نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب السادس - خاتمة
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهـر المعانـي - فهرس الجزء الثانـي > الباب السـادس > خاتمـة


خاتمة هادية لمحبّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واتّباع سنّته واقتفاء آثاره داعية


بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد وآله وسلّم .
خاتمة هادية لمحبّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واتّباع سنّته ، واقتفاء آثاره داعية ، فأقول وبالله التوفيق و به الإعانة إلى سواء الطريق :
إعلم أنّي أقدّم بين يديّ هذه الخاتمة مقدّمة تنبئ عن محبّته صلّى الله عليه وسلّم واتّباع سنّته وفضله وكرامته وما خصّه الله به من منحه وعنايته ، ومقصد في صلواتٍ على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَرَدَتْ عنه من فيضه الشريف وعميم فضله المنيف . وبهذه الخاتمة ختْم الكتاب وهي فَصُّ هذا الباب ، والسلام .

مقدّمة في وجوب محبّته واتّباع سنّته والإقتداء بهديه وسيرته صلّى الله عليه وسلّم .
إعلم أنّ المحبّة المنزلة التي يتنافس فيها المتنافسون ، وإليها يشخص العاملون ، وإلى علمها شمّر السابقون ، وعليها تتفانى المحبّون ، وبروح نسيمها تروّح العابدون ، فهي قُوتُ القلوب وغذاء الأرواح وقرّة العيون ، وهي الحياة التي مَن حُرِمَها فهو من جملة الأموات ، والنور الذي مَن فَقَدَه فهو في بحر الظلمات ، والشفاء الذي مَن عدمه حلّت بقلبه جميع الأسقام ، واللذّة التي لم يظفر بها فعيشه في غاية الهموم والآلام ، وهي روح الإيمان والأعمال ، والمقامات والأحوال ، التي متى خَلَتْ منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه ، تحمل أثقال السائرين إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلاّ بشقّ الأنفس ، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدا واصليها ، وتبوّءهم من مقاعد الصدق إلى مقامات لم يكونوا لولا هي داخليها ، وهي مطايا القوم التي سراهم في ظهورها دائما إلى الحبيب ، وطريقهم الأقوم التي تُبلِغهم إلى منازلهم الأولى من قريب . تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة إذ لهم من معيّة محبوبهم أوفر حظّ ونصيب ، وقد قدّر الله يوم قدّر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أنّ المرء مع مَن أحبّ ، وشاهده ما في الحديث الذي رواه القاضي عياض : « أنّ رجلا أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله لأنت إليّ من أهلي ومالي وإنّي لأذكرك فما أصبر حتّى أجيء فأنظر إليك وإنّي ذكرت موتي وموتك فعرفت أنّك إذا أدخلت الجنّة رفعت مع النبيّين وإن دخلتها لا أراك فأنزل الله وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا فدعا به فقرأها عليه » . وفي حديث آخر « كان رجل عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ينظر إليه لا يطرف فقال ما بالك فقال بأبي أنت وأمّي أتمتّع من النظر إليك فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله ، فأنزل الله الآية » أهـ . فيا لها من نعمة على المحبّين سابقة ، لقد سبق القوم للسعادة وَهُمْ على ظهور الفرش نائمون ، ولقد تقدّموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون .
من لي بمثل سيرك المذلّل     تمشي رويدا وتجيء في الأوّل
إجابة مؤذّن الشوق إذا نادى بهم حيّ على الفلاح ، وبذلوا أنفسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم وكان بالرضا والسماح ، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدوّ وبالرواح ، ولقد حمدوا عند الوصول مسراهم وإنّما يحمد القوم السرى عند الصباح ، وقد اختلفوا في المحبّة ، وعباراتهم وإن كثرت فليست في الحقيقة ترجع إلى اختلاف مقال ، وإنّما هي اختلاف أحوال ، وأكثرها يرجع إلى ثمراتها دون حقيقتها . وقد قال بعض المحقّقين : حقيقة المحبّة عند أهل المعرفة من المعلومات التي لا تحدّ وإنّما يعرفها من قامت به وجدانا لا يمكن التعبير عنه ، وهي لا تحدّ بحدّ أوضح منها ، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء ، فحدودها وجودها ، ولا توصف المحبّة بوصف أظهر من المحبّة ، وإنّما يتكلّم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها ، فحدودهم ورسومهم دارت على هذه السنّة ، وتنوّعت بهم العبارات وكثرت الإشارات بحسب الإدراك والمقام والحال . وهذه بعض رسوم وحدود قيلت في المحبّة بحسب آثارها وشواهدها . فمنها : موافقة الحبيب في المشهد والمغيب ، وهذا موجبها ومقتضاها . ومنها : محو المحبّ لصفاته وإثباته المحبّة لذاته ، وهذا من أحكام الفناء في المحبّة ، وهو أن يمحو صفات المحبّ ويفنى في صفات محبوبه وذاته ، وهذا يستدعي بيانا أتمّ من هذا لا يدركه إلاّ مَن أفناه وارد المحبّة عنه وأخذ منه . ومنها : أن تهبّ كلّك لمن أحببت ولا يبقى لك منك شيء ، والمراد أن تهب إرادتك وعزيمتك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحبّه وتجعلها حبسا في مرضاته ومحبّته ولا تأخذ منها لنفسك إلاّ ما أعطاكه ، فتأخذ له منه . ومنها : أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب ، وكمال المحبّة يقتضي ذلك ، فإنّه ما دامت في القلب بقيّة لغيره ، ومسكن لغيره ، فالمحبّة مدخولة . ومنها : أن تغار على المحبوب أن يحبّه مثلك ، ومعناه احتقارك لنفسك واستصغارها أن يكون مثلك من يحبّ .
ولمحبّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علامات أعظمها : الاقتداء به واستعمال سنّته وسلوك طريقته والاهتداء بهديه وسيرته والوقف عند ما حدّ لنا من شريعته ، قال الله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فجعل تعالى متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم آية محبّة العبد ربّه ، وجعل جزاء العبد على حسن متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم محبّة الله تعالى إيّاه ، وهذه المحبّة تنشأ من مطالعة العبد مِنّة الله عليه من نعمه الظاهرة و الباطنة ، فبقدر مطالعة ذلك تكون قوّة المحبّة ، ومِن أعظم مطالعة منّة الله على عبده منّة تأهّله لمحبّته ومعرفته ومتابعة حبيبه صلّى الله عليه وسلّم . وأصل هذا النور يقذفه الله تعالى في قلب العبد ، فإذا دار ذلك النور في القلب أشرقت له ذاته فرأى في نفسه ما أُهِّلتْ له من الكمالات والمحاسن فَعَلَتْ به همّتُه وقَوِيَتْ عزيمتُه وانقشعتْ عنه ظلماتُ نفسه وطبعِه لأنّ النور والظلمة لا يجتمعان إلاّ ويطرد أحدهما الآخر ، فوقعت الروح حينئذ بين الهيبة والأُنس إلى الحبيب . وبحسب هذا الإتّباع توهب المحبّة والمحبوبيّة معاً ، ولا يتمّ الأمر إلاّ بِهِمَا ، فليس الشأن أن تحبّ الله بل الشأن أنْ يحبّك الله ، ولا يحبّك إلاّ إذا اتّبعتَ حبيبه ظاهرا وباطنا ، وصدقته خبرا ، وأطعته أمرا ، وأجبته دعوة ، وآثرته طوعا ، وفَنَيْتَ عن حكم غيره بحكمه ، وعن محبّة غيره من الخلق ، وعن طاعة غيره بطاعته ، وإنْ لم تكن كذلك فلستَ على شيء . وتأمّلْ قولَه تعالى : فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ، فاتّباع هذا النبيّ الكريم حياة القلوب ونور البصائر وشفاء الصدور ورياحين النفوس ولذّة الأرواح وأُنس المستوحشين ودليل المتحيّرين . ومن علامة محبّته أن يرضى مدّعيها بما شرّعه صلّى الله عليه وسلّم حتّى لا يجد في نفسه حرجا ممّا قضى ، قال الله تعالى : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ الآية ، فسَلَبَ اسم الإيمان عمّن وَجَدَ في صدره حرجا مِن قضائه ولمْ يُسَلِّمْ له . ومن علامة محبّته صلّى الله عليه وسلّم تعظيمه عند ذِكْرِهِ وإظهار الخشوع والخضوع والانكسار مع سماع اسمه ، فكلّ مَن أحَبَّ شيئا خضع له . ومِن علامة محبّته صلّى الله عليه وسلّم كثرة الشوق إلى لقائه إذْ كلّ حبيب يحبّ لقاء حبيبه . ومن علامة محبّته صلّى الله عليه وسلّم حُبّ القرآن الذي أتى به ، وهدى به ، واهتدى به ، وتخلّق به . وإذا أردتَ أن تعرف ما عندك وعند غيرك من محبّة الله ورسوله فانظر إلى محبّة القرآن من قلبك والتلذّذ لسماع أعظم من التذاذ بسماع الملاهي والغناء والطرب . ومن علامة محبّته صلّى الله عليه وسلّم محبّة سنّته وقراءة حديثه ، فإنّ من دخلت حلاوة الايمان في قلبه إذا سمع كلمة من كلمة الله أو من حديث رسوله صلّى الله عليه وسلّم تشرّبَها روحه ونفسه وقلبه ، فحينئذ يستنير قلبه ويشرق سرّه وتتلاطم عليه أمواج التحقيق عند ظهور البراهين ويرتوي ويرى عطف محبوبه الذي لا شيء أروى لقلبه من عطفه عليه . وبالجملة فالكلام في هذا المعنى يطول ، فلنقصر العنان ، ولو تتبّعنا ما في هذا من العلامات لم يسعنا مجلّدات .
وأمّا فضله صلّى الله عليه وسلّم فهو أشهر من أن يقام عليه دليل أو برهان ، وأكثر من أن يحصيه لسان ، بل هو أظهر من القمر عند الكمال وأجلى من الشمس في درجة الحمل ، ولله درّ القائل :
وكيف يصحّ في الأذهان شيء     إذا احتاج النهار إلى دليل
وذكَر ابن سيّد الناس من طريق مسلم : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : « إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم » ، والأحاديث الواردة عنه صلّى الله عليه وسلّم في هذا المعنى كثيرة ، وآيات القرآن المفصحة بعظيم قدره شهيرة ، يكفي في علوّ منصبه عند الله تعالى وقدره واختصاصه وقربه عن سائر الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين الشفاعة العظمى في الموقف الأكبر بين سائر الخلق أجمعين ، وما وهبه الله تعالى له وخصّه به من نهر الكوثر ، قال تعالى : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ . وأمّا حديث الشفاعة فهو أشهر من نار على علم ، وصار من الدين ضرورة فلا نطيل بذكره . فانظر ما تضمّنه هذا الحديث الشريف من فخامة قدره عليه الصلاة والسلام وجلالة أمره عليه من الله في كلّ حين أفضل الصلاة والسلام لأنّ أكابر الرسل عليهم الصلاة والسلام لم ينازعوه في هذه المرتبة التي هي مختصّة به ، وهي الشفاعة العظمى . ولا شكّ أنّ بِعْثَته عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين ، فقال جلّ مِن قائل : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . وأما تفضيله على بني آدم عموما وخصوصا فمِن قوله عليه الصلاة والسلام : « أنا سيّد وَلَدِ آدم ولا فخر » . . وأمّا تفضيله على آدم فمِن قوله صلّى الله عليه وسلّم : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » ، ومِن قوله صلّى الله عليه وسلّم : « آدم فمن دونه من الأنبياء يوم القيامة تحت لوائي » ، ومن قوله عليه السلام : « وأنا أوّل شافع وأوّل مشفّع وأنا أوّل من تنشقّ عنه الأرض » . وقال تعالى في حقّه : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الآية ، وقوله جلّ مِن قائل : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وقوله تعالى : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ، وقال أيضا في حقّه عليه الصلاة والسلام : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ الخ السورة ، قال قتادة : رفع الله ذكر نبيّنا في الدنيا والآخرة ، فليس خطيب ولا متشهّد ولا صاحب صلاة إلاّ وهو يقول : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله . وعن أبي سعيد الخدريّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : « أتاني جبريل فقال إنّ ربّي وربّك يقول تدري كيف رفعت ذكرك قلت الله ورسوله أعلم قال إذا ذكرت ذكرت معي » ، وعن عمر بن الخطاب رضي عنه أنّه قال : « يا رسول الله من فضيلتك عند الله أن جعل طاعتك طاعته فقال مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ » ، وقال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ، وقال تعالى : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ، وكلّ هذا من زيادة البرّ والإحسان والإنعام والاعتناء به من ربّه عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام .
وفي قسَمه تعالى بعظيم قدره لديه آيات كثيرة ، فمِن ذلك قوله تعالى : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ، إتّفق أهل التفاسير في هذا أنّه قَسَمٌ من الله جلّ جلاله بمدّة حياة سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، وهذه نهاية التعظيم والتشريف وغاية التكريم . ومِن ذلك قوله جلّتْ قدرته : ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ ، أقسمَ بقوّة قلب حبيبه سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم حيث حمل الخطاب والمشاهدة ولم يؤثّر ذلك فيه لعلوّ حاله . ومن ذلك قوله تعالى : وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ، سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم لأنّ منه تفجّر الإيمان . وممّا يدلّ على تعظيم قدره وفخامة أمره وجلالة منصبه خطابه إيّاه بقوله تعالى : وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى الخ السورة . وممّا شرّفه به تعالى واختصّه به من بين سائر الأنبياء والمرسلين وأشاد به رتبته الشريفة قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ، وقال تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ، قال قتادة : إنّ النبيّ صلّى الله عليه و سلّم قال : « كنت أوّل الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث » ، فلذلك وقع ذكره مقدّما قبل ذكر نوح وغيره عليهم الصلاة والسلام . ويكفي في عظيم قدره عند ربّه ما تضمّنته سورة الفتح من الاعتناء به وكريم منزلته لديه ، فابتدأه جلّ جلاله بإعلامه بما قضاه له من القضاء البيّن بظهوره وغلبته على عدوّه وعلوّ كلمته وشريعته وأنّه مغفور له غير مؤاخذ بما كان وما يكون وما وقع وما لم يقع إلى آخر السورة ، وما تضمّنته من بيعة الرضوان ، فقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ، أيّ إنّما يبايعون الله ببيعتهم إيّاك يد الله فوق أيديهم ، يريد عند البيعة ، ولنقصر العنان ، ولو تتبّعنا ما ورد في عظيم قدره من الآيات و الأخبار لطال الخطاب وخرجنا إلى الإطناب ، ومقصدنا من هذا نبذة لنتبرّك بها في هذا الكتاب .
وبالجملة فهو عليه الصلاة والسلام أعلى الناس قدرا ، وأرفعهم ذكرا ، وأعظمهم محلاّ ، وأكملهم محاسنا وفضلا ، فإذا نظرت إلى خصال الكمال التي هي غير مكتسبة وجدته عليه الصلاة والسلام حائزا لجميعها ومحافظا بشتات محاسنها دون خلاف بين نقَلة الأخبار ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما .




<< عودة إلى فهرس الباب السادس