نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب السادس - مقصد - الصفحة الثانية :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب السادس > مقصد > الصفحة الثانية


المقصد : في الصلوات التي وردت فيه من فيض فضله الشريف صلّى الله عليه وسلّم ـ الصفحة الثانية

قوله : ( ببركاته ) ، معناه من بركاته صلّى الله عليه وسلّم لكونه عين الرحمة الربّانيّة ، أفاض الوجود على جميع الوجود من تلك البركة .
قوله : ( وحكمت عليها بما أردت لها وما تريد بها ) ، معناه هي الأحكام السبعة السابقة لنا ، الملازمة لكلّ ذاتٍ .
قوله : ( وجعلت كلّ الكلّ في كلّك ) ، معناه أنّ الكلّيّة والجزئيّة مستحيلة على الله تعالى لأنّه واحد في وجوده لا يقبل كَمّاً ولا كيفاً ولا تعدّداً ولا شيئا من أحوال التعدّد ، بل هو واحد في وجوده المطلق وفي الاتّصاف بصفاته وأسمائه ، فليس هناك ما يتّصف بها غيره . والكليّة المذكورة هنا في جانبه سبحانه وتعالى هي كلّيّة الصفات والأسماء الإلهيّة ، فإنّها متعدّدة لا حصر لها . وقوله : ( وجعلت كلّ الكلّ ) ، الكلّ الثاني هنا هي ذوات الوجود ، يعني ، وجعلت كلّ ذوات الوجود في كلّك ، الضمير ههنا يعود على الله تعالى ، وجعلتَ كلّ ذوات الوجود في كلّيّة صفاتك وأسمائك لأنّها بعضٌ منها إذْ ما في الوجود ذرّة فما فوقها إلاّ وهي ظاهرة باسم من أسماء الله الباطنة ، به قوامها و به تمّ وجودها ، ولولا ذلك الاسم ما ظهرت للعيان . يقول ابن عطاء الله في الحِكَم : لولا ظهوره في المكوّنات ما وقع عليها وجود أبصار ، إذ لا حَدّ لصفاته وأسمائه ، فلو قدّرتَ أنّ الإنسان بقي تنكشف له صفات الله وأسمائه من منشأ العالم إلى الخلود الأبديّ في الجنّة وطول أبد الأبد والصفات والأسماء تنكشف له في كلّ من مقدار طرفة العين قدْر سِعة السموات والأرض بالنسبة إلى نقطة القلم لَمَا فرغ أمْرُها ولا تمَّ عددها ، فلا غاية لها .
فإنْ قلتم : إنّ ذوات الوجود كلّها قوامها بأسماء الله الباطنة ، وقلتم لا نهاية لها ، فأين الأسماء الحسنى ؟
قلنا : إنّ الأسماء ؟؟؟أمّهات ، وهي الأصول ، والأسماء الباطنة هي لها كالأغصان للشجرة متفرّعة عنها . اهـ .
قوله : ( وجعلتَ هذا الكلّ ) ، المشار إليه بهذا الكلّ هنا هي ذوات الوجود .
(قوله : ( من كلّكَ ) ، هي مجموع الصفات الإلهيّة والأسماء .
قوله : ( وجعلت الكلّ قبضة من نور عظمتك ) ، المراد بها هنا هي الصورة المخلوقة أوّلا من النور الكامل ، وهي الحقيقة المحمّديّة وما تولّد عنها من ذوات الوجود كلّه ، فإنّه لها هو الأب الأوّل ، وعن تلك الحقيقة وُجِدتْ تلك الموجودات كلّها ، بها قوامها وعنها نظامها ومنها مددها إذْ من تلك الحقيقة استمدّ الوجود كلّه . وقوله : ( قبضة من نور عظمتك ) ، معناه هي كلّها قبضة من نور العظمة إلاّ أنّها مختلفة المأخذ ، فما كان منها عاقلا كالآدميّ والملَك والجنّ وأشباهه ظهر بصورة العظمة في نفسه ظاهرة أو خفيّة لأنّ تلك المُظهَرَة فيها هي أثر صفته سبحانه وتعالى حلاّها بها لأجل تجلّيه فيها ، ولو شاء لاستلبها منها فتدكدكت وصارت محض العدم . وما كان منها غير عاقل فليست فيه تلك الصفة بظاهرة ، بل هي كامنة فيه لا يشعر بها ، فإنّ البهائم وأمثالها لا يشعرون بتلك العظمة . فالإنسان جامع لجميع الأسماء والصفات ، خلَق الله روحه من صفاء النور الإلهيّ وحلاّها بصفاته العظيمة من العظمة والعزّ والكبرياء والسطوة والقهر فظهرت بهذه العظمة في الوجود ، وظهروه بها مذموم شرعا إلاّ من قهرته التقوى منهم . ثمّ مع هذا التجلّي الذي جلاّه صبّ عليه مواقع من أحكامه القهريّة ليعرف قدره رتبته من الأمراض والمصائب والفقر والموت وما يخرج منه من الفضلات الخبيثة ، ولو أنّه أراحه من هذه الأمور على الدوام ، مع أمْنِهِ من الموت ، لصرّح بالإلوهيّة صراحة من غير إخفاء . وقد تجلّى في الإنسان بجميع صفاته وأسمائه قبولا أو وقوعا ، القبول منه لأرباب الحجاب ، والوقوع للعارفين الذين وصلوا مرتبة الكشف حيث كوشفوا بصفاء المعرفة واليقين . وإذا تأمّلت هذا الأمر عرفت أنّ الوجود كلّه من أوّله إلى أخره ، من الأزل إلى الأبد ، عموما وخصوصا ، هو جزء من الإنسان لا الإنسان كلّه لأنّه حمل جميع الصفات والأسماء وتجلّي فيه الحقّ بها ، وليس في كلّ فرد من الوجود إلاّ إسمٌ واحدٌ ، لا تشترك ذرّتان في إسمٍ واحدٍ ولا يشترك إسمان في ذرّة واحدة . ولاشكّ أنّ ذوات الوجود متناهية والأسماء بعددها ، ووراء ذلك من صفات الله وأسمائه التي لا تَعَلُّقَ للوجود بها ما لا غاية له ولا حدّ ، وهي متجلّيّة في الإنسان مع أسماء الوجود كلّها ، فالوجود كلّه بعضٌ من الإنسان ، وفي هذا يقول الشاعر :
إذا كنت تقرأ علم الحروف     فشخصك لوح به  أسطـر
وتمـثـال ذلك أنـمـوذج     لكـلّ الوجود لمن ؟؟؟ينصـر
لئن كان جرمك جزء  صغير     ففيك انطوى العالم الأكبر
فـلا ذرّة منـك  إلاّ غـدت     بها يوزن الكون بل أكثـر
ولا قطـرة منـك إلاّ وفـي     ينابيـع أسـرارها أبحـر
لأنت  الوجود وكلّ الوجـود     وما فيك موجود لا  يحصر
وكـلّ الوجـود إذا  قِسْتَـهُ     إليـك فذاك هـو الأصغـر
يشير إلى هذا الذي ذكرنا . وفي هذا المعنى يقول الشاعر أيضا :
تستّرتُ عن دهري بِظِلِّ جنابـه     فصرت أرى دهري وليس يراني
فلو تسـأل الأيّام عنّي ما  دَرَتْ     وأين مكانـي ما عرفن مكانـي
ومعنى البيتين هي مرتبة الخليفة الأعظم إذ لا إسم له يختصّ به ، فإنّ أسماء الوجود كلّها أسماء له لتحقّقه بمراتبها ولكونه هو الروح في جميع الموجودات ، فما في الكون ذات إلاّ وهو الروح المدبّر لها والمحرّك والقائم فيها ، ولا في كورة العالم مكان إلاّ وهو فيه ومتمكّن منه ، فبهذا الإعتبار ولا إسم له يتميّز به الوجود ، ولا مكان يختصّ به دون آخر . فلهذا قال : فلو تسأل الأيّام الخ... ، يشير إلى هذه المرتبة وهي الخلافة العظمى . قال المرسي : لو كشف عن حقيقة الوليّ لَعُبِدَ لأنّ أوصافه من أوصافه ونعوته من نعوته . ومعنى الوليّ هو الإنسان الكامل ، وهو الخليفة الأعظم ، وهذا معنى قوله تعالى : أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ . وقد قال محيي الدين في الإنسان المحجوب ليس بإنسان إنّما هو شبه الإنسان ، كالذات الميّتة التي لا روح فيها ، فهي ذات الإنسان ولكن لا روح فيها ، وحيث يسمع كلام الصوفيّة : أنّ الروح غير مخلوقة ، بل هي قديمة أزليّة ، يشيرون إلى الروح ، وهي صفاء المعرفة بعد الفتح ، فإنّ صاحبها يفعل ما يريد في كلّ ما أراده ، يحيي الموتى إذا شاء ، ويناديها فتجيبه مسرعة ولو كانت رميمة ، وتثمر الشجرة اليابسة في الحين إذا شاء ، إلى غير ذلك من الخوارق ، فلا يصعب عليه شيء من خرْق العادة . إلاّ أنّ عليه جبال الأدب مع الحضرة الإلهيّة ، فهي التي تمنعه من هذا ، فإنْ أظهر من الخوارق ما يأباه الوقت عوقب في الحين أو طُرد وسُلب لأنّه ممحوّ في الحضرة الإلهيّة ميّتٌ عن جميع حظوظه ، فلا قيام له إلاّ بقيام الحقّ ، ولو قيل له ما تريد لقال : ما أريد إلاّ ما يريد بي الحقّ سبحانه وتعالى ، فهو فَانٍ عن مراداته قائم بإرادة الحقّ له في جميع حركاته وسكناته وتقلّباته وإراداته . اهـ .
قوله : ( روحا لما أنت أهل له ولما هو أهل لك ) ، الروح ههنا مفرعة على ما سبق في قوله ( وجعلت الكلّ قبضة من نور عظمتك ) ، جعلتها روحا لما أنت أهل له ولما هو أهل لك ، والروح ههنا عامّ وخاصّ ، وكلاهما يقال أهل لك وأنت أهل له .
فالروح العامّ هو سريانه صلّى الله عليه وسلّم في كلّيّة العالم جزئا جزئا حتّى لا يشذّ شيء منه ، وسريانه فيه تمام قيامه وبه قوام نظامه ، فلا شيء في الوجود يستبدّ بصريح الوجود في ذاته دون سريانه فيه صلّى الله عليه وسلّم بحكم السراية ، وتلك السراية وسريانها في كلّيّات العالم هي المعبّر عنها بالروح ، يعني روحا لجميع العوالم كلّيّتها وجزئيّتها ، حتّى الكفّار ومَن أشرك بالله تعالى فإنّ قيامهم بسريان روحه صلّى الله عليه وسلّم فيهم ، وهو سريانه صلّى الله عليه وسلّم في كلّيّات العالم . وكونها هي أهل لك وأنت أهل لها في هذا العموم من حيث أنّها كلّها نشأت عن المشيئة الإلهيّة وإحاطة قدرته وإحاطة علمه ونفوذ كلمته السارية فيهم بقوله كُنْ ، فمن هذه الحيثيّة كلّها أهل الله وإن وقع في بعضها الكفر والإشراك . وإنّما ننفيها عن أهليّته سبحانه وتعالى لو كان وجودها واقعا عن عدم صفاته العليّة ، فنقول : ليست أهلا له لأنّها من غيره عن غيره ، وهذا الوصف مستحيل عليها إذ لا يمكن أن لا يوجد شيء في الوجود ، دقّ أو جلّ فردا فردا ، إلاّ بإحاطة صفاته العليّة ، فهي حينئذ أهل للحقّ سبحانه وتعالى وهو أهل لها أيضا لأنّه تصرّف في وجودها باختيار الذي هو عين المشيئة ، وبإحاطة القدرة والعلم ونفوذ الكلمة السارية فيهم بقوله كُنْ. فهو من هذه الحيثيّة هو أهل لها أيضا . وهو صلّى الله عليه وسلّم في هذه الحيثيّة روح لجميع وجودها سارٍ في جميع وجودها كسريان الماء في الأشجار ، فإنّ الأشجار في الأرض كلّها تستمدّ من الماء ، ولولا الماء لهلكت كلّها ويبست ، فهذا معنى روحانيّته لجميعها صلّى الله عليه وسلّم .
وأمّا الروح الخاصّ منه صلّى الله عليه وسلّم لها فالمراد به هنا ما كان للحقّ بحكم الخصوصيّة والعناية وشفوف الرتبة وعلوّ الولاية ، كالخاصّة العليا من بني آدم من النبيّين والمرسلين وكافّة الأقطاب والصدّيقين ، بل وعموم الصالحين من المؤمنين ، وكجميع الملائكة عليهم الصلاة والسلام على اختلاف رتبتهم ، وكأهل أرض السمسمة ومن ضاهاهم من الموجودات ، فإنّ هذه الطوائف لها الأهليّة من الحقّ وللحقّ منها الأهليّة بحكم التعظيم والإجلال والتخصيص والعناية وشفوف الرتبة من حيث أنّ جميعهم معظمّون في حضرته دائما سرمدا لا يطرأ على أحد منهم أفول عن هذا المطلع ، و شموسهم أبدا طالعة في سماء هذا الوصف من حيث أنّ الله تعالى جعل جميعهم مطيعين لأمره منهمكين في حبّه أبدا ، سريانهم في رياض قربه لا يخرجون عن هذا الميدان . فمِن هذه الحيثيّة حصلت لهم أهليّة الحقّ ، فَهُمْ أهل للحقّ بهذا الوصف ، والحقّ أهل لهم بما أختصّهم به بشفوف المراتب والمزايا العليّة . وهو في هذا الوصف لهم صلّى الله عليه وسلّم روح في جميع ما نالوه من الحقّ من الأهليّة ، وبما أختصّهم به من المراتب العليّة ، فهذا الروح خرج عنه الكفّار ومن أشرك بالله تعالى ومَنْ خلط في إيمانه ، فليس له من هذا الروح شيء . أهــ .
قوله : ( أسألك اللهمّ بمرتبة هذه العظمة وإطلاقها في وجد وعدم ) ، إعلم أنّ مرتبة هذه العظمة ، وهي الصورة التي خلقها من نوره الكامل القابل ، توسّل بها وسيلة لِما يطلبه بعد بمرتبة هذه العظمة . وقوله : ( وإطلاقها في وجد وعدم ) ، أراد أنّ هذه العظمة ، وهي الحقيقة المحمّديّة ، سارية في جميع ذوات الوجود من كلّ ما نفذت المشيئة به من إخراجه من العدم إلى الوجود ، ومن كلّ ما نفذت المشيئة بإبقائه في طيّ العدم ، وهو المراد بقوله : ( وإطلاقها في وجد وعدم ) ، أراد بها هنا الحقيقة المحمّديّة ، وهي الروح الساري في جميع ذوات موجوده ومعدومه ، لكن سريانها في الموجود ظاهر ، وسريانها في المعدوم الباقي في طيّ العدم بحيث أن لا وجود له صعب المدرك لا تطيق العقول فهمه ولا إدراكه ، ولا يعلمه على حقيقته إلاّ الله تعالى . فهذا إطلاقها في وجد وعدم .
قوله : ( أن تصلّي وتسلّم ) ، فهذا مسؤول السائل بقوله : ( أن تصلّي وتسلّم ) ، سأل من الله تعالى أن يصلّي على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ، والصلاة عليه من الله هنا توقيفيّة لا تُعلَم حقيقتها .
قوله : ( على ترجمان لسان القدم ) ، الترجمان الذي هو يعبّر عن معنى الكلام الذي ليس عند السامع معرفته ، وهنا معناه هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ولسان القدم هو القرآن ، وأطلق عليه اللسان وإن كان ليس بلسان من باب إطلاق اسم اللازم على اسم ملزومه ، يقول سبحانه وتعالى : وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ أمّا الاختلاف في اللون فظاهر . وأمّا اختلاف الألسنة فاللسان في حقّ كلّ آدميّ فهو متماثل ، وإنّما اختلافه في العبارات الواردة في البيان عن المعاني ، فهذه هي التي فيها الاختلاف . وأطلق عليه إسم اللسان لكونها لازمة له واللسان ملزوم بها من باب تسمية الشيء باسم ملزومه ، فلهذا أطلق اللسان على القرآن لكونه واردا على ألْسِنَة البشر يُقرأ بألسنتهم فأطلق عليه اللسان بهذا لكونه ملازما لألسنتهم . ولعلّ مَن يقول : لا يصحّ ما ذكرتم من أنّ لسان القدم هو الذي أطلق عليه اللسان وذلك وصف الذات المقدّسة إذ لا قدم لغيرها ، قلنا : إنّ إطلاق اللسان عليه في تسميته بالقرآن ، وأمّا في غير تسميته بالقرآن فلا يطلق عليه اللسان إذ لا يُسمّى قرآنا إلاّ إذا وقع على ألسنة البشر ، يقرؤون كلام الله فلذا يسمّى قرآنا . وأمّا ماهيته في عين الذات فلا يسمّى بها قرآنا أصلا لأنّها صفة الذات المقدّسة ، فلا يكون الحقّ سبحانه وتعالى قارئا ويوصف بكونه تعالى متكلّما . فأطلق عليه اللسان بهذا من جريانه على ألسنة البشر حيث يسمّى قرآنا لا في ماهيته في عين الذات فلا يسمّى هناك لا قرآنا ولا لسانا وليس له الاسم الكلام . قال سبحانه وتعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ، والمراد به القرآن . والقرآن في نفسه ، قال العلماء ، هو دالّ على كلام الله القائم بذاته ، يريدون به القرآن المقروء بألسنتنا ، يقولون هو دالّ على المعنى القائم بالذات المقدّسة وهو كلام الله ، قلنا : هذا إطلاق تسامح وإلاّ فعين الحقيقة تعطي أنّ القرآن المقروء بألسنتنا دالّ على مدلول كلام الله لا عين كلام الله ، فإنّ كلام الله في ماهيّته هو المعنى القائم بالذات منطمس مضمر لا عبارة عنه ولا تدرك له حقيقة ولا تعرف له كيفيّة ، فكيف نعبّر عنه لأنّ حقيقته تابعة لحقيقة وجوده المطلق ، وهي الذات المطلقة المقدّسة ، فكما لا تعرف حقيقة الذات من حيث ما هي هي كذلك لا تعرف حقيقة الكلام الأزليّ من حيث ما هو هو في عين الذات العليّة ، فلا تدرك حقيقته ما لم تدرك حقيقتها ، فلا مطمع في درك حقيقتها بوجه ولا حال لا في الدنيا ولا في الآخرة . قال سبحانه وتعالى : وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا . فكما بَعُدَ درْكُ حقيقة ذاته العليّة كذلك بعد درك حقيقة الكلام الأزليّ كسائر الصفات العليّة من القدرة والإرادة والعلم إلى آخر صفات المعاني كلّها حقائقها تابعة لحقيقة وجود ذاته ، فما لم تُعلم حقيقة ذاته لا تُعرف حقائقها . فالقرآن الذي بأيدينا دالّ على مدلولات كلام الله القائم بذاته . قال سبحانه وتعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ، أيّ ، مدلولات هذا الكلام ، الله هو العلم على الذات العليّة الواجبة الوجود ، وخلق دلّ على إنشاء ما بعدها من العدم إلى الوجود ، وسبع دلّ على العدد المعلوم ، والسموات دلّ على القباب المرتفعة فوقنا سبعا ، ومن الأرض مثلهنّ دلّ على السبع البسوط المنبسطة تحتنا وهي معلومة . فالكلام القائم بذاته تعالى الله الذي خلق الخ ، ومدلولاته هي التي ذكرت فيه . ومعلوم في عين التحقيق أنّ المدلول غير ما دلّ عليه لأنّ الكلام في نفسه معنى قائم بالذات لا يصحّ أن يكون عين أجرام السموات والأرضين ، فهي مدلولات فيه ، ونُطْقُنا بهذه الآية : الله الذي خلق الخ ما نطقنا الإدلال على مدلول الكلام الأزليّ ، وهي أجرام السموات والأرضين ، فدلّ بهذا أنّ قراءتنا دالّة على مدلول الكلام الأزليّ لا على عين الكلام الأزليّ . فإن قلتم : إنّ الكلام الأزليّ متّحد الحقيقة لا يتجزّأ ، ومحمولاته متعدّدة إلى غير نهاية ، فكيف يصحّ أن يقال الكلام متّحد مع أنّه سبحانه وتعالى قال : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ إلى قوله : مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ، فدلّ هذا على التعدّد في حقيقة الكلام ؟ قلنا : إنّ الكلام في نفسه واحد لا يتجزّأ ، وإنّما التعدّد في متعلّقاته التي هي محمولة فيه ، وهي مدلولاته ، لأنّ الكلام في نفسه أسماء يعبّر بها عن مسمّيات ، وتطلق أسماء المسمّيات على الكلام ، ومن ههنا تعلم أنّ ذوات الوجود كلّها عين كلام الله تعالى من حيث الإطلاق والتسامح لا من حيث الحقيقة ، فإنّ الحقيقة أنّ الكلام القائم بالذات لا يطلق على الموجودات ولا تسمّى الموجودات به لكن أطلق عليها بأنّها كلام الله من حيث أنّها أنشأت عن الكلمة العليّة بقوله لها : كن . والتوجّه إلى الشيء بقوله له كن يعطيه ذلك في حقيقة العلم في نفسه الذي وقع عليه كن ، فإنّه مضمر عنده في حقيقة علمه ، ولو لم يكن في حقيقة علمه ما قال له كن ، متصوّر في حقيقة علمه باسمه الخاصّ به وماهيّته المعلومة وصورته ولونه وزمانه ومكانه ، كلّ ذلك مقرّر في حقيقة العلم الإلهيّ مضمر باطن في حقيقة علمه ، وعند قوله له كن يبرزه إلى الوجود ، قال سبحانه وتعالى : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . فإن قال قائل إنّ الكلمة البارزة من الحق بقوله كن لجميع الوجود قديمة أزليّة ، فيلزم معها قدم الوجود لأنّه مقترن بالكلمة فيلزم قدمه بقدمها أو حدوثها بحدثه . قلنا : إنّ كلمة كن برزت من الحقّ في الأزل بلا أوّليّة ولا اقتران بزمان أو مكان ، إنّما هي كلمة قديمة بقدم ذاته ، والوجود الذي نشأ عنها قال له مثلا : كن ، يريد في الوقت الذي أردتك فيه والمكان الذي أردتك فيه ، فإنّ الأمكنة والأزمنة مختلفة المباني متغايرة المعاني ، وبهذا فارق الوجود عين الكلمة ، فلا يقال قديم بقدمها ولا حادث بحدثه لأنّ الزمان والمكان مضمران في قوله لها : كن يريد في الوقت الذي أردتك فيه و في المكان الذي نشأ عنها ليس له في القدم الذي أردته به . فالكلمة قديمة بقدم ذاته ، والوجود الذي نشأ عنها له في القدم مرتبة إلاّ تعيّنه في حقيقة العلم الأزليّ من حيث أنّ له أحكاما سبعة كما قدّمناها في حقيقة الوجود ، وهي الصورة والصبغ واللون والمقدار والزمان والمكان والأرزاق ، فمن حيث تميّزه في حقيقة العلم بهذه الأمور السبعة نقول له ضرب من مرتبة القدم من حيث أنّه متصوّر في العلم بأحكامه السبعة ، فهو قديم بقدم العلم ، أردنا أنّ العلم به قديم ، فإنّ علم الله لا يأتي حدوثه ، بل هو قديم بقدم ذاته ، وكلّ الوجود مصور في حقيقة علمه ، فلا يقع في الوجود إلاّ ما تصوّره في العلم ، ومحال قطعا أن يقع في الوجود غير ما تصوّر في العلم . فالحاصل لنا من هذا أنّ الكلمة الإلهيّة ، التي هي كن ، قديمة بقدم ذاته ، والوجود البارز عنها حادث بحدوث زمانه ومكانه . ثمّ إنّ حدوث الزمان يطلق عليه الحدوث من حيث إضافته للموجودات لا من حيث إضافته للحقّ فإنّه قديم أزليّ . بهذا يلغز ويقال : أخبرونا عن شيء واحد لا يتبعّض ظاهر الكيفيّة والصور للخصوص والعموم ، ثمّ هو في حقيقته قديم أزليّ وحادث ممكن ؟ قلنا : هو الزمان . فهو من حيث إضافته إلى الحقّ قديم أزليّ لأنّه ما ثَمَّ إلاّ دوام وجوده وبقائه مستمرّ الأبد بلا أوّليّة ولا آخريّة ، فبهذا كان قديما لأنّ صفته القدم والبقاء . ومن حيث أضافته إلى الموجودات، من حيث أنّ هذا يبرز بعد هذا ، وهذا بعد هذا ، فهو حادث بهذه النسبة . لكن تحقيق الجواب فيه : أنّه لا يتأتّى في شيء واحد أن يقال قديم حادث وإلاّ صحّ القول بقلب الحقائق ، وهو محال . قلنا : وجه التحقيق في هذا أنّ صورة الزمان المستمرّ هو صورة بقاء الحقّ في ذاته ، فهو قديم ، والأوقات المتعاقبة في هذا الزمان هي بمنزلة النقوش على ظاهر اللوح ، ومعلوم أنّ اللوح غير النقوش التي عليه ، وإنّما النقوش علامة على أجزاء اللوح . كذلك الأوقات المتعاقبة على صورة الزمان من الساعات والدرج والدقائق والأيّام والشهور والأعوام والأحقاب إنّما هي نقوش على ظاهر الزمان ، فافترق الحال في هذا في كون الزمان قديما وحادثا ، فقدمه بحسب استمرار وجود الحقّ فيه ، وهو بعينه عين قدم الحقّ وبقائه ، والنقوش التي على ظهره من الدرج والدقائق والساعات والأيّام والشهور والأعوام والأحقاب هي التي عليها حدوث الزمان ، وإذا زالت النقوش وجدت صورة الزمان عينا واحدة ماضيه ومستقبله وحاله كلّه عينا واحدة ، فكلّ كلامه سبحانه وتعالى كلمة ، وكلّ كلمة منه كلام ، لأنّه في حقيقته كلّ كلمة منه حملت ما يحتمله الكلام الأزليّ ، فليس في كلامه تعالى تعاقب ولا افتراق في المعاني . فإن قلتم : هذا لا يصلح لأنّا نجد في القرآن في كلّ كلمة منه من المعاني ما ليس في الكلمة الأخرى ، فكيف يقال إنّ الكلمة الواحدة حملت جميع معاني الكلام ؟ قلنا : ما ذكرتم من المعارضة صورتها حيث كان الكلام قرآنا ، وقد قدّمنا أنّه لا يسمّى قرآنا إلاّ إذا وقع على ألسنة البشر يتلونه . و أمّا في حقيقة قيامه بالذات فصورته لا تدرك ولا تفهم . فلو كان كلامه في ذاته كلّ كلمة مختصّة بمعنى دون أخرى كما تقرؤونه في القرآن لاتّصف حينئذ بالعجز في كلامه إذ لا يقدر أن يتكلّم بجميع ما أحاط به علمه في الكلمة الواحدة ، والعجز مُنَافٍ للألوهيّة ، وهو محال . فلو ارتفع الحجاب عن الذات من حيث ما هي هي وسمعت كلامها من حيث ما هو هو لأدركت أنّ الكلام كلّه كلمة ، وتلك الكلمة محيطة في تعلّقها بجميع ما أحاط به علم الله تعالى ، ولا زمان ولا تقديم ولا تأخير إذ ما ظهرت صورة الزمان إلاّ بعد وقوع الحجاب ، فلو انكشف الحجاب لرأيت أنّ الزمان لا وجود له أصلا ، ولم يبق إلاّ الوجود الطلق وقِدمه وبقاؤه . فتحصل ممّا تقدّم أنّ كلام الله تعالى وصْفٌ قائم بذاته لا يدلّ عليه القرآن كما يقول العلماء ، وإنّما القرآن دالّ على مدلولات الكلام الأزليّ . وأمّا المكالمة التي يدّعيها العارفون من قولهم : سمعتُ ، وقيل لي ، إنّما حدّها في هذا المحلّ أنّ الكلام الوارد على الرجال في هذا الميدان أنّ نسبته إلى الله تعالى نسبة الخلق إلى الخالق لا نسبة الكلام إلى المتكلّم . ومَن ظنّ مِنَ الرجال أنّه يسمع كلام الذات كما سمعه موسى عليه الصلاة والسلام فقد ضلّ وفارق الحقّ وخسر ، قال الله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا الآية . وصورة الكلام الذي يتلقّاه الرجال إنّما هو يخلق سبحانه وتعالى كلاما مكسوّا بالهيبة والعظمة والجلال والارعاد والارجاف ثمّ يختطف العبد عن دائرة حسّه ويستلبه عن أنانيّته وعقله كما هو في صورة سماع كلام ذاته ثمّ يبثّ في ذاته من اللذّة والسرور عند سماع ذلك الكلام بحيث لو أضيف إلى نعيم الجنّة لكان معه نعيم الجنّة كَلا شيء ، ثمّ يلقي إليه ما يلقي في هذه الحال ، وهذا مثل ما يقع له في سماع كلام ذاته ، فيقول : سمعت كلام الله ، وقيل لي ، وقلت . فهذه المكالمة المطلقة عند العارفين . ووراء هذا من الأمر الواقع ما لا يحلّ ذكره ولا يعطيه الوقت ، وهو واقع للأكابر ولا يُتكلّم فيه بشيء ، و يجب كتْمه لمن أدركه . والكلام الذي يسمعه في وقت غيبته يسمعه ويعيه ، فإذا سرى عنه ورجع إلى شواهد حسّه وجد الكلام محفوظا عنده لا ينساه ، فربّما أدرك معانيه وربّما لم يدركها ، فيرجع في هذا إلى صاحب الوقت فإنّه من يعلم بهذا في غاية العلم يخبره بتفسيره وتأويله . ثمّ اعلم أنّه لو ظهرت حقيقة الكلام الأزليّ حتّى سمعها السامع لانمحق الوجود في نظره ، فلم يبق له وجود أصلا ، ولو صَوَّتَ عليه الوجود كلّه بأصواته لَمَا فهم من كلامه معنى ، كصورة النجوم مع الشمس ، فإنّه لا ظهور للنجوم إلاّ بغيبة الشمس ، فإذا طلعت الشمس تغطّت النجوم كلّها ، فهي موجودة في نفسها لكن لا ظهور لوجودها مع الشمس ، وهكذا صور الوجود مع سماع كلام الله تعالى . قيل لسيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام : كيف كنت في سماع كلام الله تعالى ؟ قال مخبرا عن حاله : لا شعور لموسى بموسى . يريد في ذلك الكلام لا شعور له ، فكهذا كيفيّة سماع كلام الله تعالى . وقولهم : إنّ من سمع كلام الله من الرجال خرج إلى حالة مهما سمع كلام الخلق ارتدع جميع ما في جوفه قيئا ورماه من شناعة كلام البشر عنده ، وإنْ بقي في هذا الحال بقي هكذا أبدا . ولكن قالوا : صاحب هذا تخلّصه من هذه الحال أنْ يدخل الخلوة ثلاثة أيّام لا يسمع كلام أحد ولا يراه ، فإذا جاوز ثلاثة أيّام خرج إلى الناس لا يضرّه شيء . أهـ .
قوله : ( اللوح المحفوظ ) ، إعلم أنّ اللوح المحفوظ هو نبيّنا وسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم لأنّه أجمل ما في حقائق الأشياء ، فكما أنّ اللوح المحفوظ اجتمعت فيه علوم الأكوان من منشأ العالم إلى النفخ في الصور أحاط بها جملة وتفصيلا ممّا دقّ أو جلّ من الجواهر والأعراض ، كذلك هو صلّى الله عليه وسلّم اجتمعت في حقيقته المحمّديّة صلّى الله عليه وسلّم جميع حقائق العلوم الإلهيّة . وتشبيهه هنا صلّى الله عليه وسلّم باللوح المحفوظ يسمّى عند المتكلّمين تشبيه التسامح وإلاّ فهو صلّى الله عليه وسلّم أكبر وأوسع من اللوح المحفوظ بأضعاف مضاعفة ، لأنّ غاية علوم اللوح وما سطّر فيه إنّما هو منشأ العالم إلى النفخ في الصور فردا فردا بلا شذوذ ، وأمّا ما وراء ذلك من أحوال يوم القيامة ، وأحوال أهل الجنّة والنار ، وما يتعاقب عليهم فيهما من الأدوار والأطوال من جميع الشؤون والأمور والاعتبارات واللوازم والمقتضيات ، كلّها ليس في اللوح منه شيء إلاّ أمور قليلة ، مثل فلان يعمل كذا وكذا من الأعمال وجزاؤه في جنّة الخلد أو جنّة النعيم أو جنّة المأوى له فيها كذا وكذا ، أو فلان يعمل كذا وكذا من الشرّ ومستقرّه في الدرك الثانية أو الثالثة وهكذا ، هو قليل بالنسبة لأحوال أهل الجنّة والنار وأحوال يوم القيامة . وأمّا هو صلّى الله عليه وسلّم فإنّه جمع في حقيقته المحمّديّة كلّ ما أحاط به علم الله تعالى من الأزل إلى الأبد من علوم المخلوقات بأسرها ، ومعرفة مقتضياتها ولوازمها . وأمّا ما وراء ذلك فلا يحيط بجميع علم الله محيط أصلا ، يقول سبحانه وتعالى : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ . وجملة ما في اللوح المحفوظ من العلوم ثلاثمائة علم وستّون علما ، كلّ علم فيه ثلاثمائة وستّون علما ، وجملة ذلك مائة ألف علم وثلاثون ألف علم تنقص أربعمائة علم ، فهذه علوم الأكوان كلّها . وعدد الألواح ثلاثمائة وستّون لوحا ، فهذه الألواح هي ألواح التبديل ، يقع فيها التغيير والتبديل . وأمّا أُمُّ الكتاب فلا يتبدّل ولا يتغيّر ، فكلّ ما فيه واقع لا يتبدّل . ومحلّ هذه الألواح كلّها في السماء . ورؤية عامّة الأولياء لألواح التبديل فقط ، وأمّا أمّ الكتاب فلا يطّلع عليه إلاّ الأكابر .
قوله : ( والنور الساري الممدود ) ، إعلم أنّ النور الساري الممدود هو الوضع الإلهيّ الذي عنه وجدت الأكوان ، جليلها وحقيرها من الأزل إلى الأبد . فلا يتمّ لوجود شيء من الموجودات إلاّ بالمدد من نوره صلّى الله عليه وسلّم ، فهو النور المطلق . والنور هنا ليس هو كما يفهم أنّه الضياء المنبسط ، بل النور المراد به هو الذي يتمّ به الوجود من الله تعالى بلا واسطة . والنور في الحقيقة هو الوجود المطلق ، والوجود المطلق لا يطلق إلاّ على الذات المقدّسة جلّت وتقدّست ، وكونه مطلقا لا يطرأ عليه التغيير بوجه من الوجوه لأنّ وجوده من ذاته لذاته عن ذاته في ذاته ليس عن مادّة ولا عن كيفيّة ولا عن صورة ، ومن هنا كان واجب الوجود سبحانه وتعالى ، كما أنّ الظلمة حقيقتها هي العدم المحض ، فالوجود كلّه ظلمة من حيث أنّه عدم محض لا نوريّة فيه ، وإنّما وجوده استمدّ من نوره صلّى الله عليه وسلّم وعنه وُجِد ومنه تصوّر وبه كان . وأمّا نوريّته صلّى الله عليه وسلّم فلا يقال فيها نور مطلق لأنّها مستمدّة من نوره سبحانه وتعالى لأنّه هو الوجود المطلق ، ومعنى استمداده هو أنّه خُلِق من أجل الذات المقدّسة لا لأجل شيء دونها جلّت وتقدّست ، فلا علّة ولا واسطة بينه وبين الحقّ تعالى ، خُلِق من أجل الحقّ لا غير ، والوجود كلّه على العموم والإطلاق معلّل بوجوده صلّى الله عليه وسلّم ومِن أجله وجد الكون كلّه ، فهو له كالخادم ، ولولاه هو صلّى الله عليه وسلّم ما أوجد الله شيئا من الأكوان . وقد استراب في هذه القولة من لا علم له حتّى قال : إنّ الربّ سبحانه وتعالى يلزم عليه أنّه عاجز عن خلق الأكوان لا يتأتّى له إيجادها إلاّ بوجوده صلّى الله عليه وسلّم استعانة به وخروجا به عن العجز . قلنا له : ليس المراد هذا الذي ذكر ، وإنّما هو أنّه لو سبق في حكمه وعلمه أنْ لا يخلق محمّدا صلّى الله عليه وسلّم لنفذ الحكم منه أنّه لا يخلق شيئا من الأكوان ، فهذا معنى توقّف الكون عليه صلّى الله عليه وسلّم ، إذ هو صلّى الله عليه وسلّم في جملة الأكوان بمنزلة إنسان العين من العين ، إليه النظر من ربّه سبحانه وتعالى وعليه المدار وفيه جميع الاعتبارات التي يتوقّف عليها الوجود ، كما أنّ الإنسان إذا أزيل من العين ليست العين بشيء . وهذا النور هو سيّد الوجود وعلم الشهود صلّى الله عليه وسلّم ، وهو المراد بقوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث أبي سعيد : « حجابه النور لو كشفه لحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه » ، وهذا النور هو سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، إذ هو القائم بين يدي الحقّ سبحانه وتعالى بالمباشرة له صلّى الله عليه وسلّم ، والوجود كلّه تحت ظلّه صلّى الله عليه وسلّم ، مستترا به عن جلال الحقّ وعظمته ، ولو أنّه سبحانه وتعالى كشف هذا النور وكشطه حتّى رآه الوجود بعينه من غير واسطة النور لاحترق كلّ ما أدرك الله بصره من المخلوقات ويصير محض العدم في أسرع من طرفة عين . فبوجود هذا النور تمتّع الوجود بالوجود ، وتقلّب في أطوار المصادر والورود اهـ . وقوله : ( الساري ) ، معناه أنّه صلّى الله عليه وسلّم سار في جميع الموجودات كسريان الماء في الأشجار لا قيام لها بدونه ، وتلك السراية منه صلّى الله عليه وسلّم في الموجودات لا مطمع للعقل في دركها ولا أن يحوم حول حماها ، فما وصل إليها أحد من خلق الله ، ولا عرف لها كيفيّة ولا صورة ، وكلّ الوجود في حجاب عن هذا الإدراك ، يعني إدراك السراية منه في الموجودات ، فما أدركتها أكابر الملائكة العالين ولا أكابر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ، كلّهم لم يشمّوا لها رائحة ، فمَن دونهم أحرى وأولى لا يذوق منها شيئا . وغاية السريان أنّه صلّى الله عليه سلّم لو فُقِدَ سريانه في ذاتٍ من ذوات الأكوان لصارت محض العدم من ساعتها . وإلى هذا الإشارة بقوله سبحانه وتعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، ولهذا حيث دعا بالهلاك زمانا طويلا على طوائف لم يستجب له ، وعاتبه ربّه بقوله : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، يعني لم أبعثك لهذا ، وهو جلب الهلاك للخلق . اهـ . وقوله : ( الممدود ) ، معناه هو الذي لا غاية له ، وهو أنّه امتدّ كلّ سرايته في جميع الأكوان من كلّ ما انطبقت عليه كورة العالم وجميع ما دخل تحت حيطة الطوق الأخضر من جميع مخلوقات الله ، وزاد امتداده صلّى الله عليه وسلّم حتّى سرى في جميع المعلومات التي أحاط العلم الإلهيّ بها ونفذت المشيئة الربّانيّة بأنْ لا خروج لها من العدم إلى الوجود أصلا . وكيفية السراية في هذا المعدوم أيضا لا يطيقها العقل تصوّرا وقبولا ، بل هي في إحاطة العلم الإلهيّ ، فلا يعلم كيفيّتها وصورتها إلاّ الله تعالى .
قوله : ( الذي لا يدركه دارك ) ، يعني وصفه بكونه لا علم لأحد به من الموجودات أصلا إلاّ الحقّ سبحانه وتعالى ، وفي هذا يقول بعض العارفين : ما عرف قدر محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلاّ الله تعالى ، هذا معنى قوله لا يدركه دارك .
قوله : ( ولا يلحقه لاحق ) ، معناه هو الذي أشار إليه الشيخ مولانا عبد السلام رضي الله عنه في صلاته حيث قال : وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه منّا سابق ولا لاحق . اهـ .


<< الصفحة الأولى     الصفحة الثالثة >>

<< عودة إلى فهرس الباب السادس