نفحات7 ـ جواهر المعاني1 - الباب الثاني - الفصل الثاني : في سيرته السَّنيّة ، وجُمَل من أخلاقه السُّنية ، وحُسْن معاملاته مع إخوانه وأهل مودّته .
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الأوّل > الباب الثاني > الفصـل الثاني


في سيرته السَّنيّة ، وجُمَل من أخلاقه السُّنية ، وحُسْن معاملاته مع إخوانه وأهل مودّته .

قد أكمل الله تعالى لشيخنا وسيّدنا أبي العباس التجاني رضي الله عنه الشريعة كما أكمل الله فيه الحقيقة ، وسلك به بين صراطهما المستقيم أحسن طريقة ، فشرب منها لبنا خالصا سائغا ، وورث منها مقاما كاملا بالغا ، وتمكّن من الحالَيْن ، ورقى درجةَ كلٍّ من الكمالَيْن ، جاريا على مقتضى الأمرين ، وسائرا على منهجهما الاعدليْن ، متكافئ الطرفيْن ، ومعتدل الوصليْن ، جبلا بين سهليْن ، وبرزخا بين بحريْن ، لا يذهب بَحرُه ببَرِّه ، ولا يُبعده بَرُّهُ عن بَحرِهِ ، تقوية من الله له وتمكينا ، وتأييدا له وتحصينا ، وقد مكّنه الله من الإتّباع غاية التمكين ، وأنزله الله بالنزل المكين ، فهو رضي الله عنه في موافقة الشريعة ومتابعة السُّنّة آية ، قد وصل في التحافظ عليهما الغاية ، وقَّافٌ على حدود الله ، حافظٌ لحدود الله ، واقفٌ على أوامره ونواهيه ، لا أحد في ذلك يقاربه أو يضاهيه ، قد حكّم السنّة في نفسه وعياله ، وجعلها شعاره في جميع أفعاله وأحواله ، وأتقن رعاية رعيّته في داره ، على ما كانت عليه زمن أسلافه من حفظ أمر الدين وشعاره ، فازدادت كمالاً على كمالٍ ، وجمالاً على جمالٍ ، حتّى طارت بها كلّ مطار الأمثال ، وأعوز سيرها كثير الرجال ، وتخلّق بالأخلاق الشرعية ، وجميع آدابها المرعية ، فكان خُلُقُه القرآن ، وكلّ ما يأمر به الرحمن ، يرضى برضاه ويسخط بسخطه في كلّ أموره ، ويأمر بأمره ويحذّر بتحذيره ، فحسُنتْ له السير والشمائل ، وعذُبتْ فيه الشيّم والفضائل ، وطابق ظاهر سيرته وفعاله ، باطن خُلُقِه وخِلالِه ، وتحقّق بالإرث من رسول الله والْتَحَقَ بالسابقين من أهل حزب الله .
فأمّا سيرته : فنجِدُهُ رضي الله عنه شديد الحزم في الدين ، عالي الهمّة فيه ، شديد الحرص على مهمّاته بعد القيام بواجباته ، واقفا على الحدود والأحكام غاية ، حاثّا للوقوف عليها ، يقول كثيرا : " أفضل الأذكار ذكر الله عند أمره ونهيه " ، حافظا لحقوق الله مراعيا لها ، شديد التحرّز والورع في الدين ، كثير التحفّظ فيه والتحرّز للأحوط ، ما رأيتُ أشدّ حزما ولا أعظم ورعا منه ، كلّه حزم وعزم ، لا يحبّ التأويلات ولا يميل إلى ارتكاب الرخص ، عارفا عالما مدرّسا للعلوم كلّها ، والسيرة النبويّة بأسرها ، بصيرا بما زاد عليها وما نقص ، يعانق الكمالات ويسابق الغايات ويسارع إلى الخيرات ، يستمع القول فيتبّع أحسنه ويبادر للعمل به ، يغري على فعل المأمورات ويحذّر من الوقوع في المنهيات ويعظّم أمر الشرع العزيز ويجلّ أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أنْ يُخالَف ، وكثيرا ما يستشهد بقول الله تعالى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) ، ويحبّ أن يُفعلَ ما فعله النبي صلّى الله عليه وسلّم ولو لم يكن فُعِلَ على سبيل الأمر لنا ويقول : " ينبغي للإنسان إذا سمع شيئا من هذه الآداب النبويّة والمباحات التي فعلها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يفعلها بقصد الموافقة ولو مرّة واحدة " ، ويحافظ على السنّة في محاولاته ومناولاته كلّها ويحبّ موافقتها في كلّ شيء ، ولا يحبّ الخروج عنها في شيء من الأشياء ولو دعت إليه الضرورة وكان لا بأس به ، فيقول : " الخير كلّه في اتِّباع السنّة والشرّ كلّه في مخالفتها " ، ويحضّ على العمل بالعلم كثيرا وخصوصا لمن يشتغل به ، فعلى قدر رياح السفينة جريانها ، وعلى قدر طبخ الحديد إحكام الصنعة فيه وإتقانها ، وقد رُزِقَ رضي الله عنه مِنَ القوّة في اتّباعه وأفعاله صلّى الله عليه وسلّم ما يكافئ غزارة نوره وعظم حاله ، فما أكثر حفظه للدين ، وما اشدّ حبّه إيّاهُ وإتقانه له تبعاً لسيّد المرسلين ، يحبّ عبادة ربّه ويعظّم أوامره ويعبده عبادة العارفين بكماله الخاضعين لجلاله ، ويطيعه طاعة الفرحين به المتولّهين بحبّه ، عاملا على ترك الحظوظ واللّحوظ ، دالاّ غيره على ذلك بحاله ومقاله أبدا ، مؤدّياً الفرائض والسنن ويجئ بها على أحسن سنن ، لا يغفل ولا يتوانى ، ويحافظ على إقامة الصلاة في أوقاتها وأدائها في الجماعات أبدا ، يتقنها ركوعا وسجودا على أكمل وجه وأتمّ وصْفٍ في سكينة وطمأنينة وأدب مع الله عزّ وجلّ ، صلاة الخاشعين العارفين أمثاله ، لا تسأل عن كثرة خشوع وخضوع وحسن وسَمْتٍ وَسِمَةٍ ، لا يستطيع من يعرف حاله أن يلاصقه في الصفّ مخافة التشويش عليه ، وكثيرا ما يحضّ على إيقاع الصلوات في أوقاتها وفي الجماعات ، وعلى قيام الليل لا سيما آخره ، يحثّ عليه ويرغّب فيه أتمّ ترغيب ، وينشط له ويقول : " فيه تتنزّل الرحمات وعواطف النفحات ، وأنّ مَن أيقظه الله فيه فقد استدعاه إلى رحمته " ، ويداوم رضي الله عنه على غُسْل الجمعة ويؤكّده لتأكيد سنيّته ويفعله على الوجه المسنون من كونه متّصلا بالرواح ، ويلبس نقيّ ثيابه إن كان وإلاّ ذهب للمسجد الجامع بما عليه ، ولا نراه يتطيّب بالمسك ونحوه يومها وإنْ كان الطيب لها مستحبّا ولا في سائر الأيّام ، وهو يُحِبّه كثيرا ويجلب إليه ، ولعلّه لأجل ما كثر من استعماله لأهل الرفاهية وكثير من السفهاء بقصد الترفه ، ويمشي هونا في سعيه للصلوات كلّها ويحبّ فاعلَ ذلك عملا بمقتضى الحديث : « إذا أتيتم الصلاة فآتوها بسَكِينة ووقار » .
ومن شأنه رضي الله عنه يطلب التحقيق والتدقيق في كلّ شيء ممّا جلّ أو دقّ ليقف على التحقيق ويخرج بذلك عن ربقة التقليد والتصديق في كلّ أمر أمر فرد فرد حتّى لقد احتوى على جميع العلوم الرسمية تحقيقا وتدقيقا وتفهّما وتدبّرا ، وفي حلّ المشكلات المعضلات حتّى صار إماما في سائر العلوم يرجع إليه ويقصد في تبيينها لديه ، عالما بتعليلها وحكمها وأصولها وفروعها واستنباطاتها ومفهومها ومنطوقها وناسخها ومنسوخها ، واستبحر رضي الله عنه في جميع العلوم النقلية والرسمية حتّى صار لا يضاهَى ولا يُقاس بحرُه ولا يتناهَى ، كما صار كذلك في علم الحقيقة على ما هنالك ، فاستجمع بذلك شروط المشيخة والإقتداء على وجهها وأتى على حقيقتها وكنهها ، ويذكر الله عزّ وجلّ في كلّ أحيانه ، لا تفارقه سبحته ، يحبّ الإكثار من ذكر الله ويحضّ عليه ويقول : " كلّ شيء حدّه الله لنا إلاّ ذِكْره سبحانه فإنّه قال جلّ وعزّ : ييَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (2) ، وقال تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا (3) الآية " . ويواظب رضي الله عنه على أوراده بعد صلاة الصبح إلى وقت الضحى الأعلى في خلوته ، وبعد صلاة المغرب إلى صلاة العشاء في خلوته أيضا ، وكذلك له مرتّب بعد صلاة العصر إلى الغروب ، وقال رضي الله عنه : " لا نذكر ذكرا إلاّ ما رتّبه لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " ، وكثيراً يلازم الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في جميع أحواله ويحضّ عليها أصحابه لا سيما صلاة الفاتح لما أغلق...الخ لِما فيها من الفضل العظيم - وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في محلّه - وإذا طلبه أحد في شيء من غير الورد المعلوم يقول له : " أكثِرْ من الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بصلاة الفاتح لما أغلق فإنّ فيها خير الدنيا وخير الآخرة ، وبها ينال جميع المطالب ويبلغ بها الطالب أنواع المآرب " . هذا حاله رضي الله عنه الآن .
ويحفظ جوارحه ممّا نهى الله عنه ، فيُعرِض عن اللغو وما لا يعني ويصون عنه لسانه ، ولا يسمع الباطل ولا يقدر أحد أن يذكره بمحضره ، وإن نطق أحد بمنهيّ ردّه للصواب لا محالة كائنا ما كان لا يتساهل في ذلك ، يحذّر عن الغيبة غاية التحذير وينفّر عنها كلّ التنفير ، ويذكر ما ورد في ذلك من آية أو حديث ، ويُطنِب في ذلك مبالغة في النكير ، و يتحرّى الصدق رضي الله عنه في حديثه ويحض عليه وعلى تحرّيه ، ويسرّه مَنْ صدقه في حديثه ويسوئه من يكذب عليه ، ويعجبه الصادق في فعله الذي يظهر كلّ ما من شأنه أنْ يفَعَلَه ولو كان قبيحا ويستحسنه ، ويحظى عنده صدوق اللسان غاية الحظوة .
ولا يحبّ الإكثار من الحلف مخافة الوقوع في الحنث ويقول : " ينبغي للإنسان أن يُعَوِّدَ نفسه عند إرادة الحلف قوله إن شاء الله مخافة أن يعقد اليمين فلا يبرأ ويحنث فلا يُكَفِّرْ " . ويغضّ طرفه رضي الله عنه فلا تراه ذاهبا في الطريق إلاّ ناظرا موضع ممرّه ولا يلتفت ، ذلك دأبه وعادته . فإذا جلس مع الناس كان الغالب عليه التغافل عن أحوالهم يؤدِّب بذلك كلّ مَن حضر لديه ، ولا يحبّ الإكثار من ملاقاة الناس ولا الخوض معهم على ما هم فيه ، وإذا لقيَه أحد مِن أصحابه لم يزده على السلام عليكم ، ولا يقدر واحد منهم أن يقبّل يده حمْلا لهم على عدم التكلّف وميلا بهم إلى الأدب الباطنيّ وهو الأدب الحقيقيّ خلاف ما اعتاده الناس من تأكيد تقبيل يد كلّ من يعظّمونه ، هذا شأنه رضي الله عنه مع من يعرفه وخالطه إلاّ من غلب عليه أو كان ذا غفلة لا يعرف تصنعا ولا استعمالا . وأمّا الأجنبيون فإنّه يسامحهم ويعذرهم مخافة أن يكسر قلوبهم ، فلا يمرّ في طريق إلاّ أكبّ الناس عليه يسلّمون عليه بتقبيل أطرافه ، وربّما يزدحمون عليه وذلك لِمَا يفاجئهم من جلالته ومهابته ويسري إلى قلوبهم ممّا ألقى الله عليه من محبّته كما ورد في الحديث : « إنّ الله تعالى إذا أحبّ عبدا نادى جبريل فقال إنّي أحبّ فلانا فأحبّه فيحبّه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إنّ الله أحبّ فلانا فأحبّوه فيحبّه أهل السماء ثمّ يوضع له القبول في الأرض » . وكان رضي الله عنه قبل هذه الأزمنة ينكر كثرة تقبيل يديه ويزجر كلّ مَن فَعَلَهُ من قريب أو من بعيد كما تقدّم في باب بدايته ، وأمّا الآن فلم يبق على ذلك بل نقله الله إلى حالة الخلافة الدينية فصار حاله في ذلك على ما وصفناه رضي الله عنه وأرضاه ومتّعنا برضاه آمين .
وأمّا صلة الرحم : فإنّه يصل رحمه الديني و الطيني ، فأمّا الطيني فإنّه يواصل كلّ من له قرابة به مِن نَسَبِهِ وذوي رحمه ، يقضي حوائجهم ، ويتفقّد أحوالهم ، ويكرم مثواهم ، ويتعاهدهم و يسهمهم ممّا رزقه الله ، ويحمل كَلَّهُم ، ويكسب معدمهم ، ويعينهم على نوائب الخير وعلى مئونتهم ونوازلهم ، فما من مسألة تهمّهم إلاّ أنزلوها به فيجدون الراحة والمخرج ببركته ، لا يغفل عنهم في أمر دينيّ أو دنيويّ ، ويحنّ على كبيرهم ويرحم صغيرهم ، ويؤدّبهم كما يؤدّب صبيانه ، لا يرى أحدا فعل منهم قبيحا إلاّ وبَّخه ، يبالغ في نصيحتهم ويقوم بحقوقهم أحسن القيام ، حازم في ذلك كلّه قوّام ، ويحضّ على القيام بحقوق الأقارب ويوصي بالابتداء بهم على إرادة المواساة عملا بما ورد في الحديث ، وما أكثر ما يعظ في شأن الوالدين ويؤكّد على حقوقهما ويحذّر من عقوقهما ويقول : " من لم يبرّ بهما لا يتيسّر له سلوك هذه الطريق فمن صدر منه عقوق لهما بعد أن دخل فيها قطعه ذلك عنها ثمّ لا يقدر له أحد بشيء " ، وما أكثر ما يستعظم خطر المُضيِّع لحقوقهما ، وحقّ له ذلك إنّه لعظيم .
وأما رحِمه الديني فإنّه من أعظم الناس مواصلة له وأكثرهم برّا وإحسانا لأهل جانبه ، يواسي إخوانه وأصحابه وكلّ من له معرفة في الله بأنواع المواساة ، ويحسن إليهم فيطعم جائعهم ، ويشمل ضائعهم ، ويكسو عاريهم ، ويرفد فقراءهم ، ويُعِين ضعفاءهم ، إذ هو رضي الله عنه أشدّ اهتماما بأهل الأخوّة الدينية يتألّم لمصابهم أكثر ممّا يتألّم لذوي نسبه ورحمه ، أعظم الناس عنده قربا أكثرهم في الله حبّا ، فيقرّب الإنسان عنده من ذلك ولو كان من أبعد الأجانب ويبعد عنه البعيد ولو كان أقرب الأقارب ، نجده يستعظم حقوقهم ويرى أنّ القيام بها غير مستطاع ، سمعته غير ما مرّة يقول : " من ابتلى بتضييع حقوق الإخوان ابتلاه الله بتضييع الحقوق الإلهية " ، نسأل الله السلامة والعافية من هذه البليّة العظيمة التي عمّت بها البلوى في حلل المدّعين للأخوّة في هذا الزمان الرذيل .
وأما لباسه رضي الله عنه فيلبس المتوسّط من الثياب ممّا يقيه الحرّ والبرد كما يلبس عامّة الناس ولا يحب الامتياز بثوب حَسَن ولا قبيح ، ولا يرتكب في داره أمرا لم تَرِدْ به السُّنّة ، بل قطع عنهم جميع العوائد والزوائد وأمْرُه في ذلك واضح وتفصيله يطول ، ويتبرّأ من الدعوى أتمّ براءة ويتنصّل منها غاية التنصّل ولا يقبل من أحد فعل ذلك ، وإذا حكى شيئا صدر عنه من محاسن الأعمال أو أشار إلى بعض ما له من سنى الأحوال لغرض من الأغراض أسنده إلى مجهول فيقول : " وقع لبعض الناس أو لرجل كذا وكذا " لا يسمِّي نفسه ، ربّما نلتقي بمن حضر معه في بعض تلك القضايا بعينه فيخبرنا بأنّه هو فاعلها ، فصرنا نعلم ذلك من حاله . ولا يحب من ينسب إليه شيئا ولا من يصرّح له بِسِرٍّ مِنَ الأسرار ولا من يمدحه بمحضره . وإذا واجهه أحد يوما بثناء عليه لم يسامحه إلاّ إن كان غائبا أوعز بمدارك الأمور .
ويشدّد النكير في دعوى الفقر وما يشار إليه ويقول : " إلى الآن ما حصلت لنا التوبة والإيمان الكامل " ، أو كلاما هذا معناه ، تنبيها للسامعين وإرشادا للمتابعين ، والتعليم بالفعل أبلغ نصحا وأتمّ نجحا . فجزاه الله عنّا خيرا وزاده منّة وبرًّا ، وقد نجح والحمد لله على ذلك وسرى للأصحاب ما هنالك ، لا يحبّون الدعوى ولا من يشتغل بها لِمَا يعلمون من حاله ويسمعون من مقاله ويرون من فراره منها وممّن هي فيه لأنّ الدعوى أشدّ بلاءً من البلوى ، وكثيرا ما نراه يستعيذ بالله منها يقول : " إنّ عقوبتها الموت على سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى " ، يزجر السامعين بهذا الكلام ، وإنّه لحقيق بمن ادّعى بما ليس فيه أن يجازى بسوء الخاتمة . نسأل الله السلامة والعافية من هذه البليّة العظيمة .
ويحبّ الخمول ولا يحبّ الظهور ولا مَنْ يتعاطاه كما يأتي في باب زهده إن شاء الله تعالى .
ويحب آل البيت النبويّ المحبّة العظيمة ويَوُدُّهُمْ المودّة الجسيمة ويهتمّ بأمورهم ، لا يزال حريصًا إلى إيصال الخير إليهم ويضرع إلى الله فيما يُصْلِحُهُمْ ، وَيُكْرِمُهُمْ غاية الإكرام ، ويبرّ غاية بهم أشدّ البرور ، ويتواضع لهم أشدّ التواضع ، ويتأدّب معهم أحسن الأدب ، وينصحهم ويذكّرهم ويرشدهم إلى التخلّق بأخلاق النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والعمل بسنّته ويقول : " الشرفاء أوْلى الناس بالإرث من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم "، ويحضّ الناس على محبّتهم وتوقيرهم والتواضع لهم والأدب معهم ، ويبيّن عظيم مجدهم ورفيع قدرهم ويرى أن التواني في أمورهم ومحبّتهم نقص في الإيمان ، ولا يحبّ مَن يناويهم أو يباريهم أو يخلّ بالأدب معهم ويشدّد النكير على مَن فَعَلَ ذلك معهم رضي الله عنه وأرضاه ومتّعنا برضاه آمين .
ومن عظيم محبّته إيّاهم وأدبِه معهم وتواضعه لعليّ قدْرهم أن لا يترك مَن استشاره مِن أصحابه أن يصاهرهم مخافة تقصيرهم في شيء من الحقوق التي تجب عليه لهم أو وقوعه في بعض الحقوق . ورأيته يوماً شدّد على بعض أصحابه حين أراد تزويج شريفة ، فمنَعه من ذلك وقال له : " إنْ فعلتَ فأنا بريء منك في الدُّنيا والآخرة " . نعوذ بالله من مخالفته في غيبته وحضرته ، وذلك لأجل أنْ لا يقع منهم ما يغضبهم ويسوؤهم فيغضب بذلك فاطمة بنت النبي صلّى الله عليه وسلّم ويغضب أباها صلّى الله عليه وسلّم ما أغضبها للحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، والطبراني ، والحاكم في المستدرك ، والبيهقي ، عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه حيث خطب ابنته الحسن المثنّى على ابنة عمّه فاطمة بنت الحسين رضي الله عنهما فاعتلّ له بحديث : « فاطمة بضعة منّي يغضبني ما يغضبها ويبسطني ما يبسطها » وبأن عنده أشبهها ، وذلك يقبضها ويقبض جدّتها بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فوافق فعل سيّدنا رضي الله عنه فيمن استشاره فِعْل هذا الصحابيّ الكريم وسلك مسلكه في الإجلال والتعظيم ، وأنّ المصاهِر لهم قد يرى في نفسه من المساواة فيخلّ بالوقار ، وكثيرا ما يوصي بتوقيرهم واحترامهم والاحتياط في تعظيم مقامهم بعدم المصاهرة لهم مخافة أن يرى الإنسان نفسه أهلاً لذلك فينكح منهم كما نكحوا منه فلا يرى لهم مزيّة ويستخفّ بمرتبتهم العليّة ، وهذه آفة قلبية وعلّة خفيّة لا يراعيها ويحترز منها إلاّ أرباب القلوب . ومن شدّة تعظيمه لقدرهم وغيرته عليهم أنّه لا يحبّ من يخالطهم على حظّ ويخادعهم في شيء أو يكتم عنهم نصيحة ويقبّح ذلك غاية التقبيح ويكره فاعله .
والحاصل أن محبّته لآل البيت النبويّ وتعظيمه إيّاهم أمرٌ عظيمٌ لم يُر مثله لأحد من أهل زمننا ولا سمعنا به ، بل هو شيء انفرد به وتحقّق منه تحقيقا ويقينا ، والمحبّة - وإن كانت وصفا قلبيّا - تُعلَم زيادتها بالأحوال الدّالة عليها والإمارات المرشدة إليها ، وإنّا لا نعلم من يحبّ الشرفاء ويعظّمهم في هذا الزّمان مثل محبّته وتعظيمه ، وليس ذلك بمستغرب في أمثاله . ومحبّة آل النبي ، رزقنا الله منها أوفر حظّ ونصيب ، مِنْ نتائج الإيمان الحقيقيّ وثمراته ، وكذا سائر هذه السيرة المحمديّة التي سار بها شيخنا رضي الله عنه ممّا في بيان آثارها ونشر أخبارها عبرة للمعتبرين ، وتذكرة للمتذكّرين ، وتسديدا للمتقين ، وتأييدا للموفقين ، وعونا للموجّهين ، ويقظة للمنتبهين ، ومحجّة للمتقدّمين ، وحجّة على المعتدين ، رزقنا الله بركته وضاعف لنا محبّته .
وأما أخلاقه رضي الله عنه وهي ما تكيّفَ به من الأوصاف المجيدة والأخلاق الحميدة التي هي المسمّاة بمكارم الأخلاق ، وهي الذكاء والفطنة والشجاعة والنجدة والحنان والشفقة والرأفة والرحمة والصبر والاحتمال والتواضع والأدب ، وعلوّ الهمّة التي هي العفاف والصيانة والوفاء ، والفتوّة التي هي الكرم والسخاء والحلم والأناة والعفو والإيثار والسعي في حوائج الأبرار إحدى وعشرون قد تقدم منها في باب نشأته الأربعة الأولى التي هي الذكاء والفطنة والشجاعة والنجدة ويأتي ما بقي فيما بعد إن شاء الله تعالى . وقد أكرمه الله تعالى بأوصاف جُبِلَ عليها في أصل فطرته ، فلمّا فتح عليه ما فتح عادت قربى إلى الله ووصلة لحضرته ، فأنزل كلاّ منها بمحلّه ولِمَا خُلِق لأجله فصارت كلّها لله وفي الله ، فكان ذكاؤه فهمه عن الله مراده ، وأناته إتقانه للعبادة ، وصبره سكونه تحت مجاري الأقدار ، واحتماله قضاءه الحوائج والاوطار ، وشجاعته قوّته في الدين ، ونجدته في نصرته طريق المهتدين ، وسخاؤه بيع نفسه على الله وفي الله ، وعُلوّ همّته انقطاعه إليه عمّا سواه ، وفتوّته وفاءه بمعاملة مولاه . وكانت تلك الأوصاف تمهيدا لهذه الأخرى ، ورقّي بها في درجة الإحسان مقامة كبرى ، كلّ مُيَسّر لِمَا خُلِقَ له .
ومن أخلاقه الكريمة النافعة العميمة ، الحنانة والشفقة والرأفة والرحمة . لا تجِدُه إلاّ عطوفاً رؤوفًا شفيقًا رفيقًا ، يحنّ على المسلمين ويرقُّ للمساكين ، ويألم لمصابهم ويشفق لما بهم ، ويلاطف ذوي الحاجات ويواسي ذوي الفاقات ، ويودّ ذوي الاغتراب أكثر من ذوي الاقتراب ، ويميل إليهم ويتعطّف عليهم ويجالسهم ويؤانسهم ويعاملهم ، وخصوصا أهل الفطرة السليمة منهم الذين لا يضمرون من سريرتهم مثقال ذرّة ، فكثيرا ما تراه يبرّ بهم ويرفق بهم ويرحمهم ويكرمهم ، ويعجبه حالهم ويثني عليهم بظهر الغيب الثناء الجميل ، وما شكى له أحد مرضا ولا ألما إلاّ اهتمّ له واعتنى بأمره ، فلا يزال يذكره داعيا له ويسأله عن حاله حتّى يكشف الله ما به ويفرّج الله عنه ، وما أبصر ذا مصيبة إلاّ رقّ له رقّة عظيمة ، ويدعو له ويقول : " أعاذنا الله بفضله من بلائه " آمين . فهذا ديدنه رضي الله عنه وأرضاه وجعل دار النعيم مُتَقلّبَه ومثواه .
ومن أخلاقه العظيمة رضي الله عنه التي سبق فيها مَن قبله وأعجز مَن يأتي بعده ، التواضع والآداب وحُسْنُ الخلق والمعاشرة ، رقيق القلب رحيما بكلّ مسلم ، متبسما في وجه كلّ مَن لقيَه ، وكلّ مَن لقيه يظنّ أنّه أقرب إليه مِن غيره لِمَا يرى مِن طلاقة وجهه وحُسْن كلامه وكثرة إقباله ، حتّى إذا لقيه المحزون زال حزنه بمجرّد لقائه ، هيِّنا ليِّنا في كلّ شيء حتّى في مَشْيِهِ يذكِّرُكَ قولَه تعالى : وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (4) ، ما رأيت أحسن خُلُقا ، ولا أوسع صدرا ، ولا أكرم نفسا ، ولا أعطف قلبا ، ولا أحفظ عهدا وودّا ، ولا أكثر علما وفهما منه ، ومع جلالة قدره يقف مع الصغير ، ويوقّر الكبير ، ويجالس الضعفاء ، ويتواضع للفقراء ، اقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم . ولا يقصد أحد معارضته بشيء من العلوم كلّها إلاّ أفحمه فيبقى متحيّرا متعجّبا من غرائب العلوم والفهوم ممّن جمع الله له العلم والعمل والولاية الكبرى وارتقى في ذلك إلى النهاية ، مع الحرص والشفقة على الخلق ممّا يقرّبهم إلى الله تعالى والصبر على إذايتهم إلى الغاية إلى ما وُضِع له في القلوب من الهيبة العظيمة والإجلال ممّا لم يُعطَى لأحد ممّن عاصره من العلماء والأولياء والزهّاد وغيرهم . ولذا سار الناس إليه من أقاصي البلدان يتبرّكون به ويأخذون عنه ويستندون في الأمور الدينية والدنيوية والأخروية إليه ، فلا تجد مَن يقاربه في الرحمة والإرشاد للخلق فضلا عن مثله ، ومع هذا كلّه رضي الله عنه تجده يتواضع في نفسه لله وفي ذات الله لعباد الله أهل النسبة إلى الله وآل البيت النبوي وفي كلّ ذي نسبة دينية ومحبّة إيمانية ، أمّا في نفسه فإنّه لا يرى لها قدرا ولا ينسب لها أمرا ولا يرى استحقاق شيء على أحد حتّى أهله وعياله ، ويخدم نفسه وأهله لا تستنكف نفسه عن فعل شيء كائنا ما كان ، ولا يحبّ امتيازا ولا اختصاصا بشيء ، و يرى لغيره المزيّة عليه ويقول : " لعلّ الله يرحمنا في جماعة المسلمين " ، وينسب لنفسه الأشياء الوضيعة ، ولا يبرّئ نفسه من خصلة ذميمة أو فعلة قبيحة ، ويشهد حقوق الناس عليه ويقول : " لم نُوَفِّ لِمَنْ عرفناه حقّه ولم نستوفه أبداً " ، ويقول : " المؤمن هو الذي يرى حقوق الخلق عليه ولا يرى لنفسه على أحدٍ حقاً " .
وأما التواضع في الله لعباد الله فإنّه يخدم بنفسه من والاه مِنَ الأصحاب وغيرهم في الحضر والسفر لا يبالي بعناء نفسه في ورود ولا صدر ، ولا يترك أحد يشتغل بتعظيمه أو يميّزه بشيء كتقبيل اليد ونحوه ، ولا يقدر أحد أن يسومه بشيء من ذلك ، ولا يرى نفسه أهلا لشيء من ذلك أبدا .
وأما أدبه رضي الله عنه ظاهرا أو باطنا في الشريعة المحمديّة ومع الله جلّ جلاله فشيء بلغ فيه أقصى الغايات ، وبرع فيه أهل البدايات والنهايات ، حسب ما يعلم من حاله ومقاله ، ويشهد له ما تقدم من خلاله وفعاله . والأدب عند الفقهاء عبارة عن القيام بما بعد الواجبات والسنن من الفضائل والرغائب المتعلّقة بأحوال الإنسان من نوم ويقظة وأكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرٍ ودعاء ونحو ذلك ، وعند الصوفيّة عبارة عن جمع خصال الخير وأوصاف البرّ ، فهو وَصْفٌ جامعٌ لأوصاف مجيدة وأخلاق حميدة تناسب وصف العبوديّة وجلال الربوبيّة ، مَنْ جَمَعَهَا فقد اتّصف بالآداب وكان أديبا متأدّبا مع الله تعالى ومع رسول صلّى الله عليه وسلّم . والأدب بالمعنى الأوّل مندرج في هذا ، وقد جمع سيّدنا رضي الله عنه الأدب ظاهرا وباطنا وسرّا وجهرا ، ولله دَرُّ القائل :
إذا نطقتْ جاءتْ بكلّ مليحــة     وإن سكتتْ جاءتْ بكلّ مليــح
فمِن أدبه الظاهر رضي الله عنه مواظبته على ما ورد في السُّنَّة من الآداب الشرعيّة المتعلّقة بأحوال الإنسان ومحافظته عليها بقدر الطاقة والإمكان في قيامه وقعوده واضطجاعه ومشيه وجلوسه ، وما رُئيَ رضي الله عنه مادّاً قطّ رِجْلَهُ إلى القِبلة ، وما بَصَقَ قطّ وهو جالس في المسجد ، ولا رفع فيه صوته ، وما سمع أحدا يرفع فيه صوته إلاّ نهاه ، وما رأى أحدا أخلّ بشيء من آداب الشريعة إلاّ نبّهه ويقول له ، إذا كان ممّن له معرفة بها على سبيل الإنكار والتوبيخ : " أهكذا ورد في السنّة " ، ولا يحبّ ارتكاب شيء من آداب الناس العاديّة التي لم يَنْهَ عنها الشرع ولم تَرِدْ به السنّة اقتصارا منه على ما ورد في الشريعة وتخلّقا بأخلاق السنّة الرفيعة . ومِن أدبه الباطن الذي دلّت عليه أقواله وأفعاله أنّه رضي الله عنه لا يختار مع الله ولا يدبّر مع تدبيره شيئا كما تقدّم ، حتّى أنّه إذا دعا لنفسه أو لأحد بشيء ممّا كان مجهولا عاقبته أو فيه حظّ كان دعاؤه طلب الخير من الله ، ويقول لنا المرّة بعد المرّة : " لا أدعو إلاّ بلساني وقلبي مستسلم لله تعالى " ، ويقول : " لا أريد شيئا ولا أطلب شيئا ، تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد " ، ويقول : " إنّما أجاري الخلق بلساني لا غير لعدم كسر قلوبهم " وغير ذلك ، وتارة إذا طلبه أحد بالدعاء يقول : " لا أدعو أدبا مع الله جلّ جلاله " ، وعِلْمًا منه رضي الله عنه بأنّ ما يختاره الله هو أحسن ممّا يختاره العبد لنفسه أو غيره .
أما الدعاء بما ورد عن الشارع ممّا فيه ترغيب أو ترهيب ، أو تقرّب أو وصلة إلى الله جلّ جلاله ، أو وصف عبوديّة مِن إظهار فاقة وتملّق وتضرّع وخضوع لله سبحانه وتعالى ، وكذا طلب التوبة والمغفرة والرحمة والقبول منه جلّ وعلا ، ونحو ذلك ، فلا يزال لَهِجًا به رطِبا به قلبه ولسانه ، ويقول : " إنّ ذلك كلّه ليس فيه اختيار مع الله " لأنّه مأمور به شرعا ، وكثيرا ما يجري على لسانه بالدعاء : " الله يقبل عليك بمحض فضله ورضاه " .
ومن أدبه رضي الله عنه أنّه لا يريد الخوض في شيء من تصاريف أقدار الله سبحانه وتعالى ، ولا للتعرّض في الكلام فيما وقع ، ولا تمنّى زوال ما هو واقع منها ، ويَعُدُّ الخوض في ذلك كلّه اعتراضا على الله تعالى وسوء أدب معه ، وينسب القصور للنفس ويرى النقص منها فيما يبتلي به العبد من القضاء بعد اعتراف أنّه من الله تعالى تخلّقا بأخلاق الشريعة وتحقّقا بأنّ الكمال لا ينسب إلاّ لله ولا ينسب لغيره وإن كان أثرا من آثار قدرته لا لغيره ، مراعاةً لمقام الأدب معه تعالى .
ويحكى في ذلك حكاية معلومة لبعض الملوك السالفين ، وهي أنّه كان له غلام عزيز عليه جدّا ، فكَلَّمَهُ قُوّادُه في ذلك ، فأراد إظهار مزيّته لهم ، فأخرج لهم ياقوتة نفيسة وأمرهم بِكَسْرِهَا ، فجعل كلّ منهم يشير عليه بإبقائها ، فأمر الغلام بكسرها فكسرها مكانه دون تردّد ، فزجره السلطان ووَبّخَهُ على كسْرِها فجعل يتضرّع إليه : " يا سيّدي ، يا مولاي " ، فقال السلطان عند ذلك للآخرين : " أنتم أمَرْتُكُمْ أوّلا فجعلتم ترشدونني ، ولو كسرتموها وَلُمْتُكُمْ لقلتم أنت أمَرْتَنَا ، وهذا امتثل أوّلا وتضرّع ثانيا ، لهذا أحِبُّهُ . هذا ما يدلّ على نوع مِنْ آدابه الباطنة ، وأمّا ما وراء ذلك مِن مراعاة خواطره وأنفاسه وتقلّباته وأدبه مع الله في ذلك كلّه فمما لا نطّلع عليه ، وقد يكون هنالك آداب باطنية ظهرت عليه علاماتها فلم نعرف دلالتها على ذلك ، والأدب على قدر المعرفة ، ولن يخفى عليك بعد معرفته ما تقدّم كمالَ معرفته رضي الله عنه الملزوم لكمال أدبه ، بل ولكمال هذه الأخلاق كلّها المنطويّة في الآداب التي بلغ فيها مبلغا كاملا .
وبالجملة فأدبه مع الله تعالى ورسوله ، وتواضعه في نفسه وللخاصّ والعامّ من أبناء جنسه ، وصبره واحتماله وشفقته وحنانه ، وعظيم فتوّته وعلوّ همّته هذه خصوصا ، وسائر أخلاقه عموما ، أمر عزيز الوجود غريب الورود لا يتّفق إلاّ لخواصّ الخواصّ من ذوي الصدّيقيّة والإخلاص ، والمعرفة والتوحيد الخاصّ ، الذين استغرقتهم رحمة الرحمن وعَمَّهُم الفضل منه والإحسان ، وإذا أراد أن يُظهِر فضلَه على عبده أهّلَهُ لِحُبِّهِ وودّه ، وجعل فيه ائتلافه ، ومحا بوصفه أوصافه ، فأثمرت بكلّ جميل أغصانه ، وتنوّعت فنونه وأفنانه ، واتّصف بكلّ نعتٍ كريمٍ وخُلُقٍ عظيمٍ . سبحان الرحيم الودود ، الواسع الكرم والجود ، الذي أكرم خلْقَه ووسّع لِمَن شاء رزقه ، لا إله غيره ، ولا خير إلاّ خيره ، ولا مُعطِي إلاّ هو ، ولا راحم سواه ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم .


<< الفصل الأوّل

<< عودة إلى فهرس الباب الثاني   إنتقل إلى فهرس الباب الثالث >>



  1. سورة النور ، الآية 63 .
  2. سورة الأحزاب ، الآية 41 .
  3. سورة آل عمران ، الآية 191 .
  4. سورة الفرقان ، الآية 63 .
  5. سورة ، الآية .