نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب السادس - مقصد - الصفحة الخامسة :
الرّئيسية > مكتبة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب السادس > مقصد > الصفحة الخامسة


المقصد : في الصلوات التي وردت فيه من فيض فضله الشريف صلّى الله عليه وسلّم ـ الصفحة الخامسة

قوله : ( المصلِّي في محراب عين هاء الهويّة ) ، يعني أنّ المصلِّي في محراب عين هاء الهويّة هو إمام جميع الوجود ، والوجود كلّه من ورائه ، وأطلق عليه المحراب لكونه لا ثاني له في مرتبة الأحديّة ، فإنّ الوجود كلّه يصلِّي في جامع حيطة الألوهيّة ، وهو صلّى الله عليه وسلّم يصلِّي في محراب تجلي الذات المقدّسة من حيث ما هي هي ، فإنّها عين العين ، وعين الهاء . فالهاء هي هويّة الذات ، والعين عينها ووجودها الذي هو حضرة الطمس والعمى .
قوله : ( التالي السبع المثاني ) ، يعني أنّ السبع المثاني هنا هي فاتحة الكتاب ، وهي في تلك الحضرة لا تعرف ولا تدرى ، إنّما هي في ذلك المقام عين هاء .
قوله : ( بصفاتك النفسيّة ) ، يعني أنّه متّصف بها حينئذ ، ولا يتّصف بها غيره وإلاّ خليفته الأكبر . والصفات النفسيّة التي هي السبع المثاني ، وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام ، لأنّه صلّى الله عليه وسلّم تلا السبع المثاني في تلك الحضرة لأنّه متّصف بالصفات النفسيّة التي هي صفات الذات العليّة جلّتْ وتقدّستْ ، وقد اجتمعت علومه صلّى الله عليه وسلّم ومعارفه وأسراره وجميع الموجودات من كلّ ما أدركوه في هذا الميدان كلّه تحت مقام هذين الحرفين ، وهُمَا عين هاء .
قوله : ( المخاطب بقولك له واسجد واقترب ) ، يعني أنّ سجوده لله تعالى سجود بكلّيته جزءا جزءا ، ظاهرا وباطنا ، كما قال في مناجاته السابقة : « سجد لك سوادي وخيالي » الخ . ( واقترب ) ، معناه قُرْب النسبة لا قرب المسافة ، ومعناه هو مناسبة العبد للحضرة الإلهيّة ، فإنّ الحضرة ، قُلْنَا ، حقيقتها هي محق الغير الغيريّة ، فلا أين ولا كيف ولا رسم ولا وهم ولا خيال ولا عقل ولا تمييز إلاّ الطمس والعمى ، حيث لم يعقل هناك إلاّ الله بالله لله في الله عن الله ، فهذه هي نسبة الحضرة الإلهيّة وهذا هو القرب الحقيقي ، لا قرب المسافة . والعبد وضع في أوّل نشأته لا يخوض إلاّ في وجود الكون كيفما تقلّب وكيفما تحرّك أو سكن ، هو في غيبة عن الله تعالى ، وهذا هو البعد عن الله لا بُعْد المسافة ، فإنّها مستحيلة . فإذا عرفتَ هذا وتحقّقتَه ، فالعبد إذا دخل الحضرة الإلهيّة لا يدخلها إلاّ بنسبتها ، وهي محو الغير والغيريّة من قلبه ، فحينئذ يناسبها ويدخلها ، فإذا دخلها كان مقامه فيها مناسبة ما انكشف له من صفات الله وأسمائه ، فإذا أدّى آدابها ووظائفها وحقائقها ناسب المقام الذي فوقها الذي كان محتجبا عنه ، فيرقى إليه ويدخله فيتجلّى له من الصفات والأسماء قدر ما يكون المقام معه كنقطة في بحر . والصفات والأسماء التي انكشفت له في مناسبته لها ، فإذا أدّى وظائف مقامه وآدابه بما فيه من الصفات ناسب المقام الثالث وارتقاه ، وتجلّى له من الصفات والأسماء ما يكون معه المقام الثاني كنقطة في بحر . فإذا أدّى وظائف المقام الثالث وآدابه بما فيه من الصفات والأسماء ناسب المقام الرابع فارتقاه بنسبته ، وتجلّى له فيه من الصفات والأسماء والمواهب والفيوض والتجلّيات ما يكون معه المقام الثالث بالنسبة إليه كنقطة في بحر . ثمّ إذا أدّى وظائف المقام الرابع واستوفى آدابه ناسب المقام الخامس ما فيه من الصفات والأسماء ، فإذا ناسبه ارتقى إليه وتجلّى له فيه ما يكون المقام الرابع بالنسبة إليه كنقطة في بحر . وهكذا أبدا سرمدا ، كلّما ارتقى مقاما ووفّى بوظائفه وآدابه ناسب المقام الذي فوقه فارتقى إليه بنسبته ، وتجلّى له فيه ما يكون المقام الذي تحته بالنسبة إليه كنقطة في بحر . وهكذا أبدا سرمدا في طول عمر الآخرة الأبديّ . فالعارف فيه أبدا على هذا الترقّي . فالقرب هنا الذي يُسمَّى صاحبه مقرَّبا هو إذا ، وفى السائر إلى الله تعالى بوظائف مقامه وآدابه ناسب المقام الذي فوقه ويسمّى الترقّي في المقامات هو القرب الحقيقيّ للمناسبة التي فيه ، فإنّه لا يقدر مثلا أن يكون في المقام الألف ويناسب المقام الذي هو مكمّل مائة ألف مقام ، فلا يرتقيه لِبُعْدِ النسبة التي بينه وبينه ، فإنّ الصفات والأسماء والتجلّيات التي تنكشف له في المقام المكمّل ألف مقام فهو بهذه الحيثيّة هو بعيد منها لا يقدر أن يرتقيها ، حتّى إذا ارتقى مقاما بعد مقام بتوفية وظائف كلّ مقام وآدابه إلى أن يصل المقام المكمّل تسعا وتسعين وتسعمائة وتسعة وتسعين ألف مقام ، فإذا استوفى وظائفه وآدابه ناسب المقام المكمّل مائة ألف فيرتقيه حينئذ ، وقد كان في المقام المكمّل ألفا في غاية البعد عنه ، ونعني بالبعد عدم مناسبته بتجلّي أسمائه وصفاته وتجلّياته . فإذا عرفتَ هذا عرفتَ حقيقة القرب والبعد الذي يشير إليه العارفون . وبهذا تمّ الكلام على القرب ، والسلام . فإذا وفّى بوظائف مقامه أدبا وخدمة ومناسبة ارتقى إلى المقام الذي يليه ، وكانت جميع التجلّيات التي في ذلك المقام الذي ارتقى إليه تعطيه كلّ ما هو فيها من العلوم والمعارف والأسرار والأحوال والقامات والمنازلات والكشوفات والتحقّق واليقين والتمكين والتوحيد والتجريد والحكم والدقائق والرقائق والحقائق واللطائف والمنح والمواهب ، وما لا تحيط به الأفكار على غاية تضاعفها في الأعمار . فإنْ أخلّ بشيء من وظائف مقامه أتته التجلّيات ناقصة الفيض في كلّ ما ذكر ، لم تأته بجميع ما تشتمل عليه لعدم توفيته بوظائف مقامه ، وهكذا . فإذا ارتقى إلى المقام الذي فوقه وجد فيه النقص للخلل الذي لحقه في المقام الأوّل ، وهكذا هو وصف أهل القرب دائما .
قوله : ( الداعي لك بإذنك ) ، معناه أنّه وصفٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فهو يدعو الخلق إلى الله بالله بلا إقامة دليل ولا برهان ، وهذه المرتبة صعبة لانقياد الخلق إليها لكثرة اشتغالهم عن الله بمتابعة أهوائهم ، فليس يستجيب بالدعوة الأولى ، وهي الدعوة إلى الله بالله التي هي الحكمة ، إلاّ أهل الصفاء والتمكين ، مستغرقين في التوجّه إلى الله تعالى ، هذا الذي يستجيبون بطريق الحكمة إلى الله تعالى دون كافّة الخلق ، فإنّهم مشغولون عن الله تعالى بمتابعة أهوائهم ، ولذا عطف سبحانه وتعالى عليهم بقوله والموعظة الحسنة ، يعني عِظْهُم برفق ولين ، يريد أن يذكّرهم بوعيد الله تعالى والتخويف من شدّة عقابه ، وتذكارهم ما حلّ بالأمم قبلهم الذين عصوا الرسل من الهلاك والوباء ، مثال عاد وثمود وأصحاب مدين وغيرهم ممّن ذكر الله قصصهم في القرآن ، فإنّ هؤلاء لمّا كانوا مشغولين بمتابعة أهوائهم أمر أن يعظهم بالمواعظ التي يستجيبون لها بالتخويف بشدّة العذاب والهلاك لكونهم لا يستجيبون بالحكمة . ثمّ عطف بالمرتبة الثالثة وهي إذا هبط الإنسان إلى أسفل سافلين بالبعد عن الله تعالى وأخذ يحاجج عن أباطيله والتمسك بضلاله ، قال سبحانه وتعالى : وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ في إبطال حجج أباطيلهم . قال صلّى الله عليه وسلّم حين نادى أبا سفيان يوم أُحُدٍ ، وقد وقع في الصحابة ما وقع ، جاء إلى المحلّ الذي اجتمعوا عليه وقد كان مجروحا بعدما هدأ القتال ، قال لهم : أفي القوم محمد ؟ قال لهم صلّى الله عليه وسلّم : لا تجيبوه ، فسكتوا . ثمّ نادى : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ قال لهم صلّى الله عليه وسلّم : لا تجيبوه . فسكتوا . ثمّ نادى : أفي القوم ابن الخطّاب ؟ قال لهم صلّى الله عليه وسلّم : لا تجيبوه . فقال لمن معه : أمّا هؤلاء فقد كفيتموهم ، يريد أنّ بهم قوام الأمر . فلم يصبر عمر حينئذ واستخف فناداه : بلى بقي لك ما يخزيك الله به . فقال له أبو سفيان : أنشدك الله يا عمر أقتل محمد أم لا ؟ قال له : هو حيّ الآن يسمع كلامك . قال له : أنت أصدق عندي من ابن ابي قمأة . ثمّ قال له أبو سفيان ، ونادى بأعلى صوته : أعل هبل ! هو أعظم أصنامهم كانوا جعلوه في جوف الكعبة يعبدونه . فقوله أعل هبل أظهر دينك أيّها الإله ، قال لهم صلّى الله عليه وسلّم : « قولوا له الله أعلى وأجلّ الله أعلى وأجلّ » فإنّ هذه القولة لم يجد لها دافعا لأنّه يعلم أنّ الله لا يعلو عليه شيء سبحانه وتعالى . ثمّ نادى أبو سفيان فقال : إنّ لنا العزّى ولا عزّى لكم . فقال صلّى الله عليه وسلّم : « قولوا له الله مولانا ولا مولى لكم » . فسكت إذاً ولم يجد دافعا للحجّة التي قامت عليه لأنّه يعلم أنّ الله لا يعلو عليه شيء أو لأنّهم كانوا يعلمون هذا، ولا يشكّون فيه . قال أبو جهل حين وقف في الصفّ يوم بدر : إن كنّا إنّما نقاتل الله كما يزعم محمّد فوالله ما لأحد بالله من طاقة ، وإن كنّا إنّما نقاتل الناس فوالله ما بنا من ضعف . قوله : ( بإذنك ) ، يعني أنّه دعا إلى الله بإذنك ، يعني أذن الله له في الدعوة إليه ، أمرَه بذلك . قال سبحانه وتعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، وقال سبحانه وتعالى : يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ الآية . وقال في الآية الأخرى : وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ .
قوله : ( لكافّة شؤونك العلميّة ) ، يعني أنّه صلّى الله عليه وسلّم دعا جميع الوجود كلّه إلى عبادة الله تعالى . بعضه بالرسالة وتبليغ الدعوة ، هُمْ بنو آدم والجنّ والشياطين ، وبعضهم بالتصرّف . ومعنى التصرّف هو التصرّف بالأسرار . توجّه إلى الوجود بفيضه وأسراره حتّى انقاد إليه جميع الوجود إلى عبادة الله تعالى وتسبيحه والسجود له ، فهي الشؤون العلميّة ، ونعني به جميع الوجود .
قوله : ( فمن أجاب اصطفى وقرب ) ، يعني أنّ من أجاب الدعوة من المدعوّين بأنّه آمن بالله ورسوله وعبَد الله ، اصطفى وقرب وكانت مأواه الجنّة ، ومن أبى طرد ولعن وأبعد ، وكان مأواه النار ، نعوذ بالله منها .
قوله : ( المفيض على كافّة من أوجدته بقيّوميّة سرّك ) ، هذا وصفٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأنّه مفيض على كافّة خلق الله على العموم والاطلاق في كلّ ما ينالهم من المنافع دينا ودنيا وأخرى ومن جميع المضارّ . كذلك فإنّه مفيض لجميعها صلّى الله عليه وسلّم على جميع الوجود . ثمّ وصف جميع الوجود بأنّ كافّة من أوجدته بقيّوميّة سرّك ، والخلق كلّهم أوجدهم الله تعالى بقيّوميّة السرّ الإلهيّ ، والقيّوميّة هي الواقعة بسرّ اسمه القيّوم ، والقيّوم هو المقيم لجميع الوجود ظاهرا وباطنا ، وأوّلا وآخرا ، وكُلاّ وبعضا ، على الحدّ الذي نفذت به مشيئته وتصوّر في سابق علمه ، فهو يقيم الوجود سبحانه وتعالى على حدّ ذلك المقدار بلا زيادة ولا نقص ، ولا يفيد في زيادة ذلك سبب من الأسباب ، أعني أن يزيد على القدر الذي نفذت به المشيئة في الأزل وتصوّر في سابق العلم الإلهيّ ، فلا سبب يفيد في هذا الميدان لا زيادة ولا نقصا ، فليس توفّر الأسباب وتظافرها يفيد في الزيادة حتّى مقدار مقدارها على القدر الذي نفذت به المشيئة ، وليس تخلّف جميع الأسباب الحكميّة تنقص ذلك المقدار مقدار هبئة ، فوجود الأسباب وعدمها في هذا الميدان على حدّ سواء ، وعلى هذا التحقيق وجريه وقع اسمه العدل ، والعدل هو التصرّف في العالم المعبّر به عن جميع الوجود على الحدّ الذي نفذت به المشيئة وتصوّر في سابق العلم لا يزيد ولا ينقص ، فهذا معنى اسمه العدل .
قوله : ( المدد الساري في كلّيّة أجزاء موهبة فضلك ) ، معناه هو المفيض على كافّة الوجود ، والشيء الذي يفيضه هو مدده الساري في جميع الوجود ، فإنّ بالفيض الإلهيّ من الحضرة الرحمانيّة لجميع الوجود من الأزل إلى الأبد يجتمع ذلك الفيض كلّه في الحقيقة المحمّديّة صلّى الله عليه وسلّم ، ثمّ يسري منه صلّى الله عليه وسلّم منقسما على جميع الوجود على حدّ قوله صلّى الله عليه وسلّم : « إنّما أنا قاسم والله معطي » . أخبر أنّ العطاء الأوّل ، وهو الاقتطاع الإلهيّ ، كان مفصّلا في القسمة على ما نفذت به المشيئة الإلهيّة . والاقتطاع أوّلا كان من الله لجميع خلقه ، والتقسيم هو تناوله من يد الملك أو من حضرته وتوصيله إلى من أُمِر بإعطائه ، كان عنه صلّى الله عليه وسلّم ، فهو في ذلك بمنزلة العبد الذي يأمره الملِك بتوصيل العطايا إلى الناس ، فهو يوصلها إلى أربابها على قدر ما أراده الملِك . فهذا معنى الحديث ، وهو « إنّما أنا قاسم والله معطي » . وكما قال الشيخ الأكبر في صلاته في وصفه صلّى الله عليه وسلّم : ( القلم النورانيّ الجاري بمدد الحروف العاليات ، والنفس الرحمانيّ الساري بمداد الكلمات التامّات ) . فهذا السريان منه صلّى الله عليه و سلّم لجميع الوجود كلّ ما نفذت به مشيئته الله لجميع الوجود ، لا يتأتّى إيصاله إلى أربابه إلاّ بنيابة رسوله صلّى الله عليه وسلّم فيه مطلقا وعموما من غير شذوذ ولا تخصيص .
قوله : ( كلّيّة أجزاء موهبة فضلك ) ، إعلم أنّ العالم كلّه ، على جمله وتفصيله كلّه ، موهبة من مواهب فضله سبحانه وتعالى ، جاد سبحانه وتعالى بالوجود أوّلا للخلق ، ثمّ جاد ثانيا بإقامة الوجود وإيصال المنافع ودفع المضارّ . فما هناك إلاّ فضله سبحانه وتعالى .
قوله : ( المتجلّي عليه في محراب قدسك وأنسك ) ، يعني أنّ المتجلَّى - بفتح اللاّم - عليه هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في محراب قدسك وأنسك . محراب القدس المراد به هنا هي الحضرة الأحمديّة التي يقدّس الربّ سبحانه وتعالى ويحمده حقيقة حمده في محراب قدسه ، والقدس هو الطهارة ، وهو الطاهر من كلّ ما لا يليق بجلاله سبحانه وتعالى . وفي محراب أنسك ، وهو الأنس بالله حيث لا الْتِفات لغيره ، كما قال في الحديث صلّى الله عليه وسلّم : « لي وقت لا يسعني فيه غير الله تعالى » . فهذا الأنس بالله بعدم الالتفات لغيره .
قوله : ( بكمالات ألوهيّتك في عوالمك وبرّك وبحرك ) ، هذا متعلّق بقوله المتجلّي عليه ، تجلّى عليه سبحانه وتعالى بكمالات ذاته وبكمالات ألوهيّته ، يعني أظهرها له . قوله : ( في عوالمك ) ، يعني في جميع العوالم مطلقا ، وجميع العوالم هو ما انطبق عليه الطوق الأخضر ، ومن ورائه لا شيء . وقوله : ( وبرّك وبحرك ) ، تخصيص بعد عموم . قوله : ( فَصَلِّ اللهمّ عليه صلاة كاملة تامّة ) ، طلب المصلِّي من الله تعالى أن يصلّي على حبيبه صلّى الله عليه وسلّم بالصلاة التامّة الكاملة ، وهو عطف بيان . وصلاة الله على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم توقيفيّة لا تُعرَف حقيقتها . وما يقوله فيها أهل الظاهر لا يُلتفَت إليه .
قوله : ( بك ومنك وإليك وعليك ) ، قوله : ( بك ) ، يعني بذاتك ، ( ومنك ) ، يعني ومن ذاتك ، وصلِّ عليه ( إليك ) ، فإنّ ورود الصلاة عليه منه سبحانه وتعالى إليه ، أيّ إلى الله تعالى . قال المرسي رضي الله عنه : الناس ثلاثة ، قوم هُمْ بشهود ما منهم إلى الله ، وَهُم العباد والعامّة ، وقوم هُم بشهود ما من الله إليهم ، وهُم الخاصّة ، وقوم هُم بشهود ما من الله إلى الله . فالخاصّة الأولى ، وإن كانوا في غاية العلوّ ، فيلحقهم النقص من حيث يشهدون أنّ الله هو المهدي لهم والمعطي ، فنقصهم هو شهود وجودهم مع وجود الحقّ سبحانه وتعالى . والكمال والتمام للطائفة الثانية ، هم بشهود ما من الله ، فليس لنفوسهم عندهم شأن حتّى يعطيها أو يهدي إليها ، بل انمحق وجودهم تحت وجوده فلا أين ولا كيف ولا غيريّة إلاّ الله وحده ، فهذا هو الكمال . هو المعطي لا غيريّة ، بل هو من عند نفسه لنفسه ، إذا ارتفع الحجاب شهد العالم كلّه شأنا من شؤون الحضرة الأحدية ، فليس إيراده الأشياء إلاّ منه لنفسه ، والعالم كلّه شؤونه . وهذا المشهد هو مشهد الأفراد . والناس على أربعة أصناف في الاقتداء به صلّى الله عليه وسلّم . الصنف الأوّل العلماء ، إقتدوا به صلّى الله عليه وسلّم في أقواله . والصنف الثاني العباد ، إقتدوا به صلّى الله عليه وسلّم في أفعاله . والصنف الثالث الصوفيّة ، إقتدوا به صلّى الله عليه وسلّم في أخلاقه . والصنف الرابع العارفون المحقّقون ، إقتدوا به صلّى الله عليه وسلّم في أحواله . فمذهب العلماء أن يأخذوا من أقواله صلّى الله عليه وسلّم ما يسقط به الحرج والإثم ، ونهايتهم الجنّة . ومذهب العباد أن يأخذوا من أمره صلّى الله تعالى عليه وسلّم ما ينفي النقص والخلل عن العبد ، ونهايتهم الثناء من الحق عليهم وتعظيمهم عند الله تعالى في موقف القيامة . ومذهب الصوفيّة ، فإنّهم لم يقنعوا بحالة أهل الإسلام بل دخلوا مداخل النبيّين والمرسلين ، وأوّل مداخل النبيّين والمرسلين التخلّق بأخلاقهم ، كالحلم والعفو والسخاء والإيثار ومسامحة الظالم والعفو عنه ، إلى غير ذلك من الأخلاق . وأمّا العارفون فإنّهم دخلوا مداخل الغايات ، أعني غايات النبيّين والمرسلين ، فإنّ غاية العبوديّة التقلّب في أحوال الحضرة القدسيّة والاتّصاف بصفات الله تعالى والتحقيق بأسمائه وصفاته ، ولا غاية وراء هذا إلاّ الألوهيّة ، وهي مستحيلة على العبد لا يتّصف بها إلاّ الإله وحده . وحقيقة الأحوال هي التمكين من الثبوت لتقلّب التجلّيات الإلهيّة وتطوّر الأنوار القدسيّة مع التلوين بمقتضياتها وتوفيه حقوقها وآدابها . ومنشأها أصلان ، الأصل الأوّل هو مشاهدة الحضرة القدسيّة بعين العيان على ما هي عليه . والأصل الثاني محبّة الذات المقدّسة لذاتها لا لعارض غيرها . والأصل الأوّل هو الذي يقع عليه الأصل الثاني وإلاّ فَلاَ ، وينشد :
قريب الوجد ذو مرمى بعيد     على الأحرار منهم والعبيد
غريب الوصف ذو علم غريب     كأن فؤاده زبر الحديد
لقد عزت معانيه فغابت     عن الأبصار إلا للشهيد
ترى الأعياد في الأوقات تجري     له في كل يوم ألف عيد
وللأحـبـاب أفـراح بِـعِـيــــدٍ     ولا تجد السرور له بعيد
قوله : ( وعليك ) ، معناه هو علوّ العناية ، يعني أنّ الحقّ سبحانه وتعالى اعتنى بنبيّه صلّى الله عليه وسلّم ، وبالصلاة لا يترك ولا يفرّط فيها ، كما قال في الآية : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا و يريد حكما حتّمه على نفسه ، يعني لا يتركه . وكقوله سبحانه وتعالى في الآية الأخرى : وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، يعني أنّ هذا حُكْمٌ حَكَمَ به على نفسه لا يمكن تخلّفه ولا يتصوّر ، كما قال : مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ فحكم سبحانه وتعالى على نفسه - باختياره - أنّه لا يترك الصلاة على حبيبه صلّى الله عليه وسلّم حتما مقضيّا اعتناء منه بحبيبه صلّى الله عليه وسلّم ، كما اعتنى بجميع الوجود حيث حكم له على نفسه بالرحمة فقال : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ الآية . فطلب المصلّي من الله تعالى الصلاة على حبيبه صلّى الله عليه وسلّم أن تكون بارزة من عين العناية ، وهي شدّة الاعتناء بالشيء . فهذا معنى ( وعليك ) .
قوله : ( وسلّم عليه سلاما تامّا عامّا شاملا ) ، ومعنى السلام ههنا هو الأمان من الله تعالى لحبيبه صلّى الله عليه وسلّم من كلّ ما يوجب تشويشا أو تنغيصا أو نقصا في الحظّ العاجل أو الآجل . قوله ( تامّا ) ، يعني محيطا بجميع الأمور لا يقع له تشويش ولا تنغيص في جميع الأمور . وقوله ( عامّا شاملا ) ، معطوفان للتفنّن في العبارة .
قوله : ( لأنواع كمالات قدسك ) ، يعني أنّه ذكر ههنا عموم السلام وشموله لأنّه شامل لجميع كمالات القدس ، وهو وروده من الله تعالى من حضرة ذاته ، فإنّها مشتملة على جميع وجوه القدس .
قوله : ( دائميْن متّصليْن ) ، التثنية هنا للصلاة والسلام دائميْن . وقوله ( متّصلين ) ، دفْعا لِما يوهم في الدوام أن يفعل مرّة ويقطع أخرى ، ثمّ يعود إلى الدوام ، فهذا دوام . ثمّ عطف عليه بالاتصال بأنّه لا يفرغ ذلك حتّى لحظة واحدة في هذا الاتّصال لأنّه متّصل بعضه ببعض .
قوله : ( على خليلك وحبيبك مِن خلْقِك ) ، قوله: الخليل والحبيب يحتمل ههنا عطف البيان والمرادفة يكون الحبيب هو الخليل ، والخليل هو الحبيب ، ويحتمل المغايرة . وإنْ قلنا بالمغايرة ههنا فالمراد بالخليل الذي يخصّه بأسراره ليساوره بأسراره من جميع خلقه ، فلا يعرف أسراره غيره من الخلق . والحبيب هو الذي يكتنزه في باطن نفسه فليس عنده في الخلق حبيب يعادله فضلا عن أن يكون أحبّ إليه منه .
قوله : ( عدد ما في علمك القديم ) ، معناه صَلِّ عليه يا ربّ وسلّم عليه عدد ما في علمك القديم ، فإنّ إحاطة العلم لا غاية لها ، فكذلك صلِّ عليه صلاة متعدّدة على عدد ما أحاط به العلم الإلهيّ .
قوله : ( وعميم فضلك ) ، معناه ، صلّ عليه يا ربّ وسلّم عليه عدد ما أحاط به علمك القديم وعلى عدد ما مسه فضلك العظيم ، والمراد به جميع العالم من أوّله إلى آخره ، وجواهره وأعراضه ، فإنّ جميعه وُجِد بفضل الله تعالى وأمدّ بقائه من فضله سبحانه وتعالى ، ما هناك إلاّ محض فضله .
قوله : ( ونُبْ عنّا بمحض فضلك الكريم ) ، ثمّ رجع المصلّي في طلب النيابة في الصلاة عليه ، فإنّ الله تعالى كلّف العباد بالصلاة على حبيبه صلّى الله عليه وسلّم في قوله : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الآية ، أيّ حيث طالبتنا يا ربّ بالصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم ، فنُب عنّا أنت في ذلك ، صلِّ عليه بنفسك نيابة عنّا كما تصلّي عليه بنفسك لنفسك ، وكذا في السلام أيضا كالصلاة عليه ، ومعنى (محض فضلك الكريم ) ، محض الفضل أنّه يَرِد من الله بلا سبب يسبقه .
قوله : ( صلاتك التي صلّيتَ عليه ) ، معنى صلّ عليه يا ربّ منا في الصلاة التي سألناك في النيابة عنّا فيها ، صلّ عليه تلك الصلاة التي صلّيتَ بها عليه بنفسك لنفسك ، فصَلِّ عليه بمثل تلك الصلاة نيابة عنّا .
قوله : ( في محراب قدسك ) ، معناه صلّ عليه يا ربّ وهو حينئذ في محراب قدسك بلا بعد منك ، ومحراب القدس هي حضرته الأحمديّة التي يحمد فيها ربّه سبحانه وتعالى ، وهي محراب القدس .
قوله : ( وهوّية أنسك ) ، معناه حيث يكون في بساط الأنس بك حيث أنت هو وهو أنت ، صلّ عليه في هذا البساط صلّى الله عليه وسلّم .
قوله : ( وعلى آله ) ، معناه طلب المصلّي من الله أن يصلّي على آل رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، وطلب المصلّي أيضا الصلاة من الله على صحابة رسوله ونبيّه صلّى الله عليه وسلّم .
قوله : ( وسلّم عليهم ) ، يعني على الآل والصحابة ، والسلام هنا هو الأمان من الله تعالى ، يعني كما ورد منك الأمان على حبيبك صلّى الله عليه وسلّم ، فأورد الأمان منك على آله وصحابته .
قوله : ( عدد إحاطة علمك ) ، معناه صلّ وسلّم عليهم عدد ما أحاط به العلم القديم ، وما أحاط به العلم الإلهيّ لا غاية له ، كذلك الصلاة عليه وعلى آله وأصحابه لا غاية لها ولا انتهاء أبد الآباد . وصلّ على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما . اهـ. . ما أملاء علينا شيخنا وسيّدنا رضي الله عنه في شرح هذه الصلاة من حفظه ولفظه أواخر شوال سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف على يد أفقر العبيد إلى مولاه الغنيّ الحميد علي حرازم بن العربي براده ، لطف الله به آمين . وصلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى وآله وصحبه وسلّم تسليما ، والحمد لله ربّ العالمين .

وأختم شرح هذه الصلوات بمسألة إهداء الثواب له صلّى الله عليه وسلّم .

فقد سألته رضي الله عنه عن بيان ذلك ، فأجاب رضي الله عنه بقوله :
إعلم أنّه صلّى الله عليه وسلّم غنيّ عن جميع الخلق جملة وتفصيلا ، فردا فردا ، وعن صلاتهم عليه ، وعن إهدائهم ثواب الأعمال له صلّى الله عليه وسلّم بربّه أوّلا ، وبما منحه من سبوغ فضله وكمال طَوْله ، فهو في ذلك عند ربّه ، صلّى الله عليه وسلّم ، في غاية لا يمكن وصول غيره إليها ولا يطلب معها من غيره زيادة أو إفادة ، يشهد لذلك قوله سبحانه وتعالى : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى . وهذا العطاء ، وإن ورد من الحقّ بهذه الصفة سهلة المأخذ قريبة المحتد ، فإنّ لها غاية لا تدرك العقول أصغرها فضلا عن الغاية التي هي أكبرها . فإنّ الحقّ سبحانه وتعالى يعطيه من فضله على قدر سعة ربوبيّته ، ويفيض على مرتبته صلّى الله عليه وسلّم على قدر حظوته ومكانته عنده . وما ظنّك بعطاءٍ يَرِد من مرتبة لا غاية لها وعظمة ذلك العطاء على قدر تلك المرتبة ، ثمّ يَرِد على مرتبة لا غاية لها أيضا وعظمته على قدر وسعها أيضا ، فكيف يقدّر هذا العطاء ؟ وكيف تحمل العقول سعته ؟ ولذا قال سبحانه وتعالى : وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا . وأقلّ مراتبه في غناه صلّى الله عليه وسلّم أنّه مِن لدن بعثه إلى قيام الساعة ، كلّ عامل يعمل لله ممّن دخل في طوق رسالته صلّى الله عليه وسلّم يكون له مع مثل ثواب عمله بالغا ما بلغ . فليس يحتاج مع هذه المرتبة إلى زيادة لهذا الثواب لما فيها من كمال الغنى الذي لا حدّ له . وهذه أصغر مراتب غناه صلّى الله عليه وسلّم ، فكيف بما وراءها من الفيض الأكبر ، والفضل الأعظم الأخطر الذي لا تطيق حمله عقول الأقطاب فضلا عمّن دونهم ؟ وإذا عرفتَ هذا ، فاعلم أنّه ليست له حاجة إلى صلاة المصلّين عليه صلّى الله عليه وسلّم ، ولا شرعت لهم ليحصل له النفع بها صلّى الله عليه وسلّم . ليست له حاجة إلى إهداء الثواب ممّن يهدي له ثواب الأعمال ، وما مثل المُهدي له في هذا الباب ثواب العمل ، متوهّما أنّه يزيده به صلّى الله عليه وسلّم أو يحصل به نفعا ، إلاّ كمن رمى نقطة قلم في بحر طوله مسيرة عشر مائة ألف عام وعرضه كذلك وعمقه كذلك ، متوهّما أنّه يمدّ هذا البحر بتلك النقطة يزيده ، فأيّ حاجة لهذا البحر بهذه النقطة وما عسى أن تزيد فيه ؟ وإذا عرفتَ رتبة غناه صلّى الله عليه وسلّم وحظوته عند ربّه ، فاعلم أنّ أمْر الله للعباد بالصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم ليعرّفهم علوّ مقداره عنده ، و شفوف مرتبته لديه ، وعلوّ اصطفائه على جميع خلقه ، وليخبرهم أنّه لا يقبل العمل من عامل إلاّ بالتوسّل إلى الله به صلّى الله عليه وسلّم . فمن طلب القرب من الله تعالى ، والتوجّه إليه دون التوسّل به صلّى الله عليه وسلّم ، معرضا عن كريم جنابه ، ومدبرا عن تشريع خطابه ، كان مستوجبا من الله غاية السخط والغضب ، وغاية اللعن والطرد والبعد ، وضلّ سعيه وخسر عمله . ولا وسيلة إلى الله إلاّ به صلّى الله عليه وسلّم كالصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم وامتثال شرعه . فإذاً ، فالصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم فيها تعريف لنا بعلوّ مقداره عند ربّه ، وفيها تعليم لنا بالتوسّل به صلّى الله عليه وسلّم في جميع التوجّهات والمطالب ، لا غير هذه مِنْ توَهُّم النفع له بها صلّى الله عليه وسلّم لِما ذكرناه سباقا من كمال الغنى .
وأمّا إهداء الثواب له صلّى الله عليه وسلّم فتعقّـلْ ما ذكرناه من الغنى أوّلا ، ثمّ تعقّـلْ مثالا آخر يضرب لإهداء الثواب له صلّى الله عليه وسلّم بملك عظيم المملكة ، ضخم السلطنة ، قد أوتي في مملكته من كلّ متموّل خزائن لا حدّ لعددها ، كلّ خزانة عرضها وطولها من السماء إلى الأرض مملوءة ، كلّ خزانة على هذا القدر ياقوتا أو ذهبا أو فضّة أو زروعا أو غيرها من المتموّلات . ثمّ قدّر فقيرا لا يملك مثلا غير خبزتين من دنياه ، فسمع بالملك ، واشتدّ حبّه وتعظيمه له في قلبه ، فأهدى لهذا الملك إحدى الخبزتين معظّما له ومحبّا ، والملك متّسع الكرم ، فلا شكّ أنّ الخبزة لا تقع منه ببال لِما هو فيه من الغنى الذي لا حدّ له . فوجودها عنده وعدمها على حدّ سواء . ثمّ الملك ، لاتّساع كرمه ، علم فقر الفقير وغاية جهده ، وعلم صدق حبّه وتعظيمه في قلبه ، وأنّه ما أهدى له الخبزة إلاّ لأجل ذلك ، ولو قدر على أكثر من ذلك لأهداه له . فالملك يظهر له الفرح والسرور بذلك الفقير وبهديّته لأجل تعظيمه له وصدق حبّه لا لأجل انتفاعه بالخبزة . ويثبت على تلك الخبزة بما لا يقدّر قدره من العطاء لأجل صدق المحبّة والتعظيم لا لأجل النفع بالخبزة . وعلى هذا التقدير وضرب المثل قدّر إهداء الثواب له صلّى الله عليه وسلّم . وأمّا غناه عنه صلّى الله عليه وسلّم فقد تقدّم ذكره في ضرب المثل بعظمة البحر المذكور أوّلا وإمداده بنقطة القلم . وأمّا إثابته صلّى الله عليه وسلّم فقد ذُكِر المثل لها بإهداء الخبزة الملك المذكور ، والسلام اهـ.. من إملائه رضي الله عنه .

فائدة في اعتبار كثرة الملائكة وأنّهم أكثر جند الله

وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : « أطت السماء وحقّ لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلاّ وفيه ملك ساجد أو راكع » ، وروي أنّ بني آدم عشر الجنّ ، والجنّ وبنو آدم عشر حيوانات البرّ ، وهؤلاء كلّهم عشر الطير ، وهؤلاء كلّهم عشر حيوانات البحر ، وكلّ هؤلاء عشر ملائكة الأرض الموكلين ، وكلّ هؤلاء عشر ملائكة السماء الدنيا ، وكلّ هؤلاء عشر ملائكة الثانية ، ثمّ على هذا الترتيب إلى السابعة ، ثمّ الكلّ في مقابلة الكرسيّ نزر قليل ، ثمّ هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف سرادق ، طول سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرض وما بينهما فإنّها تكون شيئا يسيرا وقدرا صغيرا ، وما من مقدار موضع قدم منها إلاّ وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم ، لهم زجل بالتسبيح والتقديس . ثمّ كلّ هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحفّون حول العرش كالقطرات في البحر ، ولا يعلم عددهم إلاّ الله تعالى . وقيل حول العرش سبعون ألف صفّ من الملائكة يطوفون به مهلّلين ومكبّرين ، ومن ورائهم سبعون ألف صفّ قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ، ومن ورائهم مائة ألف صفّ قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلاّ وهو يسبّح بما سبّح به الآخر . ثمّ كلّ هؤلاء في ملائكة اللوح الذين هُمْ أشياع إسرافيل عليه السلام نزر قليل ، وقيل بين القائمين من قوائم العرش خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام ، وقيل في عظم العرش أنّ له ثلاثمائة وستة وستين قائمة قدر كلّ قائمة كالدنيا ستّين ألف مرّة ، وبين القائمتين ستّون ألف صحراء ، في كلّ صحراء ستّون ألف عالم . وفوق العرش سبعون ألف حجاب ، في كلّ حجاب سبعون ألف عام ، وبين كلّ حجاب وحجاب سبعون ألف عام ، وكلّ ذلك معمور بالملائكة الكرام . وكذا ما فوق الحجب السبعين من عالم الرقّا - بتشديد الراء والقاف - فإنّ هؤلاء الملائكة كلّهم يصلّون عشرا على من صلّى على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرّة واحدة هكذا دائما أبدا أكثر أو قلّل . هذا في غير صلاة الفاتح لما أغلق . وأمّا هي فإنّ من صلّى بها مرّة واحدة فتكتب له بكلّ صلاة صدرت من كلّ ملك في العالم بستمائة ألف صلاة مع صلاة كلّ ملك عليه عشرا . فهذا في عموم المؤمنين . وأمّا من خصّه الله من أهل محبّته ، كَمَنْ منحه بقول دائرة الإحاطة ، فإنّ كلّ ملك يذكر معه بجميع ألسنته إذا ذكره سواء أكثر أو قلّل ، وهكذا دائما . وذكر كلّ لسان من الملك يضعف على ذكر الآدميّ بعشر مرّات . إنتهى من إملائه رضي الله عنه وأرضاه ومتّعنا برضاه .
بلغت المقابلة على حضرة شيخنا وسيّدنا وقدوتنا أبي العابس سيّدنا ومولانا أحمد بن محمّد التجاني 28 من شعبان سنة 1216 وذلك بمسجد الديوان من فاس ، صانها الله من كلّ بأس ، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

قال مؤلّفه وجامعه ، أفقر العبيد إلى مولانا الغنيّ الحميد ، علي حرازم بن العربي برادة المغربيّ الفاسيّ دارا ومنشأ ، التجانيّ طريقة ، المحمديّ حقيقة ، كان الله له وليّا وبه حفيّا ، هذا آخر ما تيسّر لي جمْعه من كلام سيّدنا وشيخنا أبي العباس التجاني رضي الله عنه ، خوف التفريط والتضييع ، وذلك أواسط ذي القعدة الحرام سنة أربعة عشر ومائتين وألف ، وسيّدنا رضي الله عنه في قيد الحياة ، أبقى الله عمره بركة للعباد في جميع البلاد ، وأفاض علينا من علومه وأسراره وفيوضاته وتجلّياته وترقّياته إلى الآباد . ولم أزل بحول الله وقوّته أكتب ما يمليه علينا من العلوم والأسرار والفتوحات والأنوار ، أُلْحِقُ كلّ مسألة بمحلّها ، و به الإمداد والإعانة والتوفيق إلى سواء الطريق . وقد ذهبت فيه والحمد لله مذهبا جميلا ، وفصّلت الكلام فيه تفصيلا ، ولم آل مع تفصيله في ترتيبه وتنقيحه قدر الإمكان ، وتهذيبه وإيراد ما يتأكّد إيراده ويحسن مراده ومفاده ، فجاء بحمد الله وافيا بالغرض المقصود ، آتيا بالمحاضر الموجود ، حَسَن الصنيع ذا نمط بديع ، واضح المباني لائح المعاني ، جامعا للأمّهات تاركا للأجنبيات ، ساميا في بابه ومساميا لأضرابه . غير أنّه لم يوفّ بما هنالك من المآثر ولم يأت على آخر تلك المفاخر ، وإذا ظهر فضل الله على أحدكم لم يستطع الحاسب له عدّا ولم يبلغ له غاية ولا حدّا ، فسواء المطوّل والمقصّر والمطنب والمختصر . وقد بيّنت فيه تفسير ما يتأكّد تفسيره ويحسن تقريره وتحريزه ، ممّا يتوقّف عليه فهم المعنى ويحتاج إليه فيما يراد ويعنى ، ليحصل المقصود والغرض المرصود فيما أريد من فهمه والانتفاع بعلمه ، كلّ ذلك ممّا استفدت معناه واستنشفت مدلوله ومجراه ، أو سألته عن حقيقة ذلك فبيّن لي معناه من المؤلّف فيه سيّدنا وشيخنا وسيّدنا ومولانا ومن تفضّل علينا وأولانا ، قدوة الأنام وحجّة الإسلام أبو العبّاس أحمد بن محمّد التجانيّ الحسنيّ رضي الله عنه وعنّا به وأدامنا في حماه ونفعنا به . فهو الذي نبّه وألْهَمَ وعلّم وأفهم ، وآوانا وأعطانا وبجميل فضله سترنا وغطّانا ، و كثيرا ما تستحضر كلام السادات لديه تجدني كأنّي عربيّ يستمع لعجميّ اللسان لا يفقه ممّا لديه ، فإذا سمعته من خطابه فتح الباب وزال عن فهم معناه الحجاب ، فعدت أفهم كلامهم بكلامه ومقامهم بمقامه ، فما نطق هنا في الحقيقة إلاّ لسانه ولا ظهر فيما أبرزناه إلاّ أفضاله وإحسانه ، وما ألّف فيه إلاّ ما منطق فيه هذا .
ولم أودع هذا الكتاب وما جمعت فيه من الأبواب خصوصا يأبى الدلالة والكلام اللذين هُمَا من خلاصة المرام شيئا من نفيس درر أسراره وغرر معارفه وأنواره ، وإنّما جمعت من ذلك وأودعت هنالك ما أمكن ذهني التوصّل إليه والتسوّر عليه ، كما بيّنته في ما قدّمته . وهناك ما لا يعلمه بالعقل الفاهمون وما يعقله إلاّ العالمون الذين وجدوه فعلموه وسلكوه ففهموه وفتح لهم فعرفوه وكشف لهم فوصفوه ، فأتيت من ذلك بالواضح واليسير ممّا قاد إلى التيسير ، وأوصلته لكلّ متبرّك وهو بعروة أهل الله متمسّك ، وأدليت متبرّكا دلائي مع من أولاده من أخلاّئي ، وهذا البحر العظيم الذي لا يدرك قعره ولا يستنفد ياقوته ودرّه ، بلغ الله فيه مناهم ومنائي وكمل فيه رجائهم ورجائي ، وهذا آخر ما قدّر في هذا الوقت إبرامه وإنجازه وجرى بمشيئة الله إخراجه وأبرازه ، من ذكر أخبار هذا السيّد الكريم ، والفيوضات والعلوم والأسرار والأحوال والأنوار التي تنبئ عن مجده العظيم ، الذي تكلّ الألسن عن استيفاء فضائله وتقصر الأقلام عن وصف محاسنه وشمائله ، كيف وهو مِن حزب الله الذي هو الملأ الأعلى ووصف ما هم عليهم أعزّ من أن يظفر به وأغلى . فليكتف بهذا القدر المتبرّكون وليستعن به الناسكون والسالكون ، فكفى به بركة ونورا وانتهاجا للمحبّين وسرورا ، نفعنا الله به يوما لا ينفع فيه مال ولا بنون ورحمنا به يوم تكثر الأهوال والفتون ، وسامحنا فيما صحبنا فيه من الحظوظ النفسيّة وخلّصنا مِن رِقِّ الأغيار بجاه صاحب الأنوار إلى الحضرة القدسيّة ، وجعلنا مع ذلك الرفيق وسلك بنا نهج هذا الطريق ، إنّه وليّ التوفيق ، والحمد لله على ما أنعم من الإلهام ومن به من الإكمال والإتمام ، ممّا جمعته في هذا الوقت من علوم هذا الإمام، نسأله سبحانه وتعالى أن لا يقطع عنّا ما خوّلنا من إرفاده وأن يسرمد علينا فيض مواهبه وإمداده ، وأن يختم علينا بذلك إلى يوم لقائه وأن يتفضّل علينا بالإنابة إليه والانقطاع عمّا سواه والجمع عليه ، وأن يهب لنا توبة لا تغادر ذنبا ومغفرة لا تترك لوما ولا عيبا ، وأن يكرمنا بدوام رضاه وتمام نعمته ، وأن يعمّنا والأحبّة وسائر المسلمين برحمته ، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمّد نبيّ الرحمة وشفيع الأمّة ، وعلى آله الطيّبين وصحابته الأكرمين وتابعيهم من المحبّين ، صلاة وسلاما يتعاقبان إلى يوم الدين ، والحمد لله ربّ العالمين .
وكتب بيده الفانية العبد الجاني ، خديم حضرة التجاني ، الفقير إلى الله علي حرازم بن العربي برادة المغربيّ الفاسيّ دارا ومنشأ ، غفر الله له ولوالديه ولأشياخه وكافّة المسلمين آمين ، بتاريخ منتصف ذي القعدة الحرام سنة أربعة عشر ومائتين وألف . وصلّى الله على سيّدنا ومولانا ونبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما .


<< الصفحة الرابعة

<< عودة إلى فهرس الباب السادس