نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب السادس - مقصد - الصفحة الأولى :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب السادس > مقصد > الصفحة الأولى


المقصد : في الصلوات التي وردت فيه من فيض فضله الشريف صلّى الله عليه وسلّم ـ الصفحة الأولى

فأقول ، وبه أستعين ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بعليّ جنابه :
أوّل ما نبدأ به ذكر الصلوات التي أملاها مولانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من فيضه الشريف يقظة على شيخنا أبي العباس ، ثمّ نتبعها بشروحها لشيخنا رضي الله عنه .
الأولى سمّاها شيخنا رضي الله عنه ( ياقوتة الحقائق في التعريف بحقيقة سيّد الخلائق ) ، ونصّها : الله الله الله اللهمّ أنت الله الذي لا إله إلاّ أنت العالي في عظمة انفراد حضرة أحديّتك التي شئت فيها بوجود شؤونك وأنشأت من نورك الكامل نشأة الحقّ وأنطتها وجعلتها صورة كاملة تامّة تجد منها بسبب وجودها من انفراد أحديّتك قبل نشر أشباحها وجعلت منها فيها بسببها انبساط العلم وجعلت من أثر هذه العظمة ومن بركاتها شبحة الصور كلّها جامدها و متحرّكها وأنطتها بإقبال التحريك والتسكين وجعلتها في إحاطة العزّة من كونها قبلت منها ولها وفيها وتشعشعت الصور البارزة بإقبال الوجود وقدرت لها وفيها ومنها ما يماثلها ممّا يطابق أرقام صورها وحكمت عليها بالبروز لتأدية ما قدرته عليها وجعلتها منقوشة في لوحها المحفوظ الذي خلقت منه ببركاته وحكمت عليها بما أردت لها وبما تريد بها وجعلت كلّ الكلّ في كلّك وجعلت هذا الكلّ من كلّك وجعلت الكلّ قبضة من نور عظمتك روحا لما أنت أهل له ولما هو أهل لك أسألك اللهمّ بمرتبة هذه العظمة وإطلاقها في وجد وعدم أن تصلّي وتسلّم على ترجمان لسان القدم اللوح المحفوظ والنور الساري الممدود الذي لا يدركه دارك ولا يلحقه لاحق الصراط المستقيم ناصر الحقّ بالحقّ اللهمّ صلّ وسلّم على أشرف الخلائق الإنسانيّة والجانّيّة صاحب الأنوار الفاخرة اللهمّ صلّ وسلّم عليه وعلى آله وعلى أولاده وأزواجه وذرّيّته وأهل بيته وإخوانه من النبيّين والصدّيقين وعلى من آمن به واتّبعه من الأوّلين والآخرين اللهمّ اجعل صلاتنا عليه مقبولة لا مردودة اللهمّ صلّ على سيّدنا ومولانا محمّد وآله اللهمّ واجعله لنا روحا ولعبادتنا سرّا واجعل اللهمّ محبّته لنا قوّة أستعين بها على تعظيمه اللهمّ واجعل تعظيمه في قلوبنا حياة أقوم بها وأستعين بها على ذكره وذكر ربّه اللهمّ واجعل صلاتنا عليه مفتاحا وافتح لنا بها يا ربّ حجاب الإقبال وتقبّل منّي ببركات حبيبي وحبيب عبادك المؤمنين ما أنا أؤدّيه من الأوراد والأذكار والمحبّة والتعظيم لذاتك لله لله لله آه آمين هو هو هو آمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد آمين . إنتهت الصلاة الأولى .
ونصّ الثانية ، وهي أيضا من إملائه صلّى الله عليه وسلّم لشيخنا يقظة ، وهي : اللهمّ صلّ وسلّم على عين الرحمة الربّانيّة والياقوتة المتحقّقة الحائطة بمركز الفهوم والمعاني ونور الأكوان المتكوّنة الآدميّ صاحب الحقّ الربّاني البرق الأسطع بمزون الأرباح المالئة لكلّ متعرّض من البحور والأواني ونورك اللامع الذي ملأت به كونك الحائط بالأمكنة المكان اللهمّ صلّ وسلّم على عين الحقّ التي تتجلّى منها عروش الحقائق عين المعارف الأقوم، صراطك التامّ الأسقم اللهمّ صلّ وسلّم على طلعة الحقّ بالحقّ الكنز الأعظم إفاضتك منك إليك إحاطة النور المطلسم صلّى الله عليه وعلى آله صلاة تعرّفنا بها إيّاه . إنتهت .
ونصّ الثالثة ، وهي من الغيب ، واسمها ( الصلاة الغيبيّة في الحقيقة الأحمديّة ) ، وهي : اللهمّ صلّ وسلّم على عين ذاتك العليّة بأنواع كمالاتك البهيّة في حضرة ذاتك الأبديّة على عبدك القائم بك منك لك إليك بأتمّ الصلوات الزكيّة المصلّي في محراب عين هاء الهويّة التالي السبع المثاني بصفاتك النفسيّة المخاطب بقولك له واسجد واقترب الداعي بك لك بإذنك لكافّة شؤونك العلميّة فمن أجاب اصطفى وقرب المفيض على كافّة من أوجدته بقيّوميّة سرّك المدد الساري في كلّيّة أجزاء موهبة فضلك المتجلّي عليه في محراب قدسك وأنسك بكمالات ألوهيّتك في عوالمك وبرّك وبحرك فصلّ اللهمّ عليه صلاة كاملة تامّة بك ومنك وإليك وعليك وسلّم عليه سلاما تامّا عامّا شاملا لأنواع كمالات قدسك دائمين متّصلين على خليلك وحبيبك من خلقك عدد ما في علمك القديم وعميم فضلك العظيم وتب عنّا بمحض فضلك الكريم في الصلاة عليه صلاتك التي صلّيت عليه في محراب قدسك وهوية أنسك وعلى آله وصحابة رسولك ونبيّك وسلّم عليهم تسليما عدد إحاطة علمك . إنتهت .
شرح الصلاة الأولى ، ونصّه :
بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد المصطفى الكريم ، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما . الحمد لله الذي جعل سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم مظهر الكمال وحلاّه من أوصافه بما تعرّف به إلينا من الجلال والجمال ، وخصّه بالوسيلة والدرجة الرفيعة في مقام قاب قوسين أو أدنى ثمّ دلاّه بعد ما أدناه ليظهره في العالم بكمال أسمائه الحسنى ، فأنزل عليه آياته الكريمة ظاهرا وباطنا وعرّفه بحقائق الأشياء صورة ومعنى ، فله الحمد سبحانه أن جعله النسخة الكاملة العظمى لمطلق العدم والوجود وفتح على يديه خزائن الكرم والجود ، أحمده حمدا لائقا بمرتبة ألوهيّته واجبا لكمال ربوبيّته ، جامعا لفنون الكمال المطلق كما يستحقّه في ذاته الحقّ ، وأشكر شكرا متّصلا متواتر الآلاء موازيا لأنواع النعماء ، وأثني عليه بما اثنى على نفسه في ملائكة قدسه وأشهد أن لا إله إلاّ الله الأحد بذاته الواحد في أسمائه وصفاته ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم رسوله المكرّم وحبيبه المعظّم وعبده المبجّل المفخّم ، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وشرّف وكرّم ومجّد وعظّم .
وأمّا بعد : فإنّ سيّدنا وشيخنا واسطة عقد حضرة الولاية وعلم أهل الحفظ والرعاية والعناية ، عماد الملّة والدين ومحلّ رحاب الطالبين ، لسان الشريعة والحقيقة وترجمان ما اعتاص من مقفل كلام أهل الطريقة ، إمام الواصلين ونخبة المقرّبين ورافع لواء العارفين وسلطان المحبوبين ، قطب الحال والمقام وإمام جامع أهل القبضة والوصال ، أبا العباس مولانا أحمد بن محمّد التجاني الحسنيّ وضع رضي الله عنه تقييدا مفيدا وتنبيها مرشدا سديدا على الصلاة المسمّاة بـ( ياقوتة الحقائق في التعريف بحقيقة سيّد الخلائق ) التي هي من إملاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن لفظه الشريف على شيخنا رضي الله عنه يقظة لا مناما ، وأمره صلّى الله عليه وسلّم أن يضع عليها هذا التقييد المبارك ليحلّ مشكلاتها ويعرب عن مشكاتها ، فأبدع فيه وأجاد وبلغ فيه غاية المراد وأفصح عن الحقائق وأفاد . وسمّيته : ( جوهرة الحقائق في شرح ياقوتة الحقائق ) .
وذكر لنا سيّدنا رضي الله عنه أنّ من داوم على قراءتها تضمن له خير الدنيا وخير الآخرة ، ومن ذكرها مرّتين في الصباح ومرّتين في المساء غفرت له ذنوبه الكبائر والصغائر بالغة ما بلغت ، و لا يقع له وَهْمٌ في التوحيد ، لكن بالإذن الصحيح عنه رضي الله عنه وأرضاه أو ممّن أذِن له . وهذا أوان الشروع في معانيها وشرح مبانيها .
قال رضي الله عنه ، مستعينا به متوكّلا عليه : الكلام على البسملة بيّنٌ لا يحتاج إلى ذكره ، وكذلك الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فإنّ الكلام عليهما أشهر من نار على علَم فلا نُطيل بذكرها . فأقول وبالله الإعانة والتوفيق و الهداية إلى سواء الطريق ، قوله : ( الله الله الله ) ، إعلم أنّ هذا الاسم الشريف اختلف فيه ، هل هو مشتقّ أو مرتجل . قلنا : الصحيح أنّه إسم مرتجل ، وجميع ما ذكر أهل اللغة فيه من التصرّف لا يصحّ ولا يتصوّر لأنّ ذلك يصحّ في الأسماء المعلّلة ، وهي أسماء الصفات التي كلّ اسم منها يختصّ بمعنى من المعاني محقّق في الذات العليّة ، فتلك الأسماء هي التي يطلق عليها التصرّف ، يقال فيها متصرّفة لتعليلها بمعانيها . وأمّا هذا الاسم الشريف فلا معنى له إلاّ الذات العليّة المطلقة لا غير ، ولذا قيل فيه : إنّه الاسم الأعظم لكونه ظهر في مظهر الذات العليّة لعدم اختصاصه بمعنى دون معنى ، فإنّ الحقّ سبحانه وتعالى سمّى به نفسه في غيب الغيب حيث لا وجود لشيء معه وليس هناك شيء يتعلّل به . ولقد وقع في الخبر أنّ الحقّ سبحانه تعالى كان في الأزل لا شيء معه فبرزت حقائق الوجود المحسوسة شؤونا ملحوظة لا وجود لها في الخارج ، وخاطبت الأسماء الإلهيّة ، التي هي لهذا الاسم الشريف كالفلك المحيط على قطبه ، فقالت الموجودات للأسماء : إنّكم الآن لا تُعرَفون لأنّكم في بطون البطون ، فلو أبرزتمونا للظهور لظهرت أحكامكم وتوجّهت فينا تصاريفكم فتميّزت مراتبكم عن بطونها وعُرِفتم وعُرِفنا . فقالت الأسماء للاسم الجامع ، وهو الربّ ، وتوجّهت إليه الأسماء بما توجّهت إليها حقائق الوجود ، فقال لهم إسم الربّ : حتّى أدخل على الاسم الجامع ، وهو الله . فدخل عليه حضرته وخاطبه بما خاطبته به الأسماء ، فقال له : حتّى أدخل على مدلولي . فدخل على الحقّ في حضرة جلاله جلّ وعلا ، وهي حضرة الذات المقدّسة ، فخاطبه بما خاطبت الأسماء به الربّ وطلب منه ما طالبته به ، فقال له الحقّ سبحانه وتعالى : أخرج إليهم فإنّي مبرز ما طلبتموه . فكان عن هذا السؤال بروز الوجود بأسره . فهذا يدلّ على أنّ هذا الاسم الأعظم ليس لعلّة من العلل إنّما هو اسم الذات المطلقة الواجبة الوجود لذاتها . وإنّما يصحّ التعليل فيه لو كان مختصّا بِلُغَةٍ من اللغات ، كالعربيّة مثلا لأنّ اللغة لا يوضع فيها لفظ إلاّ بملاحظة معنى من المعاني ، وهذا الاسم في عينه لم يختصّ باللغة العربيّة ولا غيرها من اللغات ، بل جميع الموجودات في كلّ لغة من لغات الوجود تعرفه سبحانه وتعالى بأنّه عين هذا الاسم ، وهو الله لا غير . ومع هذا كلّه فقد اتّفق العارفون رضي الله عنهم قاطبة على أنّه عين المرتبة لا عين الذات إذ مرتبة الحقّ سبحانه وتعالى الألوهيّة ، والذات في غاية البطون لا يعلمها غيره سبحانه وتعالى ، وما برز للوجود كلّه إلاّ بالمرتبة ، والذات غيب لا يدركها أحد ، فهي في غاية البطون ، والمرتبة في غاية الظهور . فما تسمع في كلام العارفين رضي الله عنهم أنّه هو الظاهر وحده لا وجود لغيره إنّما يريدون ظهور المرتبة ، فصحّ لنا من هذا الكلام أنّ هذا الاسم الشريف غير معلّل ، فهو عَلَمٌ على الذات الواجبة الوجود ، وما نطق به المتكلّمون من قولهم أنّه اسم جزئيّ فباطل لا يصحّ لأنّ الجزئيّ في ما شأنه أن يكون كلّيّا أو جزئيّا من الموجودات ، فالكلّيّ ما دلّ على جمع أو جنس لم يختصّ بجزء من أجزاء ذلك الكلّيّ وانطواء الأجزاء تحت ذلك الكلّيّ . والجزئيّ ما دلّ على فرد من أفراد الجمع أو الجنس بحيث أن لا مشاركة فيه لغيره . وهذا الاسم الأعظم خارج عن جميع الكلّيّات والجزئيّات ، فلا يقبل دخول الجنس معه لعدم مجانسته لشيء من الموجودات ، ولا يقبل دخول الكلّيّ معه لنفي المشاركة معه في مرتبته ، فبطل قولهم هو اسم جزئيّ ، فلا يصحّ في إطلاقه إلاّ القول بأنّه اسم مرتجل عَلَمٌ على الذات الوجبة الوجود من حيث المرتبة لا من حيث بطون الذات .
فإن قلتَ : إنّ صور الموجودات معدومة في الأزل لا ظهور لها ، فكيف صحّ منها التوجّه والكلام مع مرتبة الأسماء ؟
قلنا : إنّ ذلك حقّ في عدمها ، ولكن لمّا أراد الحقّ سبحانه وتعالى ظهورها أبرز منها صورا كالخيالات أو هي عين الخيالات ، فتوجّه منها الخطاب المضمر الذي لا يدركه الحسّ فخاطبت الأسماء بهذا الخطاب ، فتوجّهت مشيئة الحقّ تعالى لإبرازها . والخيال يصحّ ظهوره بحيث أن لا ظهور له في الخارج ، وصورة ذلك ما يراه النائم في المنام ، فإنّه يرى صورة أو صورا محسوسة يخاطبها وتخاطبه ، ويدرك منها علوما لم تكن عنده ، وهي لا وجود لها في الخارج إلاّ التخيّل فقط ، فإذا استيقظ زالت تلك الصور لكونها لا وجود لها في الخارج إلاّ في الخيال . فكذلك هو الذي ذكرنا في حقائق الوجود ، وهو كذلك واقع من غير شكّ .
وأمّا الحكمة في ابتداء هذه الصلاة بهذا الاسم الشريف فلكونه هو الأوّل الذي لم يتقدّمه شيء ، فيلزم تقدّمه على كلّ شيء ، لقوله صلّى الله عليه وسلّم : « كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع » . وكونه ثلاثا للحثّ عليه وعلى مسمّاه سبحانه وتعالى بالرجوع إليه تعويلا واستنادا واعتمادا وتوكّلا والْتِجَاء ومحبّة وتعظيما واعتبارا في جميع الأمور بحيث لا يشذّ أمر من الأمور إلاّ كان المطلوب من العبد الرجوع إلى الله فيه . فلهذا كُرِّر ثلاثا ، كأنّه يقول : عليك بالله عليك بالله عليك بالله .
قوله : ( اللهمّ ) ، إعلم أنّ هذه الكلمة تقولها العرب ، جرت في ألسنتهم أنّها تخاطب الله بها في جميع أدعيتها ، وهي جارية منهم مجرى الاستغاثة والتضرّع وشدّة الابتهال وطلب التعجيل في إجابة الدعاء ، كأنّه يقول : عجّل إجابتي أو عجّل إغاثتي يا الله . هذا المراد بها عند العرب .
قوله : ( أنت الله ) معناه ، هو ضمير المخاطب واسم الجلالة تقدّم الكلام عليه .
قوله : ( الذي لا إله إلاّ أنت ) ، إعلم أنّ الإله في لغة العرب هو المعبود بالحقّ ، وأطلقوها على غير غلط منهم ، قال جلّ مِن قائل : اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، معناه ، لا معبود بالحقّ إلاّ هو . والإله الذي قلنا إنّه هو المعبود هو المتحقّق بمرتبة الألوهيّة ، وهو الذي خضع له الوجود كلّه بالعبادة والتذلّل والخمود تحت قهره والتصاغر لعظمته وكبريائه ، وليس في الوجود شيء يشذّ عن هذا قاصيه ودانيه ، فهو الإله الحقّ الذي قهر جميع الموجودات بسطوته وقهره وانفراده بعظمته وكبريائه وعلوّه وجلاله .
قوله : ( العالي ) ، إعلم أنّ معناه اتّصافه بصفة العلوّ ، وهي العظمة و الكبرياء والعزّ والجلال والمجد والكرم والتعالي والقدس ومحامد الصفات كلّها من غير شذوذ شيء منها ، فبهذا علا وتكبّر سبحانه وتعالى على كلّ شيء .
قوله : ( في عظمته ) ، معنى العظمة هو أمر وجوديّ في ذاته ، فهو عظيم سبحانه وتعالى لا يحلّ به الاحتقار من وجه ، وكلّ من دونه إذا تبدّت له عظمته ذاب ذلاّ وتصاغرا ، وصعق هيبة وإجلالا .
قوله : ( إنفراد حضرة أحديّتك ) ، إعلم أنّ حضرة الأحديّة هو أوّل نسبة برزت من عين الذات ، لأنّ الحقّ جلّ جلاله في حضرة ذاته لا تعرف له نسبة ، فإنّ حضرة الذات الساذج بحر العمى والطمس ، لا يعقل فيها وصف ولا اسم ولا عين ولا أثر ولا غير ولا وهم ولا كمّ ولا كيف ولا اختصاص ولا خاصيّة ، فهي القاطعة لجميع التوجيهات إذا برزت بعينها فلا تعقل نسبة . وعند الخروج عن سذاجة الذات تبدى هناك لها ظهور النسب . وأوّل نسبة برزت هي الأحديّة ، وهي انفراده بالوجود ، وهي مثل الذات الساذج في محو النسب والغير والغيريّة ، إلاّ أنّها تنفرد عن الذات الساذج بنسبة الأحديّة لأنّ الأحديّة هي أوّل النسب ، لأنّ خروج الفاني عن سذاجة الذات يأخذ في تعقّل المراتب والنسب ، وأوّل نسبة يتعقّلها نسبة أحديّة الذات ، وليس له منها إلاّ التعقّل لا الظهور لأنّ ظهور الأحديّة غير ممكن ، لا يراها غير المتّصف بها سبحانه وتعالى ، ومن سواه ليس له منها إلاّ التعقّل ، فإنّ التجلّي بها لغيره لا يتأتّى ولا يتمكّن ، لأنّه إن تجلّى بها وتعقّلتَها وعرفتَها فأنتَ وهو اثنان لا واحد في الظهور ، فلا أحديّة حينئذ ، وإنْ مُحِقْتَ وسُحِقْتَ حتّى لا عين منك ولا أثر ولا وَهْم ولا فناء ولا شعور بالفناء كان حينئذ متجلّيا بنفسه فقط ، فليس لك منها شيئا . فبهذا تعلم أنّ التجلّي بالأحديّة مستحيل ، لا يتجلّى بها إلاّ لنفسه . فإنّ المراتب ثلاثة في هذا الميدان التي هي أصول النسب . المرتبة الأولى الأحديّة ، وهي مرتبة كنه الحقّ حيث لا توهّم للغير وللغيريّة ، ولا اسم ولا صفة ولا رسم ولا كمّ ولا كيف ولا تعقّل ولا تخيّل إلاّ الحقّ بالحقّ في الحقّ للحقّ عن الحقّ ، فهذه هي مرتبة كنه الحقّ . المرتبة الثانية هي مرتبة الوحدة المطلقة ، وهي أوّل مراتب الظهور للغير حيث يتعقّل فيها الغير والغيريّة ، وهذه المرتبة هي مرتبة شهوده صلّى الله عليه وسلّم ، لا مشاركة فيها لغيره إلاّ مَن اختصّه الله بالخصوصيّة العظمى ، وهي مرتبة الخلافة ، فله هذا المشرب . المرتبة الثالثة هي مرتبة الواحديّة ، وهي مرتبة عموم الألوهيّة حيث يتّصف الحقّ فيها بجميع صفاته وأسمائه وظهور خواصّها ونسبها على جملها وتفاصيلها كمّاً وكيفاً وإطلاقا وتقييدا ، وكلّها قديمة للحقّ . إنتهى .
قوله : ( التي شئت فيها بوجود شؤونك ) ، إعلم أنّ الشؤون هنا هي حقائق الوجود ، وسميّت شؤونا لعدم التمايز بين حقائقها ، فإنّها مضمرة في الأحديّة ليس لها عين ولا وصف ولا إسم ولا رسم ولا كيفيّة ولا لون ولا مقدار ، فلذا سمّيت شؤونا إذ لا معرفة لشيء من حقائقها بوجه من وجوه التعريف ، فهي مستوية المباني متماثلة المعاني ، وفي هذا يقول الشيخ الأكبر رضي الله عنه :
كنّا حروفا عاليات لم تقل     متمسّكين من العلى بذرى القلل
أنا أنت فيه ونحن أنت وأنت وهو     والكلّ في هو هو فَسَلْ عمّن وصل
أشار بهذا إلى حضرة الأحديّة ، فإنّ الأشياء فيها معدومة من آلات التعريف ، من الأسماء والأوصاف والألوان والمقادير والكمّيّات والكيفيّات والزمان والمكان ، فهذه أسباب التعريف بين حقائق الوجود و بها يتميّز بعضها عن بعض ، وبذا تُعرف نسبها ومراتبها ، وحيث انعدمت آلات التعريف صارت شؤونا مضمرة ، والشؤون هنا يستوي فيها ما حكم عليه بالظهور للوجود وما حكم عليه ببقائه في طيّ العدم ، فالكلّ على حدّ سواء لا تفاوت لشيء منها ، وعلى هذا الحدّ وقع خطاب الآية في قوله سبحانه وتعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ، وسمّاها شؤونا مع كونها يبديها صورا محدودة بالكمّ والكيف واللون والصورة والاسم والزمان والمكان ، فهي معروفة محدودة ، لكنه يشير إلى أوّلها لأنّ أوّلها كان شؤونا في المرتبة الأحديّة ، فقد قيل : إنّ الرفاعي رضي الله عنه كان يدرّس في مجلسه فسأله سائل لا يعرفه فقال له : ما معنى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ؟ فتحيّر ولم يجد جوابا فسكت ، ثمّ نام ليلا فرأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في المنام فسأله عن الآية ، فقال له صلّى الله عليه وسلّم : شؤونا يُبدِيها ولا يبتديها . فلمّا عاد إلى الدرس من غد عاد سائل إليه فسأله فقال له : شؤونا يبديها ولا يبتديها ، فقال له : صلّ على من علّمك . وظهر أنّ السائل هو الخضر عليه السلام .
قوله : ( وأنشأت من نورك الكامل ) ، إعلم أنّ النور الكامل هنا لا يطلق إلاّ على نور الذات ، ولا يطلق على غيرها . وأمّا حقيقته وصورته فلا مطمع لأحد في فهمها فضلا عن رؤيتها .
قوله : ( نشأت الحقّ ) ، معنى الحقّ هنا هي الحقيقة المحمّديّة عليها من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام ، وسمّاها نشأة الحقّ لأنّها حقّ في حقّ بحقّ عن حقّ لِحَقٍّ ، فلا يحوم الباطل حولها بوجه من الوجوه ، فهي في غاية الصفاء والطهارة والعلوّ ، فليس في جواهر الوجود أشرف وأعلى منها ، ولا أصفى ولا أطهر ولا أكمل منها . ثمّ إنّها في حقيقتها لا تدرك ولا تعقل . قال أويس القرني رضي الله عنه لسيّدنا عمر وسيّدنا عليّ رضي الله عنهما حين لقياه : لم تروا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلاّ ظلّه ، قالوا : ولا ابن أبي قحافة ؟ قال : ولا ابن أبي قحافة ، لأنّه ما قال لهم ذلك حتّى وصل لجّة المعارف طلبا للوقوف على عين الحقيقة المحمّديّة فقيل له : هذا أمرٌ عجز عن الوصول إليه أكابر الرسل فلا مطمع فيه لأحد بوجه ولا حال . وفيه يقول الشيخ مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه في صلاته : وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه منّا سابق ولا لاحِقٌ الخ . قال أبو يزيد رضي الله عنه : غصتُ لجّة المعارف طلبا للوقوف على عين الحقيقة المحمّديّة فإذا بيني وبينها ألف حجاب من نور لو دنوت من الحجاب الأوّل لاحترقتُ كما تحترق الشعرة إذا ألقيتْ في النار فتأخّرتُ القهقرى . إنتهى .
قوله : ( وأنطتها ) ، يعني جعلت الوجود كلّه منوطا بها من أوّله إلى آخره ، من الآن إلى الأبد لا وجود لشيء بدونها ، فإنّ الوجود كلّه وجد لأجلها فقط لا لذاته ، وهي مطلوبة لذاتها لا علّة لها إلاّ الذات ، فهي موجودة لأجل الذات المقدّسة فلا واسطة بينها وبينها ، والوجود كلّه منوط بها ، فهي الواسطة بين الوجود وبين الله تعالى إذ لولاها لتلاشى الوجود كلّه في أسرع من طرفة العين ، فالوجود كلّه قائم تحت ظلّها . قال الشيخ مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه في صلاته : ولا شيء إلاّ وهو به منوط إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط ، وقوله أيضا في الصلاة : اللهمّ إنّه سرّك الجامع الدالّ عليك وحجابك الأعظم القائم لك بين يديك ، إنتهى .
قوله : ( وجعلتها صورة ) ، قلنا ، الصورة هنا هي أوّل أمر برز من حضرة الشؤون التي هي العمى ، فإنّ حضرة الشؤون تقدّم الكلام عليها وهي حضرة العمى ، فالشؤون كلّها لا تمايز لشيء على شيء فيها ، فلا صورة ولا كمّ ولا كيف ولا مقدار ولا تقديم ولا تأخير ولا مكان ولا زمان ، فلهذا سُمِّيَتْ عما . فإذا برزت الأشياء من هذه الحضرة سُمِّيَ كلّ شيء منها صورة لأنّه برز بالكمّيّة والكيفيّة والمقدار والاسم والصفة والرسم ، وتميّز عن غيره بالضرورة ، فمن هنا أطلق عليه صورة . وكان أوّل بارز من حضرة الشؤون ، التي هي العما ، هي الحقيقة المحمّديّة . قال الشيخ الأكبر في صلاته : اللهمّ أَدِمْ صلة صلواتك وسلامة تسليماتك على أوّل التعيينات المفاضة من العما الربّانيّ . وقد قال صلّى الله عليه وسلّم للسائل حين سأله : « أين كان ربّنا قبل أن يخلق الخلق قال له صلّى الله عليه وسلّم كان في عما ما تحته هواء وما فوقه هواء » ، والعما عند العرب هو السحاب ، وسَمَّتْه العرب عما لكونه يغطّي عين الشمس . ولم يُرِدْ هذا صلّى الله عليه وسلّم ، بل أراد صلّى الله عليه وسلّم بالعما المرتبة الأولى من مراتب الذات ، وهي حضرة الطمس والعما ، وقد تقدّم الكلام عليها ، فهي العما الأوّل . والعما الثاني حضرة الشؤون حيث لا يتميّز فيها شيء ، وعند خروج الشيء من حضرة العما الثاني يسمّى صورة . إنتهى .
قوله : ( كاملة تامّة ) ، إعلم أنّ الكامل والتامّ لم يعرف عند العرب إلاّ أنّهما مترادفان ، الكامل هو التامّ والعكس ، وتطلق هنا في التفتن للمدح . ويلوح في هذا المحلّ للفهم أنّ الكامل هو الذي يُفيض الكمالات على غيره ، والتامّ هو الذي لا يتعدّاه إلى غيره ، بل هو مقصور على نفسه ، والكامل هو الذي يُفيض الكمال على غيره كما قلنا . ولاشكّ أنّه صلّى الله عليه وسلّم في هذا الميدان تامّ في نفسه لا يطرأ عليه النقص بوجه من الوجوه ، كامل صلّى الله عليه وسلّم يُفيض الكمالات على جميع الوجود من العلوم والمعارف والأسرار والأنوار والأعمال والأحوال والفيوضات والتجلّيات والمواهب والمنح وجميع وجوه العطايا ، فكلّ ما يُفيضه الحقّ سبحانه وتعالى على الوجود مطلقا ومقيّدا ، أو كثيرا أو قليلا ، ممّا اشتهر أو أشذّ ، إنّما يُفيضه بواسطة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . فمن ظنّ أنّه يصل من عند الله شيء للوجود بغير واسطة رسوله صلّى الله عليه وسلّم فقد جهل أمر الله ، وإن لم يتب خسر الدنيا والآخرة بهذا الاعتقاد ، نسال الله السلامة والعافية من بلائه بجاه رسله وأنبيائه . إنتهى .
قوله : ( تجد منها ) ، معناه ، أيّ من الصورة التي أنشأها من النور الكامل ، وهي الحقيقة المحمّديّة .
قوله : ( بسبب وجودها ) ، أيّ فإنّه قبل وجودها لا يداخلها شيء في العالم الصوريّ إلاّ ما يجد منها في حضرة العلم لكونها عينا ثابتة .
قوله : ( من انفراد أحديّتك ) ، معناه ، أيّ تجد من تلك الصورة من انفراد أحديّتك بعد ظهور الصورة ، وعين ما يجد في هذه الصورة هو شهود ذاته المطلقة الساذج يشهدها في هذه الصورة ، والصورة لها كالمرآة تتراءى فيها ، فإنّه سبحانه وتعالى يرى في تلك الصورة عين ذاته المقدّسة ، وهي المراد بانفراد الأحديّة ، فإنّ الأحديّة عين الذات عينا بعين ، ولا تزيد عليها إلاّ أنّ فيها نسبة الأحديّة لكون الذات الساذج عارية عن النِّسَب والأحديّة نسبة من النسب . إنتهى .
قوله : ( قبل نشر أشباحها ) ، إعلم أنّ معنى نشر الأشباح هنا هي ذوات الوجود من الأزل إلى الأبد ، كلّما وقع من ذوات الوجود هو ناشئ عن تلك الصورة ، ولهذا قيل : أنّه الأب الأوّل لكون الأشياء كلّها تناسلت من حقيقته المحمّديّة ، فهو لجميعها كأصل الشجرة وذوات الوجود كلّها كأغصان الشجرة ، فهو عينها صلّى الله عليه وسلّم من كلّ وجه ، ولا يتراءى هذا إلاّ لمن تخطّى نِسَبَ الوجود وبرز له الحقّ عينا بعين يشهد هذا السرّ ، وإلاّ فلا .
قوله : ( وجعلت منها فيها ) ، يعني من الصورة فيها ( بسبب انبساط العلم ) جعل الله انبساط العلم بسببها في الوجود الجاري على حدّ قوله سبحانه وتعالى : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ، فذلك العلم منبسط من هذه الصورة ، فهو ينبوع العلم وعنصره ، فهي له كالبحر الجامع وينشقّ منها لذوات الوجود بحارا وأنهارا وسواقي وخيوط . إنتهى .
قوله : ( بسببها ) ، يعني أنّ العلم الجاري من هذه الصورة وهي ينبوعه إنّما كان بسببها فقط إذْ لا علّة لها بينها وبين ذات الحقّ حتّى تكون لها سببا ، فإنّ الله تبارك وتعالى أراد هذه الصورة لذاتها ، فهي سببُ كلّ شيء ، وهي سببٌ لنفسها .
قوله : ( وجعلت من أثر هذه العظمة ) ، سمّاها عظمة لكونها قبضة من نور عظمة الله تعالى ، فلذا سمّاها عظمة . وقوله من أثرها ، فإنّها هي السبب في إظهار ذوات الوجود من العدم إلى الوجود ، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم لولا ما أظهر الله شيئا من الموجودات ، لبقيت كلّها في طيّ العدم . ومعنى هذا أنّه لو جرت مشيئة الله تعالى ، التي عنها وجدت الأكوان ، بأنْ لا يخلق محمّدا صلّى الله عليه وسلم لجرى في مشيئته أن لا يخلق شيئا من الوجود ، فذوات الوجود هي الأشباح البارزة عن حقيقته صلّى الله عليه وسلّم بمنزلة الأولاد البارزين عن الأب الواحد . إنتهى .
قوله : ( ومن بركتها شبحة الصور كلّها جامدها و متحرّكها ) ، إعلم أنّ ذوات الوجود كلّها برزت عن حقيقته صلّى الله عليه وسلّم ، جامدها و متحرّكها .
قوله : ( وأنطتها بإقبال التحريك والتسكين ) ، يعني أنّ العوارض الحالّة في ذوات الوجود ، وهي الحركة والسكون ، هي أيضا بارزة في ذوات الوجود عن الحقيقة المحمّديّة ، فهي منوطة بها ، كما أنّ ذوات الوجود ، وهي الصور المحسوسة ، منوطة بالحقيقة المحمّديّة لا وجود لها بدونها كذلك الأعراض الحالّة في ذوات الوجود ، وهي الحركة والسكون وما ينشأ عنها من قبْض و بسْط وإعطاء ومنْع ومدْح وذمّ ، كلّ ذلك بارز عن الحقيقة المحمّديّة من الأزل إلى الأبد . أهـ .
قوله : ( وجعلتها في إحاطة العزّة ) ، يعني يريد بها الصورة التي خلقها من نوره الكامل وجعلها في إحاطة العزّة ، يريد أنّه جعلها في غاية المنع والاحتجاب من حيث أنّه لا يصل إلى فهمها ومعرفتها غيرها من جميع المخلوقات ، فهي التي احتجبت في سرادقات العزّ والجلال فلا مطمع لأحد في فهمها فضلا عن نيلها و رؤيتها .
قوله : ( من كونها قبلت ) ، يعني الوجود منها فيها ولها ، فهي موجودة لا معلّلة بشيء ، فوجودها منها لا علّة له إلاّ الذات المقدّسة .
قوله : ( منها وفيها ) ، أيّ وكان وجودها مستمدّا من الحقّ سبحانه وتعالى فقط لاشيء وراءها ، فإنّ ذوات الوجود كلّها معلّل وجودها بشيء تراد له إلاّ الحقيقة المحمّديّة فإنّها هي مرادة لذاتها لا لشيء يراد بها .
قوله : ( ولها ) ، يعني قبلت الوجود لها ، أيّ لذاتها لا لشيء وراء ذلك ، فإنّ الوجود كلّه منوط بها وليست هي منوطة بشيء إذ لا واسطة بينها وبين الذات المقدّسة كما ورد في الخبر : يقول له : « خلقت كلّ شيء من أجلك وخلقتك أنت من أجلي » ، فدلّ هذا الخبر أنّ الوجود كلّه لا يراد لذاته إنّما خُلِق لأجل الحقيقة المحمّديّة وهي لم تكن منوطة بشيء تُخْلَق لأجله ، ليس لها تعلّق إلاّ للذات المقدّسة من حيث ما هي هي ، وإلى هذا يشار في الصلاة البكريّة التي هي من إملائه صلّى الله عليه وسلم عليه بقوله فيها : ( عبدك من حيث أنت كما هو عبدك من حيث كافّة أسمائك وصفاتك ) ، معنى هذا أنّه يعبد الله وحده من حيث الوجود المطلق ، وهي الذات الصرفة الساذج من حيث أن لا تعلّل له في شيء . فلو بقي في هذا المحلّ صلّى الله عليه وسلّم لكان غيبا من غيوب الذات لا يصحّ أن يناط الوجود المعلّل به لأنّ الوجود بأسره عين الصفات الإلهيّة والأسماء الكريمة ، وهي في نفسها تومىء إلى ضرب من المغايرة لكونها عين الوجود أو الوجود قائم بها ، والذات من هذا المنوال لأنّها بحر الطمس والعما بحيث أن لا تعقّل فيها للغير والغيريّة بوجه من الوجوه . ولمّا كان المراد منه صلّى الله عليه وسلّم الكمال العالي الذي به يستمدّ منه الوجود ويكون سببا في وجود الوجود أُعطِيَ الرتبة الأخرى وهي قيامه بحقوق الصفات والأسماء اتّصافا بها وتحقّقا بها ، وبذا استمدّت منه الوجود حياة وقياما ووجودا . فهذا قيامه صلّى الله عليه وسلّم بعبادة الله وبصفاته وأسمائه ، فكان عبد الله من حيث الذات المطلقة ومن حيث أن لا علّة ولا غيريّة ، وكان عبدا له من حيث جمع الصفات والأسماء ، فبهذا حمل سرّ الخلافة عن الله في جميع المملكة الإلهيّة من غير شذوذ . اهـ .
قوله : ( وتشعشعت الصورة البارزة بإقبال الوجود ) ، إعلم أنّه لمّا قام صلّى الله عليه وسلّم بكمال المرتبتين في العبوديّة والعبودة استمدّ منه الوجود حياته ووجوده وقيامه ، فبذلك انبسط سرّ الوجود عليه والحياة ، وهذا عين التشعشع ، لأنّ تشعشع الشيء بقوّة ظهور لقوّة النور ، فهذا معنى تشعشعت الصورة ، ومعناه هي ذوات الوجود ذرّة ذرّة ، وتشعشعها ليس دفعة واحدة ، بل عن الأمر الذي أراده الله منها في تعاقب الزمان والمكان والأسباب والإضافات . اهـ .
قوله : ( بإقبال الوجود ) ، يعني أنّها ظهرت حتّى تبدّتْ لظهور العيان بعد أن كانت في غيب العدم .
قوله : ( وقدّرت لها ) ، معناه ، أيّ قدّرت لتلك الصورة المخلوقة من النور الكامل لها لا لشيء غيرها .
قوله : ( وفيها ) ، أيّ من كونها ظرفا لجميع الوجود فهي في هذا الميدان هي عين الوجود بأسره وهي له كالجسد ، فالوجود كلّه لها بمنزلة الجوارح الملتصقة بالجسد ، وهذا السرّ لا يكشف، ولا يعرفه غير الله تعالى .
قوله : ( ومنها ) ، يعني تناسلا وامتدادا ، وقد قدّمنا أنّها الأب الأوّل الذي له الوجود كلّه بمنزلة الأولاد .
قوله : ( ما يماثلها ) ، يعني أراد بها الصورة الآدميّة ، فإنّها تماثل صورته الشريفة صلّى الله عليه وسلم .
قوله : ( ممّا يطابق أرقام صورها ) ، هو تفسير لما يماثلها ، والمطابقة عند المنطقيين هي المماثلة بكلّ وجه وبكلّ اعتبار ، والموافقة هي المماثلة بين الشيئين في بعض الوجود دون بعض ، وكانت الصورة الآدميّة مطابقة لصورته الشريفة صلّى الله عليه وسلّم بكلّ وجه وبكلّ اعتبار .
قوله : ( وحكمت عليها بالبروز ) ، يعني أراد بها الصور المقدّرة في الغيب التي هي مطابقة لصورته الشريفة صلّى الله عليه وسلّم ، حكَم عليها بالبروز لإخراجها من العدم إلى الوجود لينفذ فيها أحكامه ، وهي الجمل التفصيليّة التي نفذت فيها المشيئة في الأزل لأنّ الصورة البارزة لها أحكام تلازمها متعلّقها المشيئة ، وهي الصورة واللون والمقدار، والمكان والزمان والأرزاق والأحكام ، فهذه السبعة ملازمة لكلّ صورة . والصورة ظاهرة ما صوّرت عليه الذوات كلّها . واللون من الصبغ والتنويع هو اختلاف الألوان في الصبغ الواحد مثل الأبيض له أشكال كثيرة . والمقدار هو ما تتكيّف به حقيقة الموجود من طول وقصر وصغر وكبر وثقل وخفّة ، فهذه مقادير الموجودات . والزمان هو الذي تختصّ به الذات من أوّل بروزها إلى وقت انعدامها إن كانت معدومة . والمكان هو الذي يخصّها فيما تستقرّ فيها وتتمكّن فيه من الاستقرار ، فهذا هو المكان . والأرزاق هي القوانين التي تجري بها منافع الذات في ما هي مختصّة به وتنتفع به دواما أو محدودا . فالدوام هو ما عليه حكمها في الجنّة ، فإنّها أرزاق دائمة الاتّصال لا غاية لها لكنّها مقسومة بالمشيئة الربّانيّة فليس الناس فيها على حدّ سواء ولا غير الناس من البهائم والطيور ، كلّها متمتّعة وكلّها مختلفة الكيفيّات ، يقول سبحانه وتعالى : انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ، فأقلّهم منزلة مثل الدنيا عشر ، كما في الحديث ، وأكبرهم لا حدّ له ولا غاية ، فكيف يقاس من له من عدد الحور وحده أكثر من عدد الملائكة بأسرها والجنّ والإنس والطير والحشرات بأضعاف مضاعفة لا يتناهى ضعفه ، فإنّ الحوراء الواحدة خدمها سبعون ألف جارية من غير من تحت حكمها من الخدّام الذكور ، فإنّ السبعين ألفا من الجواري ملازمون لها يقومون بقيامها ويقعدون بقعودها ، فما عسى أن يقاس ملكه . فهذا في أهل الجنّة ما عدا الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فإنّهم أعلى رتبة ممّا ذكر بأضعاف مضاعفة . وفائدة هذا أنّ الأرزاق تجري بالمشيئة الإلهيّة سواء كانت دائمة كأرزاق الجنّة أو محدودة كأرزاق الدنيا . وأمّا الأحكام فهي الأمور التي تجري عليها على قانون التنغيص والعذاب كذلك دائمة أو محدودة ، فالدائمة كعذاب أهل النار في الآخرة والمحدودة كمصائب أهل الدنيا ، فهذه الأحكام هي اللازمة للذات البارزة للوجود .
قوله : ( لـتأدية ما قدّرته عليها ) ، معناه هو الذي قدّمناه ، أبرزَها سبحانه وتعالى من العدم إلى الوجود لتأدية ما قدّره عليها ولها من الأحكام التي ذكرناها .
قوله : ( وجعلتها منقوشة في لوحها المحفوظ ) ، الضمير في جعلتها يعود على الصور البارزة للوجود التي ذكرنا لها الأحكام السبعة منقوشة في لوحها ، والنقش ههنا هو تجلّي حقائقها في الصور المحمّديّة ، وهي المراد باللوح المحفوظ ، فإنّ جميع الأشياء البارزة من الغيب من الأزل إلى الأبد كلّها متجلّيّة في حقيقته المحمّديّة صلّى الله عليه وسلّم ، وهذا معنى قول الشيخ مولانا عبد السلام في صلاته : وفيه أُرْتِقَتْ الحقائقُ . اهـ .
قوله : ( الذي خلقت منه ) ، فإنّه سبق لنا أنّه هو الأب الأوّل في جميع الوجود مطلقا ومقيّدا حتّى لا يشذّ عنه في هذا الباب شيء ، فإنّهم له بمنزلة الأولاد البارزة عن الأب الواحد .


الصفحة الثانية >>

<< عودة إلى فهرس الباب السادس