البحث في نفحات7

 نفحات7 - دراسات - إنكار عذاب القبر
الـرّئيسيـــة > دراســــــات > إنــــكار عــــذاب القبـــــر

بقلم : محمود سلطاني 02/06/2017

ينكر البعض عذاب القبر، ولا أفهم لماذا ينكرونه. فالمسألة من الغيبيات التي أخبر بها سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ووصلنا نبؤها عن طريق الثقات بالتواتر، وفق منهاج علميّ، وليست ثمرة لإعمال العقل حتّى يكون لمن شاء الحق في أخذها أو ردّها. والإيمان به لا يترتّب عنه مثل ما يترتّب عن الحدود التي تعكّر على المنساقين وراء أنفسهم ساعات متَعِهم بأوامرها ونواهيها، وإنّما هو اعتقاد قلبي لا يضيف إلى الواجبات الدينية شيئا، لأنّه عذابٌ لا ينشأ إلاّ بنفس أسباب العذاب الأكبر المصيري الناشئ عن السلوك البشري والذي على ضوئه يعاقب الإنسان أو يثاب. عذاب القبر لا يتطلّب عملا مختلفا عمّا يوجب عذاب الآخرة الذي يؤمن به المنكر، فما الداعي إذن إلى الإنكار؟
والإنكار مسؤولية عظمى ملقاة على صاحبها ويجب إقامة الحجة على صدقيته. ليس الأمر قولا من كلام البشر العاديين القابل للنقاش والتقليب مهما كانت درجة علمهم وتخصصهم، ولكنه كلام سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وذلك يُلزِم حذرا خاصّا عند إبداء الرأي فيه، والإعلان عن قرار ترْكه. ومن دوافع التردّد المحبّذ، كثرة الأحاديث النبوية في موضوع مّا، لأنّ كثرة الروايات ترفع من نسبة صدق الموضوع وإنْ ضعف. ويعلم كلّ مسلم أنّ خبر عذاب القبر مرويٌّ بواسطة متون وأسانيد كثيرة ومنسوبة لأصدق سلاسل الرجال. ألا يكفي ذلك لدفع المنكر إلى التريّث؟ ماذا لو كان في كل هذا الكمّ من الأحاديث حديث واحد صحيح، ونبذه المنكر؟ فإن كان للمختصّ في هذا الفنّ حجته أمام الله في تعديل وجرح الأحاديث، فما هي حجة المنكر وهو ليس من أهله؟ قد يكون المنكر متعلّما، مثقفا، قادرا على خوض وفهم مسائل علوم لم يدرسها دراسة تخصص، بمجهوده الخاص، لكن ذلك لن يكون له عذرا أمام الله لأنّ مسائل العقيدة لا تُدار بمستويات الثقافة العامّة، والتكوين العصامي الشخصي. إنّ الصفة الرئيسية لمسائل العقيدة هي العلم والتقوى والإجماع قدر المستطاع القائم على التشاور وتلاقح أفكار من ثبت كمال عقله. بغير هذه الصفات من الصدق والإمكانيات لا يمكن لكائنٍ من كان أن يقرّر تعطيل أيّ نصّ من نصوص الشرع.
وأنا أيضا لست مختصّا في العلوم الشرعية، لكنّي أؤمن بكل ما جاء في السنّة عن عذاب القبر، وسوف أواجه أفكار المنكرين له بصفتي مطّلع على ما يكفي ممّا يمنحني الدفاع عن السنّة المطهّرة، اعتقادا وواجبا وغيرة. وإنْ حدث وأخطأت، فخطئي حصل في حق فكر إنسان مثلي من ناحية، وأن فرص الانتصار للسنّة بقيتْ كاملة لأنّ شططي لا يمثّل سوى فكري الخاص، من ناحية أخرى.
وبعد اطّلاعي على أدلّة منكري عذاب القبر على إنكارهم، حصرتها في نقطتيْن:
1- إنّ عدل الله تعالى يقتضي عدم تعذيب عباده قبل محاسبتهم، ولا محاسبة قبل البعث. ولذلك، فإنّ الإيمان بعذاب القبر يعني الطعن في عدل الله.
2- إعتبار أحاديث عذاب القبر متعارضة مع آياتٍ من القرآن لأنّها تعارضت مع فهمهم الخاص لها، والحكم بكذب الأحاديث.

الردّ على المسألة الأولى

إنّ أوّل خطإ وقع فيه أولئك المنكرون هو حكمهم على فعل الله بنفس معايير حكمهم على فعل المخلوقات، فتصوّروا أنّ الله سبحانه وتعالى يتّبع نفس تراتبية سلوك العبد في القضاء بين العباد، واقتفاء نفس سلسلة الأولويات لتحديد مواطن الحق. وهذا جهل بمرتبة الخالق جلّ وعلا، كافٍ لترك كلّ ما يعقبه من ادّعاء. لقد نسي أولئك أنّ ما ألْجأ البشر إلى انتهاج خطوات متتالية حتمية في عملية إقامة الحجج هو جهلهم بالغيب، وأنّ تلك الحجج محمولة في جوف قرائن متفرّقة لا تصلح للحكم إلا بعد جلبها ونظمها حسب منطق معيّن يزيل الجهل بملابسات القضية وتتحوّل إلى شبه شهادة يمكن البناء على أساسها.
فهل الله تعالى مضطرٌّ إلى ذلك التسلسل والبحث ليكون حكمه عادلا؟
الله جلّ وعلا عادلٌ سواء حكم وعاقب قبل محاسبة عبده أو بعدها، وهو لا يفعل ذلك عبثا، ولكن لحكمة ليس شرطا أن يبيّنها لكلّ عباده. وعبده المعاقَب نفسه سوف يشهد له بالعدل بعد عقابه حين يوقفه أمامه ليحاسبه ليسلّط عليه عذابا آخر من نوع آخر. الغيب والشهادة والزمن بأوجهه الثلاثة من خصائصنا نحن البشر، أمّا خالقهم جميعا، فأي ترتيب يريد البعض أن يخضعوه له؟
قد يعترض علينا المنكر قائلا: إنّ الحكمة في ترتيب العقاب بعد الحساب ليعلم العبد أنه لم يُظلَم، وليس لحاجة الله له ليثبت أنه عادلٌ.
وهذا صحيح، لكن تعجيل بعض العذاب لا يُدخل على مفهوم عدل الله خللا، لأن الله يكشف لعبده المعذّب قبل الحساب من صفاته ما لا يبقى معه ظلٌّ للشك ولا التردد في مطلق عدالته سبحانه وتعالى ولو وفّاه كلّ حسابه قبل البعث والحساب .
لكني سأجاري منطق منكري عذاب القبر لتقويضه به نفسه. فإنْ صدّقنا أن العذاب لا يمكن أن يكون إلا بعد الحساب يوم القيامة، إذن، فإنّ الله لا يمكن أن يعذّب خلقه في الدنيا أيضا، لأنّ الدنيا دار عمل وليست دار حساب وجزاء. لكن القرآن مشحون بأخبار الأمم المكذّبة الكافرة التي حاق بها العذاب من جميع الأصناف.
وحين نقارن بين حالة العبد المعذّب في القبر وحالته حين عذابه في الدنيا، نرى أن الأوْلى بتجنيبه العذاب هو العبد الذي لا يزال حيّا، لأنّ فرصته في التوبة والإيمان لا تزال قائمة، على عكس الذي مات وانقطع عمله وتحدّد مصيره، فإن وقوع العذاب عليه أقرب إلى الصواب.
أقول فرصته في الإيمان لا تزال قائمة في نظرنا نحن المخلوقين، أمّا في علم الله فلا فرق بين من مات ومن بقي في أجله مدّة.
قال تعالى مخاطبا سيّدنا نوح عليه الصلاة والسلام: وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ . هذه عيّنة من الحكم الإلهيّ، ليس فحسب قبل الحساب، بل وقبل الممات والقبر، فهل يوجد من المخلوقات من سيدّعي القدرة، وهو على أحواله البشرية، على الجزم في نوعية مصير رؤوس الكفر أنفسهم كما حكم الله في الآية؟
والجواب: لا طبعا.
فلمّا كان ذلك كذلك، فهل تصحّ مقارنة فعْل الله بفعل المخلوق، وكأنّ الفعليْن من نفس الصنف ويجريان على نفس المهيع ؟
هذا هو الفرق بين من يجهل ويخشى أن يظلم فيتّبع منهجا خاصّا لا بديل عنه ليعلم ويعدل، وبين عالم السرّ وأخفى الذي لا " قبْل " لفعله ولا " بعْد "، ولا حيْف يُخشى منه في الحالتين، بل هي حالة فريدة في حقه سبحانه وتعالى، وما التنوّع إلا من أحوالنا.
ثم يردف المولى تعالى بحكم آخر فيقول لرسوله الكريم نوح عليه السلام: وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ، أيّ أنّهم معاقَبون في الدنيا، وهُم على قيد الحياة، بلا حساب، فقط بعلم الله الأزلي وكماله المطلق، وكفى به حسابا وأكرم به من حسيب.
وقال تعالى أيضا في سورة نوح: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً . لقد تسبّبت خطيئاتهم في نوعين من العقوبة، الغرق في الدنيا ودخول النار يوم البعث.
وقال تعالى عن عاد، قوم سيّدنا هود عليه الصلاة والسلام: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنْصَرُونَ ، وهذا دليل مفصّل على إمكان التعذيب في الدنيا قبل الحساب.
ومن أدلّة العقاب والعذاب في الدنيا، قوله تعالى: فَأَخَذَهُمْ الْعَذَابُ
وقال جلّ ذكره: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
وقال في حق قوم سيّدنا لوط عليه الصلاة والسلام: يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ .
وقال فيهم أيضا: وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ
، ثم قال بعد آيات من نفس السورة، مشيرا إلى أهل الكفر: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ.
والشاهد في كل الآيات المذكورة هو:
- نزول عذاب الله في الدنيا
- هذا العذاب أقلّ من عذاب الآخرة بفارق لا يخطر على قلب بشر.
أما عن سؤال الملكين للميّت في قبره والعذاب الواقع على أهل الشقاء بأيديهما، فهو أيضا غيبٌ من خبر سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، نسلّم به ونصدّقه. والذين ينكرونه بحجّة تولّي الله الحساب بنفسه، لا أساس منطقي لإنكارهم لأن منطقهم في الإنكار هو نفسه ما يقودهم إلى الدليل في كتاب الله على خطئهم. ألم يقولوا أنّ المرجع هو القرآن؟
هنا أيضا وقع المنكرون في فخّ الخلط بين ما هو من اختصاص الله وما هو من اختصاص المخلوق ممّا اختصّه الله به بإرادته. فالملكان حين يسألان الأموات يفعلان ذلك بإذن الله وفق قواعد ثابتة وضعها المولى تعالى لهما، لا يحيدان عنها قيد ذرّة. قال تعالى، واصفا الملائكة: بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ تقرّ الآية بأنّ الملائكة " يعملون " و " يشفعون " لكن عملهم مشروط بإذن الله، وعدم تناقضه مع الأمر الإلهي قولا وعملا كادّعاء الألوهية. ولم يحدد الله تعالى جنس عمل الملائكة الكرام، لكنّنا نعلم منه الكثير، وهو تخصّصات كما يحدث لدى المجتمعات البشرية مع مراعاة فوارق الأهداف طبعا. ليس من ظاهرة على الأرض أو شأن من شؤون السماء إلاّ ومن تنفيذ الملائكة بدون استثناء. لكن ما يهمّنا في هذا المحلّ هما الملكان عن يمين وعن شمال الإنسان اللذان يسجّلان أفعاله بنوعيْها، وهُما لا يكتبان إلا عن علم معصوم من الخطإ والإلتباس والظن بمعنى الخير والشر خارج عن دوائر تصوّر العقل البشري، والذي على أساسه سيحاسب الله عباده. فهل كان الله في حاجة لتقارير من خلقه كي يصدر أحكامه؟ لقد علم الله ما هو كائن، وهو قادر على إخراجه بنفسه لعبده يوم الحساب من غير عودة لسجلاّت الحفظة. لكنه أناط تلك المهمّة بمن خلق لحكمة لا يعلمها سواه.
السؤال هو: ما دام أنّ الملائكة قد انتُدِبوا لكتابة الأفعال المحدّدة لمصائر البشر، فلِم العجب من انتداب ملائكة تسأل الأموات في قبورهم وفق نفس المنهج والبرنامج الرباني؟ قال تعالى: وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ ، وظاهرٌ جليٌّ أنّ الجزاء الأوّل ليس في الآخرة، فهو، إذن، إمّا في الدنيا أو في القبر؟ وفي كلتا الحالتيْن فإنّ خطأ المنكِر ثابتٌ.
وفي القرآن الكريم يذكر الله لنا صنفا من العذاب تقوم به الملائكة أثناء قبض أرواح الكفّار، فيقول جلّ ذكره: وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ . وقال أيضا: فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ . أليس موت الإنسان مرادف للقبر ولو أنّه لا يزال على فراشه في بيته؟ اليس لسان حال من ينكر عذاب القبر يقول: وبأيّ حقّ تضرب الملائكة الميّت ولمّا يقف أمام محاسبه الحقّ؟ لكن هذا هو الله نفسه من يقول ويأمر بذلك الضرب. فهل سنقول له، كما سمعت أحد منكري سؤال الملكين يقول:"هو حتّى الملائكة حتحاسبنا كمان؟ "
بل إنّ في القرآن الكريم الدليل القاطع على أنّ الإنسان نفسه منتدبٌ من قبل الله ليعذّب الظالمين. قال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ . وذلك انتدابٌ للمخلوق للتعذيب، لكن وفق الشروط الإلهية المنظّمة لجميع تصرّفاته في الحياة الدنيا، لا كما يقرّره المخلوق نفسه وما يصاحب ذلك من إجحاف ووحشية.

الردّ على المسألة الثانية

يعتمد منكر عذاب القبر على قول الكافر يوم القيامة في الآية الكريمة: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ، قائلا: أنّ الميّت كان قبل بعثه راقدا ومرتاحا. وقال: لا وجود لحياة برزخية لأنّ الوقت بين موت المخلوق ويوم البعث متوقّف تماما.
نحن أمام مجموعة من الادّعاءات فيها ما فيها من الخلط، والتخمين، ونرى أنّها أبعد ما تكون عن الفرضيات فضلا عن أن تسمّى حقائق.
إنّ كلمة "مرقدنا" في الآية لا تدلّ على الرقاد ولكن على القبر، آخر مضجع للميّت. ولا ننكر أنّ من معاني "مرقد" الرقاد، إلاّ أنّ إدراجها هنا بهذا المعنى لِنفي عذاب القبر لا يستقيم مع طبيعة تركيبة المخلوق البشري المكوّن من روح وجسد. ولقد تجاهل هؤلاء أساس القضية برمتها، وهي انفصالهما عن بعضهما بفعل الموت. نسوا أنّ الرقاد والنوم الذي ينسبونه لمعنى الآية مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا لا يتمّ سوى بالْتقاء الجسد والروح ليصبح مفعّلا ومتناسبا مع النوم بالمفهوم الدنيوي المُريح. أمّا وقد فارقت الروح الجسد، فعن أي نومٍ أو راحة يتحدّثون؟ نوم الجسد؟ أم نوم الروح؟ بالنسبة للجسد فإن مفهوم النوم قد انعدم لأنه عاد إلى حالة الجماد ولو بقي سالما من التلف. فكيف له أن ينام، أو يعلم أنه نام، وهو في أغلب الأحوال يتحوّل إلى رمّة وغبار، بغض النظر عن عقيدة الميت؟
أمّا الروح فإنّها الحياة عينها، وهي مستيقظة وموجودة على هيئة خاصة مّا. الأكيد أنها في عالم "مؤقت" بمعنى انتظارها في تجمّع كل أرواح البشر بعد موتهم، ثمّ الاستعداد للعودة إلى جسدها حين يأذن الله تعالى بيوم القيامة. فما دام ذلك العالم ليس الآخرة، ولا هو من البعث، فماذا يكون إذن؟
منكر الحياة البرزخية يتمسّك بقوله تعالى: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثونَ ، ويقول إنّ الأموات حين يجتازون البرزخ فإنّه يصبح وراءهم أو هُم أمامه، لكن ليسوا فيه. بعبارة أخرى، إنّ التعبير بالأمام والوراء لا يصح في حقّ من كان داخل الشيء.
أوّلا، إنّ جوهر النقاش مع المنكر ليس في التسمية نفسها، إذ قد تكون مجرّد مصطلح لتعيين مسمّى، والمسمّى ثابت كما بيّنا أعلاه، وهو عالم تجمّع أرواح الخلائق، والإنكار واقع على ما يحدث فيه لا على لقبه وعنوانه.
ثانيا، إنّ البرزخ – لغويّا - هو الحاجز بين شيئيْن، وقد يكون محيطا له أبعاد يحول بين بحريْن أو قطعتيّ أرضٍ، ويستوعب أصنافا كثيرة من الأحياء الحيوانية والنباتية ذات خصائص فريدة لا تتوفّر في البيئة التي أمامه ولا في التي وراءه. وكون المخلوقات موجودة " فيه " لا ينفي له خصوصية الـ" وراء " والـ" أمام " ما دامت له حدود. هذا في برزخ الدنيا المقيّد بقوانين المادة. فكيف ببرزخ الأموات المجهول، الخاضع قطعا لقوانين مختلفة لا منفذ للعقل لها، وعلمها لا سبيل له سوى الوحي والتسليم.
والقول بأنّ الوقت عند الميّت متوقّفٌ تماما غير صحيح، بدليل الآية: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . ما يتعجّب له الأموات هو قِصر الوقت، والقصير مهما كان قصيرا ليس منعدما. ويدلّ حرف الجرّ " إلى " في عبارة إلى يوم البعث على " المدّة " بين حدثيْن. ويدلّ حرف الإشارة " هذا " في عبارة فهذا يوم البعث على المجيء والحيْنونة، وهذا لا يتأتّى سوى بوجود وقتٍ يمرّ.
ثمّ إنّه في الآخرة إشارات إلى الوقت، فلِم لا يكون في القبر؟
قال المولى تعالى، في وصف الجنّة: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا وقال عن أصحاب النار: لابثين فيها أحقابا هذه آيات تدفع كلّ مؤمن لبيب إلى التحفّظ في إصدار الأحكام على الغيبيات. ومهما كان اليقين بأنّها مُدَد وأوقات مختلفة عن مفهوم وقت الدنيا، إلاّ أنّ ظاهرها يُنبِئ عن الوقت وتقسيمه المعهود. فمَن مِنَ الطرفيْن أقرب إلى الموضوعية؟ أيّ لِمَ لا يكون وقتا من طراز مجهول؟
وعلى فرض توقّف الوقت بعد الموت كما قال، فهل كلّ ظاهرة في الوجود متوقّفة على عامل الزمن؟ هل " المدّة " ضرورية ليفعل العذاب مفعوله في عالم غير عالم دنيانا؟ فإنْ كان الجواب " لا، ليس شرطا " - وهو حتما كذلك - فلِم لا ينطبق ذلك على القبر؟
هذا هو خطأ منكر عذاب القبر والبرزخ. حصْرُه معنى الحياة في ما علمه في هذه الدار وقياسه بمعاييرها، وكأنّ الروح المجرّدة في حاجة مطلقة إلى أعضاء الجسد وحواسه ومنظومة إدارته كي تُفعّل فَتَحْيَا. وهذا جهل تام بالحقيقة، لأن العكس هو الصحيح، أيّ أنّ جميع ما تعكسه وظائف الجسد من اختصاصات هو جزء بسيط ممّا زوّد الله به الروح من قدرات، لا تستطيع منح أكثر منه بسبب الوسائط المادية التي تصيبها بالقصور. أما قدرات الروح المجرّدة فهي غير قابلة للتصوّر لاختلاف ماهيتها عن كلّ معلوم. والدليل على ما ذكرناه، تلقّيها الخطاب الإلهي في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا . وإلى مرحلة ما قبل دخول الجسد، فإنّ الروح كانت تعلم ذلك الخطاب، ثمّ لم تعد تتذكّره بعد دخولها بسبب الحجب، والدليل أنْ لا أحد يتذكّر ذلك بينما الكلّ كان معنيّا به.
والله ورسوله أعلم وأحكم