البحث في نفحات7

 نفحات7 - دراسات - الدنيا وحقيقتها
الـرّئيسيـة > دراســـات > الدنـيـــا وحـقـيـقـتـهــا

بقلم : محمود سلطاني 05/10/2016

لو اشتكت المخلوقات يوما لكانت الدنيا من بين أكثر المشتكين . وحُقّ لها أن تكون كذلك . كيف لا ، وهي التي لم تعرف الإنصاف من أكثرية أبنائها . وظلمهم لها متنوّع لكنه كلّه يصبّ في مُجمَّع واحد : أحادية الاعتبار . ما وقع ـ ويقع ـ للدنيا هو نفس ما كان سيقع للدينار لو اعترف الناس بوجه من وجوهه وتجاهلوا وجهه الآخر ، ثمّ مضوا على ذلك حتى يصير هو الواقع من شدّة مألوفيته . والإنصاف المفضي للعدل هو أنْ لا حكم على الأمر إلاّ بعد النظر إليه من كلّ جوانبه ، وفهمها متفرّقة ، ثمّ فهم صلة الواحد منها بالآخر وما ينجرّ عن تفاعلها مع بعضها من نتائج .
وحقيقة ما حصل للدنيا هو انحجاب وجهٍ بسبب طغيان وجهٍ آخر على صفةٍ من صفات البشر القاهرة ، وهو تأثير المصلحة الظاهرة المستأثرة بالطبع . ويختلف مظهر الانحجاب عند المؤمن والكافر ، لكنه يتساوى في النهاية عند الجميع حين ينسدل الستار الصفيق ويقع التقصير أمام سدوده .
فالكافر لا يرى في الدنيا سوى أوقات عابرة يعقبها فناءٌ أبديّ ، ولذلك فهو لا يتوانى لحظة واحدة لاستغلال كلّ وسيلة تضمن له المتعة بأعلى تركيز . فيقع الظلم منه على الدنيا .
والمؤمن ، في أغلب الأحيان ، لا يرى في الدنيا سوى أيّام فانية تنساب وبين يدي كلّ عضو فيها سلاحا فتّاكا ، إن أخطأك واحد أصابك ضعفه . فهي بالنسبة له رمز الغدر والغرور والزيف والأمل المبتور ، والسعادة السارية في شرايين المكر ، والمتعة الكاذبة الحاملة لأسباب انقطاعها الفجائي . فيقع الظلم منه على الدنيا .
ظلمٌ هنا .. وظلمٌ هناك ، والإنسان يظن في قرارة نفسه أنّه انتهى من واجب ، بينما هو في الحقيقة لم يؤدّ سوى خُداج واجب . وتستمرّ الضحية في القبوع بقاع الإجحاف حقبا بعد حقبٍ ، ولا أمل لها سوى بصيص موضوعية يظهر متقطّعا من حين لآخر في نهاية النفق . إنه بصيص آثار أنامل رفيقة تتسلّل إلى الأسدال لتزيحها وتكشف عن حقيقة مشرقة مباركة تعيد الأوضاع إلى هيئتها السويّة . عند ذلك المنعطف سيظهر أنّ للدنيا امتدادا إضافيّا أصليّا شاسعا في مفهومها . إمتدادٌ بمثابة القرينة القويّة التي تغيّر مجريات الحكم وحيثياته .
ومن حيثياته أنّ محلّ الناظر للدنيا سيتغيّر . فبعد أن كان يراها جوهرا مستقلاّ بذاته سيصبح يراها حالة من أحواله هو وللحياة التي يحياها فيها . هنا ، يكاد كلّ واحد أن تكون له دنياه الخاصة به ، ويكاد تصدق عليه مقولة : " قل لي من أنت أقول لك ما هي دنياك " . وسبب ذلك هو العلاقة الوثيقة القائمة بين الدنيا والذات المكلّفة إلى درجة أنّ هذه الذات هي التي تعطي الروح لمفهوم الدنيا ، وتُمِدّها بنوع القيمة التي بمقتضاها يحاسب الإنسان .
وهنا بيت القصيد .
إنّ حقيقة الاختلال في معاملة الدنيا نابع من كون أهلها ينسون أنّها ، قبل أن تكون مخزنا للسلبيات والنقص ، هي تجلٍّ لإرادة الباري جلّ وعلا ومظهرا من مظاهر حكمته الكاملة المقصودة . والمسؤول الحقيقي عن ذلك هو الجهل بحقيقة مرامي النصوص المقدّسة . فليس لأنّ الله تعالى فطر الدنيا على النقص ، ووصفها على لسانه وعلى لسان رسوله الأعظم بما يشينها ، بمُخرجٍ إيّاها من حوزة الكمال الإلهي ، إذْ لا محلّ للنقص في الأمر الإلهي ، وأنّ ما يُفرِّق بين الحقيقة المألوفة والحقيقة المحجوبة هو اختلاف النِّسب فقط .
وأشدّ ما يتجذّر هذا الجهل حين مقارنة النصوص الخاصة بالدنيا والآخرة ، وهو خطأ جسيم ، لأنّ فيه خلْطٌ بين المقارنة المشروعة بين داريْن مخلوقتين من ناحية وبين تأويل المخلوق للمغزى الأزلي في الإيجاد الصادر عن الخالق من ناحية أخرى . فكوْن الجنّة ونعيمها لا يخطر على قلب بشر ، وكوْن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا ، وكوْن نعيم الدنيا من نعيم الآخرة كقيمة ما يعلق بالإصبع من ماء حين نغمّسه في اليمّ الخ ... لا ينفي تفرّد الدنيا بخصائص إلهية هي من عظمة العظيم المطلق ، والتي لا توجد في الجنّة نفسها . هذا بديهيّ ، لأنّه ليس في الحكمة الإلهية زوائد غير ذات جدوى ، وليست الدنيا بدعا من ذلك .
فبقدر ما ينبذ أهل التحقيق والأبرار جانبا من الدنيا ، تجدهم يتأسّفون عن جانب آخر منها . فلقد كان بعض الصالحين بُظهِر حسرته على فراق الدنيا فقط من أجل ركعات تعوّد عليها وسوف ينقطع عن آدائها في جوف الليل .
وقد قال أهل الله : يكفي تعظيما لشأن ذكر الله عمّن سواه من أعمال البرّ أنّه العبادة الوحيدة التي تستمرّ في الآخرة من أعمال الصالحات في الدنيا . وهذا يدلّ على حيازة الدنيا شرف سبق تلقّيه قبل الآخرة .
بل وإنّ في الدنيا معنى من معاني امتداد الجنّة فيها ، وذلك بالنص القرآني . فلقد مكثتُ مدّة أتدبّر قوله عزّ مِن قائل : " لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى " ، يعني في الجنّة ، وكنتُ أقول إنّه بحسب سياق الآية الشريفة فإنّ " الموتة الأولى " تحدث في الجنّة ، لكن أيّ جنّة والكلّ يعلم أن الموت لا يقع إلا في الدنيا ؟ هل في الدنيا مظهرٌ من مظاهر الجنّة ؟ والتجأت إلى التفاسير علّني أجد ما يعضد ما فكّرتُ فيه ، فوجدته عند الإمام الرازي رضي الله عنه حيث قال في تفسيره " مفاتيح الغيب " : (أن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله تعالى وبطاعته ومحبته وإذا كان الأمر كذلك فإن الإنسان الذي فاز بهذه السعادة فهو في الدنيا في الجنة وفي الآخرة أيضاً في الجنة وإذا كان الأمر كذلك فقد وقعت الموتة الأولى حين كان الإنسان في لجنة الحقيقية التي هي جنة المعرفة بالله ولمحبة فذكر هذا الاستثناء كالتنبيه على قولنا إن الجنة الحقيقية هي حصول هذه الحالة لا الدار التي هي دار الأكل والشرب ولهذا السبب قال عليه السلام " أنبياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار" ) .
إذن فأهل الخير والإيمان والصلاح من خلق الله يضعون في الجنّة قدما وهم لا يزالون في الدنيا . ويتضح ذلك أكثر حين نطّلع على تصريحاتهم ، من قبيل " لو علم الملوك ما نحن فيه من نعيمِ مناجاة الله في القيام لحاربونا عليه " أو " إنّ المقرّبين يتلذّذون بالمصائب كما يتلذّذ العامّة بالمطايب " .
وفي الدنيا نعيمٌ مختلف آخر لا وجود له قبل الحياة الترابية ولا بعدها ، وهو نعيم تحقيق الأهداف بالعمل . إنّه نعيم لا يعرفه إلا من ذاقه ممّن سعى وتعب وسهر لأجل التمكين للحقّ ، ولإضافة الخير إلى الخير خدمة لخلق الله بنِيَّةِ التعبّد والإمتثال .
وفي الدنيا الكثير من الأسرار الكامنة كمون النور في الصخر . فمن أراد الوصول إلى النور فمن واجبه اتّباع البصمات الإلهية لنيل موضع سجدة في محراب الخلاّق الحكيم ، ومَن اكتفى بظاهره فليس له سوى الصخر أمام ناظريه .