ، وجميع الظواهر الجانبية والفاعلة المتعلّقة بالحادثة لرأيت أنّه نبأ عظيم لا يقلّ روعة وعجبا عن خرق العادات .
يحدث هذا كلّه من جرّاء الجهل بعظمة الله المتجلّية في كلّ مليمتر مربّع من مُلْكهِ ، والإنقياد وراء أفكار معلّبة منذ آماد دون التفكير في مراجعتها وكأنّها منزّلة من عند الله .
لقد قلنا أنّ ذلك واقع فقط في عالم المادة الخاضعة لنفوذ الممكنات العقلية ، وقوانين المنطق الرياضي .
لكن الإنسان ليس عقلا فحسب ، وما يُبْديه من إمكانات وقدرات لا تنحصر في الجانب الطبيعي المنطقي وكفى ، بل إنّ الجانب الروحي فيه أشدّ وسعا وعمقا وغِنًى ، وقواعده التي تسيّره - إذا كان يخضع حقّا لقواعد - غامضة ، ذات كُنهٍ مغاير للقواعد المادية ، والنتائج والتأثيرات المتمخّضة عنها تُبرِز اختلافا من الشدّة بمكان حتى وكأنّ الأمر متعلّق بمخلوقين مختلفين لا واحد .
والقوى الروحية التي نعنيها هي تلك الطاقات النفسية والوجدانية للإنسان ، والمعروضة بأنماط كثيرة ، والموزّعة بكيفيات مجهولة . فقد تكثر إلى درجة أن تصير شبه مطّردة ، وقد تندر حتى تلامس عالم الشاذ . وقد يتطلّب وقوعها جهدا وكسبا ، وقد تحدث غلبة وجبلّة . وبين كلّ ذلك وذاك مراتب تزداد وتنقص وفقا لمجال التنوّع المذكور .
  1. الأحلام

  2. قليلون هم الذين لا يحلمون .
    إنّها آية من آيات الله تعالى في المخلوق البشري أثناء نومه حيث تستيقظ فيه قوى عجيبة تفتح أمامه نوافذ مطلّة على آفاق بها عيّنات من الحق الماضي أو المستقبلي ، وتمكّنه من الإنعتاق من مختلف عُقَدِ اليقظة ، وربقة الوعي الظاهر مع الإحتفاظ بكلّ وظائف الجوارح الأخرى جنبا إلى جنب .
    إنّ النائم قد يعلم في منامه ما لا يجد الأيقاظ إلى اكتسابه سبيلا من أمور انقضت أو أمور ستحدث ، وتُصرَف عنه كلّ مركّبات النقص التي تولّدها حالة الصحو حتى قيل أنّ من يمشي أثناء نومه قادر على اجتياز جسر مكوّن من خشبة واحدة فوق هوّة سحيقة دون أن يسقط في حين أنه يتعذّر عليه ذلك وهو مستيقظ . ذلك لأنّ عوامل الخوف والتردّد والجبن فيه قد شُلّت .
    قال جلّ من قائل في محكم تنزيله : ومن آياته منامكم بالليل والنهار (1) .
    روى الإمام الترمذي رضي الله عنه عن سيّدنا أبي هريرة رضوان الله عليه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا ، ورؤيا المسلم جزءٌ من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، والرؤيا ثلاثٌ: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله والرؤيا من تخزين الشيطان والرؤيا مما يحدث بها الرجل نفسه . فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم وليتفل ولا يحدث به الناس . قال وأحب القيد في النوم وأكره الغل. القيد ثباتٌ في الدين . » .
    والمستخلص من الآية والحديث هو أنّ الرؤيا بجميع أنواعها آية من آيات الله ، لها نتائج ومفعول وأحكام غير ما نعلمه ممّا عهدناه من ظواهر .
  3. القدرات الذهنية الخارقة

  4. هي قوة وهبها الله لبعض عباده في مجالات شتى فتميّزوا إلى درجات الشذوذ . واحذر أن تتخيّل أني أقصد أولئك العباقرة الذين يفعلون ما لا يفعله الناس العاديون إلاّ أنّ أسبابه وقرائنه قابلة للتّتبّع والتحليل المنطقي . إنّ كلامي عن فئات " ما فوق العبقرية " التي وإن كان جانب من قدراتها متّصلا بالمنطق إلاّ أنّ الطاقة التي تعطيها ليست منطقية
    لقد سئل المتميّزون في حلّ عمليات ضرب أعداد مكوّنة من صفّ طويل من الأرقام يفوق العشرة عن طريقة وسرّ إنجاز العملية بسرعة الآلة الحاسبة الإلكترونية ، أو ربّما أسرع منها ، فقالوا إنّ كلّ ما يستطيعون قوله أنّهم لا يحسبون بالطريقة التي تعلّمناها في المدرسة ، وأنّهم يجدون النتيجة شبه مصوّرة في أذهانهم .
    هذه هي سمات القوّة الروحية لأنّها ذوقية خارجة عن سيطرة اللغة والبيان .
  5. الإتّصال عن بُعْدٍ La télépathie

  6. وصلنا إلى اللاّمعقول جملة وتفصيلا لكنه واقع ومسلّم به عند كلّ البشر ، وشائع بين سائر الشعوب .
    هو علم ينتاب الإنسان على شكل خاطرة مفاجئة . إنّها ظاهرة غريبة تتجلّى في فكرة تطفو في منطقة الوعي من دون وسائط أو أسباب قريبة ، فيكون الأمر كما أُلْقِيَ في الروع تماما . ولقد أصبح من البديهي أن يحدّثك الناس عن تجاربهم في هذا المجال إلى حدّ التواتر ، وقد كُتِبَتْ كتبٌ لا حصر لها في ذلك . وغير مُهِمّ درجة ما بهذه الأخبار والمصنّفات من صحيح لأنّ الإعتماد ليس على مادّة الوقائع من حيث الصحة والخطإ ولكن من حيث شهادتها على وجودها .
    كم من مرّة تفكّر في أحد ظلَلْتَ مدّة طويلة لم تره ولم تتذكّره فيمثل أمامك ؟ وكم من مرّة همَمْتَ بالتفوّه بكلمة أو عبارة لصديق أو أخ فنَطَقَ بها قبلك بجزء من الثانية ؟ وأكثر ما يحدث ذلك عندما تكون روابط المحبّة أمتن ، ولهذا كانت الأمّهات - إنسا أو حيوانا - أكثر أصناف الخلق قابلية لتلقّيها .إنّ الثابت أنّ اتّصال الأمّ الروحي بذريّتها يدعو إلى التعجّب والتسبيح . فهي تحسّ بما يقع لولدها أو ابنتها من المكاره أو المسرّات مهما كان نائيا عنها ، يغمرها الحزن العميق أو الرضى العارم في اللحظة نفسها التي يقع فيها لفلذة كبدها .
    حدّثني والدي عن شيخه في تحفيظ القرآن الكريم الإمام سي البشير بن امبارك التغزوتي رضي الله عنهما قال : عندما كان شيخي شابّا سافر في فصل الصيف إلى بلد عبر الصحراء ، لكنّه ضلّ طريقه وكاد أن يهلك من العطش لولا أن منّ الله عليه بقوم سقوه قبل فوات الأوان . قال : وعندما عاد إلى البلد وحكى حكايته أخبره أهله أنّ والدته كانت في ذلك اليوم ، وفي تلك الساعة التي ذكرها لهم ، فوق كثيب من الرمال قرب المنزل ، تسعى يمينا وشمالا في لوعة المكلوم مردّدة : " يا البشير يا ابني أعرف أنه قد وقع لك مكروه " .
    وقد أُجرِيَت تجربة على أرنب أمّ ، فُصِلتْ عن صغارها ، ثم ذُبِحوا الواحد تلو الآخر على فترات متباعدة نسبيا داخل غوّاصة في أعماق المحيط ، وبينها وبينهم آلاف الأميال . وقد كانت الأرنب الأمّ موصولة بآلة لتسجيل بيانات القلب في مخبر على اليابسة . ولاحظ العلماء أنّ الرسم البياني لدقّات القلب تتخلّله - وبانتظام - اهتزازات غير طبيعية عند كلّ لحظة يقضى فيها على صغير من صغار الأرانب .
    أمّا أنا - محمود سلطاني - فقد حدث لي مرارا وتكرارا ، ولا يزال يحدث لي بين الفينة والأخرى ، أن أرفع رأسي في المارّة في الشارع فيُخيَّل لي في طرفة عين أنّي رأيتُ وجه فلان ممّن أعرف من الناس ، ثمّ في الطرفة التي تليها أكتشف أنّ ذلك الشخص ليس هو الذي ظننتُ . لكن بعد ثوانٍ ألْتقي حقّاً بفلان الذي تخيّلْتُهُ على بُعْدٍ يسيرٍ من ذلك المكان . قلتُ لنفسي ربّما يكون الشخص الذي أعرفه قريبا من الشخص المجهول ، وتكون ملامحه قد ارتسمتْ لا إراديّا في ذهني بحكم وجوده في مجال رؤيتي ، فيلتبس الأمر عليّ وتتداخل الصور ، ثمّ ما تلبث أن تعود إلى طبيعتها . لكن ما يحيّرني هو حدوث الظاهرة مرارا بالرغم من أنّ الشخص المعروف لديّ يكون لحظتها محجوبا على بصري وراء جدار أو منعطف شارع أو بداخل سيارة جاءت من جهة مغايرة لوجهتي .
    ولقد حدّثني سيّدي محمود يمبعي رضي الله عنه فقال : إنّي لأزور المدينة أو البلدة لأوّل مرّة في حياتي فأحس بأنّ ذلك الحيّ أو ذاك الشارع غير غريب عليّ ، وأكون متأكّدا في قرارة نفسي بأنّها ليست المرّة الأولى التي رأيته فيها .
  7. الحسد

  8. وتُسمّى العين ، وهي ظاهرة خفيّة ذات تأثير فِعْلِيّ ضارّ - بإذن الله - ، مجهول الأسباب والأطوار لأنّه يتمّ بغير وسائل عاديّة معروفة . يُقال أنّ منبعه استحسان ، وإكبار ، وانبهار مفرط ومفاجئ ، عن وعيٍ أو عن غير وعيٍ ، من المخلوق البشري إلى مخلوق بشري مثله أو إلى حيوان أو متاع ينجرّ عنه له ضرر أو تلف . كيف يقع ذلك ؟ هل هي إشعاعات غير مرئية تنطلق لتحطّم هدفها ؟ لكن ما القول في الضرر الحاصل للجوانب المعنوية كتقلّب الأحوال في العلاقات ، وخمود جذوة الجادّين ، وركود ذكاء الموهوبين ؟ بل وأكثر من ذلك ، حينما يحدث الضرر للمحسود بصفة غير مباشرة أو على هيئة مؤجّلة كأن يحترق محصول زراعي ، أو تقع له حادثة بعد فترة .
  9. السحر

  10. لا نختلف في أنّ السحر محرّم في الإسلام ، لكن ذلك لا يمنع من وجوده ووجود من يتعلّمه لأنّه علم مكتسَب ، ووجود تأثيره على المخلوقات . وهو عمل يشترك في إنجازه الإنسان والشيطان وذلك بتسلّط الأوّل على فئات من مردة الجنّ بواسطة تعاويذ وطقوس غاية في السريّة ، فيصيرون عندهم خدما ينفّذون أوامرهم ، ويحقّقون لهم جميع مطالبهم الشريرة ، وشهواتهم الدنيئة . وبرغم محاولات علم النفس ونظرياته لفهم الظاهرة إلاّ أنّه لم يفهم سوى الأعراض المَرَضِيَة بعد وقوعها ، أمّا حقيقتها فمجهولة أنكرها من أنكرها وسلّم بها من سلّم .
إنّ هذه الأمثلة من " الغير عادي " المقدور عليه من المخلوق البشري تزيد مفهوم " العادي الحسي " الذي يدّعيه المنكرون تذبذبا وترنّحا يُفقِدُه كلّ توازن إن سلّمْنا بأنه نال حظّا من التوازن من الأساس .
ولا يزال العجب في الإنتظار !!
إنّ المنكرين حين بنوا نظريتهم أقاموها على أساس خصائص الإنسان ، وفاتهم التفكير في أنّ لله خلقا آخر من غير البشر لا يعلم عددهم وخصائصهم سواه ، وهم مثل الإنسان سواء بسواء في افتقارهم لله تعالى لكنهم يختلفون عنه في كيفية وطبيعة ما مكنّهم ربّهم من قوّة وقدرة . فإذا تأمّلتَ عالم الجنّ عرفتَ أنّه لا نسبة ولا تناسب بين استطاعتنا واستطاعتهم لاختلاف الوسائل ، ونفس الشيء يصدق على عالم الملائكة الكرام إذا قارنتهم بالجنّ . فإذا كان الله المبدع قد أوجد ما لا حصر له من عيّنات من صنع يده المباركة ، ووزّع وأودع في كلّ صنف مميّزات تخصّه كما أراد هو ، فلِمَ الإنكار على كائن من كان حين يصرّح بأنّه قد نال من مِنَحِ الله ما أصبح في حقّه خصيصة وميزة ؟
دعونا نطرح السؤال التالي مرّة أخرى :
ما الذي جعل المنكر ينفي إمكانية الإستغاثة بأهل الله ؟
والجواب : هو بُعْدُ المسافة .
ويا له من سخف في العقول !!
قوم يرمون الناس بالشرك من أجل مسافة يستحيل معها وصول الصوت العادي إلى الآذان ، وكأنّ صفة الألوهية لله إنّما حصلتْ له بقوّته على السماع مهما كانت المسافات .
وماذا يقول المنكرون حين نلفِتُ انتباههم إلى أنّ الإتّصال الخارق ممكن ليس فحسب بين المخلوقات ذات الطبيعة المشتركة على بساط عالم واحد ولكن أيضا بين نفس الجنس وفي عوالم مختلفة من ناحية وبين الأجناس المتباينة تباينا جذريّا من ناحية ثانية .
نسوق كلّ هذه الأمثلة كي ننبّه أصحاب القلوب والعقول النائمة إلى واسع قدرة الله في إيجاد الممكنات ، ونمدّ لها يدا رفيقة تدير رقابها إلى آفاق بديعة شاسعة تدعو إلى التفكّر والتسليم لا إلى رشق المسلمين الموحّدين المحسنين بحجارة الإتهام بالكفر والشرك .
والله يتولّى الجميع ، ويلهم كلّ واحد منّا رشده وهداه . آمين .
والله ورسوله أعلم .



  1. سورة الروم ، الآية 23 .