نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب السادس - مقصد - الصفحة الرابعة :
الرّئيسيـة > مكتبة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب السادس > مقصد > الصفحة الرابعة


المقصد : في الصلوات التي وردت فيه من فيض فضله الشريف صلّى الله عليه وسلّم ـ الصفحة الرابعة

شرح الصلاة المسماة بجوهرة الكمال ، ونصّه :
بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وسلّم . الحمد لله الذي فتق من كنه الغيب رتْق الكائنات ، وجعل أصلها ونشأتها نور حقيقة سيّدنا محمّد فكان أصل الموجودات فأوجد منها بقدرته القدسيّة وكلمته الأزليّة فطرة آدم وجعل شكله صورة العالم وعلّمه الأسماء كلّها وجعله من جميع البريّة خلاصتها وصفوتها ، وأخرج من عنصره الأرواح والذريّة والأشباح ، واختار منها صفوة الأنبياء والرسل والأولياء بالرسالة والولاية والحماية والعناية ، وخاطبهم بخطابه الأزليّ الأبديّ ، وكلّمهم بكلامه الإحاطيّ السرمديّ ليدعو به عباده إلى خدمته وشوّقهم فيه إلى قربه ومشاهدته ، واختار من بينهم في الأزل روح المصطفى وأكرمه بالمقام المحمود والدرجات العلى وكمال الاصطفاء ، وخاطبه بأشرف كلامه وأكرم فرقانه الذي هو مكنون أسرار ذاته وألوان أسمائه وصفاته وعجائب علومه الغيبيّة وغرائب آياته الأزليّة ، وأرسله إلى كافّة البريّة ليهديهم به إلى الحقّ والحقيقة الحقّيّة ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله الأحد بذاته ، الواحد بأسمائه وصفاته ، المتجلّي بهوّيّة حقيقته الحقّيّة في مجالي ذوات البريّة ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله الذي حلاّه بأوصافه وعَمَّهُ بألطافه وكشف له عن أستاره وأعلمه بأسراره وظهر على قلبه بالكمال وعلى جوارحه بصفات الجلال والجمال صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكمّل . أما بعد : فإنّ سيّدنا ووسيلتنا إلى الله ، عنصر العرفان وأعجوبة الزمان ، وحيد دهره وإمام وقته ، مَن انتفع به البعيد والداني ، شيخنا أبو العباس التجاني ، سقانا الله من بحره بأعظم الأواني ، وجعلنا في جواره بدار التهاني ، وضع رضي الله عنه تقييدا مفيدا على الصلاة المُسمّاة بجوهرة الكمال في مدح سيّد الرجال ، أبدع فيه وأجاد وبلغ فيه غاية المراد وأفصح عن الحقائق وأجاد ، وسمّيتُه بالفيوضات الرحمانيّة في شرح عين الرحمة الربّانيّة .
مقدّمة : إعلم أنّ هذه الصلاة ، المُسمّاة بجوهرة الكمال في مدح سيّد الرجال ، هي من إملاء سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على شيخنا القطب الربّانيّ مولانا أبي العباس التجاني ، وذكر لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خواصّ ، منها أنّ المرّة الواحدة تعدل تسبيح العالم ثلاث مرّات ، ومنها أنّ من قرأها سبعا فأكثر يحضره روح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والخلفاء الأربعة ما دام يذكرها ، ومنها أنّ من لازمها أزيد من سبع مرّات يحبّه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم محبّة خاصّة ولا يموت حتّى يكون من الأولياء . وقال الشيخ رضي الله عنه : من دوام عليها سبعا عند النوم على طهارة كاملة وفراش طاهر يرى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم .
وهذا أوان الشروع في معانيها . فقال رضي الله عنه :
قوله : ( اللهمّ صلّ وسلّم على عين الرحمة الربّانيّة ) ، إعلم أنّ الحقّ سبحانه وتعالى اقتطع قطعة من النور الإلهيّ في غاية الصفاء والتجوهر ثمّ أبطن في تلك القطعة ما شاء أن يقسمه لخلقه من العلم بصفات الله وأسمائه وكمالات ألوهيّته وبأحوال الكون وأسراره ومنافعه ومضارّه وبالأحكام الإلهيّة أمرا ونهيا وجعل تلك القطعة من النور مقرّا لانصباب كلّ ما قسمه لخلقه في سابق علمه من الرحمة الإلهيّة ، ثمّ صار يفيض على خلقه ما أقرّه في الحقيقة المحمّديّة من العلم والرحمة . فكان بهذه المثابة هو عين الرحمة صلّى الله عليه وسلّم ، وكان ذلك النور ، وهو الحقيقة المحمّديّة ، وتلك الرحمة المفاضة في ذاته هي التي يفيضها على الوجود من ذاته الكريمة ، فلا يصل شيء من الرحمة إلى الوجود إلاّ من ذاته صلّى الله عليه وسلّم ، فذاته الكريمة بمنزلة المقرّ للمياه التي تجتمع فيه وتتفرّق من ذلك المقرّ سَوَاقٍ للسقي والانتفاع ، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم : « إنّما أنا قاسم والله معط » ، أيّ ينظر إلى ما سبق في العلم الأزليّ من الاقتطاع ثمّ يفرّق صلّى الله عليه وسلّم تلك الرحمة على حسب ذلك الاقتطاع ، فلهذا سُمِّي عين الرحمة صلّى الله عليه وسلّم . وأيضا لنسبة أخرى في عين الرحمة ، يعني أنّه الأنموذج الجامع في إفاضة الوجود على جميع الوجود ، فإنّه لولا وجوده صلّى الله عليه وسلّم ما كان وجود لموجود أصلا من غير الحقّ سبحانه وتعالى ، فإنّ وجود كلّ موجود من ذوات الوجود متوقّف على سبقيّة وجوده صلّى الله عليه وسلّم لذلك الوجود ، فإنّه لولا هو صلّى الله عليه وسلّم ما خُلِق شيء من الأكوان ولا رُحم شيء منها لا بالوجود ولا بإفاضة الرحمة . ولا يقال إنّ هذا تعجيز للحقّ سبحانه وتعالى بأنّه لا يقدر أن يخلق شيئا إلاّ به صلّى الله عليه وسلّم ، فليس هذا الوهم هو المراد في هذا الكلام كما يظنّه بعض من لا علم عندهم ، بل تحقيق ما قلناه أنّ الله سبحانه وتعالى لو سبق في علمه نفوذ مشيئته أنْ لا يخلق محمّدا صلّى الله عليه وسلّم لسبق في علمه ونفوذ مشيئته أنْ لا يخلق شيئا من المخلوقات . فمِن هذه الحيثيّة أنّ وجود كلّ موجود من الأكوان يتوقّف على سبقيّة وجوده صلّى الله عليه وسلّم لذلك الوجود ، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم كُلِّيّة مراد الحقّ وغايته من الوجود ، فإنّه ما خلق الكون إلاّ من أجله صلّى الله عليه وسلّم ولا أفاض الرحمة على الوجود إلاّ بالتبعيّة له صلّى الله عليه وسلّم . فوجود الأكوان كلّها مناط بوجوده صلّى الله عليه وسلّم وجودا وإفاضة ، فإنّه هو صلّى الله عليه وسلّم ما خلقه إلاّ من أجل ذاته العليّة المعظّمة المقدّسة ، فإنّه ما خلقه من أجل شيء دون الحقّ حتّى يكون علّة له ويتوقّف وجوده على وجوده ، بمعنى أنّ يكون وسيلة بينه وبين الحقّ ، فإنّه لا واسطة بينه وبين الحقّ لكونه مراد الحقّ لذاته ، والأكوان كلّها مرادة لأجله صلّى الله عليه وسلّم معلّلة بوجوده . فإفاضة الوجود على جميع وجود الأكوان مفاضة من ذاته الكريمة صلّى الله عليه وسلّم ، وإفاضة الرحمة على الجميع مفاض من ذاته الكريمة صلّى الله عليه وسلّم ، فبان لك أنّ الفيض من ذاته ينقسم إلى رحمتين ، الرحمة الأولى إفاضة الوجود على جميع الأكوان ثمّ خرجت من العدم إلى الوجود ، والرحمة الثانية إفاضة فيض الرحمات الإلهيّة على جميعها من جملة الأرزاق والمنافع والمواهب والمنح ، فإنّه بذلك يدوم تمتّعها بالوجود . فإذا علمتَ هذا علمتَ أنّه صلّى الله عليه وسلّم عين الرحمة الربّانيّة لأنّه رحم جميع الوجود بوجوده صلّى الله عليه وسلّم ، ومن فيض جوده أيضا رحم جميع الوجود ، فلذا قيل فيه أنّه عين الرحمة الربّانيّة صلّى الله عليه وسلّم ، وعلى هذا أنّ جميع الوجود كلّه نشأ عن الرحمة الربّانيّة ، وهو المراد بقوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، وقوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، لأنّ أصله صلّى الله عليه وسلّم رحمة . ولا يلزم من شمول الرحمة عدم وقوع العذاب والوعيد والغضب ، لأنّ تلك مقتضيات الكمالات الإلهيّة ، فإنّ الكريم ، وإنْ عظم كرمه ، لولا بطشه وغضبه وعقابه ما خيف جانبه ، ولو أمن منه هذا الحال لاحتقر جانبه ، وليست هذه صفة الكرم ولا ينبغي له هذا . فتبيّن لك أنّ صفة الكرم والغضب والبطش والعذاب ليكون جانبه معظّما مخافا مهابا كما كان جانبه مرجوّا لعفوه ورحمته . اهـ . قوله : ( الربّانيّة ) ، يعني أنّه أضيفت الرحمة للحضرة الربّانيّة لأنّها منها نشأت الموجودات فلذا أضيف الرحمة إليها ، وأمّا حضرة الألوهيّة فإنّها أصل عبادة الموجودات ، فالإله هو المعبود بالحقّ الذي توجّه إليه كلّ ما عداه بالخضوع والتذلّل والعبادة والمحبّة والتعظيم والإجلال ، وحضرة الألوهيّة هي الشاملة لجميع الأسماء والصفات والحضرات الإلهيّة ، والربّ هو العليّ عن كلّ ما سواه ومعناه ، إنّه المالك والمتصرّف والخالق والقاهر والنافذ حكمه ومشيئته وكلمته في كلّ ما سواه .
قوله : ( والياقوتة المتحقّقة ) ، هو من التشبيه البليغ ، وشبّه بالياقوتة لكونها غاية ما يدرك الناس في الصفاء والشرف والعلوّ إذْ هو غاية الجواهر الصافية العالية الشريفة ، فلذا استعير له اسم الياقوت وإنْ كان هو أشرف من الياقوت وأصفى وأعلى صلّى الله عليه وسلّم ، على حدّ قوله تعالى : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الآية . قوله : ( المتحقّقة ) ، يعني بجميع الصفات والأسماء الإلهيّة التي يتوقّف عليها وجود الكون ، وبقي وراءها من الأسماء والصفات ما لا توقّف لوجود الكون عليه .
قوله : ( الحائطة بمركز الفهوم والمعاني ) ، يعني الفهوم التي قسمها الحقّ سبحانه وتعالى لخلقه في إدراك معاني كلامه في جميع كتبه ، وفي إدراك معاني الأحكام الإلهيّة ، وفي إدراك معاني أسمائه وصفاته ومعارفه ، إذا جمعت تلك الفهوم المقسومة كلّها جمعا واحدا وصارت مركزا كان هو صلّى الله عليه وسلّم دائرة محيطة بها ، بمعنى أنّه محيط بجميعها ما شذّ عليه منها شيء صلّى الله عليه وسلّم .
قوله : ( ونور الأكوان المتكوّنة الآدميّ ) ، معناه الأكوان التي تتكوّن شيئا بعد شيء ويقابلها ما بقي في طيّ العدم ، فإنّ الأشياء المقدّرة في العلم الأزليّ منقسمة قسمين ، قسم منها أعيان ثابتة ، وهي التي سبق في علمه أنّها تخرج من العدم إلى الوجود ، وقسم منها أعيان عدميّة ، وهي التي سبق في علمه أنّها لا تخرج إلى الوجود وتبقى في طيّ العدم ، فإنّه عَلِمَها أنْ لو خرجتْ إلى الوجود على أيّ حالة تكون وبأيّ أمر تتكوّن وفي أيّ مكان وزمان تقع وماذا ينصبّ عليها من الأحكام الإلهيّة ضرّا ونفعا ، فإنّه مُحيط بجميعها علما ، وهو صلّى الله عليه وسلّم نورها .
قوله : ( صاحب الحقّ الربّاني ) ، الحقّ الربّاني هو ما قرّره سبحانه وتعالى في شرعه الذي حكم به على خلقه أمرا ونهيا وكيفية وابتداء وغاية ، فهو صاحبه صلّى الله عليه وسلّم المقرّر له والناهي عنه والمنفّذ له .
قوله : ( البرق الأسطع بمزون الأرباح ) ، يعني لمّا كان البرق ملازما لمزن الأمطار استعير هنا لانصباب الرحمة الإلهيّة على الخلق ، واستعير أيضا إسم البرق للحقيقة المحمّديّة لملازمتها لها كملازمة البرق للأمطار . ومزون الأرباح هي الرحمة الفائضة من حضرة الحقّ على خلقه ، ويعني بها ههنا فيوض العلوم والمعارف والأسرار والتجلّيّات والأنوار ودقائق الحكم وما ينتهي إلى ساحله وغايته من المنح والمواهب وصفاء الأحوال والصفات القدسيّة المخزونة المنصبّة على قلوب العارفين والأقطاب .
قوله : ( المالئة لكلّ متعرّض من البحور والأواني ) ، معنى التعرّض ههنا هو تارة بالتوجّه إلى الله تعالى والتهيّء والاستعداد ، وتارة بالاقتطاع الإلهيّ . والبحور ههنا عبارة عن قلوب أكابر العارفين ، والأواني هي قلوب الأولياء .
قوله : ( ونورك اللامع الذي ملأت به كونك الحائط بأمكنة المكان ) ، يعني أنّ الكون الحائط هو الأمر الإلهيّ والذي أقام الله فيه ظواهر الوجود ، فذلك الأمر مملوء به صلّى الله عليه وسلّم ، وهو المعبّر عنه بالكون والمكان .
قوله : ( اللهمّ صلّ وسلّم على عين الحقّ ) ، إعلم أنّ عين الحقّ له إطلاقان ، الأوّل : الحقّ من حيث الذات ، والثاني : إطلاق صفة الذات . فإطلاق الحقّ من حيث الذات لأنّ الحقّ يقابله الباطل من كلّ وجه ، فالحقّ المحض هو الذات العليّة المقدّسة وما عداها كلّه باطل ، وإلى هذا الاشارة بقول الشاعر لبيد ، الذي شهد له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالصدق والتحقيق :
ألا كـلّ شـيء ما خـلا الله باطـل
وهذا لا يطلق عليه صلّى الله عليه وسلّم إذْ هذا الاطلاق عين الذات المقدّسة لا يطلق على غيرها أصلا . والاطلاق الثاني هو العدل الذي هو من صفة الحقّ سبحانه وتعالى القائم بصورة العلم الأزليّ والمشيئة الإلهيّة والقدرة الربّانيّة والحكم الإلهيّ الأزليّ النافذ في كلّ شيء ، وهذا العدل المذكور هو الساري في آثار جميع الأسماء والصفات الإلهيّة ، ومجموع هذا العدل كلاّ وبعضا هو مجموع في الحقيقة المحمّديّة ، فلذا أطلق عليها عين الحقّ من هذا الاعتبار ، فكلّها حقّ لا تنحرف عن ميزان العدل الإلهيّ الذي هو عين الحقّ في الاطلاق الثاني .
وقوله : ( الذي تتجلّى منها عروش الحقائق ) ، التجلّي هو الظهور ، وعروش الحقائق استعارة بديعية . إعلم أنّه لمّا كانت كلّ حقيقة منطويّة على ما لا غاية له من العلوم والمعارف والأسرار والمواهب والفيوض أطلق عليها عروش من هذا الميدان لأنّ العرش محيط بما في جوفه من جميع المخلوقات . وأيضا أنّ العرش هو غاية الرفعة والعلوّ والشرف من المخلوقات في علم الخلق وكانت الحقائق في غاية العلوّ والرفعة والشرف لأنّها برزت من حضرة الحقّ الذي لا غاية لعلوّه وشرفه ولا علوّ وراءه ، فهو غاية الغايات في العلوّ والرفعة والشرف وكانت الحقائق البارزة من حضرته سبحانه وتعالى مكسوّة بهذه الصفة العليّة من العلوّ والشرف والجلال أطلاق عليها اسم العرش من هذا الباب ، فكلّ حقيقة هي عرش .
قوله : ( عين المعارف ) ، يعني أنّه لمّا كانت المعارف الإلهيّة المفاضة على الخاصّة العليا من النبيّين والمرسلين ، والأقطاب والصدّيقين والأولياء ، كلّها فائضة من الحقيقة المحمّديّة وليس شيء منها ، أعني من المعارف ، يفاض من حضرة الحقّ خارجا عن الحقيقة المحمّديّة فلا شيء مفاض من المعارف إلاّ وهو بارز من الحقيقة المحمّديّة ، فهو صلّى الله عليه وسلّم خزانتها وينبوعها ، فَلِذَا أطلق عليه عين المعارف من هذا الاعتبار . اهـ .
قوله : ( الأقوم ) ، يعني أنّه جَارٍ في مجاري العدل الإلهيّ لا يعوجّ بوجهٍ ولا يخرج عن الجادّة المستقيمة في العدل . وله معنيان أيضا . المعنى الأوّل : الاستقامة ، وهو المعتدل في التقويم بلا اعوجاج ، وهو معنى الأسقم . والمعنى الثاني : هو صيغة التفضيل من كمال إقامته لأمر الله تعالى وتوفيته بالقيام بحقوق الحقّ سبحانه وتعالى ، وهذا المعنى الملحوظ في تسميته صلّى الله عليه وسلّم أحمد ، فهو صلّى الله عليه وسلّم أكمل الخلق قياما بآداب الحضرة الإلهيّة علما وعملا وحالا وذوقا ومنازلة وتخلّقا وتحقّقا وتعلّقا ، فهو أكمل مَن حمد الله تعالى من خلقه من جميع الجهات . اهـ .
قوله : ( صراطك التامّ ) ، أستعير له صلّى الله عليه وسلّم إسم الصراط لكونه صراطا بين يدي الحقّ لا عبور لأحد إلى حضرة الحقّ إلاّ عليه صلّى الله عليه وسلّم . فمن خرج عنه انقطع عن حضرة الحقّ وانفصل ، فهو مشبّه بالصراط الذي يكون عليه عبور الناس في المحشر إلى الجنّة ، لا مطمع لأحد من الخلق في الوصول إلى الجنّة من أرض القيامة إلاّ على الصراط الذي عليه العبور ، فمن رام الوصول إلى الجنّة من أرض القيامة على غير الصراط المعلوم للعبور انقطع عن الجنّة وانفصل ولا مطمع له في الوصول إليها ، كذلك هو صلّى الله عليه وسلّم هو الصراط المستقيم بين يدي الحقّ لا مطمع لأحد في الوصول إلى حضرة الحقّ إلاّ بالعبور عليه صلّى الله عليه وسلّم ، ومن رامها بغير العبور عليه صلّى الله عليه وسلّم انقطع وانفصل وطرد ولعن ، ولهذا الإشارة بقول الشيخ الأكبر رضي الله عنه في صلاته : إذ هو بابك الذي من لم يقصدك منه سدّت عليه الطرق والأبواب ويردّ بعد الآداب إلى إصطبل الدواب .
قوله : ( الأسقم ) ، بمعنى الكامل في الاستقامة بلا اعوجاج .
قوله : ( اللهمّ صلّ وسلّم على طلعة الحقّ بالحقّ ) ، إعلم أنّ طلعة الحقّ بالحقّ له معنيان : الأوّل فيه طلعة الحقّ له صلّى الله عليه وسلّم من الذات العليّة المقدّسة بالحقّ ، وهي الذات أيضا ، فإنّ الذات العليّة تجلّت له بذاتها لا شيء دونها ، فكان صلّى الله عليه وسلّم له تجلّت الذات بالذات وطلوعها عنها لا عن شيء دونها ، فإنّ السبب الذي طلعت به هو الذات العليّة للحقيقة المحمّديّة ، وتجلّيها لها كان عن الذات العليّة المقدّسة المنزّهة لا عن غيرها ، فهذا معنى طلعة الحقّ بالحقّ . والمعنى الثاني : طلعة الحقّ ، وهي طوالع الأسماء والصفات الإلهيّة التي مجموعها هو عين الحقّ الكلّيّ بجميع ما تفرّع عنها من الأحكام الإلهيّة والمقادير الربّانيّة واللوازم والمقتضيات الملازمة لتلك الصفات والأسماء ، فمجموعها هو عين الحقّ الكلّيّ ، فكان صلّى الله عليه وسلّم بحقيقته المحمّديّة مطلعا لها جامعا لحقائقها وأحكامها ومقتضياتها ولوازمها ، فكان طلوعها في حقيقته المحمّديّة عن مادّة أسرار الصفات والأسماء الإلهيّة الذي هو السبب المعبّر عنه بالباء ، فكان طلوعها فيه صلّى الله عليه وسلّم بسبب أسرارها وأنوارها ، فكلّها حقّ ، فهو معنى طلعة الحقّ بالحقّ . ولمّا تمّ قيامه صلّى الله عليه وسلّم في هذا الميدان بحقوق التَجَلِّيَيْن المذكوريْن وتوفيّته بوظائف خدمتها وآدابها جملة وتفصيلا ، وتكميله لمقابلتها بعبوديّته الكاملة ، عبّر عن هذا الإطلاق في الصلاة البكريّة بقوله : عبدك من حيث أنت كما هو عبدك من حيث كافّة أسمائك وصفاتك . اهـ .
قوله : ( الكنز الأعظم ) ، يعني الذي هو جامع لجميع الأسرار والعلوم والمعارف والفتوحات والفيوض والتجلّيات الذاتيّة والصفاتيّة والأسمائيّة والفعليّة والصوريّة . فلمّا كملت فيه صلّى الله عليه وسلّم هذه الجمعيّة كان هو الكنز الأعظم ، إذ بسبب ذلك تستفاد منه جميع المطالب والمنح والفيوض الدينيّة والدنياويّة والأخرويّة من العلوم والمعارف والأسرار والأنوار والأعمال والأحوال والمشاهدات والتوحيد واليقين والإيمان وآداب الحضرة الإلهيّة إذ هو المفيض لجميعها على جميع الوجود جملة وتفصيلا فردا فردا من غير شذوذ ، إذ من فائدة الكنز تحصيل المطالب والمنافع منه صلّى الله عليه وسلّم .
قوله : ( إفاضتك منك إليك ) ، إعلم أنّه لمّا تعلّقت إرادة الحقّ بإيجاد خلقه برزت الحقيقة المحمّديّة وذلك عندما تجلّى بنفسه لنفسه من سماء الأوصاف ، وسأل ذاته بذاته موارد الألطاف ، فتلقّى ذلك السؤال منه بالقبول والإسعاف ، فأوجد الحقيقة المحمّديّة من حضرة علمه فكانت عيونا وأنهارا ، ثمّ سلخ العالم منها واقتطعه كلّه تفصيلا على تلك الصورة الآدميّة الإنسانيّة ، فإنّها كانت ثوبا على تلك الحقيقة المحمّديّة النورانيّة شبه الماء والهواء في حكم الرقّة والصفاء ، فتشكّل الثوب شكل الصورة النورانيّة ، فكان محمّد صلوات الله عليه مجمع الكلّ وبرهان الصفات ومبدأ الإعلان ، وكان آدم عليه والسلام نسخة منه على التمام ، وكانت نسخة الذريّة من آدم عليه السلام ، وكان العالم برمّته ، علويّه وسفليّه ، نسخة من آدم ، فَتَحَقَّقْ هذا النسخ تَعِشْ سعيدا . غير أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من كتابي محمّد وآدم على الكمال ، والعارفون الوارثون نسخة من آدم وظاهر سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، وأمّا أهل الشمال فنسخة من طينة آدم لا غير ، وأما التناسل إلى أن جاء زمانه عليه والصلاة والسلام فصيّر العالم في قبضته ومخضة جسم محمّد صلّى الله عليه وسلّم زبدة مخضته كما كانت حقيقة أصل نشأته ، فله الفضل بالإحاطة إذ كانت البداءة والختم به ، فقد حصلت في علمك نشأة أوّل كلّ موجود وأين مرتبته من الوجود ومنزلته من الجود . والحاصل أنّ سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم هو أوّل الموجودات وأصلها ، ببركاته وجدت وبه استمدّت .
قوله : ( إحاطة النور المطلسم ) ، يعني أنّ النور المطلسم هو سرّ الألوهيّة المكتم ، وكان هذا السرّ قسمه الحقّ سبحانه وتعالى بحكم المشيئة الربّانيّة قسمين ، قسم منه استبدّ بعلمه لا يطلع عليه غيره ، وقسم اختار أن يطلع عليه غيره من خلقه من ذوي الاختصاص ، وكان مقسوما بينهم بالمشيئة الأزليّة لكلّ واحد منهم ما قدّر له من سرّ الألوهيّة ، وكان ذلك المقسوم لخلقه أن يطلعوا عليه كلّه أحاط به صلّى الله عليه وسلّم علما وذوقا ، واجتمع في ذاته الكريمة في حقيقته المحمّديّة ، وتفرّق في الخلق . وبعبارة النور المطلسم هي الكمالات الإلهيّة التي سبق في سابق علمه أن يكشفها لخلقه ويطلعهم عليها جملة وتفصيلا لكلّ فرد من الوجود ما يناسبه وما يختصّ به من أوّل ظهور العالم إلى الأبد ، وكان ذلك النور المذكور مطلسما في حجاب الغيب ، معناه أنّ عليه حجبا عظيمة ليس لأحد الوصول إلى الاطّلاع عليه أو على شيء منه ، فأشهده الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم دفعة واحدة وأطلعه عليه في حقيقته المحمّديّة من غير شذوذ . فالإحاطة المذكورة والنور هي طوالع الكمالات الإلهيّة ، والطلاسم المضروبة عليها هي الحجب المانعة من الوصول إلى معرفة حقائقها .
قوله : ( صلّى الله عليه وعلى آله ) ، إعلم أنّ الصلاة في حقّ الله تعالى على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم وصف قائم بذاته على الحدّ اللائق الذي يليق بعظمته وجلاله هو أمر فوق ما يدرك ويعقل ، فإنّ الوصف الوارد في حقّ كلّ موجود ، وإن اشترك في اللفظ والاسم ، فالحقيقة مباينة في حقّ الموجودات . فالصلاة في حقّنا عليه صلّى الله عليه وسلّم هي الألفاظ البارزة من ألسنتنا بالدعاء والتضرّع إلى الله تعالى فيما ينبئ عن تعظيم نبيّه صلّى الله عليه وسلّم منّا ، وليست كذلك صلاته سبحانه وتعالى على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ، فهو فوق ما يدرك ويعقل ، فلا تفسّر بشيء ، بل نقول يصلّي على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ولا تكيّف صلاته . ألا ترى أنّ السجود في حقّ الموجودات لله تعالى ، فكلّها ساجدة لله ، وليس السجود المعهود في حقّ الآدميّ لله تعالى يماثل سجود الجمادات والحيوانات والأشجار فردا فردا ، فإنّ لكلّ واحد من تلك الأفراد سجودا يليق بحاله ، فإنّ السجود في حقّ جميعها مماثل في الاسم والإطلاق والحقيقة متفرّقة في جميعها ، وسجود كلّ واحد غير سجود الآخر . وأمّا صلاة الملائكة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فتعقّلها في حقّهم كتعقّلها في حقّنا . اهـ .
قوله : ( صلاة تعرّفنا بها إيّاه ) ، يعني أنّ المصلّي طلب من الله تعالى أن يعرّفه إيّاه مراتب بطونه صلّى الله عليه وسلّم إمّا بالوصول إلى معرفة روحه أو حقيقة عقله أو قلبه أو نفسه . فأمّا حقيقة مقام روحه فلا يصل إليها إلاّ الأكابر من النبيّين والمرسلين والأقطاب ومَن ضاهاهم من الأفراد . ومن العارفين من يصل إلى مقام عقله صلّى الله عليه وسلّم فتكون معارفه وعلومه بحسب ذلك إذ ليس مقام العقل وعلومه كمعارف مقام الروح وعلومه . ومن العارفين من يصل إلى مقام قلبه صلّى الله عليه وسلّم فتكون معارفه وعلومه بحسب ذلك وهي دون مقام العقل في المعارف والعلوم . ومن العارفين من يصل إلى مقام نفسه صلّى الله عليه وسلّم فتكون معارفه وعلومه بحسب ذلك وهي دون مقام القلب . وأمّا مقام سرّه صلّى الله عليه وسلّم فلا مطمع لأحد في دركه لا مَن عظم شأنه ولا من صغر . والفرق بين مقام سرّه وروحه وعقله وقلبه ونفسه ، فأمّا مقام سرّه صلّى الله عليه وسلّم فهي الحقيقة المحمّديّة التي هي محض النور الإلهي التي عجزت العقول والإدراكات من كلّ مخلوق من الخاصّة العليا عن إدراكها وفهمها ، هذا معنى سرّه صلّى الله عليه و سلّم . ثمّ ألبست هذه الحقيقة المحمّديّة لباسا من الأنوار الإلهيّة واحتجبت بها عن الوجود فسمّيت روحا ، ثمّ تنزّلت بألباس أخرى من الأنوار الإلهيّة فكانت بسبب ذلك تسمّى عقلا ، ثمّ تنزّلت بألباس من الأنوار الإلهيّة أخرى واحتجبت بها فسمّيت بذلك قلبا ، ثمّ تنزّلت بألباس من الأنوار الإلهيّة واحتجبت بها فكانت بسبب ذلك نفسا .
تنبيه شريف : إعلم أنّه لمّا خلق الله الحقيقة المحمّديّة أودع فيها سبحانه وتعالى جميع ما قسمه لخلقه من فيوض العلوم والمعارف والأسرار والتجلّيات والأنوار والحقائق بجميع أحكامها ومقتضياتها ولوازمها ، ثمّ هو صلّى الله عليه وسلّم الآن يترقّى في شهود الكمالات الإلهيّة ممّا لا مطمع فيه لغيره ، ولا تنقضي تلك الكمالات بطول أبد الآباد .
خاتمة : ورد في الحديث الشريف أنّه لمّا نزل عليه قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الآية ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « إنّ الله أغناني عن صلاتكم » ، ثمّ قال بعدها ، إمّا في هذا الحديث أو في حديث غيره ، « أنّ جبريل أخبره صلّى الله عليه وسلّم عن الله تعالى أنّ الله عزّ وجلّ يقول له من صلّى عليك صلّيت عليه » إن قال صلى الله عليه وسلم : « وحقّ لمن صلّى عليه أن لا يعذّبه بالنار » . ومن هذه الحيثيّة أنّ الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم في حقّ الفاسق أفضل له من تلاوة القرآن ، لأنّها شافعة له في إفاضة رضا الربّ ومحقها لذنوبه وإدخاله في زمرة أهل السعادة الأخرويّة ، ولا كذلك القرآن ، فإنّه ، وإن كان أفضل منها ، فإنّه محلّ القرب والحضرة الإلهيّة يحقّ لمن حلّ فيها أن لا يتجاسر بشيء من سوء الأدب ، ومن تجاسر فيها بسوء الأدب استحقّ من الله اللعن والطرد والغضب لأنّ حملة القرآن أهل الله فإنّهم يؤاخذون أكثر من غيرهم بأقلّ من مثاقيل الذرّ ، إلاّ أن تكون له من الله عناية سابقة بمحض الفضل فتكون له عاصمة من ذلك . فبان لك أنّ الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حقّ الفاسق أنفع له من تلاوة القرآن ، فإنّ القرآن مرتبته مرتبة النبوّة تقتضي الطاهرة والصفاء وتوفية الآداب المرضيّة والتخلّق بالأخلاق الروحانيّة ، فلذا يتضرّر العامّة بتلاوته لبعدهم عن ذلك . وأمّا الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم فليس فيها إلاّ التلفّظ بها باستصحاب تعظيم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بحالة تليق بتاليها من الطهارة الحسّيّة ثوبا وجسدا ومكانا وتلاوتها باللفظ المعهود في الشرع من غير لحن ، فإنّ الله سبحانه وتعالى ضمن لتاليها أن يصلّي عليه ، ومن صلّى الله عليه مرّة لا يعذّبه ، ولا وسيلة عند الله أعظم نفعا وأرجى في استجلاب رضا الربّ عن العبد في حقّ العامّة أكبر من الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإن تدافعت العلماء في القطع بقبولها ، فمِن قائل بأنّ قبولها قطعيّ ، ومن قائل بعدم القطع بقبولها كسائر الأعمال . والذي نقول ، أنّها مقبولة قطعا ، والحجّة لنا في ذلك أنّ الله تعالى يقول للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم : « من صلّى عليك صلّيت عليه ومن سلّم عليك سلّمت عليه » ، وهذا الوعد صادق لا يخلف ، وهو لا من حيث حيثيّة العبد بل من حيثيّة شدّة العناية منه سبحانه وتعالى بنبيّه صلّى الله عليه وسلّم وقيامه عنه سبحانه وتعالى بالمكافأة لمن صلّى عليه صلّى الله عليه وسلّم لا يترك صلاة العبد تذهب دون شيء ، وهو معنى قبول الصلاة من العبد وبالله التوفيق والهادي إلى سواء الطريق ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين ، والحمد لله ربّ العالمين . أهـ . ما أملاه علينا شيخنا وسيّدنا رضي الله عنه في شرح هذه الصلاة المباركة النبويّة من حفظه ولفظه ، من أوّله إلى آخره ، وذلك ببلد الصحراء بأبي سمغون ، وكتب أفقر العبيد إلى مولاه الغنيّ الحميد ، عليّ حرازم بن العربيّ برادة المغربيّ الفاسي ، كان الله له وليّا وبه حفيّا ، بتاريخ أوائل جمادى الثانية سنة ستّ ومائتي وألف . وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما ، والحمد لله أوّلا وآخرا وظاهرا وباطنا .

شرح الصلاة الغيبيّة في الحقيقة الأحمديّة .

فأقول وبالله التوفيق :
بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم . الحمد لله المحيط ، الأوّل الآخر الباطن الظاهر بأحديته مع جمع ذاته ، القائم بكماله على كلّ شيء لتجلّيه لذاته بذاته في ذاته على ذاته بجميع متضادّاته في أسمائه وسماته ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله الكافي بذاته في جميع مقتضياته الهوية السارية وليس إلاّ مظاهره البادية ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا سرّ ذاته وروح حياته ونور مرآته وقيّوم أسمائه وسماته وجامع جمع حضراته ، القائم بإحصاء أسمائه بآياته ، الأوّل في تعليقه لذاته ، الآخر على حيطة حكم معلوماته ، الباطن بفرط الظهور في مثلاته والظاهرة بما أحاط قيّومه بصفاته ، والصلاة والسلام منه على السيّد العبد الأكمل الفاتح الخاتم بعين ما هو الأوّل ، صلّى الله عليه وعلى آله كما لا نهاية لأسمائه وصفاته وكمالاته . وبعد ، فإنّ شيخنا وسيّدنا ومولانا ووسيلتنا إلى ربّنا الشيخ الإمام ، شيخ مشايخ الإسلام ، حجّة الصوفيّة ، قدوة أهل الخصوصيّة ، عالم الشريعة ، أستاذ الطريقة ، سلطان أهل الحقيقة ، إمام الطريقتين ومقدّم الفرقتين ، صاحب العلوم الجمّة ، ومعدن المعارف ، ولسان الحكمة ، قطب الزمان الحامل في وقته لواء أهل العرفان ، لسان القدس وترجمان الرحمن ، علَم المهتدين قدوة السالكين تاج العارفين إمام الصدّيقين إنسان عين الأستاذين الوارثين ، كهف الموقنين الوارثين ، أستاذ الأكابر والمتفرّد بزمانه بالمعارف السنيّة والمفاخر ، العالم بالله والدالّ على الله ، زمزم الأسرار ومعدن الأنوار ، الصدّيق الكبير القطب ، الغوث الجامع الوارث الربّانيّ الشريف النسب والأصيل الحسب ، أبي العبّاس التجانيّ ، سقانا الله من بحره بأعظم الأواني ، وضع رضي الله عنه تقييدا على الصلاة الغيبيّة في الحقيقة الأحمديّة ، فأجاد فيه وأفاد وبلغ غاية المراد . فقال رضي الله عنه : إعلم أنّ معنى الصلاة الغيبيّة أنّها برزت من الغيب ليست من إنشاء أحد ، وأمّا الحقيقة الأحمديّة فهي الأمر الذي سبق به صلّى الله عليه وسلّم في الحمد لله على كلّ حامد من الوجود ، فما حمد الله أحد في الوجود مثل ما حمده النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الوجود . ثمّ إنّها في نفسها ، أيّ الحقيقة الأحمديّة ، غيب من أعظم غيوب الله تعالى ، فلم يطّلع أحد على ما فيها من المعارف والعلوم والأسرار والفيوضات والتجلّيات والمنح والمواهب والأحوال العليّة والأخلاق الزكيّة ، فما ذاق منها أحد شيئا ولا جميع الرسل والنبيّين ، إختصّ بها صلّى الله عليه وسلّم وحده بمقامها ، وكلّ مدارك النبيّين والمرسلين وجميع الملائكة والمقرّبين وجميع الأقطاب والصدّيقين الأولياء والعارفين كلّ ما أدركوا على جمله وتفصيله إنّما هو من فيض حقيقته المحمّديّة ، وأمّا حقيقته الأحمديّة فلا مطمع لأحد بنيل ما فيها . فالحاصل أنّ له صلّى الله عليه وسلّم مقامين ، مقام حقيقته الأحمديّة ، وهو الأعلى ، ومقام حقيقته المحمّديّة وهو أدنى ، ولا أدنى فيه . وكلّ ما أدركه جميع الموجودات من العلوم والمعارف والفيوضات والتجلّيات والترقّيات والأحوال والمقامات والأخلاق إنّما هو كلّه من فيض حقيقته المحمّديّة . وأمّا ما في حقيقته الأحمديّة فما نال منه أحد شيئا ، أختص به وحده صلّى الله عليه و سلّم لكمال عزّها وغاية علوّها . فهذه هي الحقيقة الأحمديّة صلّى الله عليه وسلّم وشرّف وكرّم ومجّد وعظّم .
قوله : ( اللهمّ صلّ وسلّم على عين ذاتك العليّة ) ، يعني أنّ الحقّ سبحانه وتعالى تجلّى بكمال ذاته الذاتيّة في الحقيقة المحمّديّة ، فهو لها ، أيّ للذات العليّة ، كالمرآة تترائ فيها ، فبهذه الحيثيّة وبهذه النسبة كانت الحقيقة المحمّديّة كأنّها عين الذات ، ولم يكن هذا التجلّي في الوجود لأحد من خلقه إلاّ له صلّى الله عليه وسلّم ، فبهذه النسبة كان صلّى الله عليه وسلّم عين الذات لا أنّه حقيقته ، لكن بالنسبة التي ذكرناها ، ولو كان هو عين الذات لَعُبِدَ ، وهذا لا يتأتّى ، بل هو مخلوق ، وقد سجّل عليه سبحانه وتعالى بالعبوديّة حيث قال عزّ وجلّ : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ، وبقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ، فالعبوديّة لا تتأتّى للذات العليّة لكنها بالنسبة التي ذكرناها صار كأنّه عينها .
قوله : ( بأنواع كمالاتك البهيّة ) ، يحتمل معنيين كلاهما صحيح . المعنى الأوّل ، حالة التجلّي . والثاني ، حالة الصلاة . فحالة التجلّي يعني تجلّيتَ فيه بكمالات ذاتك البهيّة ، والثاني حالة الصلاة يعني صلي الله عليه بكمالات ذاتك البهيّة .
قوله : ( في حضرة ذاتك الأبديّة ) ، معناه هو صلاة الله على عبده ، إذا صلّيتَ عليه يا ربّ فَصَلِّ عليه في حضرة ذاتك الأبديّة ، فإنّ الصلاة عليه في حضرة الذات ليست هي الرحمة كما يقوله العلماء ، وإنّما هو أمر لا يُذكر ولا يُعرف ولا يُدرك ، فإنّ حضرة الذات انطمست فيها العبارات كلّها وانعدمت الإشارات ، فإنّ حضرة الذات لو برزت للناظر لما قدر أن يجيب عن سؤال أو يميّز مرتبة من المراتب ، ولو سئل مائة ألف سؤال ما قدر أن يجيب عن سؤال واحد . مثال ذلك في الشاهد مثال مَن ألقِيَ في نار طولها مسيرة يوم وعرضها مسيرة يوم ، وهي شديدة الوقود لكثرة حطبها ، وحال من ألقي فيها معروف ، لا يقدر أن يلتفت إلى شيء غيرها ، ولا يقدر صاحبها أن يجيب سائلا أو يفهم كلاما لِما هو فيه من عظم الأمر . أهـ .
قوله : ( على عبدك القائم منك لك إليك ) ، العبد هنا هو رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، وهو العبد الحقيقيّ الذي عبد الله بكلّيته ، لقوله صلّى الله عليه وسلّم في مناجاته في السجود : « سجد لك سوادي وخيالي » السواد هو جسده الكريم صلّى الله عليه وسلّم ، والخيال هو الروح المقدّسة ، يريد أنّه ما تخلّف منه شيء عن السجود ، سجد بكلّيته لله تعالى ما تخلّف منه شيء عن السجود . قوله : ( القائم ) ، يعني قيامه بحقوق الله تعالى سرّا وعلانية . قوله : ( بك ) ، يعني ليس قيامه بنفسه كحالة المحجوبين ، وإنّما حالة العارف كيفما تحرّك تحرّك بالله تعالى ونفسه عنه غائبة ، فهذا هو القيام بالله تعالى على حدّ ما ذكره في الحديث : « كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به » الخ . فهذا هو معنى القيام بالله تعالى . قوله : ( منك ) ، يعني أنّ الفيض الذي أفاضه عليه حتّى صار قائما بالله إنّما كان الفيض من الله تعالى لا من غيره ، ليس من قِبَلِ نفسه ولا من مادّة بشريّته ، بل كان من الله تعالى . قوله : ( لك ) ، يعني أنّه قام لله تعالى في جميع حركاته وسكناته ، هو لله تعالى ليس لنفسه فيه حظّ ولا نصيب كما نقل الرواة عنه صلّى الله عليه وسلّم ، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم ما انتصر قطّ لنفسه . قوله : ( إليك ) ، يعني قيامه الذي قام به وفيه هو في جميع ذلك ذاهب إلى الله تعالى من جميع الأغيار بمحق الغير والغيريّة ، كما قال في الآية : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ، يعني مِن جميع غيره ، وكما أخبر الله عنه خليله وصفيّه سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقال : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ، قال الشيخ مولانا عبد السلام رضي الله عنه : لا تختر من أمرك شيئا واختر أن لا تختار وفرّ من ذلك المختار ومن اختيارك ومن فرارك ومن كلّ شيء إلى الله وربّك يخلق ما يشاء ويختار .
قوله : ( بأتمّ الصلوات الزكيّة ) ، معناه صلِّ عليه يا ربّ بأتمّ الصلوات ، يعني بأكملها وأعظمها . قوله : ( الزكيّة ) ، يعني المتزايدة التي لا غاية لها ، والزكيّة في نفسها هي البالغة إلى الغاية القصوى في الكمال .


<< الصفحة الثالثة     الصفحة الخامسة >>

<< عودة إلى فهرس الباب السادس