نفحات7 ـ جواهر المعاني1 - الباب الثاني - الفصل الأوّل : في مواجيده وأحواله ، ومقامه المتّصف به وكماله
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الأوّل > الباب الثاني > الفصـل الأوّل


في مواجيده وأحواله ، ومقامه المتّصف به وكماله

فأقول وبالله التوفيق :
سيّدنا أبو العباس رضي الله عنه صاحب أحوال سَميّة ، ومقامات عليّة ، ومواهب رحمانيّة ، ومواجيد ربانيّة ، ذو محو وفناء ، وصحو وبقاء ، وغيبة في مولاه ، وشهود لِمَا به تولاّه ، ممّن أُغْرِق في بحر الحقيقة ، وأوتي الجذب حقيقة ، وممّن أُعطيَ القوّة والتمكين ، والرسوخ في المعرفة واليقين ، كما تُتلى عليك آياتُه ، وتُجلى لك بيناتُه ، شرب من تلك الخمرة الأزلية صفوا ، وورد من منهله الأروى ، وسُقِيَ منها كؤوسا رويّة ، وأمدادا قوية ، وسلك من السُّنّة نهجا قويما ، وصراطا مستقيما ، وركب سفينتها وأجراها ، التي بالله مجراها ومرساها ، فقويت أنواره ، وفاضت أسراره ، وتوالت منازلاته ، وتوارت وارداته ، وُمدَّ منها على الاستمرار بمدد جسيم ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، وليس يمكن لمثلي التعريف بهذا المقام ، ولا الكشف عن حقيقة الأمر من حال أو مرام ، وإنّما أذكر من تلك المواهب والتجلّيات قضايا منبّهة عنها ، وجزئيات ولوامع وآثارا ، ووقائع وأخبارا ، إذِ الحال واردٌ إلهي ووجدان قلبي لا يصفه إلاّ واجده ، ويرحم الله قائله :
لا يعرف الشوق إلاّ من يكابـده      ولا الصبابة إلاّ من يعانيهــا
وقد فسّر الحالَ الأستاذ أبو القاسم القشيري رضي الله عنه : " بأنّه معنى يَرِدُ على القلب من غير تأمّل ولا اجتلاب ولا اكتساب من طَرَبٍ أو بَسْطٍ أو غيرهما " ، وذكر أنّه : يأتي من غير الجود والمقام فيحصل ببذل المجهود ، وأن صاحب المقام مُمَكَّنٌ و صاحب الحال مُرَقّى " . وحُكِي عن المشائخ : أنّ الأحوال كالبروق ، فإنْ بقيتْ فحديث نفس " ، وعن آخر منهم : " أنّها تدوم وتبقى ، وإذا لم تَدُمْ فهي لوائح وبواده . والمراد بالأحوال في الترجمة ما هو بالمعنى الذي ذكره القشيري رحمه الله من ذكر وَجْدِهِ المتكاثر وفيضانه المتظافر ، الواقعِ أحيانا بعد أحيان حسبما رأيناه مُشاهَدا إلاّ الحال الملازمة التي هي بمعنى المقام ، والمراد بمقامه المتصّف به ما تكيّف به من العرفان حسبما علمناه من كلامه وإشاراته وتقريراته وإخباره عن نفسه بإفاضاته .
فأما مواجيده وأحواله رضي الله عنه فقد كان أوّل أمْرِه لمّا نزل به ما نزل وبدهه ما بدهه مصطلما غائبا لا تفارقه غمرة الحال وهو مع ذلك في غاية الكمال ، وقد يتكلّم حين يعتريه الحال بأمور لا يفقه الحاضرون مرادها ولا يعرف ذوو الألسن مفادها ولا يعرفها إلاّ واجدها ، وينطلق أحيانا عند ظهور الحال عليه بمكاشفات ومغيبات من أخبار الزمان وما يقع فيه من الحدثان ولا يفقه ذلك منه إلاّ خاصة الخاصة من الإخوان، إلى غير ذلك من حكاياته ووقائعه وآياته ، ثمّ تماسك بعد ذلك وسكن ، وبطن حاله وتمكّن ، وعادت الأحوال لا تؤثّر في ظاهره كما كانت ، وصار دائما ساكنا متحرّكا ، ومضطرباً متماسكاً ، وصاحياً شارباً ، وحاضراً غائباً ، لا يُلهيه صحوه عن سكره ، ولا يمنعه سكره عن صحوه ، أفاد سكره صحوه وزاده كمالا وقوّة فحظي من التمكين بالمنزل المكين ، فهو كما قيل :
يسقى ويشرب لا تلهيه  سكرتـه      عن النديم ولا يلهو عن  الكـأس
أطاعـه سكره حتى تحكّم فــي      حال الصحاة وذا من أعجب الناس
وغلبة الحال عليه رضي الله عنه إنّما كانت لقوّة ما نزل به بدليل ما كان ينطق به إذ ذاك من المعارف والعلوم والأسرار التي لا يحدّها حصر ، ولا يعيها عقل ولا فكر ، وكان يمليها علينا سماعا من حفظه ولفظه وسترد عليك إن شاء الله في محلّها ، وبدليل ما كان يقع منه للأصحاب من الإمدادات والتصرّفات في أحوالهم فيجدون ذلك منه حسبما شاهدناه فيهم وأخبرونا بذلك عن أنفسهم ، وليس الناس في غلبة الحال سواء ، والفرق بين من يغلبه الحال لضعفه وبين من يغلبه لقوة الوارد عليه . إنّ الذي يغلبه لضعفه علامته أن لا يمدّ غيره وقصاراه على نفسه ، والذي يغلبه الحال لقوّته علامته أن يُمِدّ غيره ، وأقوى من ذلك أن يسلبه ما أعطاه ، وذلك هو الكامل : يُعطي ويستردّ ، وكلّ شيء بقضاء وقدر . وقد شاهدناه غير ما مرّة فعل ذلك مع بعض الإخوان لسوء أدبهم ، ولموجب آخر نسأل الله السلامة والعافية من ذلك ، ورزقنا حُسنَ الأدب معه على الاستمرار والدوام ، بجاه نبيّنا عليه أفضل الصلاة والسلام . وغلبة الحال عليه لقُوَّتِهِ كان يقع لكثير من الأكابر والأقطاب من المتقدّمين والمتأخّرين رضي الله عنهم آمين .
وما زال سيّدنا رضي الله عنه بعد تماسكه قويَّ الحال ، فائض النور ، يقع له في كثير من الأحيان فيضان عظيم وخير جسيم ، وقد شاهدنا هذا منه غير ما مرّة في أوقات فيضه ولا يتفطّن له إلاّ خاصّة الخاصّة ممّن يلازمه ومن أراد الله به خيرا ، والغالب من الحاضرين لا يفقه شيئا ، بل إنّما هو على حاله وما يتحدّث به معهم من مقاله وجذبه رضي الله عنه أمر واضح وحال لائح ، لا يزال تظهر عليه الغيبة في حال ظهور صحوه فضلا عن حال ظهور سُكره ، ولقد جالسناه غير ما مرّة فيسأل عن أحدنا وهو حاضر معنا في مجلسنا ، فيقع له هذا كثيرا ، وكذلك يظهر عليه رضي الله عنه من آثار جذبه وقوّة حاله أمور أُخَرَ كعظم جثّته ، وامتلاء بدنه ، وتهلّل وجهه ، وثِقَلِ الأمر عليه حتّى لا يستطيع حركة ، ونذكر هنا ما كان يقع للنبيّ صلّى الله عليه وسلم عند نزول الوحي وتلقّي الأمر الإلهي من أّنه كان يعالج منه شدّة وتأخذه البرحاء ، فينفصل عنه الملك وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا ويثقل حسّا لما يُلقَى عليه من القول الثقيل ، أيّ العظيم الذي يثقل له حامله ، وإنه نزل عليه الوحي يوما جالسا فخذه على فخذ زيد بن ثابت رضي الله عنه فثقلت جدّا حتى كادت ترضّ فخذ زيد أيّ تكسرها ، وهؤلاء رضي الله عنهم مظاهر آياته ، والواردون من إمداد وارداته ، منه يستمدّون ، ومِنْ بحره يغترفون .
ومن شأنه رضي الله عنه إذا قوي حاله أنّه يزيد بهاؤه وجماله ، ويتهلّل وجهه ويلوح سناه ، ويبدو عليه أثرُ باطنِه ومعناه ، فترى عليه حسنا بارعا ، ونورا لامعا ، ويبهرك جماله وجلاله ، وبهاؤه وكماله ، فيأخذ بلبّك ، ومجامع قلبك ، فيملكك هواه ، ولا تلتفت لسواه ، حسنا لونيّا ، وسرّا إلهيّا ، ولله دَرُّ القائل :
أنظر ترى شمس المعارف  أشرقت      بجبينه الباهي العليّ الأشــرف
كلّ المشائخ أُلبِسُوا حلل البهـــا      لكن سماهم بالجمال اليوسفــي
وقال غيره :
أنظر لروض الحسن فيه تفتّقـت      بجمالـه وبهائه أزهـاره
من يستطيع يرى لذاك حقيقــة      حارت لذي اللبّ به أبصاره
وبقلبه النور الإلهي  اجتلـــى      فعلى مُحَيَّاه بدت أسـراره
وقال غيره :
أنظر لمطلع حسنه  وجمالـــه      قـد أشرقـت بجبينـه أنـوارُه
سرّ المعارف قد حواه ضميــره      فبدت بِغُرَّةِ وجهه آثـــــارُه
هو بحرها الطامي ألم تر  أنّــه      تهمى بفيض دائما أســـراره
وكثيرا ما يلوح عليه ذلك عند حضور سماع أوصاف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم المعنويّة ونعوته الجليّة ، أو حديثه أو أخباره ، فيبرز منه ما كمن ، ويظهر عليه اثر ما بطن ، ويقع له الوجد والهيمان ، والسكر والفيضان ، فتلوح عليه أنوار وتبدو على لسانه أسرار وتتفجر من قلبه علوم وأخبار . رزقنا الله رضاه آمين .
وأمّا مقامه المتصّف به رضي الله عنه فذلك للتحقيق بالمعرفة ، والتمكين في اليقين وكمال التوحيد والتفريد والتجريد ، وشهود الحُبّ من الله ، وأنّ العبد محبوب ، ومجذوب لحضرة ربّه و مطلوب ، دأبه الركون إلى مولاه ، والإنفراد به عن كلّ ما سواه ، وحبّ أمره وبغض ما عنه نهاه ، والوقوف دائما ببابه ، والعكوف أبدا على جنابه ، لا يقرّ له مع غيره قرار ، ولا له عمّا سواه مدار ، لا لهج له إلاّ بالله في حركاته وسكناته ، ويقظاته وسناته وسائر تقلّباته ، إذا ذهب أو قام ، أو قعد أو انتبه من نوم ذكر الله ذكرا يعرف أنّه عن قلب معمور ممتليء بحكمة الإيمان والنور، يهتزّ له السامع وتطمئن له القلوب والمسامع ، لا يستغرقه النوم بل يتقلّب فيه ، وإذا تحرّك وانقلب ذكر الله فيه ، قد امتزجت حقيقته بالتولّه بربّه واللّهج به وحبّه ، واطمأنّ به إيقانا ومعرفة وإيمانا ، لا معوّل له إلاّ عليه ، ولا استناد إلاّ إليه ، لا يبالي بإقبال من الخلق ولا بإدبار ، ولا بمودّة منهم ولا بإضرار ، قد أعطى التأييد في كلّ ما يصرّفه الله ويريد ، لا تجده إلاّ راضيا بمراد الله وقضائه ، فرحا لإبرامه وإمضائه ، متحدّثا بأنعم الله وآلائه ، ولا يحبّ التدبير مع الله والاختيار ، ويقول : لا أحسن مِنْ فِعْلِ الفاعل المختار ، ليس له أبدا مراد إلاّ ما قضاه الله وأراد ، فلا تراه إلا محبّا لما كان عليه الوقت والزمان من شدّة ورخاء وخوف وأمان ، و حاملا للناس على الرضا به والاستسلام لمصابه ، وإذا تحوّل حال الوقت تحوّل مراده عنه لا يقف مع شيء منه ، وكثيرا ما يقرّر هذا المعنى ويدلّ عليه ويرشد بحاله ومقاله إليه ، وينشد بحاله على سبيل التمثيل :
أنا معي بدر الكمـــــــال      حيث يميل قلبي يميــــــل
ذلك بأنّه رضي الله عنه قد محا السِّوَى فلا يشاهد مع الله غيراً و لا يرى لسواه نفعا ولا ضرّا ، بل يشاهد الفعل من الله وأنّه هو المتصرّف ، والدال بفعله عليه والمتعرّف ، وأنّ أفعاله كلّها مصحوبة بالحكمة محفوفة بالرحمة ، ويرى الخلق كالأواني المسخّرة في يد غيرها ، ويعدّ شهود الإنسان نفسه اثنينية ، ويمثّل بلسان حاله ويقول :
إذا قلتُ ما أذنبتُ قالتْ مُجِيبــة     وُجُودُك ذنْبٌ لا يُقاس به ذنْــبُ
وعلى هذا المعنى مدار حالته رضي الله عنه ، فلا ترى أفعاله وأقواله وتصريحاته وتلويحاته تحوم إلاّ على الفناء في الله ، والغيبة فيه عمّا سواه ، وشهود صفاته وأسمائه ، وعظمته وكبريائه وجماله وكماله ، وحسن صنعه وإحسانه ، ذلك ديدنه وشعاره ووطنه وقراره ، فطوى في ذلك مقامات اليقين كلّها من التوبة والزهد والصبر والشكر والخوف والرجاء والتوكل والمحبّة والرضا وحوى صفة العارفين بأسرها من محبّة الله والجمع عليه والاستناد في كلّ شيء إليه ، والاستسلام للأقدار وترك التدبير والاختيار ، وغير ذلك من صفاتهم وسِماتهم ممّا أشرنا إليه آنفا ، فلا تحصره في حال تضيفه إليه ، أو تقيّده بمقام تقتصر به عليه ، فلا تجده مقيما على شيء ولا واقفا مع أمر ، بل بحكم الوقت وبحسب ما يأتي الله به من عنده ، وهذا حال بعض العرفين بالله تعالى .
وقد سئل الجنيد عن العارف بالله ، فقال : " لون الماء لون إنائه " ، وقال القشيري في رسالته بعد أنْ ذَكَرَهُ عنه : " يعني أنّه بحكم وقته " . وقال أيضا أبو يزيد : " للخلق أحوال ولا حال للعارف لأنّه مُحِيَتْ رسومه وفَنِيَتْ هويّته بهويّة سيّده وعَفَتْ آثار غيره " . وقال الشيخ زرّوق في قواعده ، بعد أن ذكر وصف العابد الزاهد وغيرهما : " فإن أرسل نفسه مع مراد الحقّ فهو العارف " .
وقد مثّل أهل الطريق العارفَ بحافظ القرآن كلّه وذا الحال بحافظ سورة منه أو سُوَرٍ ، فإذا قلتَ عارفا فقد نسبتَ إليه المقامات كلّها وأغنى عن أن تصفه بشيء من المقامات من الزهد والتوكّل والتفويض وغيرها لأنّها منطوية فيه ، ومن انجمع على مولاه ومَلَكَه حبُّه وهواه حتّى فنى فيه عن سواه لابدّ أن يكون شاكرا لنعماه صابرا لبلواه راضيا بقضاه مفوّضا إليه متوكّلا عليه منقطعاً عن غيره جامعا للمقامات كلّها ، بل مترقّيا عن ذلك كلّه لا يشاهد شيئا ولا يراه بعد أن جمعه وحواه ، فأهل العرفان هُمُ الغائبون في الله عن كلّ فَانٍ ، مشاهدون لجلال الله وجماله ، العالمون بصفاته وأسمائه ، إذْ حقيقة المعرفة كما قاله الشيخ زرّوق رضي الله عنه في بعض شُرّاحه : " على الحكم سريان العلم بجلال الحقّ سبحانه أو جماله أو هُمَا في كليّة العبد حتّى لا يبقى له من نفسه بقيّة فيشهد كلّ شيء منه وبه وله فلا يبقى لوجود شيء نسبة عنده دونه " . إنتهى .
ولشيخنا أبي العبّاس التجاني مِن هذا ما لا خفاء فيه على كلّ من يمارس شيئا من أحواله وإشاراته وكلامه ، ويكفيك من أمره ما وصفناه بل هو رضي الله عنه مِن ذوي الخلافة الموصوفين بدلالة الخلق على الله وجمعهم عليه وإيصالهم إليه ، ومِن أرباب القلوب وسلاطين الأرواح ، يُطاع أمره ويُجلّ قدره وينفع كلامه وتنفذ سهامه ، يُحيي القلوب ويبرئ من العيوب ، يغني بنظرة ويوصل إلى الحضرة، إذا توجّه أغنى وأقنى وبلغ المنى ، يتصرّف في أطوار القلوب بإذن علاّم الغيوب حسبما يجده من انضاف إليه وجمع همّته عليه ، وتظهر نتائجه وآثاره ومناهجه رضي الله عنه وأرضاه ومتّعنا برضاه .
وأما كماله رضي الله عنه فهو تمام معرفته بالله تعالى حسبما قرّرنا دليله ، وقوّة ظاهره وباطنه جذبا وسلوكا وجمعه بينهما على أتمّ وصفٍ وأكمل وجهٍ ، ودليل قوّته باطنا ما تقدّم من أحواله ، ودليلها ظاهرا ما يأتي بعد هذا إن شاء الله من سيره وأفعاله ، ولا أَكْمَلَ منه والحمد لله في ذلك كلّه في جمهور العارفين كما تقف على كلّ بمحلّه إن شاء الله تعالى .
ومن كماله رضي الله عنه نفوذ بصيرته الربّانيّة وفراسته النورانية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب وفي غيرها من إظهار مضمرات ، وإخبار بمغيّبات ، وعلم بعواقب الحاجات ، وما يترتّب عليها من المصالح والآفات ، وغير ذلك من الأمور الواقعات . فيعرف أحوال قلوب الأصحاب وتحوّل حالهم ، وإبدال أعراضهم ، وانتقال أغراضهم ، وحالة إقبالهم و إعراضهم ، وسائر عللهم وأمراضهم . ويعرف ما هُمْ عليه ظاهرا وباطنا وما زاد وما نقص ، ويبيّن ذلك في بعض الأحيان ، وتارة يستره رفقا بهم من الاختبار والامتحان ، واتّفقت لغير واحد معه في ذلك قضايا غير ما مرّة ، وكثيرا ما يجالسه الإنسان فيتكلّم على ما في باطنه وما شغل قلبه من الهوى والأمور الدنيوية ، ويعيّن النوع الذي شغله منها ويتكلّم بما صنعه الإنسان من فعلٍ قبيحٍ سلف له قبل مجالسته قريبا ، كلّ ذلك على سبيل الإجمال وضرب الأمثال ، كقوله رضي الله عنه لبعض أصحابه : " أنت كما يقول الناس يسرط الزبرة ويتورّع عن الإبرة " ، مكاشفا له عن فعل قبيح سلف له ، ويبهم عن صاحبه من غير تعيين له بشيمة أو إشارة حسيّة ، كأنْ يقول : " ما بال الإنسان يفعل كذا ، وحقّ مَنْ يفعله أن يكون له كذا " سترا على فاعله كما اقتضته حكمة الرحمة ، وجاءت به الشريعة والسُّنّة ، إذ البصيرة كالبصر يجب غضّها : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ (1) . وإلاّ فهو رضي الله عنه مرآة جليسه ، ومبصرة لحسن أمره وخسيسه ، لا يخفى على بصيرته ذلك ، ولا يشذّ عنها شيء ممّا هنالك ، حتّى إنّا إذا جالسناه كلّنا يخاف على نفسه الفضيحة ويطلب من الله السلامة والعافية لِمَا تكرّر علينا من أمره من أسْوَإ أحوالنا القبيحة ، وإذا جاء أحد يستشيره في أمر ديني أو دنيوي ، كأمر المعاش مثلا ، بَيّنَ له مرابحه وأرشده مصالحه وندبه لما فيه نجاح حاله وفلاح مآله فينجح مطلوبه ويحصل مرغوبه ، ويبيّن له حسن العاقبة وما كان راجيه ومراقبه فتقع بصيرته رضي الله عنه على الأمور كلّها كما هي لأنّها ناشئة عمّا كمن فيه من النور الإلهي ، ومن المعلوم منه في الاستشارة أنّ المعتبر عنده الذي عليه المعوّل هو ما نطق به من الكلام الأوّل ، وبذلك صرّح أيضا غير ما مرّة ، إذْ عِلْمُ هؤلاء القوم رضي الله عنهم ليس عن رواية ولا فكرة وإنّما هو العلم اللدنّي والفتح الربّاني ، وما حصل أوّلا فهو ذاك ولا يحصل إلاّ عن الحكمة والصواب ، فإنِ الْتَقَطَهُ المستشير عثر على حكمة الإستشارة وانقلب بغنيمة وتجارة ، وإن لم يأخذ به وراجعه في الكلام فإنّه يجاريه فيه حتّى ينصرف ، فإن عمل بمقتضى الكلام الأخير كان بمعزل عن إصابة التدبير ومضيّعاً للفائدة المقصودة ، فلم ينجح عمله ولا أمله ، وقد لا يتيسّر له ذلك العمل أصلاً فيرجع لمقتضى الإشارة في الكلام الأوّل ، ويعلم أنّ حكمة الله فيه ويتبيّن له الأمر تبيانا ويقف عليه عيانا ، وهذا ممّا اشتهر وشاع وذاع عند جلّ الأصحاب في المنع والانتفاع .
وممّا هو دالٌّ على تمام بصيرته وقوّة نوره وكمال معرفته إخباره عن الأولياء الماضين من الأكابر وغيرهم كأنّه رضي الله عنه معاصر لكلّ مَن أخبر عنه منهم . فقد أخبر رضي الله عنه عن حال غير واحد منهم ووصفهم بما يشير إلى مقامهم وما خصّ الله تعالى به كلّ واحد من الخصوصية ، وإذا سأله أحد عن واحد من الأولياء يخبره عن حاله ومقامه وما أدركه وهل هو من أهل التصرّف أو غيره كأنّه رضي الله عنه يرى وصف حاله عيانا ، وتارة إذا سأله أحد عن ذلك سَكَتَ وأعرض .
فمِنْ ذلك إخباره عن خصوصيّة مولانا إدريس الأصغر الذي بفاس رضي الله عنه وعظيم هيبته وجلالته ومكانته وكماله وما خصّه الله تعالى به من التصريف في حياته وبعد مماته فيجلّ قدره ويعظّم أمره ويحضّ على زيارته والتأدّب بين يديه ومهابته ، ومصداق ما ذكرناه هو منذ دخل شيخنا لفاس ما ترك زيارته والقدوم إليه يوما واحدا إلا لمرض قام به .
ومن ذلك إخباره عن القطب الكامل والغوث الشامل مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه ، يذكر من بركاته وآياته ووصفه له لأنّه يحصل منه المدد للوافدين عليه واستعظامه لمقامه .
ومن ذلك إخباره عن الوليّ الشهير والقطب الكبير سيّدي أبي يعزى رضي الله عنه من كمال معرفته بالله وقضاء حوائج الوافدين عليه وما خصّه الله تعالى به من التصريف والمدد القوي للكبير والصغير والضعيف ، ويقول : " كلّ من قَصَدَهُ في حاجة تُقضَى كائنة ما كانت " ويحضّ على زيارته وتعظيمه وموالاته .
وكشرحه لحال غيرهم من أكابر الأولياء كسلطان الأولياء مولانا عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه ، وابن العربي الحاتمي ، وأبي الحسن الشاذلي ، وأبي العباس المرسي ، وسيّدي أبي مدين الغوث ، وسيّدي أحمد بن يوسف ، وغيرهم رضي الله عنهم فلا نطيل بذكرهم . سمعته رضي الله عنه يذكر جلّ من تولّى القطبانية من بعده صلّى الله عليه وسلّم إلى وقتنا هذا ، وكلّ مَنْ ذَكَرَه يصف حاله وما حصل له من المقامات العليّة والأحوال السنيّة كلّ حسب ما أولاه مولاه واصطفاه وارتضاه ، وهذا كان منه رضي الله عنه قبل هذا الوقت ، وأمّا الآن فالغالب عليه السكوت رضي الله عنه وأرضاه ومتّعنا برضاه .
ومن كماله رضي الله عنه و عرفانه الأتمّ معرفته لاسم الله العظيم الأعظم حسبما أخبرنا بذلك وسنبينه إن شاء الله في محلّه هنالك .
ومن كماله رضي الله عنه وعلوّ منصبه الشريف ما أوتيه من مقام الخلافة وخطّة التصريف وَوُلِّيهِ من النيابة والتحكيم ، والأمر النافذ العميم ، مِنْ جَلْب ودفْع ، وضرّ ونفْع ، فهو يجلب بقوّته ويدفع ، ويضع بهمّته ويرفع ، ويُرَقِّي بإذن الله وينزل ، ويولّي بأمر الله سبحانه ويعزل ، على حسب ما صرّفه فيه مولاه ، ومكّنه منه وأولاه ، فحكمه نافذ عن الله وأمره بأمر الله من غير حَوْلٍ منه ولا اختيار ، بل بقدرة العزيز الجبّار . وممّا استمرّ من تصريفه وانتشر وبزغ للعيان وظهر ، تصريفه في أمراء الزمان وولاّة الأوان ، وهذا الأمر قد شاع وذاع وملأ الأفواه والأسماع واشتهر على ألْسِنَةِ القوم ممّن ينسب للكشف وغيرهم حتّى العوام ، وقد وصفه بعض المحبّين الأدباء من السادات الفاسيين أدام الله حفظه بالخلافة التصريفية ، وكونه مظهرا للأمر الإلهي وغير ذلك ممّا يشير إلى وصف حاله ومقامه ، في قصيدة له أحببت إيرادها لاختصارها وحسنها ، وهي :
لقد مـدّت المـدّاح أعناقهـا  إلى     مديح إمام فائض النور والســــرّ
فقال لسـان الحال كيف بِذا وقـد    غـدا قلبه مرسـى بها مظهر  الأمـر
ولم يبق فيه غير ذكر  إلهـــه    وصـار له بيتـا تقـدّس عـن غيـر
وأفنـى في التوحيد ذاتا وغاب في     بحار من التحقيق في لجّها  يسـري
ومـدّ بسر من بقاء  وألقيـــت     عليه  حلى التقريب والوصل  والبـرّ
وقيل له أنـت الخليفة فارْعَيَــنْ     وأمرك  امر ما حكمت فهو يجــري
وعَمَّتْه أنوار النبوّة  فاغتـــدى     بها وارثا كلّ الكمال بلا حصــــر
وزكّتـه أخلاقا وفاض ينابعـــا     من السرّ والعرفان والفضل والخيـر
وأبـدت عليه مسحة من جمالـها     لذاك قلوب العاشقين له تجــــري
وتشتاقه  حبّا وتحيا بذكــــره     وكان لديها طيب الذكر  والنشـــر
وصار مهابا في الصدور  معظّمـا     يزج الذي يغشاه في الجدّ  والذكــر
وتفصيل أوصـاف له  متعـــذّر     فكيف  يطاق مدحه فأقبلنْ عــذري
وهـذا كلام من طفيلي ملفـّــق     يجاري جيادا بالبطيء من  الحُمُــر
عليه رضا الرحمـن ما حنّ عاشق     لرؤيـا سنـاه في محاسنـه  الغـرّ
ومعشره والصحب طرّا  بأسرهـم     شباب وشيخ ذي حياة وذي  قبـــر
وَوَصْفُ مقامه رضي الله عنه وكماله وكذا وَصْفُ مواجيده وأحواله لا يعلمه على الحقيقة إلاّ العليم الخبير أو من أطلعه الله عليه من أهل البصيرة والتبصير ، ثمّ هو لا يمكن التعبير عنه على ما هو عليه إنّما يُعَبَّرُ عنه بنتائجه التي تنبئ عنه وتشير إليه ، وقد ذكرنا من ذلك قضايا وجزئيات هي في الدلالة على ذلك كلّه جليّات ، فإنْ كان كذلك فهو البحر الخضمّ الواسع الأعظم الذي ليس له ساحل وتقصر الخطى عنه بمراحل ، والمقام الذي لا يترجم عنه ولا يستوفى أدنى وصف منه ، فتبارك الله أحسن الخالقين وخير المنعمين والرازقين ، فاملأْ السمع من محاسنه وأخباره ، ومتِّع القلب من أسراره وأنواره ، فإنّك لم تستوف شيئا منها بمزيد القول وإكثاره ، ولا بلغتَ تُسُعَ مُدٍّ ومِعشاره ، والله تعالى يرزقنا بركته ، ويُنِيلنا محبّته ، ويجعلنا في الدارين من حزبه ورفيقه ، ومن الشاربين من منهل عرفانه وتحقيقه ، فإنْ لم نكن أهلا لذلك وكنّا أبعد الناس عن تلك المسالك فالرحيم الودود أهْلٌ لأَنْ يرحم ويجود ، فهو الذي يفتح للمرتجي بابا مرتجا ، ويرحم ذوي الفاقات بتوالي الارفاقات ، ويعطي بغير حساب ولا سبب من العبد ولا اكتساب ، ويجيب مَنْ دعاه وإِنْ صرَفَتْهُ عن الطاعة نفسه وهواه ، لا إله إلاّ هو ولا راحم سواه ، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما .
وأمّا ثواب الإسم الأعظم الذي وَعَدْنَا به أوّلا ، فقدْ قال سيّدنا رضي الله عنه : " أُعطِيتُ منْ إسم الله العظيم الأعظم صِيَغاً عديدة وعلّمني كيفيةً أستخرج بها ما أحببت من تراكيبه " ، وأخبره صلّى الله عليه وسلّم بما فيه من الفضل العظيم الذي لا حدّ له ولا حصر ، وأخبره صلّى الله عليه وسلّم بخواصّه العظام وكيفية الدعاء به وكيفية سلوكه ، وهذا الأمر لم يبلغنا عن أحد أنّه بلغه غير سيّدنا رضي الله عنه لأنّه قال رضي الله عنه : " أعطاني سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم الاسم الأعظم الخاصّ بسيّدنا عليّ كرّم الله وجهه بعد أن أعطاني الاسم الأعظم الخاصّ بمقامه هو صلّى الله عليه وسلّم " . وقال الشيخ رضي الله عنه : " قال لي سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم هذا الاسم الخاصّ بسيّدنا عليّ ، لا يُعطَى إلاّ لمن سبق عند الله في الأزل أنّه يصير قطبا " ، ثمّ قال رضي الله عنه : " قلتُ لسيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم إئذن لي في جميع أسراره وجميع ما احتوى عليه ، ففَعَل صلّى الله عليه وسلّم " .
وأمّا ما أخبره به صلّى الله عليه وسلّم عن ثواب الاسم الأعظم الكبير الذي هو مقام قطب الأقطاب ، فقال الشيخ رضي الله عنه ، حاكيا ما أخبره به سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم : " فإنّه يحصل لتاليه في كلّ مرّة سبعون ألف مقام في الجنّة في كلّ مقام سبعون ألفا من كلّ شيء في الجنّة كائن من الحور والقصور والأنهار إلى غاية ما هو مخلوق في الجنّة ، ما عدا الحور وأنهار العسل ، فله في كلّ مقام سبعون حوراء وسبعون نهرا من العسل ، وكلّ ما خرج من فمه هبطت عليه أربعة من الملائكة المقرّبين فكتبوه من فيه وصعدوا به إلى الله تعالى وأروه له ، فيقول الجليل جلّ جلاله ( أكتبوه من أهل السعادة واكتبوا مقامه في عليّين في جوار سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم ) ، هذا في كلّ لفظة من ذكره . وله في كلّ مرّة ثواب جميع ما ذُكر الله به على ألْسِنَةِ جميع خلقه في سائر عوالمه ، وله في كلّ مرّة ثواب ما سُبِّح به ربّنا على لسان كل مخلوق من أوّل خلق العالم إلى آخره ، وله ثواب صلاة الفاتح لما أغلق بتمامها ستّة آلاف مرّة لكلّ مرّة منه ، وله ثواب سورة الفاتحة ، وله ثواب مَنْ قرأ القرآن كلّه ، أعني بكلّ مرّة أجر ختمة ومن تلك الختمة الفاتحة وسورة القدر ، وله في كلّ مرّة مِنْ تلاوته ثواب كلّ دعاء وقع في الوجود له ثواب عظيم أو صغير ، وكلّ ما تلاه التالي تلته معه جميع ملائكة عوالم الله بأسرها وكلّ مَلَكٍ يتلوه بجميع ألْسِنَتِهِ ، فإنّ مِنَ الملائكة مَنْ له سبعون لسانا ، و منهم مَنْ له ستون لسانا ، وهكذا القليل عنده لسان واحد وَهُمْ ملائكة الأرض التي نحن فيها " . هكذا أخبر سيّدنا رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم . والحاصل ، ما دام يتلوه فملائكة جميع العالم تتلوه معه بألْسِنَتِها كلّها وثواب ذكرهم بجميع ألسنتهم لتالي الاسم في كلّ مرّة سواءٌ قلّل أو كثّر .
قال الشيخ رضي الله عنه : " فقلتُ لسيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم : ذِكْرُ الملَك هل هو مثل ثواب تلاوة الآدمي كلّ مرّة بسبعين ألف مقام في الجنّة ، وثواب ما ذكر بعده من كلّ تسبيح ومن كلّ ذِكْرٍ وكلّ دعاءٍ ، وجميع القرآن وصلاة الفاتح لما أغلق الخ ... ، أَمْ ينقص ثواب ذِكْرِ الملَك عن ذِكْرِ الآدميّ ؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم : ثواب ذِكْرِ الملك يضاعف على ثواب ذِكْرِ الآدميّ بعشر مرّات ، يعني أنّ الذي يحصل من الثواب في ذِكْرِ الآدمي مرّة يحصل في ذِكْرِ الملَك مرّة مثله عشر مرّات ، وثواب جميع ذلك ، أعني الملائكة بجميع ألسنتها ، لِتَالِي الاسم قدْرَ ما تلاه ، قليلا أو كثيرا " .
قال الشيخ رضي الله عنه : " قال لي سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم في أوّل الكلام على الاسم : أمّا ثوابه فكلّ مَن تلاه من عموم أمّتي فله ثواب ختمة من القرآن بكلّ مرّة فقط بلا زائد ، هذا لكلّ مَنْ عَلِمَ الاسم الأعظم وتلاه . وأمّا مَن عَلِمَ أنّ هذا الاسم هو اسم الذات الخاصّ بها ، وأنّه بخصوصه هو اسم ذات الله دون ما عداه من أسماء الله - أراد صلّى الله عليه وسلّم ما عداه مِن أسماء الله كلّها ، أسماء الصفات والكمالات ، وليس للذات إلاّ هذا الاسم - قال لي أنّ من عَلِمَهُ هكذا ، وأنّه هو اسم ذات الله الخاصّ بها ، كان له جميع الثواب الزائد على ختمة من القرآن . وإنْ لم يعلمْ ذلك منه فليس إلاّ ختمة من القرآن فقط . وأنّ مَنْ تلا الفاتحة بلا شعور مِنْ تلاوة الاسم معها له ثواب تلاوتها فقط ، ومَنْ تلاها وهو يعتقد تلاوة الاسم معها لوجود حروفه فيها كان له ثواب تلاوتها وثواب تلاوة الاسم معها . ثمّ قال رضي الله عنه : تأمّلوا بأفكاركم تعلموا أنّه لا يقوم لتلاوة هذا الاسم عبادة " . أهـ .
قال سيّدنا رضي الله عنه : "سألتُ مِنَ الله أن يعطيني مَهْمَا ذكرتُ الاسم مرّة ذَكَرَه كلّ مَلَكٍ في كورة العالم ألف ألف ألف إلى ثلاث مراتب ، وأنّ كلّ مرّة مِنْ ذِكْرِ لسان كلّ ملَكٍ تعدل من صلاة الفاتح لما أغلق الخ ... ستّين ألف مرّة ، وضُمِنَتْ لي وأُعطِيتُها ، وقال لي سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم : هذا كلّه جزء واحد من أحد عشر جزءا مِن ذِكْرِ صاحب التجلّي الخاصّ لأنّه يحصل له هذا الفضل عند ذكر كلّ حرف من حروف الاسم . قيل لسيّدنا رضي الله عنه : هذا خاصّ بك أو لكلّ واحد من أصحاب التجلّي الخاصّ ؟ قال رضي الله عنه : بل لكلّ واحد منهم . وقيل له أيضا : والفضل الذي مهما ذكرت كلمة من كلّ ذِكْرٍ على الإطلاق ذَكَرَ معك سبعون ألف ملَك ، وذِكْرُ كلّ ملَك بسبعة آلاف كلمة وكلّ كلمة بعشر حسنات ؟ قال رضي الله عنه : هذا الفضل خاصّ بي ولم يُعْطَ لغيري " .
وسمعتُ منه رضي الله عنه أنّ الاسم الخاص به إذا ذكره العارفون كلّهم من لدن آدم إلى قيام الساعة سبعة وعشرون مائة سنة ، يذكرونه في كلّ يوم ألف مرّة ، وجُمِعَتْ تلك الأذكار كلّها في تلك المدّة كلّها ما لحقوا مرّة واحدة مِنْ ذِكْرِ سيّدنا الخاصّ به ، نفعنا الله به وبعلومه وأسراره ، آمين . وقد تفضّل سيّدنا رضي الله عنه بهبة هذا الفضل العظيم لأصحابه الذي هو ذِكْرُ سبعين ألفا معه ... الخ ، وذلك في شهر الله جمادى الثانية سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف 1213 هـ .
وسئل رضي الله عنه عن تحقيق فضل قول دائرة الاحاطة ؟ فأجاب رضي الله عنه بقوله : " إذا قَدّرْتَ ذاكرا ذَكَرَ جميع أسماء الله في كلّ لغة ، هو نصف مرّة مِن ذِكْرِ الكبير ومرّة ممّا سواه . ونعني بالكبير الذي هو مقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ومرّة ممّا سواه مِنْ تراكيب الاسم لأنّ تراكيب الاسم لا حدَّ لها ، ويضاعَف بذِكْرِ كلّ ملَك عشر مرّات كما تقدّم ، ثمّ يضاعف الفضل المذكور إلى سبعمائة ألف ألف – مرّتين - . فإذا ذَكَرَ الذاكر عشرة آلاف مرّة من الكبير، هو جزء مِنْ سبعمائة ألف ألف – مرّتين - ، فهذا فضلُ الكبيرِ ، وأمّا غيره ، ففي كلّ ترتيبٍ النصف مِنْ هذا الفضل العظيم . ثمّ قال رضي الله عنه : وهذا لا يعرفه النساء ، بل هو خاصّ بالرجال لأنّها مرتبة عظيمة ، فلا تُعطَى إلاّ لمن سبق أنّه محبوب عند الله " . جعلنا الله منهم بمحض فضله وكرمه ، آمين .
وممّا أملاه علينا رضي الله عنه قال : " لو اجتمع جميع ما تلته الأمّة من القرآن من بعثته صلّى الله عليه وسلّم إلى النفخ في الصور لفظاً لفظاً ، فرداً فرداً في القرآن ، ما بلغ لفظةً واحدةً مِنَ الاسم الأعظم ، وهذا كلّه بالنسبة للإسم كنقطة في البحر المحيط هذا ممّا لا عِلْم لأحد به واستأثر الله به عن خلقه ، وكَشَفَهُ لمن شاء من عباده " . وقال رضي الله عنه : " إنّ الاسم الأعظم هو الخاصّ بالذات لا غيره ، وهو اسم الإحاطة ولا يتحقّق بجميع ما فيه إلاّ واحدٌ في الدهر وهو الفرد الجامع . هذا هو الاسم الباطن . وأمّا الاسم الأعظم الظاهر فهو اسم المرتبة الجامع لمرتبة الألوهية من أوصاف الإله ومألوهيته ، وتحته مرتبة أسماء التشتيت ومن هذه الاسماء فيوض الأولياء ، فمَن تحقّق بوصفه كان فيضه بحسب ذلك الاسم ، ومن هذا كانت مقاماتهم مختلفة وأحوالهم كذلك ، وجميع فيوض المرتبة بعضٌ من فيوض اسم الذات الأكبر " . وقال رضي الله عنه : " إذا ذَكَرَ الذاكر الاسم الكبير يخلق الله مِنْ ذِكْرِهِ ملائكة كثيرة لا يُحصِي عددهم إلاّ الله ، ولكلّ واحد من الألْسنة بعدد جميع الملائكة المخلوقين من ذكر الاسم ، ويستغفرون في كلّ طرفة عين للذاكر أيّ كلّ واحد يستغفر في كلّ طرفة عين بعدد جميع ألْسنته ، وهكذا إلى يوم القيامة " .
ثمّ قال رضي الله عنه : " سألت سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم عن فضل المسبّعات العشر وأنّ مَن ذَكَرها مرّة لم تكتب عليه ذنوب سنة ؟ فقال لي صلّى الله عليه وسلّم : ( فضل جميع الأذكار وسرّ جميع الأذكار في الاسم الكبير ) ، فقال الشيخ رضي الله عنه علمتُ أنّه أراد صلّى الله عليه وسلّم جميع خواصّ الأذكار وفضائلها منطوية في الاسم الكبير . ثمّ قال رضي الله عنه : " يُكتب لذاكر الاسم بكلّ ملك خلقه الله في العالم فضل عشرين من ليلة القدر، ويكتب له بكلّ دعاء كبير وصغير ستة وثلاثون ألف ألف مرة بكلّ مرّة من ذكر هذا الاسم الشريف " ، وقال رضي الله عنه : " فمن قدر أن ذاكراً ذكر جميع أسماء الله في جميع اللغات تساوي نصف مرة من ذكر الاسم من ذكر كلّ عارف ، وأمّا ذِكْر الفرد الخاصّ به المرّة الواحدة بألف ألف ألف - ثلاث مراتب - من فضل الاسم عند غيره من الأولياء ، وكلّ ملَك يضاعف فضله في جميع كورة العالم بألف ألف ألف - ثلاث مراتب - ، وكلّ واحدة من هذا التضعيف تساوي جميع أذكار العالم من أوّله إلى وقت الذكر " . قال رضي الله عنه : " هذا الآن ، وأما إذا وصلتُ إلى المقام الموعود به حصل لي هذا عند ذِكر كلّ حرف من حروف الاسم ، وهذا خاصّ بي لا مطمع فيه لغيري " . ثمّ قال رضي الله عنه : " ثواب الاسم الأعظم الكبير هو خاصّ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا ذكره أحد بما فيه من الثواب عشرة آلاف من الثواب المتقدّم كان جزأً من سبعين ألف جزء من ثوابه ، هذا الفضل لكلّ أحد ولو لم يكن مفتوحا عليه إذا عَلِمَ مرتبته " يريد أن الكلمة الواحدة منه تضاعف إلى سبعمائة ألف ألف -مرتين - . وأمّا ثواب الفرد الجامع إذا ذكره مرّة واحدة تتضاعف إلى ألف ألف ألف - ثلاث مراتب - وثواب كلّ كلمة من الفرد الجامع ومِن ذِكْر الملائكة بجميع ألْسنتها بستين مرّة من الفاتح لما أغلق ، وكلّ ما تقدّم من ذكر الفرد وذكر الملائكة في المراتب الثلاثة ، أعني مراتب الآلاف الثلاث ، يضرب في إحدى عشرة ، هذا ثواب الفرد الجامع لكلّ ذات من ذوات الفرد الجامع وهي ثلاثمائة وستة وستون ذاتا ، ويتضاعف هذا الثواب كلّه للذات التي هي بمكّة مائة مرّة ، هذا للفرد الجامع، وأمّا العاميّ الذي عَلِمَ مرتبته إذا ذكر الاسم الأعظم مرّة ذكرَتْهُ معه جميع الملائكة بجميع ألْسنتها ، وجميع ثواب كلّ لسان يعادل ثواب الفاتح...الخ ستة آلاف مرّة " . ثمّ قال رضي الله عنه : " قال لي سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم : ( إنّ الاسم الأعظم مضروب عليه حجاب ولا يُطلِع الله عليه إلاّ مَن اختصّه بالمحبّة ، ولو عرفه الناس لاشتغلوا به وتركوا غيره ، ومن عرفه وترك القرآن والصلاة عليّ لِما يرى فيه من كثرة ثواب الفضل فإنّه يخاف على نفسه " . وقال رضي الله عنه : " لو قدّرتَ مائة ألف رجل يذكر كلّ واحد منهم كلّ يوم مائة ألف من الاسم الكبير ويعيش كلّ واحد منهم مائة ألف سنة لم يساو ثوابهم حتّى نصف مرّة من صاحب المقام . وبعبارة لو قدّرت أنّ جميع أسماء الله المفردات والمركّبات بكلّ لغة من جميع اللغات ذُكِرتْ مرّة واحدة لم تبلغ نصف فضل الكبير " . وقال رضي الله عنه:" إنّ الفضل المذكور في الاسم الكبير خاصّ بالصيغة التي هي خاصّة به صلّى الله عليه وسلّم ، ولا يلقّنها ولا يأذن فيها إلاّ القطب الجامع ، وأمّا غيرها من صيغ الاسم ففيها النصف من ثواب الكبير كما تقدّم ، وهذا الفضل لكلّ من أخذ صيغة من الاسم الأعظم بسند متّصل ، وأمّا من عثر عليه في كتاب أو غيره وذكره من غير إذن فثوابه حرف بعشر حسنات فقط لا غير " .
ومن خواصّ قول دائرة الإحاطة أنّ مَن علّمه الله له ، أيّ لفظه دون أسراره ، كان مأمونا من السلب لا يقدر عليه أحد وان كان لم يفتح عليه بالولاية ، ولا يقدر على سلبه إلاّ القطب " . ثمّ قال رضي الله عنه : " أعطاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مفتاح القطبانية ، وهو لا يُعطى ولا يُذكر إلاّ لمن سبق في علم الله أنّه يصير قطبا ، وهذا الذكر له خواصّ عظام من جملتها أنّ مَن سلَكه أحد عشر يوما فكلّ حاجة دعا به فيها مرّة واحدة حصلت ، وفيه إجابة كالاسم الأعظم ، ولو حصل لعاميّ لحصلت له الإجابة فضلا عن المفتوح عليه . " ولم يذكره سيّدنا رضي الله عنه لأحد لأنّه خاصّ به .
وقال رضي الله عنه : " إنّ العارف بالله يصير حرفا من حروف الذات ، قيل له : إنّ الحرف ذات والعارف ذات ، كيف يصير ذاتا واحدة ؟ قال : معناه أنّ العارف يصير يتصرّف بذاته كالحرف لا أنّه يصير عين الحرف ، قيل له : ولماذا لم يتصرّف بالأسماء العالية وبعسكرة الأسماء ؟ قال رضي الله عنه : أمّا الأسماء العالية فلا يعرفها ولا يطّلع عليها إلاّ الفرد الجامع ، وأمّا عسكرة الأسماء وغيرها من أسماء الله فيعرفها العارفون ولكن العارف يغلبه الحياء من الله أن يطلب حاجة بأسماء الله ، ولكن إذا أراد حاجة يوجّهُ همّته إليها فتقضى إن أراد قضاءها " .
وقال الشيخ رضي الله عنه : " كان يحدّثني قلبي أنّ مَن عرف صاحب الوقت بعينه ، وهو الفرد الجامع ، وعرف الاسم الخاصّ به ودعا بهما استُجيب له في الحين . وبقيتُ زمانا على هذا الحال حتّى أخبرني به سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم كما كان في قلبي سواء بسواء " .
ثمّ سئل رضي الله عنه : " ما المراد بالاسم الخاصّ به ؟ هل هو الأعظم أو غيره ؟ قال رضي الله عنه : لا بل غيره لأنّ كلّ واحد من الخلق له إسم من الأسماء العالية وهو الذي به قوام ذاته ، وله إسم نازل وهو الذي يميَّز به عن غيره " . قال الشيخ الأكبر رضي الله عنه في قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا (2) ليس المراد الذي قاله المفسّرون ، ولو كان كذلك ما ظهرت خصوصيّة لآدم عليه السلام ، وإنّما المراد بها الأسماء العالية لأنّه ما من مخلوق في الكون إلا وله اسم على قدره في العظم وبه قوامه " . إنتهى . قال صاحب الإبريز ناقلا عن شيخه : قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا (3) المراد بالأسماء الأسماء العالية لا الأسماء النازلة فإنّ كلّ مخلوق له اسم عالٍ وإسم نازل ، فالاسم النازل هو الذي يشعر بالمسمّى في الجملة ، والاسم العالي هو الذي يشعر بأصل المسمّى ومن أيّ شيء هو وبفائدة المُسمّى ، ولأيّ شيء يصلح الفأس لسائر ما يستعمل به ، وكيفية صنعة الحداد له ، فيعلم مِن مجرّد سماع لفظه هذه العلوم والمعارف المتعلّقة بالفأس ، وهكذا كلّ مخلوق . والمراد بقوله تعالى : الأَسْمَاءَ كُلَّهَا الأسماء التي يطيقها آدم ويحتاج إليها سائر البشر ولها بهم تعلّق وهو كلّ مخلوق من تحت العرش إلى تحت الأرض . إنتهى .
وقال البوصيري رضي الله عنه :
لك ذات العلوم من عالم الغيــ    ـب ومنهــا لآدم الأسمـــاء
سألت سيّدنا رضي الله عنه : " هل معنى البيت هو ما ذكره في الإبريز والشيخ الأكبر رضي الله عنهما ، عَجُزُ البيت لا صدره ؟ فأجاب رضي الله عنه قال : نعم ، وأما صدر البيت فهو مشهده صلّى الله عليه وسلّم الخاصّ به الذي لا مطمع فيه لأحد ، لا نبيّ ولا وليّ ، وصدق صاحب الهمزية في قوله :
رتب تسقط الأماني حســـرى     دونها ما وراءهـــــن وراء
بعد قوله :
وترقّـى به الى قاب قوســـيـ     ـن وتلك السيادة القعســـاء
وسألته رضي الله عنه عن قول البوصيري رضي الله عنه :
إنّما مثّلوا صفاتك للنــــــا     س كما مثّل النجومَ المــــاءُ
فأجاب رضي الله عنه بقوله : " معناه أنّ الأنبياء والمرسلين إنما ظهر عليهم من صفات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنّما هو كظهور النجم في الماء " . قال سيّدنا رضي الله عنه : " ولهذا قال أويس القرني رضي الله عنه للصحابة : ما رأيتم منه إلاّ ظلّه ، قالوا : ولا ابن أبي قحافة ؟ قال : ولا ابن أبي قحافة " . إنتهى . وتقاعس عن إدراك حقيقة سرّه جميع الكبراء ، قال أبو يزيد رضي الله عنه : " خضتُ لُجَّةَ المعارف طالبا للوقوف على الحقيقة المحمّدية فإذا بيني وبينها ألف حجاب من نور ، لو دنوت لواحد منها لاحترقت كما تحترق الشعرة في النار " . إنتهى .
وهذا القدر يكفي في فضل بعض دائرة الاحاطة ، وما وراء هذا لا تطيقه العقول ، ولا تفي به النقول ، وما سمعت فيه من الخبر إنّما هو عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله وأزواجه وذرّيته وأصحابه .


الفصل الثاني >>

<< عودة إلى فهرس الباب الثاني



  1. سورة النور ، الآية 30 .
  2. سورة البقرة ، الآية 31 .
  3. سورة البقرة ، الآية 31 .