البحث في نفحات7

 نفحات7 - محاضرات - دور الزاوية التجانية بقمار في نهضة سُوفْ والأمصار المجاورة
الـرّئيسيـة > محاضـرات > دور الزاوية التجانية بقمـار في نهضة سُـوفْ والأمصار المجاورة


بقلم الأستاذ : بن سالم بالهادف - الجزائر

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين ، وآله الطيّبين ، وصحبه المبجّلين ، وعلى عباد الله الصالحين في الأوّلين والآخرين .
أيّها الشيوخ الأماجد والعلماء الأفاضل
أيّها الضيوف الكرام
أيّها الجمع المبارك
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
يسعدني كثيرا ، ويطيب لي أكثر أن أكون بينكم اليوم لأنقل لكم ما سجّله التاريخ لأوّل زاوية للطريقة التجانية من دور في نهضة منطقة سوف والأمصار المجاورة لها .
لمحة موجزة عن ربوع سوف
سوف منطقة صحراوية تقع على العرق الشرقي الجنوبي للجمهورية الجزائرية على حدود البلاد التونسية الشقيقة ، على بحر لجيّ من الرمال الذهبية ، عاصمتها الاقتصاديًة " الوادي " التي كانت تسمّى قديما " الليجة " أو " منّاعة الهار ب " . سوف وحدة بشرية سكّانية صنعها الإنسان ، فسُوفْ بحقّ صنيع الرجال ، تعتمد أساسا على التجارة وغراسة النخيل وتربية الماشية خصوصا الإبل . مساحتها تقدّر بـ 40.000 كلم ، طولها يتجاوز 620 كلم من سطيل إلى غدامس ، وعرضها 160 كلم . ورغم صعوبة طبيعتها ومناخها إلاّ أنّ الإنسان السوفي حوّل يبابها إلى واحات نخيل غناءة وعمارة فريدة من نوعها تتوّجها القباب حتّى سمّيت مدينة الوادي ( مدينة الألف قبّة ) . الانسان في هاته الربوع تمسّك بالأرض لأنّه هو الذي صنعها وطوّع طبيعتها لفائدته ، حوّلها ، بعبقريته الرائعة وذهنيته الفريدة ، إلى واحات نخيل أخّاذة وعمارة ساحرة . لقد وقع تزاوج بين قساوة الطبيعة وشجاعة الإنسان في هاته الربوع فأنجبا السوفي ورسما ملامحه ، ونمط حياته وتفكيره والسمات المميّزة له ، وعمق تديّنه وحبّه لعقيدته وأرضه (1) .
قمار : واحة جميلة في ربوع سوف ، عاصمة دينية ، مدينة المساجد والزوايا ، والعلم والعلماء ، تحتلّ المرتبة الثانية بعد مدينة الوادي ، سكّانها يمتازون بالنشاط والجدّية ، يعيشون على الفلاحة الصحراوية من نخيل وفول سوداني وبطاطا ومختلف النباتات الموسمية ، وعُرِف سكّانها بحبّهم للعلم والعلماء ، كما عُرِفوا بسرعة البديهة والذكاء .
قمار هي تلك المدينة التاريخية والعاصمة الدينية ، وهي بقدر ما أضفى الخالق جلّت قدرته على ربوع سوف من جمال في الطبيعة إلاّ أنّ قمار مُنِحتْ انبساط الأرض وسهولتها ، وقرب الماء من السطح .
هاته المدينة تحمل مواصفات المدن العربية ، لها أبواب ( الباب الغربي ، والشرقي ، والبويبة ، والباب الظهراوي ...) ، والأزقّة المغطّاة ، و تراصّ المنازل المبنيّة أساسا بالمواد المحليّة : الجبس والحجارة (اللّوس أو زهرة الرمال ) . هاته المنازل رغم تراصّها وقِلّة الأزقّة فيها إلاّ أنّه في كلّ بيت تُراعى الطبيعة الصحراويّة والمناخ وتقلّبات الجوّ في الفصول ، و ظروف تخزين الطعام ، وراحة الإنسان بعد العناء والكدح ومقاومة الرمال وعاديات الطبيعة . فاعتُمِد لتسقيف البيت على القبّة لانكسار أشعّة الشمس عليها ، ورفضها لتكدس الرمال ، وانزلاق مياه الأمطار عليها ، ومنْحِها هواءًا إضافيّا لطيفا داخل الحجرات ، والغُرَف في البيت توزَّع لاستقبال أشعّة الشمس والسماح بدوران الهواء في المساكن ، وتخصَّص في كلّ بيت غرفة للصيف تتميّز بانحسار الشمس عنها بعد الزوال ، و أخرى يُبنى بها موقد بمدخنته تسمّى ( المقعد ) ، ولا يخلو بيت من غرفة لاستقبال الضيوف ، و أخرى لتخزين المؤن . وفي تراصّ البيوت دلالات واضحة للتماسك الاجتماعي في هاته المدينة .
وقد سجّل التاريخ أنّ أوّل زاوية للطريقة التجانية الراشدة بُنِيَتْ في مدينة قمار بأمر من القطب المكتوم الشيخ سيّدي أحمد التجاني (2)
تأسيس الزاوية التجانية بقمار
يرجع تأسيس الزاوية التجانية بقمار إلى اتّصال سيّدي محمد الساسي القماري بالشيخ سيّدي أحمد التجاني عندما ، رحل إلى مدينة الأغواط لتعليم القران والفقه للصبية. و في سنة 1198 هـ سمع بالشيخ سيّدي أحمد التجاني ، زاره في عين ماضي وأعجب به وأخذ عنه الطريقة . وحثّه الشيخ على الرجوع إلى بلده قمار لنشر الطريقة ، فامتثل سيّدي محمد الساسي لأمر الشيخ وبدأ فيما أمر به شيخه ، فاستجاب له العديد من سكّان قمار . وفي سنة 1201 هـ قرر جماعة من أهل قمار زيارة الشيخ بعين ماضي ، وكانوا عشرة رجال ، وهُمْ السادة الفضلاء :
  1. سيّدي محمد الساسي
  2. سيّدي الطاهر بن عبد الصادق
  3. سيّدي عبد الله بدّه
  4. سيّدي أحمد بن داس
  5. سيّدي أحمد منصور
  6. سيّدي أحمد بن سعد
  7. سيّدي علي بن حنيش
  8. سيّدي محمد بن أبي القاسم
  9. سيّدي محمد باسه

  10. ومن بلدة تغزوت ، القريبة من قمار :
  11. سيّدي أحمد بن سليمان الرابحي .
وقد سجّل الأستاذ سيّدي السايح حقّي هاته الزيارة الميمونة في القصيدة التي يروي فيها تاريخ الطريقة التجانية ، وهي في حدود المئتي بيت :
فأهـل سُـوف طلبوا الإذن لهـم      أن يبـتـنـوا زاويـة تقلـهـم
فقـال  فـي شـرقـيـة البـلاد      قـد أذن اللـه بـهـا  للـبـادي
فبنيـت غربـا بأرض الرابحـي      لكـثـرة التّـبـاع والمصـالـح
ثـمّ فـي قابـل مـع  الزيـارة      لم يرضهـا الشيـخ ولا مختـارة
فقال  بل هي في سُـوف الشرقي      أعنـي قـمـار أمـرهـا  بحـقّ
فقـام إذ ذاك الهمـام  الساسـي      مـدعّمـا  للمركـز  الأسـاسـي
وكـان  خـطّ بمـزايـا الجـود      التـونسـيّ سـيـره  المشهـود
وهـي أوّل زوايـا مـطـلـقـا      وفضلهـا ونفعـهـا  تحـقّـقـا
مساهمة زاوية قمار في استقرار المنطقة
وقد احتضنت الأحباب وكانت في انطلاقها لا تتعدّى 81 م2 ، جمعت المريدين للذكر وتلاوة القران ، وللالتقاء والتزاور ولنشر الطريقة . وبانتقال الشيخ سيّدي أحمد التجاني للرفيق الأعلى ، ملبّيا نداء مولاه ، أشرف على هاته الزاوية العامرة مباشرة ، تنظيما وتوسيعا ، الخليفة الأعظم الشيخ سيّدي الحاج علي التماسيني وخلفائه من بعده ، فكانت هاته الزاوية قلعة للعلم والمعرفة ، وساهمت بقسط وافر في النهضة العمرانية والفلاحية والعلمية .
لقد عملت زاوية قمار ، ممثَّلة في شيخها ، في استقرار منطقة سُوف ، وساعدها على ذلك انتشار الطريقة بين جميع العروش وعمائر المنطقة ، وقد نقل لنا التاريخ أنّ الخليفة الأعظم سيّدي الحاج علي التماسيني تمكّن من إخماد فتن قديمة وصراعات مميتة بين قبائل سُوف ، كما سجّلت الذاكرة الجماعية في هاته الربوع موقفه حين قال : " لقد حفرنا حفرة للأحقاد القديمة ودفنّاها ، ومن أخرجها فلا يلومنّ إلاّ نفسه " . وعمل خلفاؤه على نهجه من بعده في إصلاح ذات البين وتهدئة النفوس ، وتوجيه عناية العباد للتوجّه إلى الله تعالى ، وخدمة الأرض بغراسة النخيل والتجارة ومختلف النشاطات الحيوية ، حتى غدت سُوف جُحْرَ نمل بشريّ : حياكة وزراعة وتجارة وتربية مواشي وعمارة ورفع لراية العلم الشريف .
الزاوية التجانية بقمار والعلم
إنّ الزاوية التجانية بقمار ، التي أشرف على تنظيمها الإمام الخليفة الأعظم الشيخ سيّدي علي التماسني صاحب الثلاثية المباركة ( اللويحة والمسيحة والسبيحة ) ، حملتْ لواء العلم بتشجيع الناشئة على التعليم ، فأرسلت وفودا من أبنائها ومريديها إلى جامعة الزيتونة لينهلوا من مختلف المعارف الدينية و اللغوية ، وشجّعت على فتح المدارس القرآنية . فزاوية قمار ، على غرار جميع الزوايا التابعة للطريقة التجانية ، صباحها عامر بالصبية للقرآن الكريم وحفظه في الصدور وعلومه وتفسيره والسنة النبوية الطاهرة ونشرها في أوساط الناشئة ، ومساؤها لحلقات الذكر والحزب الراتب وجلسات التذكير و إصلاح ذات البين . وقد نقل تاريخ سُوف أنّ أوّل مدرسة نظامية احتضنتها المنطقة كانت بالزاوية التجانية حيث يقدّم فيها مختلف المعارف بالطريقة الحديثة التي تعتمد على تنوع المعارف ، والطرق التربوية و البيداغوجية الحديثة .
الزاوية التجانية بقمار وصناعة الزرابي
لقد انتشرت في بلاد سوف صناعة " الفليج " ، وهو النسيج جُمِعَ فيه وبر الإبل وشعر الماعز ، خشن في ملمسه قويّ في بناءه ، يستعمل فرشا ، وتبني منه الخيمة وغيرها من الأكياس بمختلف الأحجام .
فما أن حلّتْ سنة 1890 م حتى ظهرت صناعة الزرابي في سوف بالزاوية التجانية بقمار التي استقدمتها من بلاد النمامشة ، واستقدمت أيضا من يقوم بهاته المهمّة . واشتهرت هاته الحرفة اليدوية سريعا لأنّها وجدت استحسانا في الأوساط الشعبية . بعدها بسنين قليلة حلّ بهاته الربوع المدعو إبراهيم غريب النسّاج القسنطيني " من أصل تونسيّ " الذي قدِم إلى قمار مع عائلته وفتح ورشة لصناعة الزرابي ، وفي سنة 1906 م فتح قسم ( حجرة تكوين مهني ) في مدرسة قمار لتعليم هاته الحرفة .
بعدها أخذتْ زربيةُ سُوف طابعها المحلّي بمواد أوّلية محلّية ، واشتهرت بجودة صوفها ووبرها وعُقَدِها المتينة ( 256 عقدة في دسم2 ) ، كما عُرِفت بانسجام ألوانها حيث جمعت بين الأبيض والأسود والبنّي والرمادي .
زاوية قمار والنقش علي الجبس
حال بناء المسجد بالزاوية سنة 1870 م على يد الخليفة سيّدي محمد العيد الأوّل حتى استقدم من مدينة عين ماضي بنّاءً أخصّائي في النقش على الجبس . هذا البنّاء أبدعت أنامله على جدران المسجد وعلى جميع واجهات اللواحق ، وتأثّر به بنّاؤو منطقة سوف فتعلّموا على يديه وساروا على نهجه ، بل وطوّروا عملية النحت والزخارف . وسرَتْ هاته النقوش في البداية في المساجد ، ثمّ انتقلت لتعُمَّ واجهات البيوت ثمّ المحلاّت التجارية . وانبهرت السلطات الاستعمارية بأنامل أهل سُوف وإبداعهم ، وخاصّة البنّاء الشهير " قاقه عمر " - الذي هو من أهل قمار - فأرسلَتْه إلى الجزائر العاصمة ليضفي على البريد المركزي جمال النحت على الجبس ، ثمّ أرسلته لما وراء البحر لفرنسا ذاتها . وبعد الاستقلال فتحت ورشة في معهد التكوين المهني لهذا الغرض قصد تعميمه ونشره في كامل التراب الوطني .
لقد انتقل ورثة النحت من زاوية قمار إلى باتنة ليزيّنوا مسجدها الكبير ، كما سافروا لقسنطينة لنفس الغرض بمسجد وجامعة الأمير عبد القادر ، وتوجّهوا جنوبا لمساجد بشّار وأدرار وغيرها . ولقد أبدع هؤلاء البنّاؤون في بناء القباب الدائرية التي افادت البيوت وتماشت مع المناخ ، أمّا القبّة الهرمية فقد بُنِيَتْ واحدة بالزاوية التجانية بقمار إلاّ أنّها لم تعمّم لأنّ أهل سُوف وجدوا ما يغني عنها في الدمسة والقبّة المستديرة .
ثمّ أبدع أهل قمار بأنْ رسموا بالطلاء علي الجبس صورا جميلة جمعت بين الزخارف والكتابة العربية لبعض نصوص كتاب الله واسمه الكريم ، ومختلف أسماء الرسول الخاتم وصحبه الكرام ، وبعض أوراق الأشجار والأزهار . أما تمازج الألوان ففيه من الجمال ما يسحر الأنظار .
زاوية قمار واطعام الطعام في ايام المسغبة
لقد خصّصت الزاوية التجانية بقمار طاحونة للقمح لتملأ قصعة الطعام يوميّا للمحاويج و ذوي الخصاصة ، يؤمّونها فيجدون فيها الشبع بعد الجوع ، والأمن بعد الخوف ، والراحة والطمأنينة بعد الحيرة والإضطراب ، خاصّة أيّام الحربيْن الكونيتيْن الأولى والثانية .
إنّ الزاوية التجانية بقمار ، تحت قيادة الخليفة الأعظم سيّدي الحاج علي التماسيني و خلفائه رضي الله عنهم ، قامت بدور رائد في خدمة العلم الشريف ، وفي الاستقرار ، وفي غراسة النخيل و تنشيط الهمم خدمة للأرض للإكتفاء الذا تي ، وفي زرع روح الاعتماد على الله تعالى ، وعلى القدرات الذاتية ، وفي الحفاظ على الهويّة الوطنية في أصعب الظروف وأقساها أمام أعتى حملات التغريب والمسخ إبّان الحقبة الاستعمارية الشرسة . وها هي الآن تساهم بقسط وافر في الانبعاثات الوطنية الحديثة في مجال العلم و الثقافة ، وتلميع الهويّة الوطنيّة ، وربط الجيل بجذوره ومنطلقاته . إنّ الزاوية التجانية بقمار لم تتوقّف يوما عن خدمة البلاد و العباد منذ نشأتها فكانت بحقّ منارة ، بل دوحة يستظلّ بها المُرهقون من دروب الحياة .
الزاوية التجانية بقمار و ثورة التحرير المباركة 1954 - 1962 م
لقد سجّل التاريخ لسُوف أنّها كانت مشتلة الثورة المباركة . حين زارها البطل الشهيد محمد بلوزداد ، وجملة من إخوانه - محمد بوضياف و سعيد إدريس – في صائفة 1947 جاءوا يحملون فكرة " ما أُخِذَ بالقوّة لا يُسترَدّ إلاّ بالقوّة " حين آمنوا أنّ الإستقلال لا يكون إلاّ بالكفاح المسلّح . واحتضنت سُوف الفكرةَ ، وبدأ الرواد الأوائل يجلبون السلاح و يجمعونه ويرسلونه لمنطقة الأوراس عبر مدينة بسكرة . و كان أبناء الزاوية التجانية بقمار مِن أوائل مَن الْتحق بهذا التنظيم الحرّ ، ولحق بهم ثلّة من المقاديم و الأحباب ، منهم من قضى نحبه وكُتِبَت له الشهادة ، ومنهم من نال شرف الجهاد والحياة ليعيش ويرى راية الوطن خفّاقة ، ومؤسّساته تُشيّد ، والوطن يسير بخطى ثابتة نحو الغد الأفضل .
النهضة الثقافية العلمية التي يقودها الخليفة الحالي الشيخ سيدي محمد العيد الثالث التجاني
نسجّل أنّ الأستاذ الدكتور الشيخ سيّدي محمد العيد التجاني رضي الله عنه يقود نهضة في منطقة سُوفْ ، ومنطلقها الزاوية التجانية بقمار ، الذي أقام بها مركّبا ثقافيّا حديثا . تحفة معمارية على الطراز العربيّ الإسلاميّ تضمّ مجموعة من الأجنحة ، كالمكتبة ، وقاعة الأنترنيت ، وجناح تعليم القرآن الكريم ، وجناح المعرفة مخصّص للمحاضرات . و ما فتىء الخليفة الشيخ سيّدي محمد العيد الثالث – أيّده الله – يحضّ الشباب على نهل العلم وحصد الشهادات الجامعية والبحث الجاد ، ولقد أقام الندوات الثقافية الصيفية لإحداث اللّحمة بين الشباب ، وبثّ روح العلم والعمل فيهم ، ليصوغ من هاته الطاقة الحيّة للأمّة عناصر تمتاز بحسن الخُلُق ومتانة التديّن ، مفيدة للعباد والبلاد .

إقرأ هذه المحاضرة مترجمة إلى الفرنسية






  1. سُوفْ تاريخ وثقافة - طبعة 2008 .
  2. كتاب كشف الحجاب - لسيّدي أحمد سكيرج رضي الله عنه .