نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب السادس - مقصد - الصفحة الثالثة :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب السادس > مقصد > الصفحة الثالثة


المقصد : في الصلوات التي وردت فيه من فيض فضله الشريف صلّى الله عليه وسلّم ـ الصفحة الثالثة

قوله : ( الصراط المستقيم ) ، إعلم الصراط المستقيم هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وسُمِّيَ به لكونه طريقا ممدودا إلى الحقّ ، لا وصول لأحد إلى الحضرة القدسيّة وذوق أسرارها والابتهاج بأنوارها إلاّ بالسلوك على الصراط المستقيم ، وهو باب الله الأعظم ، وهو الصراط المستقيم إلى الله تعالى ، فمن رام من السالكين الدخول على الله تعالى في حضرة جلاله وقدسه مُعرِضا عن حبيبه صلّى الله عليه وسلّم طُرد ولُعن وسُدَّت عليه الطرق والأبواب ورُدَّ بعد الأدب إلى إسطبل الدواب .
قوله : ( ناصر الحقّ بالحقّ ) ، معناه ، الوجه الأوّل فيه أنّ الحقّ في اللفظيْن هو الله تعالى ، ومعناه أنّه نصر الله بالله ، نهض إلى نصرة الله تعالى حيث توجّه إليه أمر الله تعالى بالنصرة له فنهض مسرعا إلى نصرة الله بالله اعتمادا وحولا وقوّة واستنادا واضطرار إليه سبحانه وتعالى وقيامه به على كلّ شيء . فهذا هو الوجه الأوّل . والوجه الثاني أنّ الحقّ في اللفظ الأوّل هو دين الله الذي أمر الله تعالى بتبليغه وإقامته ، وهو دين الإسلام ، نصَره بالحقّ ، أدّاه وآله ، يعني أنّه ينصر الإسلام لا بباطل ولا تحيل ولا خديعة ، بل نهض إلى نصرة دين الإسلام بحال يعطى التصريح بالحقّ تصريحا لا يمازجه وجه من الباطل ، فما زال كذلك حتّى تمكّن دينه وشرعه في الأرض . اهـ .
قوله : ( اللهمّ وَصَلِّ وسلّم على أشرف الخلائق الإنسانيّة والجانيّة ) ، يعني أنّه هو زبدتها وياقوتتها ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « إنّ الله خلق الخلق حتّى إذا فرغ من خلقه اختار منهم بني آدم » إلى قوله : « واختارني من بني هاشم » ، ودلَّ الحديث ، بل صرّح ، أنّ هذا الجنس من الآدميّ هو صفوة الله من خلقه ، وهو محلّ تنزّل الرحمة الإلهيّة ، وهو محلّ نظر الله تعالى من جميع الموجودات . فجنس الإنسان خُلِقَ من أجل الله تعالى ، وخُلِقَتْ الأكوان من أجله ، وكان التخصيص لهذا الجنس من الإنسان أنّ الله اتّخذ خليفته في الأكوان من هذا الجنس ، وهو الفرد الجامع ، فهو محيط بالعالم كلّه والعالم كلّه في قبضته وتحت حكمه وتصرّفه يفعل فيه كلّما يريد بلا منازع ولا مدافع ، وقصارى أمْرِه أنّه كان حيثما كان الربّ إلهاً كان هو خليفة عليه ، فكما لا خروج لشيء من الأكوان عن ألوهيّة الله تعالى كذلك لا خروج لشيء من الأكوان عن سلطنة هذا الفرد الجامع ، يتصرّف في المملكة بإذن مستخلِفه . وحيث كان صلّى الله عليه وسلّم أشرف الخلائق الإنسانيّة كان أشرف العوالم كلّها لأنّ الإنسان ، كما في الخبر ، هو صفوة الله من جميع خلقه ، فبالضرورة غير الإنسان داخل تحت حكمه في الأفضليّة . وقوله : ( والجانيّة ) ، يعني الجانّ ، ما غاب عن الأبصار واستتر ، وذلك شامل للجانّ والملائكة ولجميع مَن غاب مثلهم عن عين الإنسان ، فهو صلّى الله عليه وسلّم أفضل الجميع . اهـ .
قوله : ( صاحب الأنوار الفاخرة ) ، يعني أنّ الأنوار هي أمور فائضة من حضرة الغيب ، وهي حضرات الصفات والأسماء ، وهي التي تأتي بالعلوم والأسرار والمعارف والأنوار والأحوال العالية إلى ما لا غاية له من الفيوض والمواهب ، وهو صلّى الله عليه وسلّم في هذا الميدان أكبر خلْق الله حظّا من هذه الأنوار وأوسعهم دائرة وأعظمهم حظوة ، فلو صُبّ على جميع العالم جزء من ألف جزء ممّا يهبّ عليه من تلك الأنوار لصار محض العدم في أسرع من طرفة العين ، ولذا قال : ( الفاخرة ) ، يعني العظيمة ، فتلك الأنوار في العظمة إلى غير نهاية . اهـ .
قوله : ( اللهمّ صلِّ وسلّم عليه وعلى آله وعلى أولاده وأزواجه وذرّيته وأهل بيته وإخوانه من النبيّين والصدّيقين ) ، تقدّم لنا أنّ الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم توقيفيّة . وأمّا آله صلّى الله عليه وسلّم فَعَلَى الأصحّ هُمْ بنو هاشم ، بنو عبد مناف ، قال ابن الحاجب في كتابه الفرعيّ : هاشم آل وغالب غير آل وفيما بينهما قولان . هاشم آل بالإجماع ، وما فوق ذلك إلى غالب فيه خلاف بين العلماء ، والأصحّ أنّ الآل هُمْ الذين حرّم عليهم صلّى الله عليه وسلّم الصدقة ، ولم يحرّمها إلاّ على بني هاشم ، هذا الدليل لهذا الأصحّ . والدليل الثاني قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح ، حيث ذكر الاصطفاء في العرب ، قال : « واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم » ، فدلّ هذا الحديث على أنّ هاشما هو الآل ، ولكونه صلّى الله عليه وسلّم ، حين وضع بيت الأموال الخاصّة بآله ، ما كان يعطي غيرهم ، ولا أعلم هل كان يعطي معهم بني المطّلب أم لا . ولكونه صلّى الله عليه وسلّم في وقعه بني النضير ، حيث أخذ بلادهم وأموالهم فيئا ، جعلها الله له وحده صلّى الله عليه وسلّم أخذ ما أخذ وأعطى الناس ما أعطى ، وترك منها حظّا وافرا لآله صلّى الله عليه وسلّم فقسمه بين بني هاشم وبين بني المطّلب . فقام إليه عثمان بن عفان رضي الله عنه في بني عبد شمس بن عبد مناف وبني نوفل بن عبد مناف وقال : يا رسول الله أمّا ما خصّصت به بني هاشم فلا ننازعهم فيه لمكانتهم منك ، وأمّا خصّصت به إخواننا من بني المطلب بن عبد مناف فلأيّ شيء خصّصتهم ونحن وَهُمْ في رتبة واحدة ؟ قال لهم صلّى الله عليه وسلّم : إنّ بني المطّلب لم يفارقوني في جاهليّة ولا إسلام . هذا ما قاله لهم ، فسلّموا . فكلّ هذه الأخبار تدلّ على أنّ الآل بنو هاشم فَهُمْ آله على التحقيق ، وقد وعد الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم أن لا يعذّب بني هاشم ، يعني المؤمنين منهم ، وقال صلّى الله عليه وسلّم في أولاد فاطمة رضي الله عنها : « إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله ذرّيّتها على النار » . وقد حرّم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الصدقة على بني هاشم فلم تحلّ لهم أبدا ، ولا يلتفت إلى ما يقوله الفقهاء من إباحتها لهم متعلّلين بشدّة فقرهم وعدم أخذهم من بيت المال فإنّ هذا التعليل لا أصل له إذ علّة منعهم من الصدقة أنّها أوساخ الناس وقدّسهم الله عنها لعلوّ منصبهم ، وهذه العلّة باقية على أصلها لم تنتقل . إنّما يصحّ ذلك التعليل للفقهاء لو كان علّة منعهم من الصدقة الغِنَى أو وفور حظّهم من بيت المال ، فإذا فُقِدَ هذا قلنا أنّها تحلّ لهم . والحكم لم يقع لأجل هذه العلّة ، وإنّما وقع الحكم لمنعها عنهم من أنّها أوساخ الناس وعلوّ منصبهم عنها ، وهذه العلّة جارية لم تنتقل ، فهؤلاء هُمْ الآل الأصليّون . والآل الملحقون صنفان : الأوّل منهم من انصبغ بمحبّته صلّى الله عليه سلّم ظاهرا وباطنا ، يشهد لهذا قوله صلّى الله عليه وسلّم حيث سئل : « مَن آل محمّد الذين أُمِرْنا بحبّهم وإكرامهم والبرور بهم فقال صلّى الله عليه وسلّم أهل الصفاء والوفاء ممّن آمن به وأخلص فقيل له وما علامتهم قال إيثار محبّتي على كلّ محبوب واشتغال الباطن بذكري بعد ذكر الله عزّ وجلّ » . فهذا الصنف هُمْ الآل الملحقون . والصنف الثاني الذين حافظوا على اتّباع سنّته، والتخلّق بأخلاقه واقتفاء آثاره ، يشهد لهذا قوله صلّى الله عليه وسلّم : « إن استطعت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غلّ لأحد فذلك من سنّتي ومن أحيا سنّتي فكأنّما أحياني ومن أحياني كان معي في الجنّة » ، فهؤلاء هُمُ الآل الملحقون . اهـ . قوله : ( وعلى أولاده ) ، أولاده صلّى الله عليه وسلّم كلّ من خرج من صلبه ومَن ولدته فاطمة ابنته ، فهؤلاء أولاده صلّى الله عليه وسلّم ما تناسلوا إلى يوم القيامة . وأولاده على الصحيح أربعة أولاد . مِن سيّدتنا خديجة ثلاثة : سيّدنا القاسم وسيّدنا الطاهر وسيّدنا الطيّب عليهم الصلاة والسلام . ومن غيرها ، وهي سيّدتنا مارية القبطيّة : سيّدنا إبراهيم . وبناته صلّى الله عليه وسلّم : سيّدتنا زينب وسيّدتنا رُقَيّة وسيّدتنا أمّ كلثوم وسيّدتنا فاطمة رضي الله تعالى عنهنّ أجمعين ، وكلّهن من سيّدتنا خديجة رضي الله عنها . قوله : ( وأزواجه ) ، أزواجه صلّى الله عليه وسلّم خديجة ، تزوّجها صلّى الله عليه وسلّم بعد زوجين ولدت لكلّ واحد منهما ولها ، يوم تزوّجها أربعون عاما وله صلّى الله عليه وسلّم خمسة وعشرون ، وماتت وهي بنت خمس وستّين ، وقيل أربع وستّون ، توفيّت قبل الهجرة بثلاث سنين وثلاثة أشهر ونصف ، وقيل بسنة في رمضان ، ودفنت بالحجون رضي الله عنها . ثمّ سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس ، أصدقها أربعمائة درهم ، وهبتْ نوبتها لعائشة ، ماتت في شوال سنة أربع وستّين ، وكانت قبله عند السكران بن عمر وأخي سهيل بن عمرو ، وتزوّجها بمكّة وهاجرت معه صلّى الله عليه وسلّم . عائشة بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنها ، تزوّجها صلّى الله عليه وسلّم وهي بنت ستّ سنين في شوّال سنة عشر ، ودخل بها في المدينة وهي بنت تسع ، ومات عنها وهي بنت ثمانية عشر سنة ، ولم يتزوّج بِكْرًا غيرها ، ماتت بالمدينة رضي الله عنها سنة سبع وخمسين ، وقيل ثمان وخمسين ، وصلّى عليها أبو هريرة رضي الله عنه . حفصة بنت عمر ، تزوّجها صلّى الله عليه وسلّم سنة ثلاث بعد رجوعها من الحبشة ومات زوجها خنيس بن حذافة بالمدينة بعد غزوة بدر ، ماتت سنة إحدى وأربعين ، وقيل خمس وأربعين في زمن معاوية عن نحو ستّين سنة . زينب بنت خزيمة الهلاليّة الحارثيّة ، تزوّجها صلّى الله عليه وسلّم سنة ثلاث ، كانت تحت عبد الله بن جحش قتل يوم أحد ، تدعى أمّ المساكين لحرمتها لهم ، أصدقها أثنى عشرة أوقية ، ماتت بعد ثلاثة أشهر ودفنت بالبقيع ، ولم يمت في حياته غيرها بعد خديجة . هند أمّ سلمة بنت أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّة زوج أبي سلمة بن عبد الأسد ، تزوّجها سنة أربع وكانت من أجمل النساء ، ماتت سنة ستّين ، وقيل تسع وخمسين ، ودفنت بالبقيع ، وهي آخر أزواجه وفاة . زينب بنت جحش ، وهي بنت عمّته أميمة بنت عبد المطلب ، كانت عند مولاه زيد بن حارثة فطلّقها سنة خمس ، كان اسمها برّة فسمّاها زينب ، وكانت كثيرة الصدقة والإيثار ، تسامي عائشة في المنزلة عنده ، أوّل من مات منهنّ بعده ، ماتت بالمدينة سنة عشرين . جويرية بنت الحرث المصطلقيّة ، سباها يوم المريسيع ، كانت بنت عشرين سنة ، توفّيت سنة ستّ وخمسين ، تزوّجها صلّى الله عليه وسلّم سنة ستّ من الهجرة ، وقيل خمس . ريحانة ، سباها من بني النضير ، أعتقها وتزوّجها سنة ستّ من الهجرة وأصدقها اثني عشر أوقية ، توفّيت سنة عشر . رملة أمّ حبيبة بنت أبي سفيان صخر بن حرب رئيس قريش ، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصّر ومات ، وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار ، دخل بها سنة سبع ، ماتت سنة أربع وأربعين . صفيّة بنت حييّ بن أخطب سُبِيَتْ من خيبر سنة سبع ، وكانت عند كنانة بن أبي الحقيق ، قتله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ماتت سنة خمسين ودفنت بالبقيع . ميمونة بنت الحارث الهلاليّة ، تزوّجها سنة سبع بعد خيبر ، وكان اسمها برّة فسمّاها ميمونة ، وهي خالة ابن عبّاس وخالد بن الوليد ، تزوّجها صلّى الله عليه وسلّم في عمرة القضاء ، وهي آخر من تزوّج ، ماتت سنة إحدى وخمسين بسرف ، وقبرها مشهور معروف يُزار ويتبرّك به ، ويقال أنّها وهبت نفسها للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم . هـ . قوله : ( وذرّيته ) ، وهُمْ ما تناسلوا من الحسن والحسين رضي الله عنهما لا غير ، وكذا ما ولدته فاطمة من البنات كلّهنّ ذرّيته صلّى الله عليه وسلّم . قوله : ( وأهل بيته ) ، هُمْ بنو هاشم على الأصحّ بإجماع الأمّة لم يختلف اثنان في أنّهم آله صلّى الله عليه وسلّم ، والذي فعله صلّى الله عليه وسلّم بأصحاب الكساء : فاطمة، وعليّ والحسن والحسين ، فاجتمع معهم صلّى الله عليه وسلّم في كساء واحد وقال : « اللهمّ هؤلاء أهل بيتي فطهّرهم تطهيرا » حين نزلت الآية . فهذا خاصّ من خاصّ لخاصّ لقوله صلّى الله عليه وسلّم في هؤلاء حين دخل على فاطمة ، وكان عليّ هناك نائما في جانب البيت ، والحسن والحسين بين يديه يلعبان ، قال لها صلّى الله عليه وسلّم : « إنّك وهذين وذلك النائم معي في درجتي في الجنّة » ، ولم يكن ذلك لغيرهم حتّى من النبيّين والمرسلين ، فهذا تخصيص الكساء . وكذا أزواجه صلّى الله عليه وسلّم هنّ اللاتي ورد فيهن خطاب التطهير بقوله تعالى : يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ الآية . قوله : ( وإخوانه من النبيّين والصدّيقين ) ، سُمُّوا في هذه المرتبة إخوانه صلّى الله عليه وسلّم وعليهم لاشتراكهم معه في مقام القربة ، وهو مقام عزيز صعب الارتقاء لا مطمع فيه إلاّ لأهله ، وأهلُه ثلاث فِرَق : الفرقة الأولى الرسل ، وَهُمْ أصحاب نبوّة التشريع . والفرقة الثانية هُمْ النبيّون عليهم الصلاة والسلام ، ويقال لها النبوّة المطلقة . الفرقة الثالثة هُمْ الصدّيقون وهُمْ الذين ارتفع الحجاب عن عين قلوبهم وطالعوا الحضرة القدسيّة بما هي عليه من الأسرار والأذواق والفيوض والتجلّيات والعلوم والمعارف واليقين والتوحيد والتجريد والتفريد ، وما عليه ربّنا سبحانه وتعالى ممّا لا تحيط العقول بأقلّ قليل منه من صفات العظمة والجلال والعزّ والكمال والكبرياء والتعالي والقدس والغنى، والمحامد ، كلّها صفات الكرم والمجد وما يتبع ذلك من الحقائق والدقائق والرقائق والشقائق ، إلى غير ذلك ممّا تشتمل عليه الحضرة القدسيّة من المكالمة والمحادثة والمساررة والملاطفة وغير ذلك . هذا هو مقام الصدّيقيّة . وكلّ هذا لا يصل إليه من معه مثقال نقير من متابعة هواه . فلا يصل إليه إلاّ من تطهّر من متابعة هواه ، وارتقى إلى الرتبة الثالثة من المراتب . المرتبة الأولى مرتبة الاستهتار بذكر الله تعالى حتّى يقع صاحبها في الذهول عن الأكوان والطمأنينة بذكر الله تعالى مستغرقا جميع أوقات دهره ، وَهُمْ الأولياء . المرتبة الثانية لباس الخلّة الملكيّة ، وهي فوق هذه المرتبة ، وهي أنْ يتّصف صاحبها بأحوال الملائكة من الولوع بالله والاستغراق فيه وترْك ما جهل من كلّ ما سوى الله تعالى واحتراق الوهم والحسّ والخيال تحت بزوغ هذه المرتبة ، وفيها يتّصف العبد بأوصاف أهل الملأ الأعلى ، وهم الأولياء . والمرتبة الثالثة ، وهي فوق هذه ، وهي لباس الحلّة الإلهيّة ، وهي لا تُذكر ولا تُرى ولا يعلمها إلاّ من ذاقها ، وصاحبها وهو الذي يُطلق عليه اسم الصدّيق ، فهي ضرب من النبوّة ، أو هي النبوّة بعينها ، وَهُمْ العارفون والصدّيقون . وقوله : ( على من آمن به الخ ) ، معناه ، أردفهم وأدخلهم معه صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة عليه وفي حمايته ، ومعنى إردافهم معه صلّى الله عليه وسلّم خاصّ بهذه الصلاة لا غير ، والمطلوب بالصلاة هو صلّى الله عليه وسلّم لكلّ موجود أوجده الله ، والباقي تابع له صلّى الله عليه وسلّم .
قوله : ( اللهمّ اجعل صلاتنا عليه مقبولة لا مردودة ) ، معناه طلب المُصلِّي من الله تعالى أن تكون صلاته على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مقبولة لا مردودة ، والمقبولة ما طابق فيها أمْر الشرع ظاهرا وباطنا وإن كانت للثواب يقصد صاحبها ذلك ، فهي مقبولة في هذا الباب ، وما تقاعس فيها صاحبها عن وجه من جوه الشرع المطلوبة كانت مردودة ، وهذا الوجه المطلوب هنا من قِبَل الشرع إنّما هو في نفس الصلاة لا في غيرها من الأعمال وإنْ كان مخالفا في غيرها ، إلاّ صلاة الفرض فشرطها أن تقع على مطابقة أمر الشرع ، فإنْ فسدت الصلاة بطلت الأعمال كلّها التي من جملتها الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم . والمطلوب من صلاة العبد على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن تكون صادرة منه لامتثال أمر مولاه جلّ وعلا وتعظيما له وتعظيما لرسوله صلّى الله عليه وسلّم ، وسلامتها من العجب والرياء ووقوعها بالجنابة والتلطّخ بالنجاسة وهو يقدر على الماء . ثمّ مع هذه الأمور هي صحيحة وإنْ قصَدَ بها الثواب ، إلاّ أن من أتى بها تعظيما لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم وحبّا فيه وشوقا إليه لا للثواب فهي أكمل وأعلى . ودلّ هذا على أنّ في الصلاة ما لا يُقبَل إن وقعت فيها علّة ممّا ذُكِر .
قوله : ( اللهمّ صلِّ على سيّدنا ومولانا محمّد وآله ) ، تقدّم معنى الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم بكونها توقيفيّة .
قوله : ( اللهمّ واجعله لنا روحا ولعبادتنا سرّا ) ، طلب المصلِّي من الله تعالى أن يكون صلّى الله عليه وسلّم روحا ، وكونه صلّى الله عليه وسلّم روحا في نفس الأمر في كلّ شيء من العالم حتّى لا وجود لشيء بدونه ، حتّى الكافر . وهذه المرتبة الأولى له صلّى الله عليه وسلّم في الوجود ، وبها حياة الوجود كلّه في كلّ شيء ، شيئا شيئا . والمرتبة الثانية في كونه صلّى الله عليه وسلّم روحا لجميع الموجودات خاصّا لا عامّا ، وهذه الروحانيّة في المرتبة الثانية صارت بِكُلِّيَّتها في جميع العارفين والصدّيقين والأقطاب والنبيّين والمرسلين والمقرّبين ، وهذه المرتبة له صلّى الله عليه وسلّم ، التي هي روحانيّته ، بها قيام الطوائف المذكورين بين يدي الله تعالى بتوفيّة حقوقه وتكميل الأدب معه والاستهلاك في عين الجميع والغرق في بحار التوحيد ، فَهُمْ في هذا الميدان لله بالله في الله عن الله على الله ، منزّهون عن الغير والغيريّة ، ليس في جميع حواسّهم وأوهامهم وتخيّلاتهم ومساكنتهم وملاحظتهم إلاّ الله تعالى وحده ، لا يخطر عليهم غير الله في هذا الميدان ، وعُبِّرَ عن هذا القلب الذي هذه صفته بـ" البيت المحرّم " الذي يحرم على غير أهل الله دخوله ، وهذا القيام لهم مع الله تعالى بسبب روحانيّته فيهم صلّى الله عليه وسلّم ، ولولا ذلك ما قاموا هذا القيام فيه ، وهذا هو الروح الذي طلب المصلِّي ليس الروح الأوّل الذي هو عامّ في كلّ شيء . قوله : ( ولعبادتنا سرّا ) ، المراد بالسرّ هنا أن يكون باطنا فيها صلّى الله عليه وسلّم لقبول الله إيّاها ، أيّ الأعمال ، والسرّيّة التي منه صلّى الله عليه وسلّم في الأعمال والعبادات أنْ تكون صادرة من العبد بملاحظة وساطته صلّى الله عليه وسلّم بين الله وبين العباد ، والوساطة هو ما قاله الشيخ مولانا عبد السلام رضي الله عنه بقوله : وحجابك الأعظم القائم لك بين يديك ، فمن لم يلاحظ هذه الحجابيّة في أعماله كانت أعماله غير تامّة ، و الحجابيّة هو أن يكون وسيلة بين الله وبين عباده يتوسّل به جميع العباد إلى الله تعالى ، فهذا هو سرّ العبادة الذي يؤذن بقبولها .
قوله : ( واجعل اللهمّ محبّته لنا قوّة أستعين بها على تعظيمه ) ، طلَبَ المُصَلِّي من الله تعالى ههنا أن يهبه محبّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم المحبّة الخاصّة فإنّها إذا وقعت في قلبٍ سرى فيه تعظيم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتعظيم جانبه فصارت بداية التعظيم من العبد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم من محبّته له صلّى الله عليه وسلّم ، فهي لتعظيمه صلّى الله عليه وسلّم كالبساط ، لهذا طلبها المصلِّي من الله تعالى .
قوله : ( اللهمّ واجعل تعظيمه في قلوبنا حياة أقوم بها وأستعين بها على ذكره وذكر ربّه ) ، طلب المُصلِّي من الله تعالى أن يكون تعظيمه للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم سببا في حياة قلبه بحلول ذكر الله تعالى وذكر رسوله صلّى الله عليه وسلّم في قلبه ، وهذا الذكر الذي طلبه بالتعظيم ليس هو ذكر اللسان المعهود في حقّ العامّة ، وإنّما هو الذكر الحقيقيّ الذي هو الغاية القصوى من الذكر ، هو إذا أخذ العبد فيه وأخذ عن جميع دائرة حسّه ووهمه ، فليس في شعوره ووهمه وخياله إلاّ الله تعالى في حالة الذكر ، وهذا بداية الذكر للمربّين ، ونهايته أن يستهلك العبد في عين الجمع ويغرق في بحر التوحيد وليس في جميع عوالمه حسٌّ وإدراك وذوق وفهم وعيان وخيال وأنسا ومساكنة وملاحظة ومحبّة وتعويلا واعتمادا إلاّ الله تعالى في محو الغير والغيريّة . وفي هذا الميدان ينمحق الذاكر والذكر ويصير في حالةٍ أنْ لو نَطَقَ لقال : " أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي " لاستهلاكه في بحار التوحيد ، وهذه المرتبة في مراتب آخر الذكر ، وصاحبها صامتٌ جامدٌ لا يذكر ولا يتحرّك ، وإليها يشير بقوله صلّى الله عليه وسلّم : « من عرف الله كَلَّ لسانُه » ، وفيها يقول الشاعر :
مـا إن ذكرتك الأهم  يلعننـي     سري وذكري وفكري عند ذكراك
حتى كأن رقيبا منك يهتف  بي     إيّـاك ويحـك والتذكـار إيّـاك
فاجعل شهودك في لقياك تذكره     والحـقّ تـذكـاره إيّـاك إيّـاك
أما ترى الحقّ قد لاحت شواهده     فواصـل الكلّ من معناه معنـاك
لأنّ تقادم الذكر في جميع مراتبه كان وسيلة إلى الوصول إلى هذه المرتبة ، فإذا وصلها انقطع الذكر من أصله وصار ذاكرا على كلّ أحيانه واستوى نومه ويقظته وحضوره وغيبته ، وإستوى الأمر عنده أكان مع الخلق أم كان وحده ، وصاحب هذا الحال لو اجتمع في مكان مع جميع الخلق وأكثروا اللغط والصخب لم يعلم من خطابهم شيئا ولا يسمع في خطابهم إلاّ خطاب الحقّ سبحانه وتعالى ، وفي هذا قيل :
بذكر الله تزداد الذنوب     وتنطمس السرائر والقلوب
وهذه نهاية مراتب الذكر ، ولذا جعله الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز هو آخر المراتب ، قال سبحانه وتعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إلى قوله : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ ، فتلك الآية فيها رتّب سبحانه وتعالى مراتب أهل الإيمان ، فالتي بعد الأخرى هي أعلى منها ، وذَكَرَ الذِكْرَ في آخرها ، ليس مرتبةٌ فوقها ، وهي المرتبة التي ذكرناها ، وهذه هي المرتبة التي يشير إليها في الصلاة بقوله : ( أستعين بها على ذكره وذكر ربّه ) .
قوله : ( اللهمّ واجعل صلاتنا عليه مفتاحا ) ، طلب المصلِّي من الله تعالى أن تكون صلاته عليه صلّى الله عليه وسلّم مفتاحا لما انغلق من أبواب الغيوب والمعارف والأنوار والأسرار لمّا كان صلّى الله عليه وسلّم هو المفتاح في هذا الميدان كانت الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم جديرة بهذا عند الله تعالى ، فمن انعزل عنها وانقطع من جميع السالكين فليس له في القرب من الله نصيب وانقطع وطرد .
قوله : ( وافتح لنا بها يا ربّ حجاب الإقبال ) ، طلب المصلِّي من الله تعالى ههنا، أن يفتح الله له حجاب الإقبال بسبب صلاته على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وفتْح حجاب الإقبال هو إقبال العبد على الله تعالى والدأب على خدمته وعبادته دائما في العموم للعموم وفي الخلوص لمواطن قربه ومحلّ اصطفائه واجتبائه والغرق في بحار جمع الجمع خصوصا للخصوص ، فهذا هو إقبال العبد على الله تعالى . وأمّا إقبال الله على عبده الذي طلبه المصلّي فهو إقباله عليه بفضله ورحمته عموما في الدارين ، وإقباله عليه واصطفائه واجتبائه وعنايته بإغراقه له في بحار جمع الجمع خصوصا ، فهذا هو الإقبال الذي طلبه المصلّي من الله تعالى . والحجب التي طلب المصلّي من الله فتْحَها هي الأمور التي جعلها الله حائلة بين العبد وبين ربّه عن شهود قربه واصطفائه واجتبائه وعن وصول فضله ورحمته إليه ، فإذا زالت تلك الحجب جذب الربّ عبده إليه بما شاء بجواذب رحمته وفضله عموما ، وجواذب اصطفائه واجتبائه وعنايته خصوصا .
قوله : ( وتقبّل منّي ببركات حبيبي وحبيب عبادك المؤمنين ما أنا أؤدّيه من الأوراد والأذكار والمحبّة والتعظيم لذاتك لله لله لله ) ، طلب المصلِّي هنا من الله ببركات حبيبه وحبيب عباده المؤمنين أن يتقبّل منه جميع ما يؤدّيه من الأوراد والأذكار ، والأوراد شاملة لجميع العبادات من كلّ ما يسبّح له في أجزاء ليله ونهاره ، والأذكار معلومة بداية ونهاية وقد سبق التنبيه عليها . قوله : ( والمحبّة والتعظيم ) ، إعلم أنّ المحبّة والتعظيم هنا هي من أعمال القلب ليس للبدن فيها حظّ ، والذكر بدايته من أعمال البدن ونهايته من أعمال القلب ، وأعمال القلب بالنسبة إلى عمل البدن فإنّه لو عمل البدن مستغرقا في العبادات أيّاما متعدّدة ما لَحِقَ واحدة من أعمال القلب ، لأنّ عمل القلب هو الذي عليه المدار وعمل البدن تابع له ، وكلّ عمل خلا من عمل القلب هو قليل الجدوى ضعيف الفائدة . قوله : ( لذاته لله لله لله ) ، طلب المصلّي هنا أن تكون أعماله لله محضا لا لِحَظٍّ عاجلٍ ولا آجلٍ ، هذا هو أعلى درجات الأعمال لِما ورد في بعض الكتب المنزّلة بقوله سبحانه وتعالى فيها : ( إنّ أود الأوداء من عبدني لغير نوال ) لكن ليعطي الربوبيّة حقّها ، وكرّر اسم الجلالة ثلاثا للتأكيد والحثّ عليها بلوغا إلى مرتبة الإخلاص وهو العمل لله . قوله : ( آه ) ، هي كلمة شكاية واستغاثة ، والشكاية هي شكوى من عوائق بشريّته التي حالت بينه وبين مواطن القرب حتّى لم يستطع الوصول إليها من كثرة العوائق . وأمّا الاستغاثة فهي استغاثته بالله تعالى أن يفيض عليه من فيوض عنايته ما يخلّصه من الأسر في أيدي تلك العوائق ليصل إلى مواطن القرب التي كانت موطنا لروحه قبل تركيبها في الجسم . قال بعض الصوفيّة ، مشيرا إلى النفس والهوى بما ذكر من جَبَلَيّ نعمان ، ونعمان موطن معروف في اليمن ، لمّا ضاق حاله ممّا حال بينه وبين مواطن القرب من جَبَلَيّ النفس والهوى مستغيثا منهما ، قال :
أيـا جبلـيّ نعمان بالله  خليـا     نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها
فإنّ الصبا ريح إذا ما  تنسّمـت     على قلب محزون تجلت همومها
أذق بردها أو تشف منّي حرارة     على  كبدي لم يبق إلاّ طميمهـا
فهذا هو التشكّي والاستغاثة .
قوله : ( آمين ) ، معناه أجب يا ربّ ، وهي كالطابع على الدعاء تؤذن بالإجابة فيه .
قوله : ( هو هو هو آمين ) ، ثمّ رجع بعد الاستغاثة إلى بيان المطلوب الذي يطلبه ، قال : ( هو الخ ) ، يعني أريد منك الوصول محلّ التَوَلُّه في الله تعالى حبّا وإجلالا ، وهو قبل الغرق في بحار جمع الجمع . والتولّهُ في الله تعالى هو الاستهلاك في حبّه ، فلا يعلم قربه من بعده ولا يومه من أمسه ، ولا يعلم كمّا ولا كيفا ولا رسما لغلبة الهويّة الساريّة في جمع الوجود عليه فما يقدر أن ينطق باسمه هيبة وإجلالا . قال بعض الرجال : لقيتُ بعض المولّهين فقلت : السلام عليكم ، فقال : هو ، فقلت : ما اسمك ؟ قال : هو ، فقلت : مِن أين أقبلتَ ؟ قال : هو . فكلّما سألتُه عن شيء قال : هو . فقلت له : لعلّك تريد الله ؟ فسقط إلى الأرض واضطرب كالمذبوح ومات ، رحمة الله عليه . قال بعض الأكابر في هذا الميدان :
أشتاقـه فإذا  بـدا     أطرقت من إجلاله
لا خيفة بل  هيبـة     وصيانة  لجمالـه
وأصد عنه تجلّـدا     وأروم طيف خياله
فالموت في  إدباره     والعيش في إقباله
قال الشيخ عبد القادر رضي الله عنه ، وقد سئل عن المحبّة ، فقال : المحبّة هو تشويش يقع في القلب فتصير عليه الدنيا كحلقة خاتم أو مجمع مأتم ، وأمّا الحبّ فهو العمى عن المحبوب هيبة له ، والعمى عن غير المحبوب غيرة عليه ، فهو عمى كلّه ، فما يقدر أن يفوه باسمه، ولا أن يصرف عنه لبّه . أهـ . قوله : ( آمين ) ، ختم الصلاة عليه بالصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم وختمها بقوله آمين ، معناه صلِّ عليه يا ربّ كما تحبّ وترضى ، وكما يحبّ ويرضى ، والحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين . اهـ . ما أملاه علينا سيّدنا رضي الله عنه في شرح هذه الصلاة من حِفْظِهِ ولفظه من أوّله إلى آخره بتاريخ عشيّة يوم الأربعاء الآخر من شعبان سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما .


<< الصفحة الثانية     الصفحة الرابعة >>

<< عودة إلى فهرس الباب السادس