البحث في نفحات7

 نفحات7 - محاضرات - النفس البشريّة بين علم النفس والتصوّف
الرّئيسيـة > محاضرات > النفـس البشريّـة بين علـم النفس والتصـوّف


بقلم الأستاذة : سهيلة وصيف خالد

الحمد لله نور السموات والأرض الحقّ المبين ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، ورضي الله على القطب المكتوم والبرزخ المعلوم سيّدنا أحمد التجانيّ ، وعلى وارث سرّه الإمام الأعظم سيّدنا الحاج عليّ التماسينيّ ، وعلى الخليفة الحالي سيّدي محمّد العيد التجانيّ .
أمّا بعد :
لا يزال التصوّف حيّا متحرّكا فاعلا لم ينطفئ نوره ، ولم تَخْبُ جذوته ، بل لا يزال رائدا في حمل دعوة الإسلام وتثبيت الناس على الدين والقيم ، لذلك يعتبر التصوّف إرث تربويّ عظيم يحفظ مقام الإحسان بعد الإيمان والإسلام ، ويقيم صرح الأخلاق على أسس إيمانيّة مثبّتة . وعلى هذا يكون التصوّف طريق الله ، هدفه تدريب النفس على العبوديّة وردّها إلى أحكام الربوبيّة واسترسال النفس مع الله ، وهو منتهى آمال السالكين ، فكان جلّ جهدهم منصبّ على ترقية النفس وأخذها بالمجاهدة والرياضة من كونها أمّارة إلى كونها لوّامة ، وملهمة ، وراضية ، ومَرْضيّة ، ومطمئنّة ، ولن يتمّ هذا إلاّ بفطم النفس عن المألوفات وحملها على خلاف هواها ، ومن هذا تعتبر النفس مريضة تحتاج إلى طبيب ، فكان التصوّف بمفهومه الحقيقيّ حامل لواء التطبيب والتربية ، وهو بالضبط ما يشترك فيه اليوم مع علم قائم بذاته ظهر خلال القرن 19 حيث اتّخذ من النفس الإنسانيّة موضوعا بالدراسة ، وبالذات السلوك الناتج عن الإنسان قصد تعديله ، منتهجا في ذلك المنهج العلميّ ، وهو علم النفس .
الإنسان مكوّن من روح ومادّة ( الجسم ) ، والنفس خلق آخر يتولّد بدخول الروح إلى البدن ، فجعلها الله ميدانا عمليّا لبيان صدق عبوديّته ، ولو شاء الله لأعطى كلّ نفس هداها ولكن ليبلونا أيّنا أحسن عملا ، ومن مقتضيات العبوديّة أن يزكّي الإنسان نفسه من صفات الربوبيّة والشيطانيّة ، وأن يهذّب الصفات الحيوانيّة ويكرّس صفات العبوديّة فيه . وما إرسال الرسل والأنبياء فترة بعد فترة إلاّ دعوة لإصلاح النفوس وتهذيبها والرقيّ بها في مدارج السالكين سائرة لربّ العالمين . وقد حفلت الشريعة الإسلاميّة بجملة من النصوص ( الكتاب والسنّة ) تصبّ في هذا القالب .وتركت التطبيق العمليّ لهذه المهمّة بحسب الظروف والأحوال . فنجد أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سلك المناهج التي بها أنتج جيلا ربّانيّا ساد العالم ، وساسه أحسن سياسة . ثمّ قام العلماء العاملون ، الورثة المحمّديّون ، بهذه المهمّة من بعده ، وبعد ذلك ، حين تمايزت العلوم وظهر علم الفقه والعقيدة ، وعلم التفسير والحديث ، وعلم السيرة وأصول الفقه واللغة ، ظهر علم يهتمّ بإصلاح النفس من حيث تحلّيتها بالفضائل وتخلّيتها عن الرذائل ، الذي اصطلح عليه فيما بعد بعلم التصوّف ، وميدانه النفس البشريّة وسبل ترقيتها في المقامات العليّة ، وظهرت فيه مناهج وطرق لقي بعضها إنكارا والبعض الآخر تأييدا وقبولا . وقد كانت النفس جوهرا غامضا للإنسان ، وقد حاول دراستها ومعرفة خباياها وأسرارها منذ وعيه بها ومعرفة دسائسها . فقد حاول تزكيتها ، وهذا ما يصطلح عليه بالتصوّف .
ومؤخّرا ظهرت دراسات حديثة اهتمّت بدراسة النفس بطرق علميّة تجريبيّة اصطلح عليها بعلم النفس ، فما حقيقة هذا العلم ؟ وما علاقته بالتصوّف ؟ فلا بدّ أن نجد لهذا العلم نقاط تقاطع مع التصوّف بحكم التوافق في الاختصاص إذا لم نقل أنّه منبثق عنه .
علم النفس من العلوم الحديثة ، وهو آخر علم انفصل عن دراسة السلوك ، والسلوك هو كلّ ما يصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال . فهدف علم النفس دراسة النفس البشريّة وتهذيبها وتخليصها من الشوائب والأمراض التي تصيبها وتفقدها توازنها واستقرارها للوصول إلى الشخصيّة السويّة . أمّا التصوّف فيدرس النفس بغرض تهذيبها ونزع الكدرات عنها حتّى ترتقي في مسالك العارفين فيتمخّض لها مقام التوحيد والعرفان . فالمنطلق واحد ولكن الهدف يختلف .
إن المتتبّع لميادين علم النفس ومجالاته يجد ارتباطا وثيقا بينها وبين التصوّف ، إذ يمكن القول أنّ المواضيع التي يدرسها علم النفس حيّرت المتصوّفة سابقا وحاولوا الغوص في أعماقها ، وعليه فسوف نركّز في هذه المحاضرة على أهمّ المجالات التي تصنّف إليها علم النفس الحديث ودراسات المتصوّفة لها ، خاصّة في أبحاث حجّة الإسلام أبي حامد الغزالي .
- يهتمّ علم النفس العامّ بدراسة السلوك العامّ للإنسان ، معتمدا على دراسة العمليّات العقليّة ( الإدراك ، الذاكرة ، التخيّل ) ، والدوافع الإنسانيّة والفروق الفرديّة... وغيرها ، هذه المواضيع نجد لها عند الغزالي ، الذي اهتمّ بدراسة السلوك ، واعتبر أنّ له نواتج ثلاثة : إدراك ووجدان ونزوع عن دوافع فطريّة ومكتسبة ، وعن الانفعالات ، والفروق الفرديّة ، وعن السلوك المكتسب وطرق التعلّم وكسب العادات الصالحة ، وهذا ما يتكلّم عنه علم النفس الحديث . كما قسّم الغزالي أنواع السلوك إلى الفعل الاضطراريّ ، ويقابله الفعل المنعكس في علم النفس الحديث والفعل الإراديّ ، وعليه يمكن القول أنّ المتصوّفة كانوا السبّاقين في دراسة السلوك العامّ للإنسان .
أمّا بالنسبة لعلم النفس الاجتماعيّ فيهتمّ بدراسة سيكولوجيّة الأفراد ودوافعهم ، إذ يهتمّ بسلوك الفرد بالنسبة لعلاقاته مع الأفراد الآخرين من ناحية وتأثّره بهم وتأثيرهم فيه من ناحية ، كما يهتمّ بمجال التنشئة الاجتماعيّة ، والاندماج الاجتماعيّ وسيكولوجيّة القيادة . فإذا تتبّعنا هذه المواضيع نجد لها أثرا في دراسات الصوفيّة ، فيؤكّد المتصوّفة على ضرورة اجتماع الناس وعيشهم داخل جماعات ، وعلى تفاعل المريدين فيما بينهم ، وأكّد المتصوّفة على ضرورة وجود قائد ينظّمهم والذي تخضع له الجماعة ، وهذا ما يبرّر وجود مقدّم في كلّ منطقة لقيادة المريدين وتوجيههم . والذي يكرّس الاجتماع هو الذكر الجماعيّ ، والزيارة الجماعيّة . ونظرا لأهمّية العلاقات الاجتماعيّة توجّه الشيخ سيّدي أحمد التجانيّ ( رضي الله عنه ) إلى مريديه بنصائح جسّدها هو بنفسه في تعاملاته اليوميّة( نماذج من رسائل الشيخ ) ، حيث أوصى بالمودّة والرحمة وأن يكون المريد كثير النفع للعباد ، رفيقا بالحاضر والبادي ، ويجعل الناس كلّهم أبناءه وإخوانه ، واستشهد رضي الله عنه بحديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم « الخلق عيال الله وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله » . ومن هنا تتجلّى لدينا حقيقة التفاعل الاجتماعيّ بين الناس وخاصّة المريدين فيما بينهم .
كما اهتمّ الغزالي بتكوين المجتمع وفهم ديناميته ولكنّه فسّره تفسيرا غلب عليه الجانب الصوفيّ أكثر من العلميّ ، فهو يرى أنّ نشوء المجتمع جاء نتيجة لعجز الفرد و عدم قدرته على العيش بمفرده ، لذلك خلق الله في كلّ إنسان رغبة في التجمّع فطرية ، ولكن عندما يتعقّد المجتمع تظهر مشاكل جديدة في التعاون والعلاقات الاجتماعيّة ، ونموّ المجتمع وتطوّره يخلقان حاجات جديدة مثل حبّ الجاه والسيطرة ، ولكن الإنسان الذي يطمح إلى تحقيق السعادة بمعرفة الله عليه أن يختار الطرق التي توصله إلى غايته .
إنّ معظم ما ذكرناه يوضح بقوّة أنّ التصوّف سبق علم النفس الحديث في دراسة النفس ، والأكثر من هذا نجد أنّ ابن عربي في حديثه عن التخيّل ، وتفسيره للرؤى ، إقترب كثيرا من علماء النفس المحدثين، حيث تكلّم عن البعد النفسيّ لعمليّة التخيّل ، وعن طبيعة الصور المستمدّة من الواقع المتخيَّل ، ويذهب إلى الاعتقاد بأنّ الصور الخياليّة المرئيّة في المنام تختلف لدى الأفراد باختلاف استعداداتهم ،وباختلاف ما لديهم من صور حسّيّة خزنوها في اللاشعور أثناء اليقظة ، وتشكيل الرؤى في المنام لا يتمّ إلاّ بعد أن يعبر الإنسان الشعور نحو اللاشعور حيث يجد المدركات الحسنة مخزنة هناك فيعتمد عليها في عمليّة التخيّل ، والوسيلة في هذا العبور هي النوم . وفي تقسيمه لأنواع الرؤى يذكر الرؤيا العاديّة التي تأخذ طابعا نفسيّا ، وهي المشار لها في حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم « ما يحدّث الرجل به نفسه في اليقظة يراه في المنام » ، ، بمعنى أنّ الإنسان يشغله أمر من الأمور في حياته اليوميّة ، ويكون له وطء على نفسه سواء بفرح أو حزن فيترسّخ في ذاكرته وترتسم في خياله ، فإذا نام أدرك ذلك بالحسّ المشترك لأنّه تصوّره في يقظته ، وهذه الرؤى بمثابة عودة الإنسان إلى اللاشعور واستخراج ما خزن فيه من أمر شغله في يقظته . وفي هذا الوقت نجد علم النفس اليوم يركّز على هذا النوع من الرؤى ويردّ الحلم مطلقا إلى عوامل نفسية بنظرته إلى الرؤى والأحلام على أنّها إخراج مكبوتات ، ونشاط اللاوعي .
وفي مجال التربية والتعلّم ، نجد أنّ الصوفيّة أولوه اهتماما كبيرا رغبة منهم في تربية المريد ، وإذا كانت التربية في علم النفس الحديث هي تنمية الوظائف الجسميّة والعقليّة والخُلُقيّة كي تبلغ كمالها عن طريق التدريب والتثقيف ، والتي تهدف إلى تكوين رجال ناجحين حسب روسو ، وكذا جون لوك الذي يرى أنّ للتربية أغراض ثلاثة وهي التربية الجسميّة والتي تهدف إلى تقوية الجسم ونشاطه ، والتربية العقليّة التي تهدف إلى تزويد العقل بالمعرفة ، والتربية الخُلقيّة التي هي غرس الفضيلة في النفوس . ويهتمّ علم النفس التربويّ بدراسة السلوك في المواقف التربويّة خصوصا المدرسة ، وفي هذا المجال تكلّم معظم الصوفيّة عن طرق تربية النشء وتهذيبهم ، ولكن موضوع التربية يأخذ عندهم منحى آخر ، حيث تهدف إلى تزكية النفس وتطهيرها والرقيّ بها في مقامات الأخلاق ، حيث يعرّفها صاحب كتاب ميزاب الرحمة الربّانيّة " التربية هي تلقين الشيخ مريده أو الأخ أخاه دينه شيئا فشيئا لإزالة الحجب الحاجبة له عن مشاهدة مولاه فيئا ففيئا بمداومة نفسه على حسب تطوّره طورا فطورا " ، أيّ أنّ التربية هي تهذيب للروح وتزكيتها ، أيّ الغرض منها تزكية النفس للوصول إلى معرفة الحقّ تعالى لا مجرّد تهذيبها كما هو الحال في علم النفس .
علم النفس والتصوّف : تأثير وتأثّر :
إنّ لعلماء التصوّف أبحاث ومشاركات في شتّى الميادين العلميّة والثقافيّة وهذا ما يفسّر التأثير الإيجابيّ الذي استفاده التصوّف من علم النفس الحديث باعتبار أنّ هذا الأخير أصوله المدارس الصوفيّة وما أفرزته من نتائج وحقّقته من انجازات ايجابيّة في ميدان النفس . يقول أحد الشعراء :
إنما النفـس كالزجاجة  والعقـل      سراج وحـمـكـة اللـه زيـت
فـإذا أشـرقـت فـإنّـك حـيّ      وإذا أظـلمـت فـإنّـك  مـيْـت
وهو يشير إلى نظريّة حديثة في التربية متمثّلة في توجيه نور الروح عبر العقل إلى النفس ، وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ علم النفس وهو يعالج موضوع التربية لا يتجاوز الكلام عن العقل الذي هو القوى المدركة ولم يستطع لحدّ الآن النفاذ إلى الروح التي هي سرّ من أسرار الحقّ المودعة في الخلق ، وبهذا سبقه التصوّف إذ لا إشكال في إدراك الحسن والقبح ولكن الإشكال في " كيف أحمل نفسي على ترك القبح " وهي تشتهيه ، وعلى فعل الحسن وهي لا تشتهيه ؟ " ، وهنا يحضرني قول شقيق البلخيّ حين سئل عن سبب إعراض الأنفس عن قبول المواعظ والترغيب والترهيب ، فأجاب كلّ ذلك لقلّة اليقين ، ولمّا سئل عن سبب قلّة اليقين ، أجاب لضعف البصيرة ، ولمّا سئل عن سبب ضعف البصيرة ، فأجاب لدناءة النفس وتخلّطها الكدورات . والنفس خاضعة للعقل ، وهو الوحيد الذي يستطيع إقناعها بتحمّل وخز الإبرة من أجل الشفاء ، والقبول بِكَيِّ النار من أجل ذهاب الألم ، لهذا كان دور العقل كبير جدّا في التربية ، وهو المنفذ الذي يعتمده علم النفس الحديث عن طريق البرمجة اللغويّة العصبيّة، من أجل الوصول إلى أهداف سريعة بأوقات قياسيّة ، ومنها لإقناع النفس بجملة من الصفات المحبّبة " التحلية عند الصوفيّة " ، وتركها لجملة من الصفات الذميمة " التخلية عند الصوفيّة " والذي يقوم بها في علم النفس هو : المربّي أو المرشد أو الأستاذ وهو الشيخ عند الصوفيّة . ومبدؤها العقل لأنّه يقنع العقل بحقائق ميدانيّة إذا اقتنع بها سهل على النفس التحقّق بها لأنّ النفس زجاجة سراجها العقل . ودعوة الشيخ سيّدي محمّد العيد ـ حفظه الله ـ إلى العلم تهدف إلى شحذ العقل لأنّ نور العقل هو العلم ، فإذا استنار العقل بالعلم أشرقت حقائق الروح فيه .
التصوّف والباراسيكولوجيا :
إنّ علم النفس والتصوّف يلتقيان في علم حديث ، هذا العلم هو الباراسيكولوجي ، أيّ علم الخوارق ، هذا العلم يلتقي مع التصوّف ويدرس أعماق النفس البشريّة .
لقد لوحظ منذ القدم أنّ هناك أعداد متزايدة من البشر تبرز لهم قدرات تمكّنهم من القيام بمجموعة من أعمال يعجز عنها الآخرون وتتجاوز المدى الحسّي المتعارف عليه وتحدث من دون وسائط حسّيّة . هذه الظواهر والقدرات الخارقة أو فوق الحسّيّة " كونها لا تعتمد على الحواس الخمس " والتي تقع خارج حدود فهم الإنسان العاديّ قد برزت على امتداده ، وكانت تجذبه إليها بلا هوادة أو انقطاع ، وتعكّر صفو استسلامه للتحاليل الماديّة للأمور وتستدرجه إلى اكتشاف خفايا شخصيّته وأبعاده العميقة . وفي خضمّ الثورة العلميّة كان لا بدّ للقدرات فوق الحسّيّة أن تطالها يد العلم وتخرجها من الثورة العلميّة . كان يجب التصدّي لها وإخضاعها للدراسة والملاحظة العلميّة والتجريب والقياس ، و يتألّف مصطلح الباراسيكولوجي " ما وراء علم النفس " من شقّيْن ، أحدهما " البارا " ( para ) ويعني قرب أو جانب أو ما وراء ، أمّا الشقّ الثاني فهو " سيكولوجي " ( psychology ) ويعني علم النفس . وفي الوطن العربي هناك من سمّاه الخارقيّة ، ومن سمّاه علم القابليّات الروحيّة ، ومن سمّاه علم نفس الحاسّة السادسة . لقد كانت الخوارق البشريّة غير المعتادة هي الشغل الشاغل لعلماء النفس والاجتماع والرياضيات والفلك ، وإنّ الصوفيّة لهم تفسير خاصّ للخوارق على أنّها تدخل ضمن المعرفة الذوقيّة والكرامات التي يخصّ بها الله عباده .
مساعدة التصوّف لعلم النفس :
يستطيع التصوّف أن يساعد علم النفس في فهم النفس البشريّة ، وتحقيق الشخصيّة السويّة للأفراد، باعتبار أنّ علم النفس الحديث توصّل إلى أنّ أنجع علاج للمريض النفسيّ هو العلاج الدينيّ ، إذ أنّ الصراعات النفسيّة تنبثق من التناقض بين قوى الخير والشرّ ، وبين الغرائز والمحرّمات ، ومن ذلك الشعور بالذنب والخطأ ممّا يتسبّب في القلق والفزع واضطراب السلوك ، غير أنّ أصول الشخصيّة الإسلاميّة لا تزال ترتكز على القيم المنبثقة من تعاليم الإسلام ، وهذه القيم تمثّل العناصر الأساسيّة الواقية من المرض النفسيّ ، وقد أكّد العديد من العلماء على مفعول تعاليم الدين لتربية النفس واطمئنانها بواسطة التوبة ، وهذا ما نجده عند الصوفيّة ، حيث يهتمّون بترقية النفس وتهذيبها وتقريبها من ربّها، ولا يمكن أن نهمل دور الشيخ في تحقيق التوازن النفسيّ للمريد . يقول الدكتور ساعد خيمسي ( أستاذ متخصّص في التصوّف ، جامعة قسنطينة ) : يمكن مقارنة ضرورة الشيخ للمريد والعلاقة التي تربط بينهما بضرورة مثول المريض مرضا نفسيّا أمام الطبيب المختصّ ، والمعالجة لا تتمّ إلاّ إذا حصل الطبيب على ثقة المريض التامّة فيبوح له بالأسرار وحينئذ يتمكّن المعالج من الولوج إلى أعماق نفسه حتّى يتكشف له الداء ، كذلك المريد يجب أن يكون صادقا في مزمعه محسّنا الظنّ بشيخه واضعا ثقته فيه ومعتقدا بأنّ أستاذه عالم بالنفس وخباياها ، وقادر على هدايتها وإرشادها إلى الطريق _ ومن هنا يمكن القول أنّ الشيخ هو طبيب نفسيّ لمريديه .
مساعدة علم النفس للتصوّف :
كما يمكن القول أنّ التصوّف يمكن أن يستفيد من علم النفس في معرفة حاجات المريدين قصد إشباعها ، وكذا استخدام البرمجة اللغويّة العصبيّة في تعويد المريدين على عادات معيّنة للتمكّن من استغلال طاقتهم الكامنة لتقديم أكبر خدمات لمنهجهم الذي يتّبعونه ، وهذه الاستفادة تقتضيها متطلّبات العولمة .
ممّا سبق يمكن القول أنّ الاهتمام بعلم النفس لا يعني ذلك العلم المستقلّ حديثا بموضوعه ومناهجه ، بل هو علم غائيّ مرتبط بالأخلاق ، يسعى إلى تزكية النفس وترويضها على الأخلاق المحمودة . فهو سعي إلى الكمال بالنفس البشريّة ، لا مجرّد علاجها والبحث لها عن السلوك السويّ العاديّ كما هو الحال في علم النفس الحديث ، لهذا كان علم النفس عند الصوفيّة مندرج تحت مسمّى الأخلاق .
إنّ البحث في علاقة التصوّف بعلم النفس لا يمكن حصرها في محاضرة واحدة ولا في موضوع واحد ، لأنّ هذا المجال واسع وعميق يحتاج إلى تكاثف جهود من أجل التوصّل إلى نتائج أدقّ في هذا الموضوع .